‏إظهار الرسائل ذات التسميات لقاء خاص مع فرانسوا دوروش. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات لقاء خاص مع فرانسوا دوروش. إظهار كافة الرسائل

السبت، 28 سبتمبر 2019

المقاول المصري محمد علي أم السيسي؟

المقاول المصري محمد علي أم السيسي؟
فرانسوا دوروش
حقوقي فرنسي، ورئيس الاتحاد الوطني 
للأطباء الفيدراليين في فرنسا

قد تحدثنا وبدقة منذ شهور قليلة، في مقابلات مطولة مع "عربي21"، عن مجريات الأمور في مصر، ونبهنا إلى إمكانية حدوث انقلاب عسكري أو أكثر على قائد الانقلاب في مصر. ونحن اليوم نرى ما يحدث، ويؤكد المعلومات التي لم نكن لنستطيع التصريح بها وقتها.

لن نعيد ما قلناه في تلك المقابلات، ولمن يريد التعرف على ما أوردناه في نطاق حديثنا عن دور السيسي في تخريب مصر وفرص الانقلاب عليه، يمكنه الرجوع إلى مقابلات "عربي21" المتعددة التي تناولنا فيها معلومات دقيقة عن تحضيرات لانقلاب عسكري وشيك على السيسي، بدعم وغطاء غربيين.

وكذلك تطرقنا إلى الأسباب التي قد تجعل أي انقلاب عسكري في مصر ممكن ويقدر له النجاح. وقام وقتها رجال السيسي بالتهجم على رئيس منظمتنا (عدالة وحقوق بلا حدود) مما اضطرنا إلى إقامة دعوة جنائية في فرنسا، ضد بعض داعمي الانقلاب.

ما يحدث في مصر اليوم هو ردة فعل طبيعية للقمع والانتهاكات المستمرة التي يقوم بها قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي وفريقه الانقلابي؛ في حق مصر وشعبها. فهناك أكثر من مئة ألف معتقل سياسي في سجون الانقلاب، مما يجعل جراحاتهم وأنّاتهم وقودا لأي عمل تصحيحي يعيد للمواطن المصري كرامته وحقه في حياة حرة وأدمية.

وربما تحيّنت القوى المتململة من هستريا التخبط التي يدير بها السيسي مصر، الفرصة، وقد ورط المنطقة العربية كلها في صراعات، وشجّع غلمان الخليج على الخوض في مغامرات أكبر من حجمهم التي أدت إلى تداعيات كارثية؛ جعلت داعمي الانقلاب ينأون عنه خوفا على أنفسهم من ابتزازه المستمر، أو لوثته التي جعلت قادة العالم تتجنبه في جميع المحافل الدولية.

والكل يذكر مقولة "مسافة السكة" التي جعلت الأمن العربي في مهب الريح، وتُضرب اليوم السعودية بصواريخ معلومة المصدر والهدف ولا يحرك قائد الانقلاب ساكنا، بل فضحت وعوده الكاذبة وجشعه الرهيب كل خبايا نفسه، وحولت أنظار داعميه الخليجيين والغربيين إلى البديل الذين يستطيع القيام بأكثر من مجرد هتافات جوفاء وكذب مستمر. فهؤلاء الداعمون لديهم الكثير من "الطماطم الفاسدة"، واعتقدوا أن السيسي سوف يعوضهم عن خسائرهم فيها.

لم تكن صدفة كل هذه الأحداث المتلاحقة في مصر، بين هروب الممثل الهاوي ومقاول الجيش، والمتحدث الإعلامي لمجموعة الضغط التي تُساوم السيسي على كرسيه وتراوده عن نفسه، وبين تصريحات ترامب المتتالية التي قد يفهمها البعض داعمة للسيسي، وهي في واقعها أدوات ضغط لاسترجاعه إلى حظيرة الطاعة وتنفيذ الأوامر المطلوبة منه.

لقد وصف ترامب مؤخرا؛ قائد الانقلاب بأنه "الدكتاتور المفضل" له. ومن هذه المقولة فهم كثير من المحللين الجملة على أن السيسي هو "الطفل المدلل" لترامب، وأنه يدعمه في قمعه لشعبه، ولكنهم لم يغوصوا في أعماق الإيحاءات الأمريكية، المدعومة ببعض الأفعال والحقائق، حيث يقول هذا المقاول الأمريكي الجشع لمُستخدمه في مصر بلسان حاله: "أنت دكتاتور ولا يمكن لدولة ديمقراطية مثل أمريكا أن تتبنى أفكارك، ولكني أراك المفضل عندي للقيام ببعض الأعمال القذرة. إن فهمت رسالتي وأردت التفاوض فاحضر إليّ كي نتفاوض". كان هذا بعدما وصفه بالقاتل اللعين، توصيفا لجرائمه في حق شعبه، وكذلك تحريضا له على استخدام قدرته الخارقة في القتل والقمع لتمرير صفقة القرن التي تبناها ترامب وصهره، وخذله فيها السيسي لأسباب كثيرة، منها أنه رجل الهتافات الجوفاء والأفعال القليلة.

بالطبع لم يفهم السيسي تصريحات ترامب هذه ولا ما تعنيه كلماته، فكانت الإشارة لمجموعات الضغط التي أجبرت السيسي على الفرار المشروط والمؤقت إلى أمريكا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وربما التفاوض على كيفية قيامه بمهامه التي تقاعس عنها لفترة.

لقد شبهنا هذا الرجل الفاشل بمشتري الطماطم الفاسدة من أسواق الغرب، واليوم تتضح فكرتنا أكثر. فصفقة القرن أحد هذه الأكوام من الطماطم الفاسدة التي وعد السيسي بشرائها ثم التفت عنها فقرص سيد البيت الأبيض أذنه فحضر إليه صاغرا مفاوضا.

لكن اليوم، وأمام هذا الانقلاب الذي يكاد يغير وجه الواقع السياسي في مصر، لجأ قائد الانقلاب الدموي إلى تخويف ترامب والغرب من الإسلام والجماعات الإسلامية السياسية، وهذه إحدى أدواته التي تكلمنا عنها سابقا. فهل يخيف السيسي ترامب إلى درجة تجعله يدعمه في وجه العالم المتململ الذي يدعم من خلف الستار جماعة الممثل محمد علي من أوروبا؟

لم يكن ليخرج رجل العسكر الممثل الهاوي محمد علي من مصر ليستقر في إسبانيا بدون ضوء أمريكي، بالتحديد وغربي قوي، ولا لأن يتكلم بهذه الثقة المفرطة. لقد قال الرجل للسيسي إنه سوف يُحضر عائلته ويرجع إلى مصر في نهاية الأسبوع المقبل، وأن على السيسي التنحي فورا عن الحكم. هل محمد علي هذا رجل انتحاري؟ أم هو يعلم أنه يفاوض بقوة ولديه ما يدعم به موقفه؟ هل كان لرجل مغمور مثل هذا أن يحظى بصور رسمية مع مسؤولين غربين في إسبانيا، إن كان مجرد رجل أعمال عنده خلافات مالية مع عملائه؟ بالطبع لا.

كما ذكرنا سابقا، فإن الجيش ومؤسساته الاقتصادية والاستثمارية الضاربة في عروق الشعب المصري قد أحسوا بتآكل أصولها، وأنهم عندما وعدوا الشعب المصري بمنقذ ليخلصه من فزاعة الإخوان المسلمين، ما علموا أنهم يقضون على إمبراطوريتهم الاقتصادية الهائلة في مصر، وأن السيسي قد خدعهم بشطحاته الخرافية، وصاروا رهينة لجشعه وقساوة قلبه هو وزوجته وأولاده.

وفي هذا المنعطف الاقتصادي تلاقت أطماع أصحاب الصولة في منظمة العسكر الاقتصادية، وتلك لبعض القوى الغربية والإقليمية التي لم تعد ترى في خادمها المطيع، ذلك الرجل الخجول المنحني أمامهم طلبا لعطفهم، ما يريدونه.

ولكن هذه المجموعة من أصحاب النفوذ العسكري والاقتصادي وجدت نفسها مجردة تماما من أي قوة عسكرية استخدمتها في الماضي لتتويج السيسي وغيره فراعين على مصر، فكانت خطتهم إدخال فقرة مسرحية تدهش الشعب المصري، وكأن جراحات الشعب وأكل قسم كثير منه من القمامة، والخوف المطبق على أنفاس أهل مصر، والانتهاكات المستمرة لحقوقهم الأدمية والقانونية؛ لم تكن لتكفي لتفجير ثورة تعيد للشعب هيبته وحقوقه، فخرجوا له بقضية الأموال المنهوبة.

يعلم المواطن المصري أن وجيعته، ووجيعتنا هي انتهاكات حقوقه الأدمية والقانونية، وليست القصور التي تبجح السيسي ببنائها. وعلم السيسي أنه عندما يرد على هذا الفصل من مسرحية "دهاليز العسكر" فإن الشعب لن ينتبه ولن يهتم؛ لأن المواطن المهروس في مفرمة العسكر لن يناله من قصور زوجة السيسي وفنادقه شيئا. ليس هذا فقط، ولكن حاولت الآلة الإعلامية للسيسي تسويق هذه الأملاك الشخصية لزوجة الفرعون على أنها مكسب وطني للمواطن. ولذا قررت مجموعة محمد علي الضاغطة أن تستخدم فصلا من فصول مسرحية السيسي في الانقلاب، وهو طلب "التفويض والأمر" من الشعب المصري.

سوف يتابع المصريون محاولة الانقلاب الناعمة التي تتشكل في الغرب، وهي مزيج من الهزل المسرحي وفتل العضلات واستجلاب الدعم، وستكون للقوة الغاشمة للسيسي السطوة إن هو استطاع أن يثبت لداعمه الأكبر في البيت الأبيض أنه قادر على تنفيذ ما طُلب منه، ولو كان بذبح ابنه الأكبر.

أضف إلى ذلك تخويفه الغرب من الإسلام والخطر المحدق بهم إن هو ترك الحكم لهم في مصر. وأعتقد أن السيسي في هذا المنعطف السياسي الخطير مستعد للتضحية بولده وزوجته كي يبقى على كرسي الحكم؛ لأنه يعلم أن البديل وخيم، وأقله هو محكمة الجنايات الدولية التي تنتظره بفعل دعاوى قدمتها منظمات حقوقية كثيرة، ومنها منظمتنا، وهي تنتظر نزول السيسي من على كرسيه وفقدانه للحصانة التي تمنحها له بعض القوانين كرئيس دولة.

إن فشل السيسي بتقديم الضمانات اللازمة لطمأنة أسياده على قدرته القيام بما يُطلب منه، فإن مجموعة الضغط الحالية لمحمد علي، والتي يقوم فيها بدور المتحدث الإعلامي لمن خلفه، سوف تنجح في تقديم البديل، خاصة مع تعاظم الدعم الغربي لهذه المجموعة المتباينة البنيان.

ونلاحظ استغلال محمد علي لقوة الشعب المصري، ولا شك في أن هذا الممثل الشاب لديه من الضمانات الغربية التي قد تمنع السيسي من استخدام القوة المفرطة ضده، وهذا ما دفع جماعة الانقلاب الضاغطة إلى تحريض الشعب والطلب منه النزول إلى الشوارع.

وكما تقدمنا في سابق مقابلاتنا إلى الشعب المصري بأن يأخذ زمام المبادرة، ويسحب البساط من تحت أقدام المؤسسة العسكرية المتناحرة؛ لأن بديل السيسي الذي قد يقدمونه، لن يكون الحرية والعدالة والتقدم الذي يحلمون به لأولادهم، ولكن سيكون سيدا آخر يفاوض على قيود عبوديتهم.

سوف نتابع معكم ويتابع العالم تطورات الانقلاب الضاغط في مصر، ونأمل أن يخرج الشعب المصري منتصرا في نهاية هذا النفق. ونحن ندعو جميع الأطراف الفاعلة في مصر إلى أن تطالب بحق المعتقلين في مصر، وضرورة الإفراج غير المشروط عنهم، ونحذر السيسي وحكومته من أن لا يضيفوا المزيد من الدماء إلى تجاوزاتهم الفاضحة لحقوق الإنسان في مصر، بغض النظر عن طبيعة تعاملهم مع رغبة شعب مصر في تغيير النظام الذي فرضه الانقلاب عليهم.


الجمعة، 12 أبريل 2019

لقاء خاص مع فرانسوا دوروش

لقاء خاص مع فرانسوا دوروش

دوروش: تصريحاتي حول انقلاب الجيش ضد السيسي مدعومة بوثائق
دوروش: السيسي لا ينام الليل خوفا من هاجس الانقلاب.. 
والإمارات تحيطه بحرس خاص- عربي21

 الجيش المصري لا يدين بالولاء إلا إلى حساباته الخاصة في البنوك الدولية وقبضته الحديدية على الاقتصاد

السيسي يشكل حاليا صداما مع المؤسسة العسكرية وتهديدا لمصالحها الحيوية


من سينفذ الانقلاب على السيسي هم ضباط بالصف الثاني في المؤسسة العسكرية

كاترين أشتون تخاطب الجيش مباشرة لخلخلة قبضة السيسي ولا تزال صاحبة قرارات تؤثر في الواقع المصري

الانقلاب العسكري المحتمل على السيسي قد لا يتأخر عن هذا العام الجاري

محمود نجل السيسي صار الحاكم العسكري الفعلي لمصر الآن

العمل الحقوقي في مصر والعالم هو وراء غسل الغرب يده من السيسي ونظامه

أثارت تصريحات رئيس الاتحاد الوطني للأطباء الفيدراليين في فرنسا والحقوقي الدولي، فرانسوا دوروش، لـ"عربي21"، بشأن احتمالية قيام الجيش المصري بالانقلاب على السيسي خلال الفترة المقبلة، جدلا في الأوساط السياسية المصرية، حيث رأى البعض أن الواقع لا يدعم هذه الفرضية تماما.

إلا أن "دوروش" أكد، في الحلقة الثالثة من مقابلته الخاصة مع "عربي21"، أن تصريحاته مدعومة بمعلومات وحقائق ووثائق لا يستطيع الحديث عنها بالتفصيل في الوقت الراهن، وأن من سينفذ هذا الانقلاب المحتمل هم ضباط بالصف الثاني في المؤسسة العسكرية، على حد قوله.

وكشف دوروش، الذي يشغل أيضا منصب رئيس منظمة عدالة وحقوق بدون حدود، أن المنسقة السابقة للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي كاترين أشتون، تخاطب الجيش المصري مباشرة لخلخلة قبضة السيسي، لافتا إلى أن أشتون لا تزال صاحبة قرارات تؤثر في الواقع المصري، ولا تزال همزة الوصل بين صناع القرار في كثير من الدوائر الغربية والنافذين بالساحة السياسية العربية.

وشدّد على أن "المؤسسة العسكرية كانت - وما زالت- تقيم تحالفاتها مع جهات داخلية وخارجية لضمان مصالحها الاقتصادية والسياسية، ولا تدين بالولاء إلا إلى حساباتها الخاصة في البنوك الدولية وقبضتها الحديدية على الاقتصاد المصري"، مؤكدا أن "السيسي يشكل حاليا صداما مع هذه المؤسسة وتهديدا لمصالحها الحيوية".

وفيما يلي نص الحلقة الثالثة من المقابلة الخاصة:
ما هي أبعاد التصريحات الخاصة باحتمالية وقوع انقلاب عسكري على السيسي قريبا؟

 هي تصريحات واقعية مدعومة بحقائق ووثائق. لا أستطيع الآن الحديث بالتفصيل عن كثير منها، ولكن تستطيع أن تفسرها من خلال عمليات التغيير المستمرة للمناصب العليا في الجيش والدولة، التي يقوم بها السيسي والاعتقالات لكثير من الضباط بتهم محاولة الانقلاب.

لكن ما هي طبيعة هذه الحقائق والوثائق التي تتحدث عنها؟

 هي حقائق ملموسة على الأرض، ويقرؤها الكثير من المحققين والباحثين في الشأن العربي والشرق أوسطي. ومن ينظر إلى التغييرات المستمرة في القيادات المحيطة بقائد الانقلاب في مصر، يعلم مدى صدق وحقيقة الحراك المناهض لنظام السيسي القمعي.

رأيتم أن السيسي قام باعتقال الكثير من قيادات العمل السياسي في مصر وبعض كبار قادة المجلس العسكري وضباط الجيش. هذا ليس لأنهم غير صالحين للخدمة العامة أو لتخطيهم سن التقاعد، ولكن لأنه إما يخاف من طموحاتهم الشخصية، أو لأنه يرى تململ الغرب من تصرفاته الهستيرية، ويرى أنه بتغييب هذه الشخصيات فإنه يقطع الطريق على أي محاولات للتواصل بين هؤلاء المعتقلين والداعمين الإقليميين والغربيين.

وكذلك مؤخرا تصاعد الانشقاقات، إذا جاز تسميتها، في صفوف الإعلاميين والممثلين المحسوبين على السيسي وانقلاب 3 تموز/ يوليو، كأمثال خالد يوسف وخالد أبو النجا وعمرو واكد. الممثلون والإعلاميون أدوا دورا مهما في إحداث الانقلاب على الرئيس محمد مرسي. والمؤثرون منهم وأصحاب المصالح بدأوا يقفزون من سفينة الانقلاب كما تفعل الجرذان عندما تبدأ السفينة في الغرق. ورأينا كيف أن وفود هؤلاء الانقلابيين بدأوا يحجون إلى البيت الأبيض، في مؤشر واضح على تآكل مصداقية ودعم البيت الأبيض والكونغرس لرئيس الانقلاب.

ولا يخفى على المتابع للقنوات السياسية الغربية مدى التململ من الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان في العالم العربي أجمع، وليس في مصر فقط. ورأينا في الجزائر كيف تم لعب ورقة إلغاء ترشح الرئيس بوتفليقة لفترة رئاسية خامسة، كنوع من التحايل على مشاعر الجماهير. ولكن الناظر في الحقيقة يعلم أن مجموعة الحكم التي خلف بوتفليقة قد تحاول التمديد لنفسها إلى أجل غير مسمى. ويؤيد هذه النظرية ما خرج به بعض القادة الغربيين، من أنه يتوجب على الجزائر اتخاذ فترة انتقالية للحكم لتوفير متطلبات الجماهير. ورأينا أن الكثير من المفكرين والمحللين يعتقدون أن هذه احتمالية عبثية. فهذا كله يرسم لك الصورة بشكل عام ولن تقدم أو تؤخر الوثائق، إن توفرت، في تأكيد أو نفي أي احتماليات للتغيير في مصر وغيرها من بلدان الشرق الأوسط.

مثل هذه الخطوات تعطيكم تصورا لما يحدث خلف الكواليس لإدارة القرار في المنطقة العربية.

ومن ثم ما تتحدث عنه معلومات وليس مجرد توقعات وتحليلات؟

هذه ليست مجرد توقعات وليست فقط تحليلات، ولكنها حقائق على أرض الواقع بعضها مستقاة من تاريخ المؤسسة العسكرية المصرية التي تشبه بيت العنكبوت في التشابك. صحيح هي ضعيفة في ظل نظام ديمقراطي يحجمها، ولكن لهذا السبب هذه المؤسسة كانت وما زالت تقيم تحالفاتها مع جهات داخلية وخارجية لضمان مصالحها الاقتصادية والسياسية.

هذه المؤسسة لا تدين بالولاء إلا إلى حساباتها الخاصة في البنوك الدولية وقبضتها الحديدية على الاقتصاد المصري. وبدون الخوض في تفاصيل يعرفها الكثيرون، فإن السيسي حاليا يشكل صداما مع هذه المؤسسة وتهديدا لمصالحها الحيوية. فالجيش الذي كان ينظر إلى الرئيس المخلوع مبارك على أنه رئيس مستأنس وواجهة جميلة للجيش، انقلب عليه كي لا يورث الحكم لابنه جمال، وهو مدني غير عسكري، ولن يهتم بمصالح الجيش الاقتصادية والسياسية.

وبعد نجاح الجيش المصري في الانقلاب على أول رئيس ديمقراطي منتخب وهو الدكتور محمد مرسي، فهم قد وقعوا في الشبكة العنكبوتية التي تحكم مصالح الجنرال السيسي الشخصية مع الدول الداعمة للانقلابات في المنطقة العربية، مثل الإمارات والسعودية. ومع سيول الأموال التي وصلت إليه لدعم الانقلاب أو كرشاوى مباشرة، لضمان تفوق لعيال زايد على عيال سعود في حلبة الانقلاب في مصر، فقد طمع الجنرال في إمبراطورية شخصية يقيمها، ومن يدري ربما يحول مصر إلى الجمهورية السيساوية على نمط بعض الممالك التي سماها مغتصبو الحكم لتحمل اسمهم الشخصي.

وبالنظر إلى الاعتقالات لكبار القادة العسكريين واستبدالهم بمن هم أضعف في الهرم العسكري، فإن هذا يبين للمحلل أن السيسي يصنع حائطا ناريا ضد احتمالات للانقلاب عليه. ويرى آخرون في تكليف ابنه محمود بقيادة المخابرات المصرية أمرين؛ أولهما: أنه يدربه على القيادة من بعده واستلام السلطة، والثاني: أنه يصنع دائرة من الموثوق بهم لحماية مملكته الافتراضية، على نسق ما يحدث من تولي أمراء الأسرة الحاكمة في السعودية لمفاصل الدولة.

وأنا لا أستطيع إعطاء أسماء محددة لعناصر تحضر لانقلاب في مصر، ولكن كما حدث مع جمال عبد الناصر، فإن فترة ما بعد سقوط الانقلاب سوف تُنشر هذه المخططات وأسباب فشل بعضها، وكيف تم الاستعداد لعملية ناجحة محتملة.

ولأن الجيش فرض سيطرته على كل مفاصل الحياة في مصر، فهي جميعها في يد جنرالات الجيش سواء منهم المتقاعدون أو الحاليون، وأن الإعلام وصنع القرار في يد المخابرات. فإن أي احتمالات لانقلاب متوقع، هو بين بعض أصحاب الكروش الكبيرة في الجيش الذين يخافون على مصالحهم الذاتية، وخاصة أن قنوات تواصلهم المباشرة مع الخليج والغرب باتت مقطوعة.

ولذا، رأينا أن كاترين أشتون تخاطب الجيش مباشرة لخلخلة قبضة السيسي وابنه على قنوات التواصل مع الخارج. وهي وغيرها يأملون أن تصل أصواتهم وتطميناتهم بالدعم مباشرة إلى من يستطيع الانقلاب على السيسي من ضباط الصف الثاني.

والجدير بالذكر، أن هناك مجموعات في الجيش بعضها غير معروف قامت بالمطالبة بعزل السيسي وتقديمه للمحاكمة. وهناك تحليلات طويلة لكتاب غربيين مثل الكاتب البريطاني روبرت فيسك تتكلم عن دقائق عمليات عسكرية ينفذها الجيش ليطيح بالسيسي، لصالح حماية مقدرات وامتيازات الجيش التي استولى عليها السيسي.

أشرت إلى تصريحات كاترين أشتون.. ما الذي كانت تقوله للجيش تحديدا؟ ولماذا استشهدت بها رغم أنها غير مسؤولة حاليا بالاتحاد الأوروبي؟

لست بحاجة إلى إعادة ما قالته السيدة كاترين أشتون، ويستطيع الباحثون الرجوع إلى تصريحاتها المنشورة والمسجلة. ومما لا شك فيه أن أي إنسان من حقه أن يقوم بإصدار البيانات والتطرق إلى قضايا ذات ثقل عالمي. وأشتون إن كانت خارج منصبها اليوم، إلا أنها لا تزال صاحبة قرارات تؤثر في الواقع المصري الحديث وصنعت الكثير مما نناقشه اليوم. وهي وإن كانت غير ذات صفة رسمية اليوم، إلا أنها في تصوري لا تزال همزة الوصل بين صناع القرار في كثير من الدوائر الغربية والنافذين على الساحة السياسية العربية.

وأشتون كوجه معروف للجميع، يسهل تعاملها مع أشخاص في مصر قد لا يكون عندهم الاستعداد أو الثقة في التواصل مع شخصيات أخرى غير معروفة لهم، وخاصة من خلف الحائط الناري الذي ضربه السيسي حول نفسه وإمبراطورتيه الاستبدادية التي يخنق بها مصر.

قلت إن الانقلاب قد يحدث قريبا.. فمتى تحديدا قد يحدث؟ هل خلال أسابيع أم شهور؟
أنا لست محللا استخباراتيا وليس عندي خطة محددة أتكلم عنها في الوقت الحالي، ولكني كناشط حقوقي ورئيس منظمة حقوقية لها ثقلها في العمل الحقوقي الفرنسي، فأنا أقرأ معكم ما يحدث في المنطقة من واقع اطلاعي على المناخ السياسي الغربي، وما يحدث في المنطقة العربية وانعكاساته على العمليات الحقوقية. ثم إنه ليس من الحكمة أو المصلحة العامة أن أفشي أخبارا قد تضر بأي عمل يراه البعض حيويا ولصالح التغيير السلمي في مصر.

وأقول لكم، إن التعويل على انقلاب عسكري يطيح بالسيسي هو شيء أكيد في دوائر العمل السياسي الغربي، ولا يعتقد الكثيرون من الخبراء أنه سوف يتأخر عن هذا العام. ولكن الذي يحدد حقيقته هو: هل يستطيع السيسي اكتشاف التحركات المطالبة بالتغيير واعتقال وقتل وتغييب المخططين لها؟ أم سوف يكون لهم من الحنكة وخفة الحركة والغطاء الشعبي والسياسي أن يتحركوا دون أن يكشفهم الانقلاب وأعوانه.

ولربما تقوم مخابرات الإمارات بالتسرب إلى بعض تلك الخلايا النشطة وتمكين السيسي منها، كما كانت تفعل تلك القوى المناهضة لطموحات الشعوب مع قادة الثورة السورية واغتيالهم جميعا لضمان استمرار بشار الأسد في الحكم. هذا قد يكون عامل الفشل الأقوى والأكثر تأثيرا في سير أي عملية مناهضة للسيسي.

ولذا، يرى الكثير من المحللين والحقوقيين كشف الغطاء والدعم الدولي عن عصابة عيال زايد وفضح مخططاتهم المدمرة لطموحات الإنسان العربي، وكذلك مصالح القوى الغربية في منطقة الشرق الأوسط. صحيح أن الكثير من تلك القوى تستفيد من استمرار الصراعات في المنطقة وإداراتها، ولكن الإنسان الغربي بات مُؤرقا من هذه السيول من الدماء، ولا ننسى كيف كان التضامن والتلاحم مع شهداء العملية الإرهابية في نيوزيلاندا وما كشفته عن حقيقة إحساس الإنسان الغربي بقضايا المسلمين، وما يلاقونه من اضطهاد في أنحاء متفرقة من العالم.

ثم لا تقلل من التململ العام في مختلف طبقات البنية التحتية للانقلاب ومن ساعده في الاستمرار كل هذه الفترة، الذي يعطيك مؤشرا قويا على قرب التخلص من السيسي سواء عن طريق عملية خاطفة يقوم بها الجيش، أو ربما يكذب الشعب المصري كل توقعاتنا ويهب بانتفاضة شعبية عارمة تكسر حاجز الخوف، كما صار في الجزائر.

من كان يتوقع أن يقوم الشعب الجزائري من سباته العميق الذي أدخله فيه الجيش بعد عمليات دامية دامت لعقود، قمع فيها الحريات وقضى على كل القيادات السياسية الإسلامية؟ فإذا قدر الشعب الجزائري وجيل متطلع من الشباب على كسر قبضة المؤسسة العسكرية هناك، فأنا أعتقد بأن الشعب المصري والمناهضين لانقلاب مصر يتعلمون من هذا الدرس. فإن كنتم تحكمون بالفشل على توقعات الانقلاب العسكري المحتمل أو ترونه غير قريب، فإنه قد لا يكون بعيدا تحرك الشعب نفسه وقد حسبه الجميع قد مات أو راح في غيبوبة البحث عن لقمة العيش.

هناك من يرى حديثك بمنزلة محاولة احتواء وتبريد للحراك الثوري الاحتجاجي الذي بدأ يحدث داخل مصر.. ما ردكم؟
بالتأكيد ليس هذا المقصود من كلامي. السيسي قلق من فقده الدعم القوي الذي أعطاه له الغرب والأنظمة الاستبدادية في المنطقة. وكذلك هو يتخوف من قيادات المنظومة العسكرية.

والولاء للمنظومة العسكرية في مصر هو فقط لمصلحتها الخاصة، وهم يرون أن السيسي بات يشكل الآن خطرا على مصالحهم ومحافظهم الشخصية.

ولذا، فإن القراءة في وشوك وقوع انقلاب على السيسي من داخل المؤسسة العسكرية هو ليس لأنهم فقط يرونه غير جدي وغير متمالك لقواه العقلية، ولكن لأنهم يخافون على مقدراتهم وأرباح مشاريعهم المتغلغلة في الاقتصاد المصري. أضف إلى هذا، الثمن الثقيل الذي تدفعه مصر من دماء المغيبين والمعتقلين، الذين يُنفذ فيهم أحكام إعدام جائرة.

العمل الحقوقي في مصر والعالم هو وراء غسل الغرب يده من السيسي ونظامه. لا أكشف سرا إن قلت لكم إن الغرب قد تخلى بالفعل عن السيسي وهم ينتظرون تغييرا من داخل المؤسسة العسكرية، لأنه الأقوى والأضمن لمصالحهم في مصر. وإن لم يكن هذا، فبما تفسرون تهافت الممثلين والإعلاميين المصريين الداعمين للانقلاب على دوائر صنع القرار في الغرب، والشكوى منه ومن ظلمه لهم، إن علموا أن سيدهم الانقلابي ما زال هو الطفل المدلل في تلك الدوائر القيادية الغربية؟

في أحد لقاءاته التوعوية قال السيسي لأتباعه، إنه عليهم ألا يجعلوا الأفكار تتسلل بينهم. لماذا؟ لأن الأفكار والشعارات الملتهبة تكون هي وقود الثورات والعمل التحولي الجاد، ولأننا ما علمنا أن الصفارة تحمل فكرة يخاف منها مستبد. الفكرة والعمل الإسلامي المستنير يراهما الكثيرون على أنهما أساس العمل والفكر الإسلامي العنيف، الذي قد يقود إلى حركات انقلابية مسلحة، مما حذا بأصحاب الفكر والقلم أن يوجهوا الشباب إلى وسائل احتجاجية ذات طابع سلمي، يرسم لها صورة أجمل في عيون المجتمع الغربي، وقد تزيد من التعاطف مع قضايا المنطقة في وجه الاستبداد والقمع للأنظمة الحاكمة.

أعتقد أنه حان الوقت، إن كان الشارع المصري يبحث عن تغيير لحالة الفساد والاستبداد والرجوع إلى شرعية الصندوق، أن ينظروا إلى ما يحدث في الجزائر والتيقن أن التغيير يحدث عندما يضع الناس جميعهم أرواحهم على أكفهم وينزلون إلى الشوارع. وهذه أسمى صور العمل السلمي المجتمعي. وقتها يعلم المستبد أنه لن يستطيع أن يبيد شعبه الذي خرج كله إلى الشوارع منددا بطغيانه، وأن العالم أجمع يراقب تعامله مع هذه الجموع.

لكن أن تقول إن الصفير والكتابة على العملات سيغير الاستبداد، فهذا بمنزلة الدعابة والعبث، كما يعتقده المحللون الجادون. لا تعارض بين العمل الاحتجاجي والحقوقي السلمي والفكرة الهادفة التي يمكن مناقشتها والتفاعل معها، وهذه الأشياء هي ما يخيف السيسي ونظامه الانقلابي وداعميه.

ودعني أقول إني لا أروج لانقلاب عسكري تقوم به المؤسسة العسكرية، ولكن ربما يكون كلامي هذا بمنزلة تنبيه للمعارضة ومناهضي الانقلاب في مصر أن يتحركوا لأخذ زمام الأمور بيدهم، وبشكل سلمي يراقبه حقوقيون ومفكرون، كي لا يخرج الأمر من يدهم ويد السيسي إلى رجل آخر، قد يكون في نظر الغرب أقرب إلى تحقيق مصالحهم من معارضة فاشلة ونظام انقلابي دموي، يؤسس لإمبراطورية سيساوية تطيح بكل من دعموه ويقوض مصالحهم.

البعض يقول كيف يتسق كلامك هذا، في حين أن السيسي يتلقى دعما غربيا غير مسبوق، ممثلا في القمة العربية الأوروبية التي عُقدت مؤخرا، واتفاقات التعاون الأمني والعسكري، وأخيرا دعوته للمشاركة كضيف في قمة الدول السبع الصناعية الكبرى في فرنسا؟
تطرقت مسبقا إلى هذه الأصوات المشككة، التي تقول إن السيسي هو رجل الغرب القوي. أنا ما زلت أصر على أنه ليس إلا الرجل الفاشل، الذي يشتري الطماطم الفاسدة لأنه يعلم أن الغربي يهمه حقوق الإنسان، وإن كان هناك من يحمي مصالحه بقتل أهله واعتقال الكفاءات في بلده، فهذا لا يجعله الشريك المثالي ولا الرجل الذي تدعوه إلى وليمة عشاء عيد الميلاد، وتجلس معه أمام المدفئة ليحكي لأطفالك عن مغامراته الدامية في ميادين مصر.

إن هذه المناسبات التي يقيمها السيسي ويدعى إليها، هي مهرجانات عبثية مدفوعة الثمن. هناك من له مصالح ويريد حماية كرسيه. وأعني بالتحديد ولي عهد السعودية وشريكه ولي عهد أبو ظبي. هم ما زالوا يرون في السيسي الحائط الذي يحميهم من موجة ثورية في بلادهم، تطيح بكراسيهم وحكم أسرهم التي تقمع الشعوب في الخليج، وتحاصر دولة شقيقة لهم هي قطر، بينما يفرطون بثوابت شعوب المنطقة.

أنا لا أبالغ عندما أؤكد لكم أن السيسي بات ورقة محروقة بالنسبة لصانع القرار في الغرب، ولذا ترى الشخصيات العامة تنادي من خلف أسوار السيسي على العقلاء في المؤسسة العسكرية ليقدموا البديل. السيسي يعلم أن الغرب لن يتدخل بشكل مباشر، كما يفعل في فنزويلا، ولذا، هو يسجن ويتخلص من الشخصيات القوية كي لا يكون أمام الغرب البديل، سوى ذلكم الرجل الفاشل الذي يحضر لتخليصهم من الطماطم الفاسدة وزيادة أرباحهم في المنطقة. 

لهذا، فإن السيسي ما زال يُقدّم نفسه على أنه المخلص، الذي سوف يحمي أوروبا من الخطر الإسلامي والموجات المتتابعة من الهجرة غير الشرعية على أوروبا. وقد بدأت أوروبا وصناع القرار في الغرب يرون الشر المحدق بهم في تصريحات السيسي، المناهضة لما يروج له على أنه الإرهاب الإسلامي. وكانت ردة الفعل قوية بعد المذبحة الإرهابية في نيوزيلاندا، التي راح ضحيتها العديد من المسلمين الأبرياء في أثناء أدائهم لشعائرهم الدينية السلمية. هذه العملية عزاها الكثيرون من المحللين إلى التصريحات التحريضية العنيفة التي ما انفك السيسي وابن سلمان وعيال زايد يقدمونها في الغرب، وصارت تتلقفها الجماعات الإرهابية اليمينية في العالم لتبرر قتل وإرهاب المسلمين الأبرياء.

إن الدوائر السياسية الغربية لا تريد أن تتحول المظلة الممنوحة للسيسي ونظامه إلى فيضانات من الدماء في بلدانها؛ لذا رأينا أن مقالات وندوات تخرج اليوم تتهم الأنظمة العربية السلطوية بالعداء للإسلام والتحريض عليه، وأهمها المقال التحليلي لمجلة الفورين بولسي الأمريكية، التي تشير بكل وضوح للأعمال والأقوال التحريضية الإجرامية التي تضعها النظم العربية ضد الإسلام. فهي تقول إن كانت الأعمال التحريضية ليست هي التي قتلت المسلمين في نيوزيلاندا، فلا شك أنها رأس الحربة المحرك للإسلاموفوبيا والعداء للإسلام في الغرب.

وهذا يعطيك الدليل على أن الرجل الذي يحضر لشراء الطماطم الفاسدة لن يجد الكثيرين ممن كانوا يبيعونها له، لأن أمواله التي يعطيها لهم مقابل هذه البضاعة الفاسدة قد تتحول إلى سيول دماء في بلدانهم الغربية الأمنة، وهم لا يريدون هذه الاضطرابات. ولذا، صار السيسي إنسانا غير مرغوب فيه، وتحريضه على الإسلام والمصليين، صار حديثا مرفوضا.

هل أنت قريب من دوائر صنع القرار في فرنسا أو الغرب كي تطلع على مثل هذه المعلومات الحساسة؟
أنا لا أعتقد أن قربي أو بعدي عن دوائر صنع القرار في فرنسا والغرب هو محل حوارنا هنا، وهو ليس بمؤشر على الحقائق على الأرض في مصر والعالم العربي. هناك في مصر كارثة حقوقية إنسانية تتمثل في ستين ألفا من الرجال والنساء المعتقلين دون جريمة أو تهمة. وهناك العشرات الذين تم إعدامهم وغيرهم ينتظر وهناك العشرات من المسلمين الأمنين في مساجدهم في البلدان الغربية، الذين يقتلهم التحريض المستمر والعنف المتعمد ضد الإسلام والمسلمين من قبل هذه النظم السلطوية العربية الطامحة للسلطة واستعباد شعوبها.

هناك التغول المقيت للسيسي على مؤسسة أمسكت لعقود عديدة بمقاليد البلاد، وكانت ترى نفسها شريكا في الحكم، بينما السيسي يراها اليوم مزرعته الخاصة وراح يقلم أظفار قادتها كي لا يقاوموه عندما يقرر نقل مقاليد الحكم لابنه، الذي صار الحاكم العسكري الفعلي لمصر من خلال إدارته لجهاز المخابرات المصرية.

المنطقة العربية تغلي والشعوب في الجزائر والسودان تعطيكم المؤشر الأصدق على مدى تململها من القمع والاستبداد، ومن ثم غليان هذه الشعوب ينعكس على دوائر صناعة القرار في الغرب، وكذلك التحريض العنيف ضد الشعوب، وخاصة إن لقي صدى له في الدوائر اليمينية المتطرفة. رأيتم كيف دفع المحركون لكرسي بوتفليقة لإبقائه في الحكم، ولو حتى من خلال التلاعب بمشاعر الجماهير.

حسنا. أنتم لا تريدون التمديد له لعهدة خامسة؟ سوف يخرج عليكم الرئيس ويقول إنه لم ينو الترشح وإن كان لا ينوي المغادرة، بإرادته، في أي وقت قريب.

لذا، عندما أقرأ معكم أنا الحقوقي هذه الوقائع والحقائق في مصر والعالم العربي، والمضرجة بدماء الأبرياء في الداخل والخارج وقد بدأ يفهمها الناخب الغربي المسيحي، فإني أفكر معكم وآمل من الإنسان العربي البسيط أن يقرر لنفسه؛ هل تريدون أن يستبدل حكامكم من لهم مصالح وهامش ربحي في مصيركم؟ أما آن الأوان أن تستعيدوا حراككم الشارعي والثوري، وربما تجعلون من الحراك الجزائري نقطة تحول تدفع السيسي ومن خلفه إلى احترامكم وإرجاع حقوقكم إليكم، إن كنتم ترون أنكم لن تستطيعوا أن تنتزعوها منهم انتزاعا.

وهذا ليس تصريحا مني يفهم على أنه تحريض على أي عمل قد يضاعف معاناة الشعوب المضطهدة في المنطقة، ولكنه الضامن الحقوقي الأوحد والمنقذ لسلسلة طويلة من الأبرياء على قوائم الإعدامات في مصر والسعودية، الذين باتت الدعاية المغرضة والعنيفة المعادية للإسلام والمسلمين تروجها في الغرب نفسه من قبل الأبواق السلطوية العربية.

ألا تعتقد أن السيسي ونظامه حينما يطلعون على تصريحاتكم سيأخذون حذرهم، وسيعملون على إجهاض أي مخطط كهذا سريعا؟ وألا يعد ذلك رسالة تحذير وتنبيه للسيسي من أي تمرد عسكري؟
كحقوقي غربي، أنا لا يعنيني ما يعتقده السيسي، وأنا لا أقوم بإطلاق رسائل التحذير له. السيسي رجل غدر برئيسه وانقلب على إرادة شعبه، واعتقل الآلاف من الأبرياء، وتخلص من العديد ليثبت ولاءه لقوى خارجية. ليس هذا فقط، ولكن السيسي قام بالتحريض العنيف ضد الأقليات المسلمة في الغرب، التي كان نتيجتها المباشرة قتل العديد من المسلمين في مسجدهم بشكل وحشي في نيوزيلاندا، وكل الذين تطرقوا بالتحليل إلى هذا العمل الإرهابي، ألقوا بهذه الدماء الطاهرة على عنق السيسي ومحمد بن سلمان وابن زايد وتصريحاتهم المعادية للإسلام. 

ولذا، سوف تجد السيسي دائم الحذر ممن حوله وتراه وسط قيادات جيشه يحيط نفسه بحراسات خاصة، معلوم أن الإمارات توفرها له وولاء قوات هذه الحراسات الخاصة ليس لحكومة مصر ولا لشعبها، وإنما تعمل فقط مقابل أجر معلوم للحفاظ على حياة السيسي، طالما دفع الداعمون في الإمارات لهذه القوات الخارجية.

ولا أعتقد أن ما أقدمه من معلومات وتصريحات المقصود منه توجيه تحذير لنظام السيسي ليتفادى انقلابا بات وشيكا عليه. ولا أعتقد أن أي معلومات قد ذكرتها سواء بتصريح أو تلميح، هي لتحذير من لا ينام الليل من خوفه المستمر من مثل هذه الانقلابات. وبعدما ينتهي هذا الانقلاب الدموي سوف يكشف الباحثون والتاريخ عن المحاولات المستمرة والمتكررة للتخلص من هذا النظام، مثلما كان يحدث مع نظام الرئيس عبد الناصر وكشفتها الوثائق لاحقا.

وأنا تحدثت بالتحديد عن رغبة القوى الغربية وحتى المحلية الداعمة للانقلاب في مصر للتخلص من تصرفاته التي باتت تمثل عبئا ثقيلا على داعميه، بينما هو يجلس يقهقه ملء شدقيه وكأنه في مسرحية هزلية. ترون هذا في تتابع فرار الممثلين الداعمين للانقلاب بعد فضحهم بأفلام جنسية صارخة أو التضييق على نشاطاتهم الإبداعية، مما يعطيك مؤشرا على خطورة السيسي على كل من حوله سواء كانوا من الجيش أو الطبقة الإعلامية الفاسدة التي شكلت لانقلابه غطاء دعائيا فجا.

 وربما كان المقصد من رسالتي، إن كان هناك لزوم للمقاصد، هو محاولة إيقاظ ضمير السيسي والمحيطين به. فأنا أقول له بطريق غير مباشرة لا تجعل تهافتك على خدمة أصحاب الكراسي في المنطقة ينسيك نفسك، فأنت كقائد انقلاب قد عرضت حياة الكثيرين للخطر، ولا شك أن الدائرة سوف تكون عليك، وهناك ما يسمى بالكارما، وهي لا تخطئ، ومن ظلم الآخرين فإنه سوف يكون دائما مُطاردا بلعنة هؤلاء ودمائهم.

وقد يكون كلامي هذا رسالة إلى ضمير السيسي أن استيقظ وأعد الحقوق إلى أهلها وأفرج عن المعتقلين وقدّم مصلحة بلدك على مصالحك الشخصية، التي قد يعلم أو ينكر أمام نفسه أنها مجرد خدمات يقدمها لأناس لن يترددوا في التخلي عنه، إن صار ورقة محروقة أو ذا تكلفة عالية بالنسبة لهم. وكمنظمات حقوقية نقول له إننا لن نتوقف عن كشف جرائمه وتحريضه العنيف ضد شعبه في الداخل والخارج للمجتمع الدولي، والتقدم بالدعاوى ضده في المحاكم الدولية إن أمكن ذلك.

وهي أيضا رسالة ضمنية للمعارضين بأطيافهم ومناهضي الانقلاب، أن يفكروا في مصير وطنهم وليس فقط مكاسبهم الشخصية، وكي يتركوا الخلافات الشخصية والحزبية جانبا ليكون قرارهم في يدهم، ولا يفرضه عليهم قائد الانقلاب أو من يدعمونه.

أنا شخصيا لا أعلم لما يتوجب على كلامي أن يوضع في صورة تحذير أو يُضاف عليه الصبغة السياسية، فأنا فقط أقرأ معكم الحقائق على الأرض بعيون حقوقية، كل همها التأكد من أن المطامع والمصالح السياسية في المنطقة، لا يدفع ثمنها الأبرياء في سجون الانقلاب، أو الحقوقيون الذين ينتظرون الإعدامات في سجون الخليج، إذا صمت الغرب عن الأهوال والتجاوزات التي يجرها الانقلاب وقائده على المعتقلين وعائلاتهم في مصر.

ودعنا نضيف أنه لا يجب على الأقليات المسلمة في الغرب أن تدفع ثمن التحريضات العنيفة ضد الإسلام والمسلمين، التي يطلقها السيسي وابن سلمان وعيال زايد، والتي راح ضحيتها العشرات من الأبرياء في نيوزيلاندا، وقد تتكرر مثل هذه المجازر الإرهابية بسبب مطامع إجرامية عند السيسي وداعميه.

البعض يقول إن أهم عنصر في أي انقلاب عسكري هو المفاجأة، وأي انقلاب يفقد عنصر المفاجأة حتما سيفشل.. فكيف ترى غياب عنصر المفاجأة بعد هذه التصريحات؟
ما أطرحه هو قراءة لواقع يطالعه ويتابعه الجميع في مصر والمنطقة العربية والعالم. أنا لا أملك أي معلومات استخباراتية أو استراتيجية قد تؤثر على أي مجموعة أو صاحب قرار في مصر.

ولست أنا وحدي الحقوقي الغربي أو المحلل السياسي الوحيد الذي يتكلم بهذه الحقائق. بقراءة بسيطة للتقارير اليومية التي تخرج من دوائر صنع القرار في الغرب، والتي تُنشر بشكل علني سوف تخبرك أن الغرب، والعالم، متململ من السيسي ومحمد بن سلمان ومحركه ابن زايد، وأنهم لا يرون فيهم شريكا حقيقيا في المنطقة العربية. انظر إلى رداءة الاستقبالات التي حظي بها الأمير الشاب قاتل جمال خاشقجي في الباكستان وغيرها، ورغم محاولته شراء صور دعائية مع زعماء دوليين، لكن جهوده لم تفلح.

تصريحاتي هذه ومقابلتي معكم هي صرخة حقوقية كي توقظ الجميع، بما فيهم الناخب المسيحي الفرنسي ليضغط على صانع القرار في فرنسا والغرب وكذلك الشعوب العربية، أن يدعموا الضعفاء والمعتقلين، ويحموا الأقليات المسلمة في بلادهم من جرائر التحريضات العنيفة التي يطلقها السيسي ضد المسلمين، وتلتقطها الجماعات اليمينية المتطرفة ويذهب ضحيتها أطفال ونساء وشيوخ أبرياء.

وأنا لست رجلا سياسيا، وإن كنت مقربا من بعض السياسيين، ولكني أكرس كل قواي ومواردي للدفاع عن المظلومين، ولن أقتصر جهدا للتوعية والتنبيه إلى ضرورة التغيير السلمي والأخلاقي في المنطقة العربية، بشكل يقدم للإنسان العربي ما يحلم به من حرية وعدالة وكرامة وأمان تضمنها جميع الدساتير الدولية، وتدافع عنها منظمات حقوق الإنسان.

ومن خلال كلامي معكم، أنا أتمنى أن أجد في كل من يقرأ كلامي هذا شركاء في التغيير السلمي، ولو مجرد تغيير النظرة إلى الحقوق والواجبات التي على الجميع تقديمها والتحلي بها. أنتم المواطنون العرب لا تحتاجون حقوقي غربي مثلي ليقول لكم: هبوا للدفاع عن الضعفاء بينكم، وقدموا الحلول لأنفسكم قبل أن تُفرض عليكم، ولا يكون لكم وقتها مكان على طاولة التحاور والمفاوضات.

بوضوح.. ما هي طبيعة الدعم الغربي الذي قد يقدم لمحاولة الانقلاب على السيسي؟

أنا لا أملك مثل هذه المعلومات ولا أروج لدعم غربي لأي انقلاب، ولا أتمنى أن تستمر المنطقة العربية ومصر في دوامة انقلابات يديرها الغرب وأصحاب المصالح الخليجية. ربما تكون قراءتي هذه معكم هي بمنزلة الرجاء من أصحاب القرار والمصير المشترك في المنطقة من شعوب، تظن أنه حُكم عليها البقاء تحت أقدام الانقلابات، فيصنعوا لأنفسهم قرارهم الخاص ويقدموه كحلول لا اختيار لغيرها لكل من يريد التعامل معهم.

وأنا كحقوقي غربي، أهتم بأوضاع المعتقلين والمغتصبات والمغيبين قسريا في مصر، وأخيرا بدأنا ننظر إلى الأقليات المسلمة في الغرب على أنها ضحايا لتحريض عنيف يشنه السيسي وعصابته وداعموه ضد الإسلام والمسلمين، بهدف كسب دعم المجتمع المسيحي الذي اكتشف أنه لا يريد أن يكون شريكا في دماء الأبرياء من المسلمين المقيمين بينهم، وأتمنى من الجميع سواء في بلادنا أو في مصر والمنطقة العربية، أن يراعوا حساسية أحوال هؤلاء المعتقلين وأسرهم، ويضعوا مصالحهم جميعا جانبا، فإن التاريخ لن يرحم من يبني مجدا مزيفا بدماء الأبرياء.


السبت، 9 مارس 2019

لقاء خاص مع فرانسوا دوروش

لقاء خاص

دوروش لـ"عربي21": انقلاب عسكري محتمل على السيسي قريبا

  دوروش: لا أحد في أوروبا يخفي استياءه من ممارسات السيسي وهناك رغبة غربية للتخلص من    تبعات نظامه 



أمريكا ودول أوروبية تلمح الآن بأن الجيش قد ينقلب على السيسي


شخصيات غربية بعثت مؤخرا رسائل للجيش المصري لتغيير الأوضاع القائمة


لا أحد في أوروبا يخفي استياءه من ممارسات السيسي وهناك رغبة غربية للتخلص من تبعات نظامه


أوروبا تركت للجيش فرصة التقدم ببديل للسيسي.. وتعديل الدستور يتم بشكل مسرحي مخز



الحكومات المستبدة تقدم نفسها على أنها الصديق الوحيد للغرب وأن شعوبها عبارة عن همج وقتلة


كشف رئيس الاتحاد الوطني للأطباء الفيدراليين في فرنسا والحقوقي الدولي، فرانسوا دوروش، أن أمريكا وبعض الدول الأوربية تُلمح حاليا بأن الجيش المصري قد ينقلب على رئيس النظام عبدالفتاح السيسي خلال الفترة المقبلة، لإنهاء ما وصفه بالتخبط والفشل والفاشية الذي صار سمة أساسية من سمات نظام السيسي الفردي السلطوي التعسفي.

وأشار، في الحلقة الثانية من مقابلته الخاصة مع "عربي21"، إلى أن "أوروبا تركت للمصريين وخاصة للجيش فرصة التقدم ببديل للسيسي"، مؤكدا أنه "لا أحد في أوروبا يخفي استياءه من ممارسات السيسي؛ فهناك رغبة غربية للتخلص من تبعات هذا النظام المتخبط".

وأكد أن "هناك بعض الشخصيات الغربية (رفض الإفصاح عن هويتها) بعثت مؤخرا رسائل للجيش المصري مفادها أنه ينبغي عليه القيام بمهامه لنقل مصر من هذه المرحلة العبثية إلى مرحلة تضمن لأوروبا شراكة مصرية معتدلة وغير مبنية على هذا القتل والاعتقال والتغييب القسري خارج نطاق القانون المصري والدولي".

وفيما يلي نص الحلقة الثانية من المقابلة الخاصة:

كيف كانت تنظر فرنسا لحكم الرئيس المصري محمد مرسي وجماعة الإخوان خلال فترة حكمه القصيرة؟

فرنسا كشعب لم يتوفر لها التعرف بشكل كاف على فترة حكم الرئيس مرسي إلا من خلال المشاكل والأزمات المُفتعلة، والتي عرفنا جميعا بعدها أنها كانت تُدار من خلال طرف ثالث أراد أن يُصور لفرنسا والعالم أن مرسي والإخوان نظام فاشل في إدارة حكم البلد وعجز عن توفير الخدمات للناس.

وليس هذا فقط، ولكن كذلك قدموا لنا فزاعة أن الإخوان جاءوا ليقضوا على إسرائيل، وأنهم سوف يعيدون حلم الخلافة ويهددون أوروبا بالدمار والمد الإسلامي الذي يخاف منه الكثير في فرنسا وأوروبا.

لذا، كانت صورة مرسي مشوشة من خلال أولا قصر فترة حكمة ثم الحملات التشهيرية التي قام بها الطرف الثالث والدول التي دعمته لتدمير صورته وحكمه في عيون المواطن المسيحي الغربي.

وكيف ترى فرنسا وأوروبا المعارضة المصرية الآن؟

مع الأسف لا توجد معارضة مصرية موحدة حتى الآن. ويبدو أن كثيرا من الناس قد غلبت عليها المصلحة الخاصة وقدموها فوق المصلحة العامة والوطنية. ونحن نسمع في فرنسا والإعلام بشكل شبه يومي عن مبادرات من بعض الفئات والكوادر التي تُحسب على المعارضة المصرية، وأنا شخصيا أرى في تلك المبادرات تضييعا لثوابت وحقوق الشعب المصري.

هل الإشكالية في غياب البديل للسيسي المقبول لدى الغرب كي يرفع يده عنه؟

نحن الآن في أوروبا والغرب صار عندنا مشكلة. هناك دول دعمت الانقلاب في مصر وسوقت له في الغرب على أنه البديل والمخلص من حكم الإخوان وما يترتب عليه من تهديد لإسرائيل والغرب. لكن لا أحد في أوروبا يخفي استياءه من ممارسات السيسي، وإذا تكلمت أنت مع أي من القادة الغربيين سوف تجدهم ينأون بأنفسهم عن عمليات الإعدام التعسفية التي تحدث في مصر.

ومما يبدو مؤخرا أن أمريكا وبعض الدول الأوربية التي كانت تعطي غطاءً للسيسي صارت تلمح له الآن بأن الجيش الذي قام بالانقلاب على مرسي قد ينقلب عليه هو الآخر خلال الفترة المقبلة، لأن الجيش يقدم نفسه مُجددا على أنه الشريك المناسب لأوروبا والغرب، وقد يتقدم لحل الأزمة الحقوقية والاقتصادية والسياسية، وينهي التخبط والفاشية والفشل الذي صار سمة أساسية من سمات نظام السيسي الفردي السلطوي التعسفي.

وأنا أعتقد أن أوروبا في غياب دور الدول الخليجية الداعمة للانقلاب تركت للمصريين وخاصة للجيش فرصة التقدم ببديل للسيسي.

ولذا، رأينا السيسي في زيارته الخارجية الأخيرة يعود ليذكر الأوروبيين والغربيين بأخطار ما سماه هو بالإرهاب الإسلامي وحذر الأوروبيين من المصلين المسلمين في مساجد أوروبا. هو رجع ليذكر الذين تململوا من ممارساته أنه هو صمام الأمان لهم ولأوروبا وإلا سوف تحدث التفجيرات التي تحدث في مصر.

ورأينا في نفس أسبوع سفره للخارج قيام عمليات تفجير في نطاق الأزهر الشريف في مصر وكذلك قتل جنود مصريين في سيناء.

وأؤكد لكم أن هناك رغبة أوروبية وغربية للتخلص من تبعات هذا النظام المتخبط، ولكن لا يبدو أنه هناك تصور موضوعي للبديل المدني، ولذا بعثت بعض الشخصيات الغربية للجيش المصري مؤخرا برسائل مفادها أنه ينبغي عليه القيام بمهامه لنقل مصر من هذه المرحلة العبثية إلى مرحلة تضمن لأوروبا شراكة مصرية معتدلة وغير مبنية على هذا القتل والاعتقال والتغييب القسري خارج نطاق القانون المصري والدولي.

لماذا ترى أن مصر أصبحت صندوق قمامة لفرنسا وأوروبا؟

أنا لا أرى هذا، لأن لمصر صورة جميلة ورومانسية في عقول وقلوب الكثير من الناس في أوروبا. ولكن إن كنت تقصد الكلام عن الصفقات المشبوهة التي يتمها النظام الانقلابي في مصر لمساعدة بعض الشركات والمشاريع الفاشلة فهذا ليس ذنب أوروبا وفرنسا، ولكنه التصرف الوحيد الذي يراه نظام السيسي مناسبا للتعامل مع الغرب.

أعطيك مثالا: إذا ذهبت أنت إلى السوق لشراء الطماطم ورأيت الكثير من ثمار الطماطم قد فسدت ويريد البائع أن يلقيها في القمامة فقلت له أنا سوف أشتريها. الرجل لن يغضب منك ولن يقول لك خذ الطماطم الجيدة. الرجل ينظر إلى مكسبه ومصلحته الشخصية. وعلى هذا الأساس إذا جاء نظام السيسي لشراء تقنيات متقدمة تبيعها فرنسا وأوروبا إلى جميع دول العالم فهذا لن يعطيه صورة المنقذ والمخلص التي يسوق نفسه بها في أوروبا. ولكنه عندما يذهب لشراء الطماطم الفاسدة فإن كل التجار سوف يحبونه.

وبكل تأكيد مصر سوف تمر من هذه المرحلة وتعود شريكا جيدا لأوروبا والعالم وتكون منارة للفكر والمعرفة كما كانت منذ سبعة آلاف سنة وإلى الآن.

السيسي يسعى لتعديل الدستور من أجل البقاء في منصبه مدى الحياة.. كيف تتابعون هذه القضية؟

هذه القضية تتم بشكل مسرحي مخز. هذا رجل متخبط قام بإلغاء الدستور الذي توافق عليه الشعب المصري وصوتوا عليه ووضع دستورا كما ادعى لتفادي المشاكل التي كانت في دستور الإخوان، كما كانوا يسمونه. ولكنه يريد الآن أن يعدله ليضمن لنفسه بقاءً في الكرسي مدى الحياة وفي هذا مخالفة صريحة لنصوص الدستور الذي وضعه السيسي نفسه.

نحن لا نرى فائدة لمثل هذه التعديلات، والغرب كذلك يعلم أن الدستور ليس هو من جاء بالسيسي، ولكن هناك إرادة لقمع المواطن البسيط واستمرارية سياسة خاطئة. مع الأسف أن أوروبا والغرب قد سمّنت وحشا وصار من الصعب عليهم التحكم فيه وفي ميوله السادية. ولذا بدأ بعض السياسيين الغربين ممن دعموا الانقلاب في التوجه مباشرة ومن خلال الإعلام إلى الجيش المصري مطالبين إياه بأن يقوم بواجبه في تصحيح الوضع الكارثي في مصر.

وهل فرنسا أعطت السيسي الضوء الأخضر لتعديل الدستور والبقاء في الحكم للأبد؟

لا أعتقد أن فرنسا يمكنها القيام بهذا. فرنسا بشكل عام غير راضية عن ممارسات السيسي ورأينا في زيارة الرئيس ماكرون الأخيرة إلى مصر أنه متضايق من كثير من ممارسات السيسي ويريده أن يبدلها. ولكنه لم ير منه سواء الاستمرار في تمثيل دور المخلص والمنقذ.

ولقد تابعنا جميعا ما قاله السيسي لماكرون من أن الديمقراطية الغربية لا تصلح لمصر، وأن ما لديكم من حقوق وواجبات لا يمكن إحداثها في مصر وكلام كثير مما يوحي بالنظرة الدونية للسيسي إلى المواطن المصري، وأنه يرى نفسه في صورة فرعون أو إله يقرر لنفسه ولشعبه حتى صار من الصعب لمن تحالفوا معه في السابق أن يستمروا في دعمه.

نحن فعلا نرى أن الكثير من الدول الغربية إما أنها ترفع الغطاء عن السيسي أو يجدون أنفسهم في موقف محرج فإن الرجل الذي قدم لشراء الطماطم الفاسدة صار اليوم يتفاخر بأنه الوحيد القادر على إنجاز كل صفقاتهم المخجلة.

ويحضرني هنا قول الدكتور الشيخ علي القرة داغي عندما قال في تغريدة له على تويتر:" قام فرعون مصر القديم بقتل كل المواليد الذكور خوفا من زوال مُلكه على يد أحدهم. وها هو فرعون مصر الجديد يقتل خيرة شباب مصر خوفا من زوال ملكه. زال مُلك فرعون القديم وهلك وجعله الله عِبرة ليوم القيامة. وسيزول مُلك فرعون مصر الجديد وسينتصر الحق ولو بعد حين".

لكن لماذا يُصر الغرب على دعم المستبدين في المنطقة؟

نحن في الغرب لا نفرق بين حقوق الإنسان في بلادنا وتلك التي يجب أن يتمتع بها الناس في جميع أنحاء العالم. بعض الحكومات المستبدة تقدم نفسها على أنها الصديق الوحيد للغرب، وأن شعوبها عبارة عن وحوش وهمج وقتلة، وأنه يجب على الغرب دعم تلك الحكومات كي تأمن على أنفسها وحياة أولادها.

إذا جاءك من يقول لك أن وراء هذا الجدار مجرمون سوف يقتلون أطفالك وأنه هو الوحيد القادر على حمايتك، ماذا ستفعل؟ أنت يهمك في المقام الأول تأمين الحماية لأولادك ومن تعول.

ولذا، نحن كمنظمات مجتمع مدني وحقوق إنسان نتكلم دائما ونحاول الكشف عن زيف هذه الادعاءات، وأنه لا يوجد صراع ولا تصادم بين الإسلام والغرب، وأن الخطر الحقيقي لا يجلبه أولئك الشباب الصغار الذين قتلهم السيسي بدم بارد ومنهم طالب كان يقدم امتحانات السنة الأخيرة في كلية الهندسة. ولكن الخطر الحقيقي هو الأنظمة التي تأتي لتبيع لنا الوهم وهدفهم تأمين أنفسهم؛ فهؤلاء لا تهمهم أوروبا ولا يهمهم المواطن العربي البسيط، ولكن يهمهم كرسيهم وكروشهم المنتفخة.

هل دعم المستبدين في المنطقة قد يكون له عواقب وخيمة مستقبلا على الغرب؟

الغرب لا يدعم بشكل مباشر أي نظام استبدادي وقمعي، ولكن هناك حقائق تقدم لصناع القرار في الغرب ويرون أنه من مصلحة حكوماتهم وناخبيهم أن ينظروا إليها بعين الاعتبار. ونحن بدورنا نكشف هذه الحقائق على أنها زائفة، وأن من يقدمها هو مجرد رجل محتال أو مجموعة من اللصوص قد سرقوا مقدرات شعوبهم، وبالتالي هم يستخدمون القوة الغربية لدعم وتمكين كراسيهم.

نحن في الغرب نؤمن بالشراكات. ولذا كمواطنين ونشطاء سياسيين نحن نتكلم إلى المعارضة المصرية والمضطهدين العرب وندعوهم إلى بذل المزيد من الجهد لإيصال صوتهم وصوتنا وصوت المقهورين كي لا تكون قصة وحكاية المستبد هي القصة الوحيدة المسموعة.

ما هو الموقف الغربي من الحراك الذي يحدث حاليا في الجزائر والسودان‏؟

ما قلناه عن الأنظمة العربية ينسحب على الجزائر والسودان، فكما تعلمون أن هناك قوى سياسية تستخدم أساليب قمعية لتمرير فترة خامسة لرجل أقل ما يقال في حقه أنه يحتاج إلى التقاعد والابتعاد تماما عن الحياة السياسية، فهو يجعل المراقب ينظر إلى الجزائر على أنها بلد انعدم من القيادات والمؤهلات ولم يعد فيها من يصلح لإدارة دفة الحكم سواء عن طريق الانتخابات أو السيطرة العسكرية، وإلا ما سر التمسك برجل مريض للغاية وغير قادر على التواصل مع محيطة القريب، فضلا عن شعبه والعالم الخارجي.

وواضح أن الشعب الجزائري بات يرفض ما تفرضه عليه الجوقة المحيطة بالرئيس المريض ويحاولون الخروج على وصاية الجيش الذي اعتقد أن الربيع العربي بعيد عن بلده خاصة بعد شتاء دام رهيب استمر حقبا بعد نجاح الإسلاميين في الوصول إلى الحكم.

أما بالنسبة للوضع في السودان فهو شائك؛ لأن البشير في وضع حساس لأنه مطلوب دوليا بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وهو يريد السيطرة على السودان، كما فعل السيسي في مصر، ولذا هناك تقارب غريب بين عدويين كانا منذ فترة قصيرة يهددون بعضهم كما الصبية في الحارة، ورأينا أن السودان كان يهدد بأخذ قضية حلايب وشلاتين إلى التقاضي الدولي.

واليوم نرى زيارات من البشير إلى سوريا ومصر لتأييد النظام هناك ولحثهم على الوقوف إلى جانبه ونحن لا نستبعد وجود عامل المال الخليجي في هذه اللعبة فأي حراك شعبي سواء في الجزائر أو السودان أو أي بلد عربي يقلق أصاحب السمو والمعالي في الخليج، لأنهم يخافون من شرارة قد تصل إلى أراضيهم التي صارت أشبه بكومة القش، والتي تنتظر أقل شرارة لتلتهب.

وما هي رؤيتكم لوعود الرئيس السوداني عمر البشير بالإصلاح والتغيير؟

البشير يعد بإصلاحات ثم يتراجع عنها، وأي إصلاحات تلك التي يتكلم عنها، وهو الذي جاء بانقلاب عسكري ومزق السودان وضيّع الجنوب. نحن ننظر إلى نظام البشير فنرى مستقبل الانقلاب في مصر بعد ثلاثين عاما من الترهل والفساد والقمع.

لكن هل يستمر الشارع السوداني في الحراك حتى يحدث التغيير؟



هناك تعويل على الشباب والمعارضة التي تقدم خطوة وتأخر خطوة؛ فهم يأملون أن يستمر البشير بالتعاطي السلمي معهم إلا أننا نراهم يتراجعون كلما حدث مواجهة دامية أو سقط ضحايا.



اقرأ أيضا: فرانسوا دوروش: أنظمة العرب تدفع للغرب ثمن بقائها في الحكم

الجمعة، 1 مارس 2019

لقاء خاص مع فرانسوا دوروش

لقاء خاص 
فرانسوا دوروش: أنظمة العرب تدفع للغرب ثمن بقائها في الحكم

دوروش قال إن الإعدامات في مصر تتم بصورة ممنهجة لترهيب المجتمع المصري

وصف رئيس الاتحاد الوطني للأطباء الفيدراليين في فرنسا والحقوقي الدولي، فرانسوا دوروش، القمة العربية الأوروبية التي عُقدت مؤخرا بمدينة شرم الشيخ المصرية، بحفل تنكري يقوم فيه "الأوروبيون بجمع الأموال من الأثرياء العرب العابثين، لدعم الاقتصادات الأوروبية بشكل أقرب لدفع الجزية منه لأي شيء آخر".

وقال دوروش، الذي يشغل أيضا منصب رئيس منظمة عدالة وحقوق دون حدود، في الحلقة الأولى من مقابلته الخاصة مع "عربي21"، أن الإعدامات في مصر تتم بصورة ممنهجة وبشكل ترهيبي للمجتمع المصري، كي لا تكون هناك أي معارضة لنظام السيسي.

ودعا المهتمون بالشأن المصري وخاصة المعارضة، إلى ضرورة التوضيح للغرب بأنه لا يوجد ما يسمى بمصطلح "الإرهاب الإسلامي"، الذي يحذر منه السيسي ونظامه الانقلابي، قائلا، "إن هذه مخططات تديرها أجهزة مخابرات تابعة للنظام الانقلابي في مصر وعملياتها تحدث في أوقات بعينها لترسل برسائل محددة إلى الغرب، ومفادها وجوب دعمه، وإلا واجهوا الخطر الإسلامي وحدهم".

وأضاف دوروش: "يجب أن نعمل جميعا لكشف هذه المخططات والأيادي الخفية التي ترسم الوحش الإسلامي المستخرج من كتب الأساطير، الذي يتعارض تماما مع تعاليم الدين الإسلامي وتطبيقاته على أيدي المسلمين البسطاء والمثقفين في الغرب وفي الدول الإسلامية".

وفيما يلي نص الحلقة الأولى من المقابلة الخاصة:

 
كيف تابعت القمة العربية الأوروبية التي عُقدت مؤخرا بمدينة شرم الشيخ المصرية؟

كان هناك ترويج إعلامي مصري على أن هذه القمة العربية الأوربية هي تتويج للدبلوماسية المصرية الناجعة على مرور الأعوام الخمس الماضية، وقد كان شعار هذه القمة "الاستثمار في الاستقرار"، لكن عن أي استقرار يتحدثون؟ هناك ما يزيد عن 60 ألف معتقل سياسي، ومنذ أيام قليلة تم إعدام تسعة من الشباب لا يزيد عمرهم عن الـ 25 عاما بتهم مزيفة، فضلا عن كارثة حريق قطار "محطة مصر".

الأنظمة العربية الفاسدة تشتري مثل هذه المؤتمرات بمليارات تدفعها لدعم الاقتصادات الأوروبية بشكل أقرب لدفع الجزية منه لأي شيء آخر.

وعندما يطلق السيسي والملك سلمان مؤتمر قمة عربية أوربية، فنحن نتساءل: أين هي قطر في هذه القمة؟ كيف تذهب إلى الأوروبيين وتسمي مدينة شرم الشيخ "مدينة السلام"، في وقت أنت تُحاصر فيه أهلك وتقاطعهم؟

مصر والسعودية يهاجمون قطر ويتهمونها بالإرهاب والعمالة لإسرائيل وإيران، بينما هم يمدون يد المحبة والإخاء للغريب. أليس أهل الرحمة والقرابة أولى بهذه المحبة والسلام؟

ونلاحظ أن هذه القمة تتبع زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى باكستان والصين والهند. في بلد ذهب يشتري تأييدهم بالمال والمشاريع، وفي بلد آخر ذهب يؤيد الانتهاكات المخزية لحقوق المسلمين والتطهير العرقي.

ويُلاحظ أن الملك سلمان هو الذي حضر المؤتمر ولم يحضر ابنه الأمير الشاب (قاتل الصحفي جمال خاشقجي). وهذا يؤكد أن حضور القادة الأوروبيين قد تم بشروط خاصة، لأني لا أعتقد أن أي من الزعماء الأوروبيين في هذه المرحلة سوف يغامر بالظهور جنبا إلى جنب مع من يتهمه الأتراك وكثيرون بأنه صاحب قرار قتل خاشقجي وتقطيعه.

هناك مصالح أوروبية في هذا المؤتمر وأن السيسي يمكن تشبيهه برجل يذهب كل يوم إلى سوق الخضروات ويقوم بشراء الطماطم الفاسدة من التجار، وهو يعلم أنه لا يقدر أن يشتري منهم غيرها، وهم يرحبون بهذا الرجل الذي يحول خسائرهم في الطماطم الفاسدة إلى أرباح. وهو يفعل هذا ويعلم أنه يخسر المال، ولكنه يشتري ودّهم بالطريقة الوحيدة المسموح له بها.

وسوف يظل السؤال: هل يقبل الناخب الأوروبي بمساومات هذه النظم القمعية، وتقديمها خدمات رديئة للتغطية على تجاوزاتها الفاضحة في حقوق الإنسان؟

وهل نجحت سياسة النظم العربية القمعية في شراء ولاءات الحكومات الأوروبية مقابل المال؟

أعتقد أن هذه الأنظمة واهمة إذا ما اعتقدت أن بدفعها المليارات للحكومات الأوروبية سوف تضمن الاستمرار في قمع شعوبها وتأمين أنظمتها الاستبدادية. لا شك أن مؤتمر القمة العربية – الأوروبية هذا، قد طغى عليه تقرير الأمم المتحدة الخاص بالتحقيق في جريمة اغتيال خاشقجي الوحشية، وكذلك التقارير المنددة بعمليات الإعدام في مصر والإخفاء المستمر للعلماء والمعارضين والناشطات الحقوقيات في السعودية.

هناك تخوف كبير في الدول العربية وخاصة مصر والسعودية من عواقب تجاوزاتهم اللاأخلاقية، ولذا تراهم متهافتين على الغرب لإيجاد شرعية لهم أو غطاء أمام الضغوط المتزايدة، ويجب ألا نغفل ظاهرة هروب النساء من السعودية وتزايدها مؤخرا، وما يشير إليه عالميا من أنه لا أمان في ظل نظام محمد بن سلمان والسيسي.

ونحن نعرف أن الدول العربية المشاركة في المؤتمر ليس لها قرار، وأن قرارات هذه الدول يصنعها الرز الخليجي فقط. الأوروبيون يهتمون بمصالحهم الشخصية وهم يرون السعودية تعطي الأتاوة والجزية إلى ترامب، والأوروبيون لا ينظرون إلى هذه المؤتمرات أكثر من مجرد حفل بزي تنكري لجمع الأموال من الأثرياء العرب العابثين.

أما عن حقيقة الدعم الأوروبي، فهذا غير موجود تماما إلا في عقول الإعلام المصري والسعودي وليس له وجود أو أثر ملموس على أرض الواقع، إلا إذا اعتبرنا أن صفقات السلاح والطائرات العتيقة لها أي تأثير على قوة واستمرار النظام الانقلابي في مصر.


برأيك: هل قد يتبع القمة العربية – الأوروبية مسارا ونهجا مختلفا بين الجهتين؟

لا أعتقد ذلك. نحن لا نرى أن أوروبا تنقل أي تقنيات صناعية أو زراعية متطورة إلى مصر. وكذلك لن نجد بعد هذه القمة وغيرها أي تغير في تسيير حركة الطيران والسياحة إلى مصر؛ لأن هذه قرارات لا يملكها القادة الأوروبيون، ولكن يقررها المواطن الأوربي.

ولذلك، من غير المحتمل أن نرى في القريب أي سياح روس في "مدينة السلام" الاسم الذي أطلقوه على مدينة شرم الشيخ في هذا المؤتمر، بعدما تحولت إلى مدينة أشباح والسياح يخافون أن يلقوا مصير الباحث الإيطالي ريجيني أو يتم إسقاط طائراتهم، كما حدث مع السياح الروس. وإن أنكر النظام المصري تورطه في كلتا العمليتين، فإنه بصورة أو بأخرى يقول للأوربيين نحن ليس لدينا القدرة على حمايتكم.

الذي يؤكد للجميع أن هذه المؤتمرات أشبه بالحفلات التنكرية، أننا سوف نراها تُقام وتنتهي دون أن يحدث أي عملية مماثلة للعمليات الإرهابية، التي حدثت في الأزهر أو سيناء في الفترة الأخيرة. وهذا يؤكد أن الوضع الأمني في مصر والمنطقة هو مسرحية يضع قصتها المستفيدون الأوحدون من سخونتها وبرودتها حسب احتياجاتهم.


السيسي دائما ما يتحدث في مؤتمراته بالخارج عن الإرهاب والهجرة غير الشرعية.. فهل الغرب مقتنع بالفعل أن وجود السيسي يمنع الإرهاب والهجرة غير الشرعية؟

نعم السيسي يُسوق نفسه على أنه المُخلص والمنُقذ لأوروبا مما يُسوقه هو وبعض الأنظمة في المنطقة على أنه "الإرهاب الإسلامي"، والكثير من المواطنين البسطاء يستاؤون لرؤية المهاجرين غير الشرعيين وهم يملؤون طرقات فرنسا وأوروبا. فإذا جاء لهم رجلٌ محتال وقال أنا سوف أخلصكم من كل هذه المشاكل، فإنهم بالتأكيد سيتعاونون معه ويشجعونه تماما مثلما ذكرت في قصة الرجل الذي يذهب كل يوم ويشتري الطماطم الفاسدة.

وطبعا أوروبا ليس لديها حل سهل وبسيط لمشكلة الهجرة غير الشرعية والتطرف، خاصة أن الذين يدفعون المواطنين البسطاء لترك بلدانهم والفرار لأوروبا، هم أنفسهم الذين يأتون في صورة المُخلص وأنهم عندهم الحل لتلك المشاكل.


كيف ترى تنفيذ أحكام الإعدام بشكل متواصل في مصر؟

من وجهة نظر حقوقية فإن هذه جريمةٌ نكراء، خاصة أن هذه الإعدامات تتم بصورة ممنهجة وبشكل ترهيبي للمجتمع المصري. سمعنا وشاهدنا كيف أن الشباب الذين قام نظام السيسي مؤخرا بإعدامهم قد قدموا شهاداتهم للمحكمة، بأن اعترافاتهم تمت تحت التعذيب والصعق بالكهرباء.

هذه العمليات الممنهجة هدفها إسكات المجتمع وتخوفيهم كي لا تكون هناك أي معارضة للنظام الانقلابي القمعي في مصر.

ويجب أن يعلم الجميع أن جريمة الإعدامات المستمرة في مصر بمنزلة بالون اختبار يقوم بها النظام السعودي في مصر، حيث هناك قائمة طويلة من علماء الدين والإصلاحيين السعوديين المهددين بالإعدام، وعندما يدفع الكفيل السعودي برجله في مصر إلى تنفيذ هذه الأحكام في مصر، فإنه يريد أن يقيس ردة الفعل الحقوقي والغربي لينظر هل أصبح الوقت مناسبا للقيام بالتخلص من هؤلاء العلماء أم لا. ويؤيد هذه الفكرة ما جاء على لسان ابن أحد الشيوخ السعوديين المهددين بالإعدام.


لماذا لم نجد أي رد فعل دولي سواء من فرنسا أو غيرها من الدول الغربية إزاء تنفيذ الإعدامات؟

هناك العديد من الهيئات والمنظمات الحقوقية التي دائما ما تندد بمثل هذه الانتهاكات لحقوق الإنسان بشكل عام وعمليات الإعدام التعسفية والانتقامية بشكل خاص. أنتم تعرفون أن عقوبة الإعدام تتعارض مع القوانين الأوروبية، ولكن عندما تصبح الإعدامات وسيلة للترهيب، فإن الضمير المجتمعي العام يقوم برفضها، وهذا ما نقوم به نحن بالتعاون مع الكثير من المنظمات الحقوقية المتابعة للشأن المصري بشكل عام.

نعلم أن الكثير من الدول تنظر إلى نظام السيسي من منطلق مصالحها الخاصة، ولكن قتل الشباب بتهم غير مثبتة وبمخالفة صريحة وواضحة للقوانين المصرية والدستور الذي وضعه الانقلاب أمر مشين ومرفوض جملة وتفصيلا.

وهناك دول أوروبية ترى أن مصلحتها في التعاون مع السيسي الذي جعل من نفسه حامي لحدود أوروبا ضد الهجرة غير الشرعية، وما يُخوف به أوروبا مما يسميه هو وأعوانه "الإرهاب الإسلامي"، وهذان الأمران هما فزاعات تستخدمها بعض الأنظمة لتبرير دعمها وتحالفها مع نظام الانقلاب في مصر.

لكن الشعوب في أوروبا والمنظمات الحقوقية عليها دور كبير في توضيح زيف هذه الادعاءات وهذه الفزاعات، وسوف نستمر في بذل الجهد لكشف الحقيقة، وأن السيسي ونظامه الانقلابي لا يحمون حدود أوروبا، ولكنهم يوترون العلاقات بين أوروبا والمسلمين سواء منهم المقيمون في بلادنا أو في مختلف أنحاء العالم.

حينما تحدث أي عمليات عنف ضد قوات الأمن المصري أو الأقباط تسارع الدول الغربية بإعلان إدانتهم للحادث وتضامنهم مع النظام، بينما يتم تجاهل الجرائم والمجازر التي يرتكبها النظام بحق المعارضين. كيف ترون هذه المفارقة؟

نعم هذا صحيح. لأن نظام السيسي يعلم حساسية الغرب لقضايا المسيحيين في المشرق العربي. ولذا عندما يقوم هو ومن يتعاون معهم بمثل هذه العمليات، فإن الأنظمة الغربية تسارع لإدانة هذه العمليات لأننا كما نهتم بحقوق الإنسان في مصر ،فإننا لا نفرق بين الديانة والجهة التي يتم عليها الاعتداء ،إلا أن الحساسية تكون أكبر لقضايا المسيحيين لتلامسها المباشر مع قضايا واهتمامات الناخب في الشارع الأوروبي.

والسيسي ونظامه الانقلابي دائما ما يهددون أوروبا والغرب من خطر ما يسمونه "الإرهاب الإسلامي"، ليضمن إغماض الشارع المسيحي في الغرب عن تجاوزاته ضد الشباب الذين يختفون قسريا، ثم تُنفذ فيهم أحكام إعدام جائرة. الربط بين تلك الفزاعة وجرائم النظام المصري هي ما يعطيه غطاء.

وأقول إنه يجب على المهتمين بالشأن المصري سواء كانت المعارضة أو مناهضو الانقلاب أو مؤيدو الشرعية أن يكشفوا للشارع المسيحي الغربي عامة، وليس فقط للنخب الحاكمة، أنه لا يوجد ما يسمى "الإرهاب الإسلامي"، كما أشار إلى ذلك الرئيس التركي طيب أردوغان ورفض التوصيف الفرنسي. وأن هذه مخططات تديرها أجهزة مخابرات تابعة للنظام الانقلابي في مصر، وتحدث في أوقات بعينها لترسل برسائلها إلى الغرب مفادها: "إما أن نضرب بيد من حديد على رؤوس هؤلاء، أو أنه سوف يحدث لكم مثلما يحدث لهؤلاء الأبرياء من المسيحيين في بلادنا".

يجب أن نعمل جميعا لكشف هذه المخططات والأيادي الخفية التي ترسم الوحش الإسلامي المستخرج من كتب الأساطير، الذي يتعارض تماما مع تعاليم الدين الإسلامي وتطبيقاته على أيدي المسلمين البسطاء والمثقفين في الغرب وفي الدول الإسلامية

وكيف تنظرون لأوضاع حقوق الإنسان في مصر الآن؟

الجميع ينظر إلى أوضاع حقوق الإنسان والانتهاكات المستمرة في مصر على أنها الأسوأ في تاريخ مصر الحديث والمعاصر.

نعم. نعلم أنه في الحقب الماضية كانت بعض الأنظمة تستخدم فزاعات منها ما يسمونه الحركات الجهادية، وأنها تريد غزو أوروبا وبهذه التخويفات تم إغلاق الكثير من الصحف وكبت الحريات والقبض التعسفي على الناشطين الإسلاميين والحقوقيين. ولكنها لم تكن بمثل هذه الطريقة الإجرامية والوحشية.

نعلم أيضا أن الأنظمة المتعاقبة كانت تسمح بحيز ولو ضئيل للمعارضين بالتنفيس عن غضبها أو سخطها من تصرفات الحكومة. وكلنا نعلم أن جمال عبد الناصر ونظامه كان له الكثير من التجاوزات في مجال حقوق الإنسان، ولكنه كان يسمح للناس بالتعبير عن غضبها ولو من خلال النكتة.

وأنتم تعرفون قصة النكتة التي أراد البعض منعها، ولما قالوها لجمال عبد الناصر تبسم وتركهم، وكذلك الكل يعلم قصة فيلم "شيء من الخوف" الذي يصور عتريس على أنه عبد الناصر، وشادية على أنها مصر، والتلميحات بأن عبد الناصر اغتصب الحكم وقضى على الحريات. عندما أرادت الرقابة منع عرض الفيلم ووصل الأمر إلى جمال عبد الناصر نفسه أمر بعرض الفيلم. هذه بعض الحريات التي كانت تمررها بعض النظم القمعية.

ولكننا نرى اليوم نظاما يمنع حتى المغردين على مواقع التواصل الاجتماعي من كتابة سطرين من الرأي دون الإلقاء بهم في السجن، مثل القبض على المهندس ممدوح حمزة بتهمة نشر أخبار كاذبة، الذي تم إطلاق سراحه لاحقا. هذه أشياء لم تحدث في وقت حسني مبارك مثلا. وهناك كذلك التسريبات المشينة التي تمس وتخدش الحياء لبعض الناس التي عارضت تعديل الدستور الذي وضعه الانقلاب، كما حدث في قصة المخرج خالد يوسف. النظام يستخدم كل سُبل القمع ومحو الحريات سواء بالسجن أو الفضيحة أو الإعدامات.

ومن ثم ما موقف فرنسا من الإعدامات وتدهور أوضاع حقوق الإنسان بمصر؟


هذه قضية حساسة ويجب علينا وعلى المهتمين بقضايا حقوق الإنسان في مصر وفرنسا والعالم التوعية، ودق ناقوس الخطر أن هذه التجاوزات لن تساعد أوروبا في إنشاء علاقات صحيحة وسلمية مع مواطنيها المسلمين وشركائها في القرار في مختلف أنحاء العالم.


هل تعتقد أن الأمم المتحدة تقوم كما ينبغي بالدور المنوط بها تجاه الانتهاكات التي تحدث في مصر، أم إن هناك تقصيرا إن لم يكن تواطئا مع سلطة الانقلاب؟

لا أعتقد أن هناك منظمة دولية متواطئة بشكل مباشر مع النظام في مصر؛ فالأمم المتحدة مثلها مثل بقية المنظمات الحقوقية الغربية، تتعامل مع الواقع على الأرض وما يصل إليها من حقائق وتقارير.

والنظام الانقلابي في مصر يدفع الكثير من المال لشراء صفقات لتمريره على أنه نظام يقوم ببناء بلده وتنميته وتقديم الخير لشعبه. ثم إن هناك دولا تصرف على إنشاء تقارير وتمريرها بأن السيسي ونظامه هو الحائط الأخير ضد الأخطار القادمة من الشرق الأوسط. وكذلك تؤدي تقارير وفعاليات جمعيات حقوق الإنسان دورا كبيرا في تشكيل وتلوين فكرة الأمم المتحدة عما يحدث في مصر.

لذا، نحن نتكلم بشكل دوري وقوي عن هذه الانتهاكات والممارسات ونطالب الآخرين المهتمين بنقل الحقيقة عارية إلى الرأي العام العالمي وإلى الأمم المتحدة، ليعلموا أن سجون مصر تعج بالمظلومين وبغير تهم أو بتهم ملفقة مثل ذلك الشاب المُعاق كليا، وقد صدر عليه حكم بالمشاركة في أعمال شغب، وكذلك الرجل الأعمى الذي قضت المحكمة بحبسه 15 عاما بتهمة تدريب الشباب الذين اُعدموا مؤخرا، وأنه كان يدربهم على إطلاق النار.

مثل هذه العينات، يجب أن يستخدمها المناهضون لسياسات الانقلاب في مصر ويبينوا للعالم أنه ليس صمام أمان للغرب، ولكنه يضع النار تحت بركان سوف ينفجر في وجوهنا جميعا، وأنه حقا لو كان هناك ما يسمونه إرهابا إسلاميا، فإن السيسي وتجاوزات نظامه المجحفة هي التي تؤجج الحقد على الغرب، لأن الذين يرون أطفالهم يُعدمون بغير ذنب سوف يلقون اللوم لا على السيسي فحسب، ولكن على أوروبا التي يرونها داعمة له، وأنها في حرب مباشرة مع الإسلام، وهذا ليس صحيحا تماما.

والكثير من المسلمين سواء من المهاجرين أو الذين قرروا اعتناق الإسلام بمحض إرادتهم في أوروبا يعلمون أنه لا حرب ولا تصادم بين الغرب والإسلام، وإنما هناك نظم وأشخاص قمعية في المنطقة العربية ترى في مثل هذا الصدام دوام لحكمها وتقوية لرباطها الاستراتيجي مع الغرب.

وأحب التنويه إلى أننا في منظمة عدالة وحريات بلا حدود ومقرها باريس، نقوم الآن بالتحضير لإقامة مؤتمر في شهر حزيران/ يونيو المقبل عن الجرائم والمجازر التي ترتكبها الأنظمة الديكتاتورية العسكرية في البلاد العربية، ونحن نتواصل مع العديد من المنظمات والجمعيات الحقوقية، لنضمن مشاركة وتمثيلا واسعا من مختلف أنحاء العالم، وسنتوجه بالملفات والقضايا التي سيناقشها المؤتمر إلى المحاكم الفرنسية والمحاكم الدولية المختصة بتلك الجرائم.