‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات أحمد الشريف. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات أحمد الشريف. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 17 فبراير 2026

المجلس العسكري وصناعة الثورة المصرية!

 المجلس العسكري وصناعة الثورة المصرية!

أحمد الشريف

 «فكرةٌ أصيلةٌ لا يعني ذلك فعاليتها الدائمة. وفكرةٌ فعالةٌ ليست بالضرورة صحيحة. والخلط بين هذين الوجهين يؤدي إلى أحكامٍ خاطئة، ويلحق أشد الضرر بتاريخ الأمم حينما يصبح هذا الخلط في أيدي المُفكرين وسيلةً لاغتصاب الضمائر!»

                                                مالك بن نبي [*]

في مثل هذه الأيام من كل عام يتذكر الناس أحداث الثورة المجيدة للشعب المصري التي قام بها في مطلع العقد الثاني من الألفية الجديدة، ومعها تُثار الشبهات حول خروج هذا الشعب المعروف بأنه مستكينٌ داجنٌ طائعٌ لحكامه، ثائرًا مُغضبًا مُنتفضًا ضد ظلم وتجبُّر “حسني مبارك”. 

ومِن ثمّ يركَنُ المؤمنون بهذا التصور إلى نظرية المؤامرة التي تقول بأن الثورة قامت بمخطط غربي أمريكي -وهو ما تم تفنيده في المقال السابق [1]– أو بتدبيرٍ سريٍّ من قادة المجلس العسكري ضد الرئيس ومشروعه الخاص بتوريث عرش مصر لابنه “جمال” الذي لم ينتمِ يوما للمؤسسة العسكرية. وهو ما سنحاول الرد عليه بعون الله تعالى في مقال اليوم..

وسوف تكون البداية من العام 1989م عندما قام الرئيس “مبارك” بعزل وزير الدفاع المشير “عبد الحليم أبو غزالة” الرجل القوي صاحب “الكاريزما” والحضور الجارف شعبيًّا وعسكريًّا، وجاء عِوَضًا عنه برجل بعيد عن القوات المسلحة هو الفريق “يوسف صبري أبو طالب” الذي كان محافظا لشمال سيناء ثم القاهرة منذ أوائل الثمانينات، قبل أن يولّي الفريق “حسين طنطاوي” سنة 1991م، على الرغم من عدم لياقته الصحية لهذا المنصب وفقا لتقرير الفحص الطبي الدوري لقادة القوات المسلحة، إذ كان “طنطاوي” يعاني من متاعب في القلب والكبد، فضلا عن مُخالفة “مبارك” للعرف الساري في القوات المسلحة حين عيّنه وزيرا للدفاع دون أن يمر بمنصب رئيس الأركان، وهى مِنَن رئاسية تضمن ليس الولاء ولكن أيضا الخضوع!.[2]..

وهذا يُفسر ما جاء في المذكرة السريّة للسفارة الأمريكية بتاريخ 23 أغسطس 2008م ونشرها موقع “ويكيليكس” بخصوص أن المشير “طنطاوي” كان موظفا إداريا تابعا للرئيس مبارك، وليس وزيرا للدفاع بالمعنى المعروف!

ولذلك لم تكن الولايات المتحدة تعوّل عليه في تعاملها مع المؤسسة العسكرية المصرية التي منذ اتفاقية كامب ديفيد ارتبطت بشدة بالسلاح والعتاد والأموال والبعثات الأمريكية، ولجأت إلى غيره من القادة، من أهمهم رئيس الأركان “سامي عنان” الذي كان على رأس وفد في الولايات المتحدة وقت قيام ثورة يناير وغادرها مسرعا إلى القاهرة يوم الجمعة 28 يناير 2011م بسبب أحداث الثورة المفاجِئة!.[3]..

وقد وضّحتُ في المقال السابق مدى ارتباك واشنطن وتفاجُؤها بقيام الثورة وهو نفس ما ساد قادة المجلس العسكري في مصر الذي كان على رأسه رجل باهت يدين لمبارك بكل شيء طوال العشرين عاما التي قضاها وزيرا للدفاع، ومثله رئيس الأركان الذي كان خارج البلاد وقتها!

وإن من المعلوم من الثورة بالضرورة وقوف الجيش مع “مبارك” في أيام الثورة الأولى وأشدها حرجًا حيث لم يكتفِ الجيش بترك أمر حسم مسألة الثورة للنظام وأنصاره إذا استطاعوا، بل ساعد وسهّل وسعى لوأدها كما رأينا في يوم الأربعاء الشهير 2 فبراير 2011م، عندما أصدر في العاشرة صباحًا بياناً تلاه عبر التلفزيون المصري اللواء “إسماعيل عتمان” رئيس هيئة الشئون المعنوية وعضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة، حذّر فيه من مخاطر عدم الاستقرار، وطالب المتظاهرين بمغادرة ميدان التحرير لأن مطالبهم فُهمت وكلامهم سُمع، مما أدى لمغادرة أعداد كبيرة من الميدان، وذلك قبل أن يفتح الساعة ٢ ظهرا مداخل الميدان أمام مئات “البلطجية” بأسلحتهم البيضاء وخيولهم وجمالهم، بعد أن كان يغلقها من قبل ولا يسمح حتى بدخول المساعدات الإنسانية بما فيها الطعام والأغطية!.[4]..

وإذا كنا بصدد التقييم الفعلي والحقيقي لما حدث فيجب الرجوع لوقت حدوث الأحداث كما يرجع المفسرون إلى أسباب النزول من أجل فهم طبيعة النصوص وتقدير مدى تأثير ارتباطها بالزمان والمكان والأشخاص على مضمون الشرح والتفسير.

ولا بد من وضع جميع الشهادات والأخبار والتصريحات والمقالات والأحاديث التي تم تسجيلها طوال تلك الفترة تحت مجهر الفحص والدراسة، وليس الحكم بما آلت إليه الأمور الآن فإن لذلك أسبابًا أخرى لا تتعلق بالثورة ولكن بإدارتها وتصرفات جميع الأطراف التي ساهمت فيها وموقف مؤسسات الدولة العميقة منها بالإضافة إلى القوى العالمية التي سعت لاحتوائها منذ الأيام الأولى والعمل على إجهاضها والانقلاب عليها!

ومن تلك الشهادات المهمة ما سجله الدكتور المُجاهد محمد عباس ونشرته مجلة المختار الإسلامي عدد فبراير 2011م/ربيع أول 1432هـ، من تواطؤ الرتب العليا للجيش ضد الثورة مثلما حدث مع العقيد الذي رفض التدخل لحماية الشباب في شارع المتحف المصري من الرصاص الذي ينهال عليهم حتى سقط منهم أكثر من عشرين شهيدا، صعدوا إلى ربهم يشكون إليه تخاذل ذلك العقيد!.[5]..

ومن الأهمية بمكان للتيّقن من حالة التخبط والارتباك في قرارات المجلس العسكري منذ قيام الثورة وحتى جُمعة المطالبة بمحاكمة مبارك في 8 أبريل 2011م، دراسة موضوع تلك المحاكمة التي قوبلت باندهاش ثم استياء كبير من المشير وبقية أعضاء المجلس الأعلى، فكان التهرب ثم التباطؤ ثم التحايل فالاضطرار في هذه القضية من أكبر الثقوب السوداء التي سقطت فيها ثورة يناير. على حد تعبير الأستاذ عبد العظيم حماد في كتابه المُهم والمنشور في يناير 2013، تحت عنوان: الثورة التائهة صراع الخوذة واللحية والميدان ، والذي يُعدّ أهم وأخطر الشهادات التي يجب الإحاطة بها من أجل فهم علاقة المجلس العسكري بثورة يناير في سنتها الأولى. ومن أجل ذلك تمت مصادرته ومنعه من التداول حتى يومنا هذا وربما يكون الكتاب الوحيد الذي مُنع في الفترة من يناير 2011م إلى انقلاب 30 يونيو 2013م، رغم كونها الأيام التي لم تشهد البلاد مثلها في الحرية والكرامة الإنسانية عبر سنوات التاريخ الحديث..

وتأتي أهمية الكتاب من كونه شهادة شاهد عيان مقرب من دوائر أصحاب القرار بحكم منصبه كمدير تحرير ثم رئيس تحرير لصحيفة الأهرام، الجريدة الأكبر والصندوق الأسود للسياسة الرسمية المصرية منذ التأسيس الثاني لها على يد الأستاذ “محمد حسنين هيكل” أثناء حكم الرئيس جمال عبد الناصر!

ونختار من تلك الوقائع الخطيرة الواردة في الكتاب على كثرتها وأهميتها، ذلك الحديث الذي جمع الأستاذ “عبد العظيم حماد” باللواء “مختار المُلّا” عضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة عندما التقيا على مائدة إفطار القوات المسلحة بدار الماسة بمدينة نصر وكان الحدث الطاغي وقتها في مصر هو محاكمة الرئيس مبارك التي بدأت أولى جلساتها في 3 أغسطس2011م/3 رمضان 1432هـ، حيث قال اللواء “الملا”: «فاتنا ان نعقد اتفاقا مع “مبارك” على عدم الملاحقة القضائية ونعلنه للمتظاهرين ليلة ١١ فبراير، ولو فعلنا لكان مبررا تماما من الناحية السياسية والأخلاقية بل والقانونية، فنحن لم نقم بانقلاب عليه والحقيقة التي أشهد بها أن مبارك اتخذ قرار التنحي وهو ما كان يكفي لمنحه تعهدًا بعدم الملاحقة!.[6]..

وبعد.. 

فإن السؤال الذي يطرح نفسه الآن، إذا كان الجيش ضد الثورة ومع بقاء “مبارك” -كما يُثبت المقال- فلماذا لم يقمعها ويذبح المتظاهرين مثلما حدث في فض اعتصامي رابعة والنهضة بعدها بسنتين فقط؟!

وهو سؤال يحتاج إلى كتاب مستقل لتوفيته حقه، وليس بضع نقاط كما سأحاول هنا باختصار شديد!

أولا: يجب العلم أن الجيش أراد التقدم بالفعل لاحتلال مواقع معينة داخل ميدان التحرير في بعض أيام الثورة ليسيطر عليها ويجهضها وقد رأينا كيف كان الشباب ينامون أمام الدبابات حتى لا تتقدم وكوَّنوا أكثر من 20 صفًا من اللحم البشري ممددين أمامها ليمنعوها بأجسادهم من الدخول وكانوا يتزاحمون على النوم في الصف الأول أمام الدبابة مباشرة.. لقد رضي الشباب من الجيش أن يكُونَ محايدًا سلبيًّا بعد ان تأكد لهم ان الاعتماد عليه لن يأتي بنتيجة مرضية. ولكن الشباب لم يريدوا منعه بالقوة حتى لا يتحول الجيش في أذهان الناس إلى “قوّة شرطة”، فناموا أمام دباباته وفي أيديهم الورود وكأنهم يقولون له: لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ..[7]..

ثانيا: لم يكن الشعب في أيام يناير يوافق على ذبح المتظاهرين بأي حال من الأحوال، بل كان حتى القاعدين في منازلهم ومن لم يُشارك في الثورة والذين شكلوا اللجان الشعبية لحماية المنشآت والبيوت والحرمات، كارهين لنظام “مبارك” واستبداد حكومته وفسادها وطغيان شرطته وشدة قمعها وتعذيبها للمواطنين وقتلهم داخل أقسام الشرطة ومقرات أمن الدولة. فكان التعاطف مع الثوار أمرا طبيعياً يتبعه الرفض القاطع لذبحهم والاعتداء عليهم بأي صورة من الصور. وهو وضع يختلف كليًّا عن حالة الاحتقان السياسي والتشوه المجتمعي الذي رأيناه في داخل البيت الواحد حتى فرّق بين الإخوة وزرع الفتنة والخصومة بين الأهل والأصدقاء. ودفَعَ قطاعًا عريضًا من الشعب إلى مباركة ذبح جماعة “الإخوان المسلمين” بعد شيطنتها إعلاميًّا. بل والرقص فوق جثث الشـهداء –بسفاهة وحماقة بالغيْن– على وقع نغمات أغنية “تسلم الأيادي”!

ثالثًا: يُثبت التاريخ أن الجيش لا يستطيع قمع الثورات في حالة اجتماع أطياف الشعب على هدف واحد وتنحية كل خلاف بينهم. وتشهد أحداث الثورة الإيرانية في نهاية السبعينات على ذلك، فقد كانت شعارات الدعوة لإسقاط “الشاه” ونهاية حكمه التي يحملها المتظاهرون السنة في كردستان هي نفسها الشعارات التي يحملها نظراؤهم الشيعة في طهران ومشهد وغيرها من المدن..[8].

فلما أمر الشاه الجيش ومنظمة الأمن القومي “السافاك” بقمع الثورة، أخذت الدبابات تسحق المتظاهرين وهي تخترق صفوفهم بينما كان البوليس يطاردهم في كل مكان بالرصاص. وسقط على إثر هذه المواجهة المئات من المدنيين العُزّل في الشوارع. ومات مثلهم حين انهارت عليهم المنازل التي دكتها المدافع والقنابل في تبريز وغيرها من المدن الإيرانية..[9]

ولكن في النهاية صمد الشعب ككتلة صلبة واحدة فتوقف الجيش عن قتل أهله وأبناء بلده وفرّ الشاه هاربا ناجيًّا بنفسه من غضب المستضعفين في الأرض!

أخيراً: من الموضوعية إبراز أن طبيعة الجيش المصري مختلفة تمامًا عن هذه النماذج في أمر قتل الشعب على الجملة وكما تكلمنا عن العقيد المتخاذل الذي وقف يتفرج أثناء قتل المتظاهرين يجب ذكر النقيب الذي أنقذ مجموعة كبيرة من الثوار بعد حصارهم من البلطجية في شارع طلعت حرب بالقاهرة في نفس اليوم، حتى أن الدكتور محمد عباس علّق بعد ذكر الواقعتين قائلا: «كلما ارتفعت الرتب في الجيش خف التعاطف مع الثورة»!.[10]..

كتبه الفقير إلى عفو الله/ أحمد الشريف..

2 فبراير 2023م / 11 رجب 1444هـ..

#معركة_الوعي_أم_المعارك

هوامش المقال:

[*] بتصرف يسير من كتاب «مشكلة الأفكار في العالم الإسلام»، المفكر الجزائري “مالك بن نبي” [1905-1973م]، صـ102، طبعة دار الفكر دمشق سنة 1988م.

[1] مقال:  أسطورة ثورة يناير الأمريكية

.[2] الثورة التائهة: صراع الخوذة واللحية والميدان.. رؤية شاهد عيان، عبد العظيم حماد، صـ٤٤، مركز المحروسة، الطبعة الأولى يناير سنة 1013م.

[3] سقوط الفرعون، ثمانية عشر يوما غيرت وجه مصر، روبير سوليه، صـ76، طبعة الهيئة العامة للكتاب 2013م.

[4] ثورة مصر من جمهورية يوليو إلى ثورة يناير، د/عزمي بشارة، جـ١صـ482، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، طبعة بيروت سنة 2016م.

[5] هلك الفاجر.. ملحمة ثورة 25 يناير، د/ محمد عباس، صـ83، جزيرة الورد، الطبعة الأولى سنة 2011م.

[6] الثورة التائهة: صراع الخوذة واللحية والميدان.. رؤية شاهد عيان، عبد العظيم حماد، صـ71، مركز المحروسة، الطبعة الأولى يناير سنة 2013م.

[7] هلك الفاجر.. مصدر سابق، د/ محمد عباس، صـ85.

[8] الثورة الإسلامية في إيران.. الأسباب والمقدمات، صـ17، صادق زيبا كلام، ترجمة هويدا عزت، المشروع القومي للترجمة، مطبوعات المجلس الأعلى للثقافة سنة 2004م.

[9] الثورة الإسلامية في إيران، جعفر حسين نزار، صـ25، الطبعة الأولى سنة 1979م/1399هـ.

[10] هلك الفاجر.. مصدر سابق، د/ محمد عباس، صـ83.

الاثنين، 9 فبراير 2026

أسطورة ثورة يناير الأمريكية

 أسطورة ثورة يناير الأمريكية

هل كانت مؤامرة من الخارج أو تدبير مخابراتي في الداخل؟!.

 أحمد الشريف

«عندما يمسّ انعدام التماسك في عالم الأفكار العلاقات المنطقية، يجب أن نتوقع جميع أنواع اللبس في العقول.. والتاريخ يزخر بالأفكار التي ولدت باطلة، ليس فيها أصالة لكنها مع ذلك كان لها فعاليةٌ مدويّة في أكثر الميادين تنوعًا. وغالبًا ما تكون هذه الأفكار محجبةً مضطرةً لحمل قناع الأصالة لتدخل التاريخ كلصٍ يدخل منزلاً بمفتاحٍ مزيف!»

 مالك بن نبي [*]

 ———————————————

مع مرور ذكرى ثورة 25 يناير من كل عام يأتي الحديث عن أحداثها وما سبقها من مُسببات وما تمخض عنها من نتائج، فتنبري الأقلام لتقييمها ما بين مؤيد ومعارض، فتتباين وجهات النظر حسب مقدار المعرفة ومدى الوعي بالأحداث بين سطحية ساذجة أو عميقة وموضوعية، شأن كل الأحداث التاريخية والسياسية في كل بلدان العالم..

ولما كنت من قُرّاء التاريخ فإني أعلم أن دورة الزمان لم تكتمل بعد، وإن التقييم الفعلي لا يكتمل إلا مع تمامها، بعطف الماضي على الحاضر لإكمال حسبة الدفاتر قبل طيّها. لذلك لم أكتب عنها إلا ما اضطررت إليه جرّاء بعض الآراء المجحفة والهدّامة مثلما رأينا من شأن التحسّر على أيام “مُبارك” بسبب تأثير الضائقة الاقتصادية وفشل سياسات الثورة المضادة، أو عند التعاطف مع جنازته قبل ثلاثة أعوام، وهو ما تعرضت له في حينه.[1].

أما اليوم فالأمر الذي يدعو للكتابة أخطر من ذلك، حيث تصاعد الاعتقاد في أمر المخطط الأمريكي للثورة وإنها عملية مخابراتية مسبقة كما جاء في كتاب “الربيع العربي آخر عمليات الشرق الأوسط الكبير”، أو كونها صناعة محلية تحت إشراف المجلس الأعلى للقوات المسلحة وتخطيطه، من أجل قطع الطريق على توريث الحكم لشخص “مدني” مثل “جمال مبارك” أمين السياسات والرجل القوي في الحزب الوطني الحاكم وقتها!.

ورغم يقيني بأن القولين أمرٌ واحدٌ بسبب الارتباط الوثيق للمؤسسة العسكرية في مصر بالولايات المتحدة الأمريكية منذ عقد اتفاقية السلام مع إسـرائيل. 

فإنني هنا سوف أتصدى لتفنيد كلٍّ منهما على حدة، حتى تتماسك الأفكار وتُسد الثغرات بإذن اللّه تعالى وتوفيقه..

وستكون البداية مع الموقف الأمريكي الذي كان من اليسير التعرف عليه من خلال كتاب “أمريكا والثورة المصرية من 25 يناير إلى ما بعد 3 يولية” للأستاذ محمد المنشاوي الكاتب الصحفي المتخصص في الشأن الأمريكي حيث يعيش هناك، وقد وضّح بصورة قاطعة تحت عنوانٍ عريضٍ هو ارتباك واشنطن، كيف أن البيت الأبيض ومجلس الأمن القومي والكونجرس ووزارتي الدفاع والخارجية وحتى مراكز البحوث في أمريكا كانت تتعامل مع الثورة المصرية في إطار ردة الفعل وليس الفعل وإدارة الحدث فضلا عن التخطيط المسبق له وصناعته!.

وقد دلل على ذلك بتصرفات وأقوال أصحاب القرار في الإدارة الأمريكية المعلنة والرسمية مثل تصريحات “هيلاري كلينتون” وزيرة الخارجية التي قالت في الأيام الأولى للثورة: 

«تقديراتنا تؤكد أن الحكومة المصرية مُستقرة وتبحث عن طرق للتجاوب مع مطالب الشعب المصري ومصالحه[1]..

ولكن لأن أنصار نظرية المؤامرة وما وراء الكواليس يسخرون من ذلك ويعتبرونها جزءًا من عملية الخداع، فكان لا بد من الاجتهاد حتى يناسب المقال المقام. وهو ما نجده عند العالمين ببواطن الأمور، ومنهم الدبلوماسي المخضرم “يفجيني بريماكوف” الذي يُعدّ أحد أهم أفراد المطبخ السياسي العالمي في النصف الثاني من القرن العشرين بامتياز.

حيث شغل منصب مدير الاستخبارات الخارجية في أواخر العهد السوفييتي وبدايات العهد الروسي قبل أن يتولى رئاسة الوزراء في روسيا سنة 1998م، كما سبق له العمل في الصحافة مراسلا لشؤون الشرق الأوسط منذ ستينيات القرن الماضي فضلا عن دراسته للاقتصاد حتى صار مديراً لمعهد الدراسات الشرقية التابع لأكاديمية العلوم السوفييتية.. وله العديد من المؤلفات الهامة التي يُرجع إليها في كشف المؤامرات العالمية ومنها كتابه “الكواليس السرية للشرق الأوسط”..

ورغم كونه لم يؤلف كتابا خاصا بثورات الربيع العربي وفضّل إضافة فصل جديد لكتابه “الكواليس السرية للشرق الأوسط” الذي صدرت طبعته الأولى سنة 2006م، فإن رؤيته التي سجلها في نهاية العام 2011م، لا يجب أن يغفلها من أراد الدراية بأحداث الربيع العربي خاصة وقد ثبت صدق تكهّنه بأن “واشنطن” ستُراهن على مؤسسات البنية التحتية -وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية- التي: «أمّنت الاستقرار في فترة حكم الأنظمة الاستبدادية السابقة، واستطاعت تحقيق الاستقرار لمصلحة الأمريكيين»!.[2].

وقد أقرّ “بريماكوف” بمدى المفاجأة والتشتت الذي واجهته الولايات المتحدة فيما يتعلق بالدول التي شملها خروج الجماهير في الشهور الأولى من العام ٢٠١١م، وأيّد رؤيته بالاستناد إلى ما نشره “جيرالد سييب”، و”بيل سبيندل” مديري مكتب واشنطن في صحيفة “وول ستريت جورنال” من أن الربيع العربي أدى إلى تغيير جذري في جهاز الدولة الامريكي، حيث ازداد عدد العاملين في المخابرات ممن يجيدون اللغة العربية ثلاث مرات، وفي وزارة الخارجية أصبح من يجيدون العربية أكثر بمقدار ٥.. شخص. وأقسام الاستخبارات الجديدة أصبحت تجمع المعلومات من عدد كبير من الإصدارات التي كانت تتجاهلها من قبل بالإضافة إلى قنوات التلفزيون والإنترنت!.[3]..

وبطبيعة الحال إذا كنا نتحدث عن المؤامرات الخفية والصناعة السريّة للأحداث فلا بد من استطلاع الدور الإسـرائيلي الذي يمثل بوصلة رئيسية في غالب التوجهات الأمريكية والأوروبية أيضًا!.

وهو الدور الذي وقف باستماتة ضد الثورة من أول يوم، حيث رأى صنّاع القرار في إسـرائيل أن ثورة يناير قد قلّصت قدرة الولايات المتحدة على ممارسة الضغوط على الفلسطينيين لصالح إسـرائيل لتراجع تأثير واشنطن على مصر التي تمثل القوة الإقليمية العربية الرئيسة..

ولذلك سعت إسـرائيل إلى شيطنة الثورة والتشكيك في مآلاتها. وحذّرت من أن زوال أنظمة الاستبداد في العالم العربي سيكون مقترنًا بالضرورة بصعود حتمي وخطير للحركات الإسلامية مما يوجب على العالم التكاتف لعدم تحقيق هذا السيناريو، واتخذت في سبيل ذلك خطوات كبيرة منها تشكيل رئيس الحكومة “نتـنياهـو” خلية عمل في ديوانه تُشرف على إدارة تنظيم حملة سياسية ودبلوماسية كبيرة وعاجلة من أجل إقناع دول العالم بعدم السماح بخلع مبارك، والتحذير من سقوط نظامه الذي يعني أن مصر تنتظر مصيرا مشابهاً لمصير إيران بعد ثورة الخميني[4]..

ومن ضروريات إجلاء حقيقة الأمر بجوانبه المختلفة، التعرض لنقطة هامة من مزاعم قيام الثورة بأجندة أمريكية، وهي المتمثلة في شخص الدكتور محمد البرادعي –الحاصل على جائزة نوبل (سيئة السُّمعة) سنة 2005م، بسبب دور وكالة الطاقة الذرية الهزلي في الحرب على العراق، والذي كشف “البرادعي” عن بعض تفاصيله في كتابه “زمن الخداع”– وتَصدُّره لمشهد الثورة، حيث تُعدّ علاقاته الواسعة بالغرب والولايات المتحدة الأمريكية ثغرة كبيرة تنفذ منها نظرية المؤامرة، وهو ما استند إليه بالفعل صاحب كتاب “الاحتلال المدني.. أسرار 25 يناير والمارينز الأمريكي”!.

فصار من الأهمية بمكان إبراز تلك الشهادة النادرة للأستاذ المُجاهد عصام سلطان في لقائه التلفزيوني على قناة النهار مع الإعلامي خالد صلاح عقب ثورة يناير، والذي كشف فيه عن وقائع الاجتماع الذي حضره في شهر نوفمبر 2010م، بعيادة الدكتور “محمد أبو الغار” في شارع جزيرة العرب بالقاهرة، وشارك فيه كلٌّ من الدكتور حسن نافعة والدكتور محمد غنيم والدكتور عبد الجليل مصطفي والأستاذ جورج إسحاق والأديب علاء الأسواني والشاعر عبد الرحمن يوسف القرضاوي والدكتور مصطفي النجار. والأخيران هما من كانا يتوليان حملة الدكتور البرادعي لنزول الانتخابات الرئاسية أمام الرئيس مبارك قبل الثورة!

حيث تم الاتصال بالدكتور محمد البرادعي الموجود في النمسا وقتها، وبذل محاولات مُضنية لكي يأتي مصر ولو لمرة واحدة كل شهر لمتابعة الحملة وشئون الجمعية الوطنية للتغيير التي تأسست تحت قيادته في 22 فبراير 2010م، ولكن كل تلك المحاولات باءت بفشل تام، ولم يَعد “البرادعي” يتواصل حتى هاتفيًّا، ومِن ثمّ تم الاتصال بصديقه المقرب السفير “شكري فؤاد” حتى يرى حلا للأمر، والذي رد عليهم بعدها قائلا: “إن الدكتور البرادعي لن ينزل مصر بصورة كبيرة مستقبلا، ويبلّغكم إنهاء علاقته بالجمعية الوطنية”!

وهو ما أدى إلى حزن وجرح شديدين للحضور وخاصة لمصطفي النجار وعبد الرحمن يوسف اللذيْن كانا على وشك البكاء حسب شهادة عصام سلطان!

وهذه الشهادة المُهِمّة في حياة جميع أطرافها تُعد وثيقة مسجلة تُفسّر بجلاءٍ غموض ما جاء في كتاب الصحفي الفرنسي المخضرم “روبير سوليه” بخصوص تعليق “علاء الأسواني” على إعلان الدكتور “البرادعي” مساء الخميس27 يناير 2011م، عن قدومه من فيينا للمشاركة في المظاهرات: «محمد البرادعي هو صديق ورجل يستحق كل الاحترام، إلا أنه وصل بعد الثورة، الشباب هم الذين يقودون اليوم.. وهم بلا قائد!.».[5]..

وإذا كان غياب القيادة أحد السمات الواضحة للثورة المصرية فإن غياب الأيديولوجية أيضا كان من أبرز تلك السمات والذي يؤكد استحالة التخطيط المتآمر للقيام بها.

وهو ما أكده كذلك “روبير سوليه” مراسل جريدة “لوموند” الفرنسية ذائعة الصيت، في دراسة القيمة التي نشرها تحت عنوان “سقوط الفرعون.. ثمانية عشر يوماً غيرت وجه مصر” حيث قال: «لم تكن الثورة انتفاضة شعب باسم الاشتراكية أو معاداة الصهيونية أو باسم الإسلام، لكنها كانت انتفاضة باسم الحرية والكرامة وضد الفساد والتعذيب. قام بها الشعب في أجواء رائعة من الوحدة الوطنية، أغنياء وفقراء شباب وعجائز، رجال وسيدات، محجبات وسافرات، مسلمات ومسيحيات. جميعًا يهتفون معًا ويقاتلون معًا. ثم أخيرًا روح المواطنة. هذه الحركة التي بلا قائد تبدو شديد التنظيم يزودها احترام للأشخاص والممتلكات».[6]

وبعد ذلك الاستعراض -باختصار شديد- لموقف واشنطن وتل أبيب ومعرفة الملابسات الداخلية للمحسوبين على التيار الغربي العلماني، يتبقى لنا موقف ذو دلالة واضحة لواحدة من أهم ربائِب الولايات المتحدة في المنطقة وهي دولة آل سعود التي قاطعت مصر بشدة وأعلنت رفضها لثورة يناير، ووقفت مع “مبارك” منذ اليوم الأول للثورة في موقف قريب للغاية مما اتخذه العدو الصـهيوني ولكن بصورة أكثر علانية. وقد رأينا الذراع الديني لها في مصر وفي قلبه الدعوة السلفية بالإسكندرية مع مشاهير الدعاة مثل محمد حسان ومحمود المصري وغيرهما، يُجرّم الخروج في ثورة يناير لأنها فتنة القاعد فيها خير مِنَ القائم!

في حين كانت برقية الملك “عبد الله بن عبد العزيز” أول رسالة تأييد للمستشار عدلي منصور يوم 3 يولية 2013م، وبالتبعية كانت مشاركة الدعوة السلفية برجلها “جلال مرة” أمين عام حزب النور أبين من فلق الصبح في المشهد الذي قال عنه المفكر الصـهيوني “بوعاز بسموت” في مقاله المنشور يوم 9 يوليو 2013م، بصحيفة “إسرائيل اليوم”: «إن إسقاط مرسي يمثل نهاية للربيع العربي، وذلك يمثل تحولا إستراتيجيا يفوق في أهميته هزيمة مصر ونكستها في العام 1967م»!.[7]..

وقبل الختام يجب التنويه على أن الولايات المتحدة وإن لم تكن وراء القيام بالثورة إلا أنها لم تقف موقف المتفرج تاركة الأحداث تجري في أعنتها، وإنما صارت تخطط وتتدخل بوجه مستتر غالبا وسافرٍ في أحيانٍ أخرى كما هو متوقع من دولة استعمارية برجماتية تسعى لتحقيق مصالحها باستخدام هفوات أعدائها وحماقاتهم.. وخياناتهم أيضا!

في النهاية أرجو أن يكون المقال قد برأ الثورة من فرية الصناعة الأمريكية. ومن ثمّ يتبقى لنا أسطورة أخرى يعتقد البعض في صحتها –بناءً على مآلات الأحداث– وهي الصناعة العسكرية المزعومة لثورة يناير من أجل وقف انتقال الحكم إلى خارج المؤسسة العسكرية على يد جمال مبارك!

وهو ما سوف نفنده في المقال القادم بإذن الله تعالى..

كتبه الفقير إلى عفو الله/ أحمد الشريف..

26يناير2023م / 4 رجب 1444هـ

هوامش المقال:

[*] مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، المفكر الجزائري “مالك بن نبي” [1905-1973م]، ص104، دار الفكر دمشق طبعة ١٩٨٨م.

[1] أمريكا والثورة المصرية من 25 يناير إلى ما بعد 3 يوليو.. شهادة من واشنطن، محمد المنشاوي، صـ10، صـ95، دار الشروق سنة 2014م.

[2] الكواليس السرية للشرق الأوسط، يفجيني بريماكوف، صـ438، ترجمة نبيل رشوان، المركز القومي للترجمة، طبعة سنة 2016م.

[3] وول ستريت جورنال، عدد 8 سبتمبر 2011م.

[4] العلاقات المصرية الإسـرائيلية بعد ثورة 25 يناير، د/ صالح النعامي، صـ53، طبعة الدار العربية للعلوم ناشرون، الدوحة سنة 3017م/1438هـ.

[5] سقوط الفرعون، 18يوما غيرت وجه مصر، روبير سوليه، صـ44، طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب، طبعة سنة 2013م، نقلا عن الكسندرا شوارتزبورج، ليبراسيون عدد 29 يناير 2011م.

[6] سقوط الفرعون، مصدر سابق، صـ7

[7] مقال هل يتجدد إحياء معسكر الاعتدال العربي؟ فهمي هويدي، الشروق عدد 16 يوليو 2013م.


مقال هل يتجدد إحياء معسكر الاعتدال العربي؟