أسطورة ثورة يناير الأمريكية
هل كانت مؤامرة من الخارج أو تدبير مخابراتي في الداخل؟!.
«عندما يمسّ انعدام التماسك في عالم الأفكار العلاقات المنطقية، يجب أن نتوقع جميع أنواع اللبس في العقول.. والتاريخ يزخر بالأفكار التي ولدت باطلة، ليس فيها أصالة لكنها مع ذلك كان لها فعاليةٌ مدويّة في أكثر الميادين تنوعًا. وغالبًا ما تكون هذه الأفكار محجبةً مضطرةً لحمل قناع الأصالة لتدخل التاريخ كلصٍ يدخل منزلاً بمفتاحٍ مزيف!»
مالك بن نبي [*]
———————————————
مع مرور ذكرى ثورة 25 يناير من كل عام يأتي الحديث عن أحداثها وما سبقها من مُسببات وما تمخض عنها من نتائج، فتنبري الأقلام لتقييمها ما بين مؤيد ومعارض، فتتباين وجهات النظر حسب مقدار المعرفة ومدى الوعي بالأحداث بين سطحية ساذجة أو عميقة وموضوعية، شأن كل الأحداث التاريخية والسياسية في كل بلدان العالم..
ولما كنت من قُرّاء التاريخ فإني أعلم أن دورة الزمان لم تكتمل بعد، وإن التقييم الفعلي لا يكتمل إلا مع تمامها، بعطف الماضي على الحاضر لإكمال حسبة الدفاتر قبل طيّها. لذلك لم أكتب عنها إلا ما اضطررت إليه جرّاء بعض الآراء المجحفة والهدّامة مثلما رأينا من شأن التحسّر على أيام “مُبارك” بسبب تأثير الضائقة الاقتصادية وفشل سياسات الثورة المضادة، أو عند التعاطف مع جنازته قبل ثلاثة أعوام، وهو ما تعرضت له في حينه.[1].
أما اليوم فالأمر الذي يدعو للكتابة أخطر من ذلك، حيث تصاعد الاعتقاد في أمر المخطط الأمريكي للثورة وإنها عملية مخابراتية مسبقة كما جاء في كتاب “الربيع العربي آخر عمليات الشرق الأوسط الكبير”، أو كونها صناعة محلية تحت إشراف المجلس الأعلى للقوات المسلحة وتخطيطه، من أجل قطع الطريق على توريث الحكم لشخص “مدني” مثل “جمال مبارك” أمين السياسات والرجل القوي في الحزب الوطني الحاكم وقتها!.
ورغم يقيني بأن القولين أمرٌ واحدٌ بسبب الارتباط الوثيق للمؤسسة العسكرية في مصر بالولايات المتحدة الأمريكية منذ عقد اتفاقية السلام مع إسـرائيل.
فإنني هنا سوف أتصدى لتفنيد كلٍّ منهما على حدة، حتى تتماسك الأفكار وتُسد الثغرات بإذن اللّه تعالى وتوفيقه..
وستكون البداية مع الموقف الأمريكي الذي كان من اليسير التعرف عليه من خلال كتاب “أمريكا والثورة المصرية من 25 يناير إلى ما بعد 3 يولية” للأستاذ محمد المنشاوي الكاتب الصحفي المتخصص في الشأن الأمريكي حيث يعيش هناك، وقد وضّح بصورة قاطعة تحت عنوانٍ عريضٍ هو ارتباك واشنطن، كيف أن البيت الأبيض ومجلس الأمن القومي والكونجرس ووزارتي الدفاع والخارجية وحتى مراكز البحوث في أمريكا كانت تتعامل مع الثورة المصرية في إطار ردة الفعل وليس الفعل وإدارة الحدث فضلا عن التخطيط المسبق له وصناعته!.
وقد دلل على ذلك بتصرفات وأقوال أصحاب القرار في الإدارة الأمريكية المعلنة والرسمية مثل تصريحات “هيلاري كلينتون” وزيرة الخارجية التي قالت في الأيام الأولى للثورة:
«تقديراتنا تؤكد أن الحكومة المصرية مُستقرة وتبحث عن طرق للتجاوب مع مطالب الشعب المصري ومصالحه[1]..
ولكن لأن أنصار نظرية المؤامرة وما وراء الكواليس يسخرون من ذلك ويعتبرونها جزءًا من عملية الخداع، فكان لا بد من الاجتهاد حتى يناسب المقال المقام. وهو ما نجده عند العالمين ببواطن الأمور، ومنهم الدبلوماسي المخضرم “يفجيني بريماكوف” الذي يُعدّ أحد أهم أفراد المطبخ السياسي العالمي في النصف الثاني من القرن العشرين بامتياز.
حيث شغل منصب مدير الاستخبارات الخارجية في أواخر العهد السوفييتي وبدايات العهد الروسي قبل أن يتولى رئاسة الوزراء في روسيا سنة 1998م، كما سبق له العمل في الصحافة مراسلا لشؤون الشرق الأوسط منذ ستينيات القرن الماضي فضلا عن دراسته للاقتصاد حتى صار مديراً لمعهد الدراسات الشرقية التابع لأكاديمية العلوم السوفييتية.. وله العديد من المؤلفات الهامة التي يُرجع إليها في كشف المؤامرات العالمية ومنها كتابه “الكواليس السرية للشرق الأوسط”..
ورغم كونه لم يؤلف كتابا خاصا بثورات الربيع العربي وفضّل إضافة فصل جديد لكتابه “الكواليس السرية للشرق الأوسط” الذي صدرت طبعته الأولى سنة 2006م، فإن رؤيته التي سجلها في نهاية العام 2011م، لا يجب أن يغفلها من أراد الدراية بأحداث الربيع العربي خاصة وقد ثبت صدق تكهّنه بأن “واشنطن” ستُراهن على مؤسسات البنية التحتية -وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية- التي: «أمّنت الاستقرار في فترة حكم الأنظمة الاستبدادية السابقة، واستطاعت تحقيق الاستقرار لمصلحة الأمريكيين»!.[2].
وقد أقرّ “بريماكوف” بمدى المفاجأة والتشتت الذي واجهته الولايات المتحدة فيما يتعلق بالدول التي شملها خروج الجماهير في الشهور الأولى من العام ٢٠١١م، وأيّد رؤيته بالاستناد إلى ما نشره “جيرالد سييب”، و”بيل سبيندل” مديري مكتب واشنطن في صحيفة “وول ستريت جورنال” من أن الربيع العربي أدى إلى تغيير جذري في جهاز الدولة الامريكي، حيث ازداد عدد العاملين في المخابرات ممن يجيدون اللغة العربية ثلاث مرات، وفي وزارة الخارجية أصبح من يجيدون العربية أكثر بمقدار ٥.. شخص. وأقسام الاستخبارات الجديدة أصبحت تجمع المعلومات من عدد كبير من الإصدارات التي كانت تتجاهلها من قبل بالإضافة إلى قنوات التلفزيون والإنترنت!.[3]..
وبطبيعة الحال إذا كنا نتحدث عن المؤامرات الخفية والصناعة السريّة للأحداث فلا بد من استطلاع الدور الإسـرائيلي الذي يمثل بوصلة رئيسية في غالب التوجهات الأمريكية والأوروبية أيضًا!.
وهو الدور الذي وقف باستماتة ضد الثورة من أول يوم، حيث رأى صنّاع القرار في إسـرائيل أن ثورة يناير قد قلّصت قدرة الولايات المتحدة على ممارسة الضغوط على الفلسطينيين لصالح إسـرائيل لتراجع تأثير واشنطن على مصر التي تمثل القوة الإقليمية العربية الرئيسة..
ولذلك سعت إسـرائيل إلى شيطنة الثورة والتشكيك في مآلاتها. وحذّرت من أن زوال أنظمة الاستبداد في العالم العربي سيكون مقترنًا بالضرورة بصعود حتمي وخطير للحركات الإسلامية مما يوجب على العالم التكاتف لعدم تحقيق هذا السيناريو، واتخذت في سبيل ذلك خطوات كبيرة منها تشكيل رئيس الحكومة “نتـنياهـو” خلية عمل في ديوانه تُشرف على إدارة تنظيم حملة سياسية ودبلوماسية كبيرة وعاجلة من أجل إقناع دول العالم بعدم السماح بخلع مبارك، والتحذير من سقوط نظامه الذي يعني أن مصر تنتظر مصيرا مشابهاً لمصير إيران بعد ثورة الخميني[4]..
ومن ضروريات إجلاء حقيقة الأمر بجوانبه المختلفة، التعرض لنقطة هامة من مزاعم قيام الثورة بأجندة أمريكية، وهي المتمثلة في شخص الدكتور محمد البرادعي –الحاصل على جائزة نوبل (سيئة السُّمعة) سنة 2005م، بسبب دور وكالة الطاقة الذرية الهزلي في الحرب على العراق، والذي كشف “البرادعي” عن بعض تفاصيله في كتابه “زمن الخداع”– وتَصدُّره لمشهد الثورة، حيث تُعدّ علاقاته الواسعة بالغرب والولايات المتحدة الأمريكية ثغرة كبيرة تنفذ منها نظرية المؤامرة، وهو ما استند إليه بالفعل صاحب كتاب “الاحتلال المدني.. أسرار 25 يناير والمارينز الأمريكي”!.
فصار من الأهمية بمكان إبراز تلك الشهادة النادرة للأستاذ المُجاهد عصام سلطان في لقائه التلفزيوني على قناة النهار مع الإعلامي خالد صلاح عقب ثورة يناير، والذي كشف فيه عن وقائع الاجتماع الذي حضره في شهر نوفمبر 2010م، بعيادة الدكتور “محمد أبو الغار” في شارع جزيرة العرب بالقاهرة، وشارك فيه كلٌّ من الدكتور حسن نافعة والدكتور محمد غنيم والدكتور عبد الجليل مصطفي والأستاذ جورج إسحاق والأديب علاء الأسواني والشاعر عبد الرحمن يوسف القرضاوي والدكتور مصطفي النجار. والأخيران هما من كانا يتوليان حملة الدكتور البرادعي لنزول الانتخابات الرئاسية أمام الرئيس مبارك قبل الثورة!
حيث تم الاتصال بالدكتور محمد البرادعي الموجود في النمسا وقتها، وبذل محاولات مُضنية لكي يأتي مصر ولو لمرة واحدة كل شهر لمتابعة الحملة وشئون الجمعية الوطنية للتغيير التي تأسست تحت قيادته في 22 فبراير 2010م، ولكن كل تلك المحاولات باءت بفشل تام، ولم يَعد “البرادعي” يتواصل حتى هاتفيًّا، ومِن ثمّ تم الاتصال بصديقه المقرب السفير “شكري فؤاد” حتى يرى حلا للأمر، والذي رد عليهم بعدها قائلا: “إن الدكتور البرادعي لن ينزل مصر بصورة كبيرة مستقبلا، ويبلّغكم إنهاء علاقته بالجمعية الوطنية”!
وهو ما أدى إلى حزن وجرح شديدين للحضور وخاصة لمصطفي النجار وعبد الرحمن يوسف اللذيْن كانا على وشك البكاء حسب شهادة عصام سلطان!
وهذه الشهادة المُهِمّة في حياة جميع أطرافها تُعد وثيقة مسجلة تُفسّر بجلاءٍ غموض ما جاء في كتاب الصحفي الفرنسي المخضرم “روبير سوليه” بخصوص تعليق “علاء الأسواني” على إعلان الدكتور “البرادعي” مساء الخميس27 يناير 2011م، عن قدومه من فيينا للمشاركة في المظاهرات: «محمد البرادعي هو صديق ورجل يستحق كل الاحترام، إلا أنه وصل بعد الثورة، الشباب هم الذين يقودون اليوم.. وهم بلا قائد!.».[5]..
وإذا كان غياب القيادة أحد السمات الواضحة للثورة المصرية فإن غياب الأيديولوجية أيضا كان من أبرز تلك السمات والذي يؤكد استحالة التخطيط المتآمر للقيام بها.
وهو ما أكده كذلك “روبير سوليه” مراسل جريدة “لوموند” الفرنسية ذائعة الصيت، في دراسة القيمة التي نشرها تحت عنوان “سقوط الفرعون.. ثمانية عشر يوماً غيرت وجه مصر” حيث قال: «لم تكن الثورة انتفاضة شعب باسم الاشتراكية أو معاداة الصهيونية أو باسم الإسلام، لكنها كانت انتفاضة باسم الحرية والكرامة وضد الفساد والتعذيب. قام بها الشعب في أجواء رائعة من الوحدة الوطنية، أغنياء وفقراء شباب وعجائز، رجال وسيدات، محجبات وسافرات، مسلمات ومسيحيات. جميعًا يهتفون معًا ويقاتلون معًا. ثم أخيرًا روح المواطنة. هذه الحركة التي بلا قائد تبدو شديد التنظيم يزودها احترام للأشخاص والممتلكات».[6]
وبعد ذلك الاستعراض -باختصار شديد- لموقف واشنطن وتل أبيب ومعرفة الملابسات الداخلية للمحسوبين على التيار الغربي العلماني، يتبقى لنا موقف ذو دلالة واضحة لواحدة من أهم ربائِب الولايات المتحدة في المنطقة وهي دولة آل سعود التي قاطعت مصر بشدة وأعلنت رفضها لثورة يناير، ووقفت مع “مبارك” منذ اليوم الأول للثورة في موقف قريب للغاية مما اتخذه العدو الصـهيوني ولكن بصورة أكثر علانية. وقد رأينا الذراع الديني لها في مصر وفي قلبه الدعوة السلفية بالإسكندرية مع مشاهير الدعاة مثل محمد حسان ومحمود المصري وغيرهما، يُجرّم الخروج في ثورة يناير لأنها فتنة القاعد فيها خير مِنَ القائم!
في حين كانت برقية الملك “عبد الله بن عبد العزيز” أول رسالة تأييد للمستشار عدلي منصور يوم 3 يولية 2013م، وبالتبعية كانت مشاركة الدعوة السلفية برجلها “جلال مرة” أمين عام حزب النور أبين من فلق الصبح في المشهد الذي قال عنه المفكر الصـهيوني “بوعاز بسموت” في مقاله المنشور يوم 9 يوليو 2013م، بصحيفة “إسرائيل اليوم”: «إن إسقاط مرسي يمثل نهاية للربيع العربي، وذلك يمثل تحولا إستراتيجيا يفوق في أهميته هزيمة مصر ونكستها في العام 1967م»!.[7]..
وقبل الختام يجب التنويه على أن الولايات المتحدة وإن لم تكن وراء القيام بالثورة إلا أنها لم تقف موقف المتفرج تاركة الأحداث تجري في أعنتها، وإنما صارت تخطط وتتدخل بوجه مستتر غالبا وسافرٍ في أحيانٍ أخرى كما هو متوقع من دولة استعمارية برجماتية تسعى لتحقيق مصالحها باستخدام هفوات أعدائها وحماقاتهم.. وخياناتهم أيضا!
في النهاية أرجو أن يكون المقال قد برأ الثورة من فرية الصناعة الأمريكية. ومن ثمّ يتبقى لنا أسطورة أخرى يعتقد البعض في صحتها –بناءً على مآلات الأحداث– وهي الصناعة العسكرية المزعومة لثورة يناير من أجل وقف انتقال الحكم إلى خارج المؤسسة العسكرية على يد جمال مبارك!
وهو ما سوف نفنده في المقال القادم بإذن الله تعالى..
كتبه الفقير إلى عفو الله/ أحمد الشريف..
26يناير2023م / 4 رجب 1444هـ
هوامش المقال:
[*] مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، المفكر الجزائري “مالك بن نبي” [1905-1973م]، ص104، دار الفكر دمشق طبعة ١٩٨٨م.
[1] أمريكا والثورة المصرية من 25 يناير إلى ما بعد 3 يوليو.. شهادة من واشنطن، محمد المنشاوي، صـ10، صـ95، دار الشروق سنة 2014م.
[2] الكواليس السرية للشرق الأوسط، يفجيني بريماكوف، صـ438، ترجمة نبيل رشوان، المركز القومي للترجمة، طبعة سنة 2016م.
[3] وول ستريت جورنال، عدد 8 سبتمبر 2011م.
[4] العلاقات المصرية الإسـرائيلية بعد ثورة 25 يناير، د/ صالح النعامي، صـ53، طبعة الدار العربية للعلوم ناشرون، الدوحة سنة 3017م/1438هـ.
[5] سقوط الفرعون، 18يوما غيرت وجه مصر، روبير سوليه، صـ44، طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب، طبعة سنة 2013م، نقلا عن الكسندرا شوارتزبورج، ليبراسيون عدد 29 يناير 2011م.
[6] سقوط الفرعون، مصدر سابق، صـ7
[7] مقال هل يتجدد إحياء معسكر الاعتدال العربي؟ فهمي هويدي، الشروق عدد 16 يوليو 2013م.
مقال هل يتجدد إحياء معسكر الاعتدال العربي؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق