الثلاثاء، 17 فبراير 2026

المجلس العسكري وصناعة الثورة المصرية!

 المجلس العسكري وصناعة الثورة المصرية!

أحمد الشريف

 «فكرةٌ أصيلةٌ لا يعني ذلك فعاليتها الدائمة. وفكرةٌ فعالةٌ ليست بالضرورة صحيحة. والخلط بين هذين الوجهين يؤدي إلى أحكامٍ خاطئة، ويلحق أشد الضرر بتاريخ الأمم حينما يصبح هذا الخلط في أيدي المُفكرين وسيلةً لاغتصاب الضمائر!»

                                                مالك بن نبي [*]

في مثل هذه الأيام من كل عام يتذكر الناس أحداث الثورة المجيدة للشعب المصري التي قام بها في مطلع العقد الثاني من الألفية الجديدة، ومعها تُثار الشبهات حول خروج هذا الشعب المعروف بأنه مستكينٌ داجنٌ طائعٌ لحكامه، ثائرًا مُغضبًا مُنتفضًا ضد ظلم وتجبُّر “حسني مبارك”. 

ومِن ثمّ يركَنُ المؤمنون بهذا التصور إلى نظرية المؤامرة التي تقول بأن الثورة قامت بمخطط غربي أمريكي -وهو ما تم تفنيده في المقال السابق [1]– أو بتدبيرٍ سريٍّ من قادة المجلس العسكري ضد الرئيس ومشروعه الخاص بتوريث عرش مصر لابنه “جمال” الذي لم ينتمِ يوما للمؤسسة العسكرية. وهو ما سنحاول الرد عليه بعون الله تعالى في مقال اليوم..

وسوف تكون البداية من العام 1989م عندما قام الرئيس “مبارك” بعزل وزير الدفاع المشير “عبد الحليم أبو غزالة” الرجل القوي صاحب “الكاريزما” والحضور الجارف شعبيًّا وعسكريًّا، وجاء عِوَضًا عنه برجل بعيد عن القوات المسلحة هو الفريق “يوسف صبري أبو طالب” الذي كان محافظا لشمال سيناء ثم القاهرة منذ أوائل الثمانينات، قبل أن يولّي الفريق “حسين طنطاوي” سنة 1991م، على الرغم من عدم لياقته الصحية لهذا المنصب وفقا لتقرير الفحص الطبي الدوري لقادة القوات المسلحة، إذ كان “طنطاوي” يعاني من متاعب في القلب والكبد، فضلا عن مُخالفة “مبارك” للعرف الساري في القوات المسلحة حين عيّنه وزيرا للدفاع دون أن يمر بمنصب رئيس الأركان، وهى مِنَن رئاسية تضمن ليس الولاء ولكن أيضا الخضوع!.[2]..

وهذا يُفسر ما جاء في المذكرة السريّة للسفارة الأمريكية بتاريخ 23 أغسطس 2008م ونشرها موقع “ويكيليكس” بخصوص أن المشير “طنطاوي” كان موظفا إداريا تابعا للرئيس مبارك، وليس وزيرا للدفاع بالمعنى المعروف!

ولذلك لم تكن الولايات المتحدة تعوّل عليه في تعاملها مع المؤسسة العسكرية المصرية التي منذ اتفاقية كامب ديفيد ارتبطت بشدة بالسلاح والعتاد والأموال والبعثات الأمريكية، ولجأت إلى غيره من القادة، من أهمهم رئيس الأركان “سامي عنان” الذي كان على رأس وفد في الولايات المتحدة وقت قيام ثورة يناير وغادرها مسرعا إلى القاهرة يوم الجمعة 28 يناير 2011م بسبب أحداث الثورة المفاجِئة!.[3]..

وقد وضّحتُ في المقال السابق مدى ارتباك واشنطن وتفاجُؤها بقيام الثورة وهو نفس ما ساد قادة المجلس العسكري في مصر الذي كان على رأسه رجل باهت يدين لمبارك بكل شيء طوال العشرين عاما التي قضاها وزيرا للدفاع، ومثله رئيس الأركان الذي كان خارج البلاد وقتها!

وإن من المعلوم من الثورة بالضرورة وقوف الجيش مع “مبارك” في أيام الثورة الأولى وأشدها حرجًا حيث لم يكتفِ الجيش بترك أمر حسم مسألة الثورة للنظام وأنصاره إذا استطاعوا، بل ساعد وسهّل وسعى لوأدها كما رأينا في يوم الأربعاء الشهير 2 فبراير 2011م، عندما أصدر في العاشرة صباحًا بياناً تلاه عبر التلفزيون المصري اللواء “إسماعيل عتمان” رئيس هيئة الشئون المعنوية وعضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة، حذّر فيه من مخاطر عدم الاستقرار، وطالب المتظاهرين بمغادرة ميدان التحرير لأن مطالبهم فُهمت وكلامهم سُمع، مما أدى لمغادرة أعداد كبيرة من الميدان، وذلك قبل أن يفتح الساعة ٢ ظهرا مداخل الميدان أمام مئات “البلطجية” بأسلحتهم البيضاء وخيولهم وجمالهم، بعد أن كان يغلقها من قبل ولا يسمح حتى بدخول المساعدات الإنسانية بما فيها الطعام والأغطية!.[4]..

وإذا كنا بصدد التقييم الفعلي والحقيقي لما حدث فيجب الرجوع لوقت حدوث الأحداث كما يرجع المفسرون إلى أسباب النزول من أجل فهم طبيعة النصوص وتقدير مدى تأثير ارتباطها بالزمان والمكان والأشخاص على مضمون الشرح والتفسير.

ولا بد من وضع جميع الشهادات والأخبار والتصريحات والمقالات والأحاديث التي تم تسجيلها طوال تلك الفترة تحت مجهر الفحص والدراسة، وليس الحكم بما آلت إليه الأمور الآن فإن لذلك أسبابًا أخرى لا تتعلق بالثورة ولكن بإدارتها وتصرفات جميع الأطراف التي ساهمت فيها وموقف مؤسسات الدولة العميقة منها بالإضافة إلى القوى العالمية التي سعت لاحتوائها منذ الأيام الأولى والعمل على إجهاضها والانقلاب عليها!

ومن تلك الشهادات المهمة ما سجله الدكتور المُجاهد محمد عباس ونشرته مجلة المختار الإسلامي عدد فبراير 2011م/ربيع أول 1432هـ، من تواطؤ الرتب العليا للجيش ضد الثورة مثلما حدث مع العقيد الذي رفض التدخل لحماية الشباب في شارع المتحف المصري من الرصاص الذي ينهال عليهم حتى سقط منهم أكثر من عشرين شهيدا، صعدوا إلى ربهم يشكون إليه تخاذل ذلك العقيد!.[5]..

ومن الأهمية بمكان للتيّقن من حالة التخبط والارتباك في قرارات المجلس العسكري منذ قيام الثورة وحتى جُمعة المطالبة بمحاكمة مبارك في 8 أبريل 2011م، دراسة موضوع تلك المحاكمة التي قوبلت باندهاش ثم استياء كبير من المشير وبقية أعضاء المجلس الأعلى، فكان التهرب ثم التباطؤ ثم التحايل فالاضطرار في هذه القضية من أكبر الثقوب السوداء التي سقطت فيها ثورة يناير. على حد تعبير الأستاذ عبد العظيم حماد في كتابه المُهم والمنشور في يناير 2013، تحت عنوان: الثورة التائهة صراع الخوذة واللحية والميدان ، والذي يُعدّ أهم وأخطر الشهادات التي يجب الإحاطة بها من أجل فهم علاقة المجلس العسكري بثورة يناير في سنتها الأولى. ومن أجل ذلك تمت مصادرته ومنعه من التداول حتى يومنا هذا وربما يكون الكتاب الوحيد الذي مُنع في الفترة من يناير 2011م إلى انقلاب 30 يونيو 2013م، رغم كونها الأيام التي لم تشهد البلاد مثلها في الحرية والكرامة الإنسانية عبر سنوات التاريخ الحديث..

وتأتي أهمية الكتاب من كونه شهادة شاهد عيان مقرب من دوائر أصحاب القرار بحكم منصبه كمدير تحرير ثم رئيس تحرير لصحيفة الأهرام، الجريدة الأكبر والصندوق الأسود للسياسة الرسمية المصرية منذ التأسيس الثاني لها على يد الأستاذ “محمد حسنين هيكل” أثناء حكم الرئيس جمال عبد الناصر!

ونختار من تلك الوقائع الخطيرة الواردة في الكتاب على كثرتها وأهميتها، ذلك الحديث الذي جمع الأستاذ “عبد العظيم حماد” باللواء “مختار المُلّا” عضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة عندما التقيا على مائدة إفطار القوات المسلحة بدار الماسة بمدينة نصر وكان الحدث الطاغي وقتها في مصر هو محاكمة الرئيس مبارك التي بدأت أولى جلساتها في 3 أغسطس2011م/3 رمضان 1432هـ، حيث قال اللواء “الملا”: «فاتنا ان نعقد اتفاقا مع “مبارك” على عدم الملاحقة القضائية ونعلنه للمتظاهرين ليلة ١١ فبراير، ولو فعلنا لكان مبررا تماما من الناحية السياسية والأخلاقية بل والقانونية، فنحن لم نقم بانقلاب عليه والحقيقة التي أشهد بها أن مبارك اتخذ قرار التنحي وهو ما كان يكفي لمنحه تعهدًا بعدم الملاحقة!.[6]..

وبعد.. 

فإن السؤال الذي يطرح نفسه الآن، إذا كان الجيش ضد الثورة ومع بقاء “مبارك” -كما يُثبت المقال- فلماذا لم يقمعها ويذبح المتظاهرين مثلما حدث في فض اعتصامي رابعة والنهضة بعدها بسنتين فقط؟!

وهو سؤال يحتاج إلى كتاب مستقل لتوفيته حقه، وليس بضع نقاط كما سأحاول هنا باختصار شديد!

أولا: يجب العلم أن الجيش أراد التقدم بالفعل لاحتلال مواقع معينة داخل ميدان التحرير في بعض أيام الثورة ليسيطر عليها ويجهضها وقد رأينا كيف كان الشباب ينامون أمام الدبابات حتى لا تتقدم وكوَّنوا أكثر من 20 صفًا من اللحم البشري ممددين أمامها ليمنعوها بأجسادهم من الدخول وكانوا يتزاحمون على النوم في الصف الأول أمام الدبابة مباشرة.. لقد رضي الشباب من الجيش أن يكُونَ محايدًا سلبيًّا بعد ان تأكد لهم ان الاعتماد عليه لن يأتي بنتيجة مرضية. ولكن الشباب لم يريدوا منعه بالقوة حتى لا يتحول الجيش في أذهان الناس إلى “قوّة شرطة”، فناموا أمام دباباته وفي أيديهم الورود وكأنهم يقولون له: لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ..[7]..

ثانيا: لم يكن الشعب في أيام يناير يوافق على ذبح المتظاهرين بأي حال من الأحوال، بل كان حتى القاعدين في منازلهم ومن لم يُشارك في الثورة والذين شكلوا اللجان الشعبية لحماية المنشآت والبيوت والحرمات، كارهين لنظام “مبارك” واستبداد حكومته وفسادها وطغيان شرطته وشدة قمعها وتعذيبها للمواطنين وقتلهم داخل أقسام الشرطة ومقرات أمن الدولة. فكان التعاطف مع الثوار أمرا طبيعياً يتبعه الرفض القاطع لذبحهم والاعتداء عليهم بأي صورة من الصور. وهو وضع يختلف كليًّا عن حالة الاحتقان السياسي والتشوه المجتمعي الذي رأيناه في داخل البيت الواحد حتى فرّق بين الإخوة وزرع الفتنة والخصومة بين الأهل والأصدقاء. ودفَعَ قطاعًا عريضًا من الشعب إلى مباركة ذبح جماعة “الإخوان المسلمين” بعد شيطنتها إعلاميًّا. بل والرقص فوق جثث الشـهداء –بسفاهة وحماقة بالغيْن– على وقع نغمات أغنية “تسلم الأيادي”!

ثالثًا: يُثبت التاريخ أن الجيش لا يستطيع قمع الثورات في حالة اجتماع أطياف الشعب على هدف واحد وتنحية كل خلاف بينهم. وتشهد أحداث الثورة الإيرانية في نهاية السبعينات على ذلك، فقد كانت شعارات الدعوة لإسقاط “الشاه” ونهاية حكمه التي يحملها المتظاهرون السنة في كردستان هي نفسها الشعارات التي يحملها نظراؤهم الشيعة في طهران ومشهد وغيرها من المدن..[8].

فلما أمر الشاه الجيش ومنظمة الأمن القومي “السافاك” بقمع الثورة، أخذت الدبابات تسحق المتظاهرين وهي تخترق صفوفهم بينما كان البوليس يطاردهم في كل مكان بالرصاص. وسقط على إثر هذه المواجهة المئات من المدنيين العُزّل في الشوارع. ومات مثلهم حين انهارت عليهم المنازل التي دكتها المدافع والقنابل في تبريز وغيرها من المدن الإيرانية..[9]

ولكن في النهاية صمد الشعب ككتلة صلبة واحدة فتوقف الجيش عن قتل أهله وأبناء بلده وفرّ الشاه هاربا ناجيًّا بنفسه من غضب المستضعفين في الأرض!

أخيراً: من الموضوعية إبراز أن طبيعة الجيش المصري مختلفة تمامًا عن هذه النماذج في أمر قتل الشعب على الجملة وكما تكلمنا عن العقيد المتخاذل الذي وقف يتفرج أثناء قتل المتظاهرين يجب ذكر النقيب الذي أنقذ مجموعة كبيرة من الثوار بعد حصارهم من البلطجية في شارع طلعت حرب بالقاهرة في نفس اليوم، حتى أن الدكتور محمد عباس علّق بعد ذكر الواقعتين قائلا: «كلما ارتفعت الرتب في الجيش خف التعاطف مع الثورة»!.[10]..

كتبه الفقير إلى عفو الله/ أحمد الشريف..

2 فبراير 2023م / 11 رجب 1444هـ..

#معركة_الوعي_أم_المعارك

هوامش المقال:

[*] بتصرف يسير من كتاب «مشكلة الأفكار في العالم الإسلام»، المفكر الجزائري “مالك بن نبي” [1905-1973م]، صـ102، طبعة دار الفكر دمشق سنة 1988م.

[1] مقال:  أسطورة ثورة يناير الأمريكية

.[2] الثورة التائهة: صراع الخوذة واللحية والميدان.. رؤية شاهد عيان، عبد العظيم حماد، صـ٤٤، مركز المحروسة، الطبعة الأولى يناير سنة 1013م.

[3] سقوط الفرعون، ثمانية عشر يوما غيرت وجه مصر، روبير سوليه، صـ76، طبعة الهيئة العامة للكتاب 2013م.

[4] ثورة مصر من جمهورية يوليو إلى ثورة يناير، د/عزمي بشارة، جـ١صـ482، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، طبعة بيروت سنة 2016م.

[5] هلك الفاجر.. ملحمة ثورة 25 يناير، د/ محمد عباس، صـ83، جزيرة الورد، الطبعة الأولى سنة 2011م.

[6] الثورة التائهة: صراع الخوذة واللحية والميدان.. رؤية شاهد عيان، عبد العظيم حماد، صـ71، مركز المحروسة، الطبعة الأولى يناير سنة 2013م.

[7] هلك الفاجر.. مصدر سابق، د/ محمد عباس، صـ85.

[8] الثورة الإسلامية في إيران.. الأسباب والمقدمات، صـ17، صادق زيبا كلام، ترجمة هويدا عزت، المشروع القومي للترجمة، مطبوعات المجلس الأعلى للثقافة سنة 2004م.

[9] الثورة الإسلامية في إيران، جعفر حسين نزار، صـ25، الطبعة الأولى سنة 1979م/1399هـ.

[10] هلك الفاجر.. مصدر سابق، د/ محمد عباس، صـ83.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق