‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات قلم التحرير. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات قلم التحرير. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 13 سبتمبر 2026

ما لا تعرفه عن السيدة مريم العذراءفي المسيحية والإسلام

ما لا تعرفه عن السيدة مريم العذراء في المسيحية والإسلام
إعداد: فريق التحرير




الإسلام هو الأكثر تكريما وتشريفا للسيدة مريم العذراء

إنها السيدة مريم الصديقة القانتة التي يرتبط اسمها ارتباطا وثيقا في أذهان المسلمين باسم السيد المسيح عيسى بن مريم، الذي جُعل آية للناس حيث خلق من أنثى بلا ذكر شأنه في عجب الخلق شأن آدم الذي لم يخلق من ذكر ولا أنثى وكذلك حواء التي خلقت من ذكر بلا أنثى.

وهي مريم العذراء عند المسيحيين الذين يختلفون في تحديد طبيعتها بين مؤمن بأنها أم الإله كما يؤمن الأرثوذكس بل وشريكة في الخلاص كأحد خصائص الرب يسوع عند الكاثوليك، وبين منكر لأمومتها للإله ومؤمن بأنها القديسة التي أنجبت الإله كما يؤمن البروتستانت.

بغض النظر عن طبيعة السيدة مريم وعن اعتقاد المسلمين أو المسيحيين بطوائفهم المختلفة في طبيعتها، فإن فضل السيدة مريم العذراء وتسليط الضوء على بعض تفاصيل حياتها في الإسلام من الأمور التي تدهش العقول وتذهل الألباب. ففي الإسلام ومرجعياته المتمثلة في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، نجد الكثير من الآيات والأحاديث التي تتناول فضل السيدة مريم وبعض تفاصيل حياتها، وهو ما لا نجده مطلقا في المسيحية ولا في الكتاب المقدس.

ميلاد السيدة مريم

فعلى سبيل المثال، يتناول القرآن الكريم والسنة النبوية ميلاد السيدة مريم وفضلها حتى عند مولدها. فعن ميلاد السيدة مريم، نقرأ في القرآن الكريم:

إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ. ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا… (آل عمران 33:3-37)

وعن ميلاد السيدة مريم عليها السلام، قال أبو هريرة رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ما من بني آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخا من مس الشيطان غير مريم وابنها” ثم يقول أبو هريرة وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم (رواه البخاري)

أما المسيحية، فلا نجد في الكتاب المقدس أي ذكر لميلاد السيدة مريم.

نشأة السيدة مريم

يتناول القرآن الكريم جانبا من نشأة السيدة مريم عليها السلام، ويركز تحديدا على كفالتها والمعجزة التي أجراها الله على يديها. فعن نشأة السيدة مريم، نقرأ في القرآن الكريم:

وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (آل عمران 37:2)

كما نقرأ أيضا:

وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ. يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ. ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (آل عمران 42:3-44)

أما المسيحية، فلا نجد في الكتاب المقدس أي ذكر لنشأة السيدة مريم.

ولادة السيد المسيح

من المدهش أن رواية ميلاد المسيح في القرآن الكريم أكثر تفصيلا واتساقا ومنطقية وإقناعا وتشريفا للسيدة مريم منها في الكتاب المقدس. فرواية القرآن تبين أن الملائكة بشرت السيدة مريم بالسيد المسيح قبل مولده باعتباره كلمة من الله وآية للناس من عند الله. ففي القرآن الكريم نقرأ:

إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ. وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ. قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (آل عمران 45:3-47)

كما نقرأ:

قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (مريم 21:19)

ويوضح القرآن الكريم أن الملك الذي ظهر للسيدة مريم طلب منها الصوم عن الكلام والتوكل على الله تعالى فيما جرت به المقادير. ولقد أجرى الله على لسان السيد المسيح وهو لايزال في المهد صبيا ما يثبت أنه عبد لله ونبي ورسول من عند الله وأن أمه السيدة مريم بريئة من الوقوع في الخطيئة بدليل وصاية الله له ببرها. ففي القرآن الكريم نقرأ:

قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا. وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا. وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (مريم 30:19-32)

أما روايات ميلاد السيد المسيح في الكتاب المقدس، فهي غير كافية منطقيا لتبرئة السيدة مريم العذراء من الوقوع في الزنا. فأما إنجيل متى في إصحاحه الثاني، فيذكر أن مجوسا أتوا ليسجدوا للمولود ملك اليهود الذين رأوا نجمه. والسؤال الآن هو: هل من المنطقي أن يسجد المجوس لمولود من بني إسرائيل بزعم أنه ملك اليهود؟ فمنذ متى يسجد المجوس لملك اليهود في ظل سلطة الدولة الرومانية؟ ولماذا لم يتبع المجوس السيد المسيح فيما بعد؟ وكيف يحدث ذلك لمولود ولد لأب وأم مخطوبين قبل عقد نكاحهما؟ فليس في رواية إنجيل متى ما يبرئ السيدة مريم من تهمة الزنا.

وأما إنجيل لوقا، فلم يبين كيفية نجاة السيدة مريم من الاتهام بالزنا حيث أنها ولدت السيد المسيح قبل زواجها من يوسف النجار وحال كونها مخطوبة له فقط.

تبرئة السيدة مريم من الزنا

تعرضت السيدة مريم لاتهامات بالزنا سواء حال حياتها أو تاريخيا وبعد موتها. ومن الغريب أننا لا نجد الكتاب المقدس يدافع عن السيدة مريم أو يبرأها من مثل هذا الاتهام الخطير. أما القرآن الكريم، فقد أكد براءة السيدة مريم من تهمة الزنا في أكثر من موضع. فنحن نقرأ على سبيل المثال رمي اليهود بالكفر في معرض توبيخهم لاتهامهم السيدة مريم بالزنا:

…وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا.. (النساء 156:4)

ونقرأ:

وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (التحريم 12:66)

كما نقرأ أيضا:

وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ (الأنبياء 91:21)

أما الكتاب المقدس، فلا نجده يهتم بتبرئة السيدة مريم من الزنا.

بر السيد المسيح بالسيدة مريم

يؤكد القرآن الكريم على بر السيد المسيح بأمه السيدة مريم عليها السلام. ففي القرآن الكريم نقرأ:

قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا. وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا. وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (مريم 30:19-32)

أما الكتاب المقدس، فلا نجده يعكس أي بر من قبل السيد المسيح تجاه أمه السيدة مريم عليها السلام. فعلى سبيل المثال، نقرأ في الكتاب المقدس: فَجَاءَتْ حِينَئِذٍ إِخْوَتُهُ وَأُمُّهُ وَوَقَفُوا خَارِجًا وَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ يَدْعُونَهُ. وَكَانَ الْجَمْعُ جَالِسًا حَوْلَهُ، فَقَالُوا لَهُ:«هُوَذَا أُمُّكَ وَإِخْوَتُكَ خَارِجًا يَطْلُبُونَكَ». فَأَجَابَهُمْ قِائِلاً: «مَنْ أُمِّي وَإِخْوَتِي؟» ثُمَّ نَظَرَ حَوْلَهُ إِلَى الْجَالِسِينَ وَقَالَ: «هَا أُمِّي وَإِخْوَتِي، لأَنَّ مَنْ يَصْنَعُ مَشِيئَةَ اللهِ هُوَ أَخِي وَأُخْتِي وَأُمِّي». (مرقص 31:3-35)

كما نقرأ: وَلَمَّا فَرَغَتِ الْخَمْرُ، قَالَتْ أُمُّ يَسُوعَ لَهُ: «لَيْسَ لَهُمْ خَمْرٌ». قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «مَا لِي وَلَكِ يَا امْرَأَةُ؟ لَمْ تَأْتِ سَاعَتِي بَعْدُ». (يوحنا 3:2-4)

كما نقرأ أيضا: وَفِيمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ بِهذَا، رَفَعَتِ امْرَأَةٌ صَوْتَهَا مِنَ الْجَمْعِ وَقَالَتْ لَهُ:«طُوبَى لِلْبَطْنِ الَّذِي حَمَلَكَ وَالثَّدْيَيْنِ اللَّذَيْنِ رَضِعْتَهُمَا». أَمَّا هُوَ فَقَالَ:«بَلْ طُوبَى لِلَّذِينَ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ وَيَحْفَظُونَهُ». (لوقا 27:11-28)

فضل السيدة مريم

إلى جانب إعاذتها من الشيطان الرجيم وحسن نشأتها ورزقها بفاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف وجعلها وابنها آية للعالمين، يعدّد الإسلام فضائل السيدة مريم ومناقبها. ومن هذه المناقب تطهيرها واصطفائها على نساء العالمين. ففي القرآن الكريم نقرأ:

وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (آل عمران 42:3)

ويحكي لنا الكتاب المقدس هذا المعنى أيضا، ففيه نقرأ: فَدَخَلَ إِلَيْهَا الْمَلاَكُ وَقَالَ: «سَلاَمٌ لَكِ أَيَّتُهَا الْمُنْعَمُ عَلَيْهَا! اَلرَّبُّ مَعَكِ. مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ». (لوقا 28:1)

إلا أننا نجد الإسلام أكثر إطنابا في فضل السيدة مريم عليها السلام. ولقد ورد في فضل السيدة مريم أحاديث عديدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فعن أبي موسى رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :”كَمَلَ مِنْ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنْ النِّسَاءِ إِلَّا: آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ” (رواه البخاري ومسلم)

وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :”خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ” (رواه البخاري ومسلم)

_________

المراجع:

1- القرآن الكريم

2- الكتاب المقدس

3- صحيح البخاري

4- صحيح مسلم



الاثنين، 31 أغسطس 2026

مَن يصنع النصر؟ ومَن يدفع ثمن السقوط؟

 مَن يصنع النصر؟ ومَن يدفع ثمن السقوط؟

 . قـلـم الـتحـرير 

كيف تتشكل نهضة الأمم أو سقوطها عبر تراكمات تمتد لعقود وقرون، ولماذا قد يُساء تحميل جيل واحد مسؤولية نتائج الماضي، وما دور الأفراد في صناعة التحول الحضاري وبناء مستقبل أممهم؟


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين؛ نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

زاوية مُهمَّة في المسيرة الحضارية لأيّ أُمَّة، تتعلق بالصعود أو السقوط الحضاري والأُممي، فالتاريخ بِطُوله وعَرْضه يشهد -بين حين وآخر- ولادةَ دول وأُفولَ أخرى، ويشهد رَغَدًا واستقرارًا في حين أو مكان أو حقبة، ويشهد ضدّها، كما شهد أنواعًا من العقوبات والأخذ لأُمم كثيرة.

ومن التسطيح المقيت نسبةُ بعض النهايات الحسنة أو السيئة في أُمَّة من الأمم إلى جيلها المعاصر لتلك النهايات وحده! وإنما هي في الحقيقة نهايات بَنَتْها تراكماتُ الماضي والماضين، وسار على خطاها اللاحقون، إنها نهايات كانت تُنْسَج أوشحتها وتُبنَى وتُشَيَّد صروحها على مدى العقود أو ربما القرون السابقة، ولكن في غفلة من الأكثرين.

فالآثار الأممية ثقيلة المَحْمَل، بطيئة السير، لا تظهر إلا بعد جيل أو أجيال، بحسب ضخامتها، وقد تتسارع بما هو أقل من ذلك زمنًا؛ قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل: 61]، وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر: 45]؛ فَتَوَسُّعُ قاعدة الاستقامة على شرع الله في مجتمع، أو انحسارُها؛ سببٌ لجلب أنواع البركات، أو رحيلها شيئًا فشيئًا؛ طردًا وعكسًا، كما قال تعالى: 
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]، وسُئِلَ النبي صلى الله عليه وسلم : «أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم، ‌إذا ‌كثر ‌الخبث»[1].

فتظهر بعد حين من الزمن نتائج الأعمال الكبرى والمشروعات العظمى الحسنة أو السيئة على مستوى الأُمَّة فما دون: التربوية والتعليمية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية والعسكرية، وغيرها من عموم البرامج والمشروعات، والسطحي قصير النظر يظن أنها من نتاج عصره ومعاصريه.

طوفان نوح -عليه السلام- استُحِقَّ على ذلك الجيل، بعد تراكمات السنين؛ ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: 27]، حتى وصلت الحال إلى طريق مسدود، واستحال الإصلاح المنشود؛ ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ﴾ [هود: 36]، ﴿وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: 40]،

أتدري كم لبث كل نبي في قومه! وهم يُكذِّبونه ويسخرون منه ويستهزئون به! إنها أزمان متطاولة، حتى إذا تراكمت الضلالات، واستحكمت الغواية، وحانت ساعة الصفر، وحق القول بالهلاك العام... حل القضاء، ونزل البلاء، وضاق الفضاء، فلم يُجْدِ النُّصْح، ولم تنفع الحيلة، فأصوات المصلحين كانت تنطلق في الفضاء، وتتهادى للأسماع، ولكن لا مُجيب! فالنخر كان قد بدأ في المبنى منذ وقت مبكّر، واستشرى على مدى الزمن، حتى وصل الأمر إلى نقطة اللاعودة؛ ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: 85]، ﴿آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: 91]، ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آَمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ [يونس: 98].

حين نفتِّش في عمق التاريخ سنجد الكثير من الأمثلة، لأقوياء صادقين، وقادة مخلصين، ناؤوا بالحمل على أكتافهم، وقت تصدُّع البناء، وظهور نُذُر البلاء، وأُمّتهم تَخِرّ من السماء، لتهويَ في وادٍ سحيق، ولكن.. بعد فوات الأوان، فقد تفككت العُرَى، وتمزقت الأوصال، وانعدم المُعين أو قلّ، وفُقِد المُؤازِر أو ضلّ، فلا شاعرَ بالمصاب، ولا شاعرَ يصدح بالقصائد والخطاب، ولا مستمعَ لنُصْح أو عتاب، فيبقى هذا العصامي وحيدًا فريدًا، يسبح ضد تيار الفساد البنيوي والانهيار الاقتصادي والضعف العسكري والفساد الأخلاقي والتفكك الاجتماعي؛ ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص: 3]؛ فالأمة ترهلت، فلم تعد قادرة على العودة معه إلى الجد، والنفوس تنعّمت، فلم تَقْوَ على متطلبات التقوى! 
فتسقط فوق رأسه دولته، ويتهاوى من حوله مجتمعه، والناس تظنّه هو السبب، ومنه كانت المصيبة والعطب، والأمر لا يعدو أن يكون فيروسًا استشرى في الجسد عبر السنين، غفل عنه أكثر الماضين، وغَذَّاه آخرون، حتى حانت لحظة السقوط والنهاية.

ضابط المخابرات السوفييتي الهارب إلى الغرب عام 1970م يوري ألكسندروڤيتش بيزمينوف له محاضرات في شرح إستراتيجيات تدمير الدول والمجتمعات، دون أن تُطلق رصاصة واحدة، منها محاضرة ألقاها عام 1984م؛ تضمنت ذكر أربع مراحل لتدمير المجتمعات؛ تعنينا منها هنا المرحلة الأولى عبر التركيز على تدمير الدين والأخلاق والترابط الأُسري والمجتمعي في المجتمع المستهدَف، وتكفي 15 إلى 20 سنة لإحداث هذا التغيير المنشود، ثم سَيُدِير المُلوّثون في هذا الجيل بأنفسهم عجلة الإفساد في مجتمعاتهم، كما لن يتقبلوا أي عملية غسل وتطهير وتنظيف، فقد أُصيبوا في وحدة المعالجة المركزية  (Central Processing Unit CPU)[2].

لقد كان الإمام أحمد -رحمه الله- يرى أن علماء وَقْتِه لو صمدوا في فتنة القول بخلق القرآن؛ ما استطاع المعتزلة ولا عصاهم «المأمون فالمعتصم فالواثق»، ولا قدرت سلطاتهم أن تكسرهم، فلو صمد الكبار وأجمعوا على الامتناع، لانتهت المحنة وانقضت الفتنة ووُئِدَت في مهدها، ولكن استجابتهم الواحد تلو الآخر أغرت بالاستمرار وفتحت الباب للتمادي وطول أمد المحنة؛ فاستمرت من المأمون إلى المعتصم فالواثق، ولم تتوقف إلا في عهد المتوكل -رحمه الله-، قال حنبل بن إسحاق بن حنبل، -ابن عم أحمد بن حنبل-[3]: «سمعت أبا عبد الله -وذكر الذين حُمِلُوا إلى الرقة إلى المأمون، وأجابوا وهم سبعة- فذكرهم فقال: هؤلاء لو كانوا ‌صبروا وقاموا لله -عز وجل-؛ لكان الأمر قد انقطع، وحَذِرَهُم الرجل -يعني: المأمون-، ولكن لما أجابوا وهم عين البلد اجترأ على غيرهم. فكان أبو عبد الله إذا ذكرهم يغتمّ لذلك، فيقول: «هم أول مَن ثلم هذه الثلمة، وأفسد هذا الأمر».

فالسقوط الحضاري والأُممي غالبًا ليس مِن فِعْل المعاصرين وحدهم؛ فالمعاصرون في الغالب هم الحَجَر الأخير الذي بنَزْعه ينهار البرج، فلا يعدو الحاضر أن يكون مجرد إفراز للماضي وامتداد له، وقشَّة أُضيفت إلى ظهر البعير المُنهَك والمُحَمَّل أعباءً فقَصَمته، ولذلك نجد في التاريخ حُكامًا وولاة أقوياء، يكون قَدَرُهم أن يظهروا زمن الانحدار، ولا يألون جهدًا في النهوض، ولكنّ الحِمْل ثقيل، والركام هائل، فلم يستطيعوا الإنقاذ، فواصل المبنى انهياره.

‌‌ والأمر نفسه يقال في نهضة الأمة وتمكّنها وعزّها ورخائها وأمنها، فإنه يُبنَى عبر عقود أو قرون؛ ففتح بيت المقدس على يد صلاح الدين الأيوبي سبقته جهود جبارة في إعادة الأُمّة إلى العلم والعمل؛ فالمدارس النظامية[4] -على ما فيها من انحراف عقدي بحسب السائد وقتها-، قد انتشرت في شرق العالم الإسلامي ووسطه على مدى قرن ونصف القرن قبل هذا الفتح المجيد.

ولربما امتد الرخاء والأمن في أُمَّة أو دولة رغم توقف أسبابه! لأن آثار هذا التوقف ليست فورية فلن يشهدها هذا الجيل، ولن تظهر إلا بعد حين!

وعلى المستوى الأدنى... فما أكثر ما يُظلَم مسؤولٌ أحرق نفسه بالعمل الجاد والبناء والتأسيس والتأصيل، ثم يرحل من مكانه ذلك لأيّ سبب، ليأتي بعده مسؤول (ناعس) يَدُور على تلك المشروعات مصحوبًا بمراسم الافتتاح والإطلاق، لتُصَبّ في رصيده الفارغ أصلاً، وتُدَوَّن ضمن سيرته الذاتية، وتحسب تلك الإنجازات الضخمة ضمن مسيرة عصره الزاهر! والمضحك المبكي أنه قد لا يعرف الكثير عن الكثير منها.

والأسوأ حالاً أن ترى هذا الصنف يحارب أسباب النجاح التي قَعَّدها وأَصَّلها السابقون بعرق الجبين وسهر الليالي، وهو الذي يتفيأ ظلالها اليوم، وينعم بآثارها ومنجزاتها، ويهدب ويقطف من ثمارها! مستعيدًا قصة ذلك الأحمق الذي اعتلى شجرة سامقة، وامتطى غصنًا غليظًا منها، وبدأ ينشر الغصن مما يلي الشجرة.. ليسقط على أُمّ رأسه، ويلحقه غُصنه ومنشاره.

ومن الطرائف الحقيقية الشاهدة لهذا أن مقرًّا عسكريًّا فُرِضَ عليهم في إحدى الحروب رباطٌ، ولكن في مُجَمّعهم السكني مع أهاليهم (تحت الطلب)؛ فكانت هناك إنجازات (اجتماعية) لم يظهر أثرها الواضح إلا بعد ست سنوات، حين اضطروا داخل هذا السكن لفتح فصل إضافي آخر للصف الأول الابتدائي!! لاستقبال القادمين إلى الحياة، من آثار ذلك الحجر أو الرباط! ثم عادت المياه إلى مجاريها في العام القادم بالاكتفاء بفصل واحد!

فهل نجعل مِن أنفسنا لبنة في بناء الأمة وحلقة في سلسلة مَجْدها ونهضتها، علم ذلك مَن عَلِمه، وجهله من جهله، ما دام الله -تبارك وتعالى- يعلمه، فلقد قال كعب بن مالك -رضي الله عنه- في الذَّبّ عن عِرْض النبي صلى الله عليه وسلم ، وهجاء مشركي مكة:

هَمَّت سخينة أن تُغالِب ربّها

فَلَيُغْلَبَنَّ مُغالِب الغلّاب

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «أمَا إن الله لم يَنْسَ لك ذلك».[5]

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


 

[1] أخرجه البخاري في أربعة مواضع: (3168، 3403، 6650، 6716)، ومسلم: (2880).

[2] في كتابه: «ذكر محنة الإمام أحمد» (34).

[3] انظر: مجلة البيان، العدد: (473) في 29 من ذي الحجة 1447هـ.

[4] المدارس النظامية هي المدارس التي أُسِّست في عهد الدولة السلجوقية، أسَّسها الوزير الشهير نظام الملك (الحسن بن علي الطوسي) في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي). سُمِّيت بهذا الاسم نسبةً إليه؛ لأنه أول مَن خطَّط لها، وأنشأها، وأوقف عليها الأوقاف الكثيرة.

[5] أخرجه الحاكم (6065)، وقوَّاه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (1970).

الخميس، 20 أغسطس 2026

مَن يصنع النصر؟ ومَن يدفع ثمن السقوط؟

 مَن يصنع النصر؟ ومَن يدفع ثمن السقوط؟

        . قـلـم الـتحـرير  



كيف تتشكل نهضة الأمم أو سقوطها عبر تراكمات تمتد لعقود وقرون، ولماذا قد يُساء تحميل جيل واحد مسؤولية نتائج الماضي، وما دور الأفراد في صناعة التحول الحضاري وبناء مستقبل أممهم؟


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين؛ نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

زاوية مُهمَّة في المسيرة الحضارية لأيّ أُمَّة، تتعلق

 بالصعود أو السقوط الحضاري والأُممي، فالتاريخ

بِطُوله وعَرْضه يشهد -بين حين وآخر- ولادةَ دول

 وأُفولَ أخرى، ويشهد رَغَدًا واستقرارًا في حين أو

 مكان أو حقبة، ويشهد ضدّها، كما شهد أنواعًا من

 العقوبات والأخذ لأُمم كثيرة.

ومن التسطيح المقيت نسبةُ بعض النهايات الحسنة أو

السيئة في أُمَّة من الأمم إلى جيلها المعاصر لتلك

 النهايات وحده! وإنما هي في الحقيقة نهايات بَنَتْها

 تراكماتُ الماضي والماضين، وسار على خطاها

 اللاحقون، إنها نهايات كانت تُنْسَج أوشحتها وتُبنَى

 وتُشَيَّد صروحها على مدى العقود أو ربما القرون

 السابقة، ولكن في غفلة من الأكثرين.

فالآثار الأممية ثقيلة المَحْمَل، بطيئة السير، لا تظهر

 إلا بعد جيل أو أجيال، بحسب ضخامتها، وقد تتسارع

 بما هو أقل من ذلك زمنًا؛ قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ

 النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ

 إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً

 وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل: 61]، وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ

 يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ

 دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ

 فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر: 45]؛ فَتَوَسُّعُ

 قاعدة الاستقامة على شرع الله في مجتمع، أو

 انحسارُها؛ سببٌ لجلب أنواع البركات، أو رحيلها

 شيئًا فشيئًا؛ طردًا وعكسًا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا

 يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:

 11]، وسُئِلَ النبي صلى الله عليه وسلم : «أنهلك

 وفينا الصالحون؟ قال: «نعم، إذا كثر الخبث»[1].

فتظهر بعد حين من الزمن نتائج الأعمال الكبرى

 والمشروعات العظمى الحسنة أو السيئة على مستوى

 الأُمَّة فما دون: التربوية والتعليمية والاقتصادية

 والاجتماعية والأمنية والعسكرية، وغيرها من عموم

 البرامج والمشروعات، والسطحي قصير النظر يظن

 أنها من نتاج عصره ومعاصريه.

طوفان نوح -عليه السلام- استُحِقَّ على ذلك الجيل،

 بعد تراكمات السنين؛ ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾

[نوح: 27]، حتى وصلت الحال إلى طريق مسدود،

 واستحال الإصلاح المنشود؛ ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ

 لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ﴾ [هود: 36]،

﴿وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: 40]،

أتدري كم لبث كل نبي في قومه! وهم يُكذِّبونه

 ويسخرون منه ويستهزئون به! إنها أزمان متطاولة،

 حتى إذا تراكمت الضلالات، واستحكمت الغواية،

 وحانت ساعة الصفر، وحق القول بالهلاك العام...

 حل القضاء، ونزل البلاء، وضاق الفضاء، فلم يُجْدِ

 النُّصْح، ولم تنفع الحيلة، فأصوات المصلحين كانت

 تنطلق في الفضاء، وتتهادى للأسماع، ولكن لا

 مُجيب! فالنخر كان قد بدأ في المبنى منذ وقت مبكّر،

 واستشرى على مدى الزمن، حتى وصل الأمر إلى

 نقطة اللاعودة؛ ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا

 بَأْسَنَا﴾ [غافر: 85]، ﴿آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ

 مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: 91]، ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ

 آَمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ [يونس: 98].

حين نفتِّش في عمق التاريخ سنجد الكثير من الأمثلة،

 لأقوياء صادقين، وقادة مخلصين، ناؤوا بالحمل على

 أكتافهم، وقت تصدُّع البناء، وظهور نُذُر البلاء،

 وأُمّتهم تَخِرّ من السماء، لتهويَ في وادٍ سحيق،

 ولكن.. بعد فوات الأوان، فقد تفككت العُرَى،

 وتمزقت الأوصال، وانعدم المُعين أو قلّ، وفُقِد

 المُؤازِر أو ضلّ، فلا شاعرَ بالمصاب، ولا شاعرَ

 يصدح بالقصائد والخطاب، ولا مستمعَ لنُصْح أو

 عتاب، فيبقى هذا العصامي وحيدًا فريدًا، يسبح ضد

 تيار الفساد البنيوي والانهيار الاقتصادي والضعف

 العسكري والفساد الأخلاقي والتفكك الاجتماعي؛

﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص: 3]؛ فالأمة ترهلت، فلم تعد

 قادرة على العودة معه إلى الجد، والنفوس تنعّمت،

 فلم تَقْوَ على متطلبات التقوى! فتسقط فوق رأسه

 دولته، ويتهاوى من حوله مجتمعه، والناس تظنّه هو

 السبب، ومنه كانت المصيبة والعطب، والأمر لا

 يعدو أن يكون فيروسًا استشرى في الجسد عبر

 السنين، غفل عنه أكثر الماضين، وغَذَّاه آخرون،

 حتى حانت لحظة السقوط والنهاية.

ضابط المخابرات السوفييتي الهارب إلى الغرب عام

 1970م يوري ألكسندروڤيتش بيزمينوف له

 محاضرات في شرح إستراتيجيات تدمير الدول

 والمجتمعات، دون أن تُطلق رصاصة واحدة، منها

 محاضرة ألقاها عام 1984م؛ تضمنت ذكر أربع

 مراحل لتدمير المجتمعات؛ تعنينا منها هنا المرحلة

 الأولى عبر التركيز على تدمير الدين والأخلاق

 والترابط الأُسري والمجتمعي في المجتمع

 المستهدَف، وتكفي 15 إلى 20 سنة لإحداث هذا

 التغيير المنشود، ثم سَيُدِير المُلوّثون في هذا الجيل

 بأنفسهم عجلة الإفساد في مجتمعاتهم، كما لن يتقبلوا

 أي عملية غسل وتطهير وتنظيف، فقد أُصيبوا في

 وحدة المعالجة المركزية  (Central

Processing Unit CPU)[2].

لقد كان الإمام أحمد -رحمه الله- يرى أن علماء وَقْتِه

 لو صمدوا في فتنة القول بخلق القرآن؛ ما استطاع

 المعتزلة ولا عصاهم «المأمون فالمعتصم فالواثق»،

 ولا قدرت سلطاتهم أن تكسرهم، فلو صمد الكبار

 وأجمعوا على الامتناع، لانتهت المحنة وانقضت

 الفتنة ووُئِدَت في مهدها، ولكن استجابتهم الواحد تلو

 الآخر أغرت بالاستمرار وفتحت الباب للتمادي

 وطول أمد المحنة؛ فاستمرت من المأمون إلى

 المعتصم فالواثق، ولم تتوقف إلا في عهد المتوكل

 -رحمه الله-، قال حنبل بن إسحاق بن حنبل، -ابن عم

 أحمد بن حنبل-[3]: «سمعت أبا عبد الله -وذكر الذين

 حُمِلُوا إلى الرقة إلى المأمون، وأجابوا وهم سبعة-

 فذكرهم فقال: هؤلاء لو كانوا صبروا وقاموا لله -عز

 وجل-؛ لكان الأمر قد انقطع، وحَذِرَهُم الرجل -يعني:

 المأمون-، ولكن لما أجابوا وهم عين البلد اجترأ على

 غيرهم. فكان أبو عبد الله إذا ذكرهم يغتمّ لذلك،

 فيقول: «هم أول مَن ثلم هذه الثلمة، وأفسد هذا

 الأمر».

فالسقوط الحضاري والأُممي غالبًا ليس مِن فِعْل

 المعاصرين وحدهم؛ فالمعاصرون في الغالب هم

 الحَجَر الأخير الذي بنَزْعه ينهار البرج، فلا يعدو

 الحاضر أن يكون مجرد إفراز للماضي وامتداد له،

 وقشَّة أُضيفت إلى ظهر البعير المُنهَك والمُحَمَّل أعباءً

 فقَصَمته، ولذلك نجد في التاريخ حُكامًا وولاة أقوياء،

 يكون قَدَرُهم أن يظهروا زمن الانحدار، ولا يألون

 جهدًا في النهوض، ولكنّ الحِمْل ثقيل، والركام هائل،

 فلم يستطيعوا الإنقاذ، فواصل المبنى انهياره.

‌‌ والأمر نفسه يقال في نهضة الأمة وتمكّنها وعزّها

 ورخائها وأمنها، فإنه يُبنَى عبر عقود أو قرون؛ ففتح

 بيت المقدس على يد صلاح الدين الأيوبي سبقته

 جهود جبارة في إعادة الأُمّة إلى العلم والعمل؛

 فالمدارس النظامية[4] -على ما فيها من انحراف

 عقدي بحسب السائد وقتها-، قد انتشرت في شرق

 العالم الإسلامي ووسطه على مدى قرن ونصف

 القرن قبل هذا الفتح المجيد.

ولربما امتد الرخاء والأمن في أُمَّة أو دولة رغم

 توقف أسبابه! لأن آثار هذا التوقف ليست فورية فلن

 يشهدها هذا الجيل، ولن تظهر إلا بعد حين!

وعلى المستوى الأدنى... فما أكثر ما يُظلَم مسؤولٌ

 أحرق نفسه بالعمل الجاد والبناء والتأسيس

 والتأصيل، ثم يرحل من مكانه ذلك لأيّ سبب، ليأتي

 بعده مسؤول (ناعس) يَدُور على تلك المشروعات

 مصحوبًا بمراسم الافتتاح والإطلاق، لتُصَبّ في

 رصيده الفارغ أصلاً، وتُدَوَّن ضمن سيرته الذاتية،

 وتحسب تلك الإنجازات الضخمة ضمن مسيرة

 عصره الزاهر! والمضحك المبكي أنه قد لا يعرف

 الكثير عن الكثير منها.

والأسوأ حالاً أن ترى هذا الصنف يحارب أسباب

 النجاح التي قَعَّدها وأَصَّلها السابقون بعرق الجبين

 وسهر الليالي، وهو الذي يتفيأ ظلالها اليوم، وينعم

 بآثارها ومنجزاتها، ويهدب ويقطف من ثمارها!

 مستعيدًا قصة ذلك الأحمق الذي اعتلى شجرة سامقة،

 وامتطى غصنًا غليظًا منها، وبدأ ينشر الغصن مما

 يلي الشجرة.. ليسقط على أُمّ رأسه، ويلحقه غُصنه

 ومنشاره.

ومن الطرائف الحقيقية الشاهدة لهذا أن مقرًّا عسكريًّا

 فُرِضَ عليهم في إحدى الحروب رباطٌ، ولكن في

 مُجَمّعهم السكني مع أهاليهم (تحت الطلب)؛ فكانت

 هناك إنجازات (اجتماعية) لم يظهر أثرها الواضح

 إلا بعد ست سنوات، حين اضطروا داخل هذا السكن

 لفتح فصل إضافي آخر للصف الأول الابتدائي!!

 لاستقبال القادمين إلى الحياة، من آثار ذلك الحجر أو

 الرباط! ثم عادت المياه إلى مجاريها في العام القادم

 بالاكتفاء بفصل واحد!

فهل نجعل مِن أنفسنا لبنة في بناء الأمة وحلقة في

 سلسلة مَجْدها ونهضتها، علم ذلك مَن عَلِمه، وجهله

 من جهله، ما دام الله -تبارك وتعالى- يعلمه، فلقد قال

 كعب بن مالك -رضي الله عنه- في الذَّبّ عن عِرْض

 النبي صلى الله عليه وسلم ، وهجاء مشركي مكة:

هَمَّت سخينة أن تُغالِب ربّها

فَلَيُغْلَبَنَّ مُغالِب الغلّاب

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «أمَا إن الله لم يَنْسَ

 لك ذلك».[5]

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا

 محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


[1] أخرجه البخاري في أربعة مواضع: (3168، 3403، 6650، 6716)، ومسلم: (2880).

[2] في كتابه: «ذكر محنة الإمام أحمد» (34).

[3] انظر: مجلة البيان، العدد: (473) في 29 من ذي الحجة 1447هـ.

[4] المدارس النظامية هي المدارس التي أُسِّست في عهد الدولة السلجوقية، أسَّسها الوزير الشهير نظام الملك (الحسن بن علي الطوسي) في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي). سُمِّيت بهذا الاسم نسبةً إليه؛ لأنه أول مَن خطَّط لها، وأنشأها، وأوقف عليها الأوقاف الكثيرة.

[5] أخرجه الحاكم (6065)، وقوَّاه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (1970).