‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات محمود عبد الهادي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات محمود عبد الهادي. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 26 مارس 2025

صراع الأخلاق.. سلوك الماسوني

صراع الأخلاق.. سلوك الماسوني 

كاتب صحفي وباحث



نتناول في هذا المقال سلوكيات الأعضاء المنتسبين للحركة الماسونية كما وردت في قسم الأحكام والتعليمات التي ينبغي على العضو الماسوني الالتزام بها، وهو القسم الثاني من كتاب القس جيمس أندرسون "دساتير الماسونيين الأحرار" الذي أعده بتكليف من المحفل الماسوني الكبير في لندن ونشر عام 1723.

وقد اشتملت هذه السلوكيات على 6 حالات أثناء انعقاد المحفل، وبعد انتهائه وتأخر بعض الأعضاء فيه، وعندما يجتمع الماسونيون دون غرباء خارج إطار المحفل، وعندما يلتقون في حضور الغرباء، إضافة إلى سلوكهم في البيت ومع الجيران، وسلوكهم مع الغرباء.

ويتضح من هذه الأحكام والتعليمات والسلوكيات مستوى تشدد الحركة الماسونية تجاه أعضائها، ومستوى الانضباط الذي يجب أن يتحلى به هؤلاء الأعضاء ضمن إطار متشدد يحافظ على سرية الحركة وتماسكها وقوتها دون اصطدام مع السلطة السياسية أو مع المجتمع وأفراده من غير الماسونيين.

يدّعي الماسونيون أن موقفهم حاسم ضد جميع السياسيين حفاظا على مصلحة المحفل ورفاهيته، ويدّعون أنهم لا يتدخلون في السياسة ويمنعون ذلك، ويتشددون في مراقبته والتأكد من الالتزام به، في الوقت الذي قاموا فيه بالدور الأكبر في إنشاء 3 كيانات سياسية ماسونية كبرى في النصف الثاني من القرن الـ18

سلوكيات الماسوني

  • 1- السلوك في المحفل أثناء تشكيله:

يلتزم العضو الماسوني داخل المحفل وأثناء تشكيله بما يأتي:

  • عدم عقد لجان خاصة أو محادثة منفصلة بدون موافقة من سيد المحفل.
  • عدم التحدث عن أي شيء بسفاهة أو بطريقة غير لائقة.
  • عدم مقاطعة سيد المحفل أو المشرفين أو أي أخ يتحدث إلى السيد.
  • عدم التصرف بسخرية أو مزاح أثناء قيام المحفل بما هو جاد ومهيب.
  • عدم استخدام أي لغة غير لائقة لأي ذريعة على الإطلاق، بل في المقابل تقديم التبجيل الواجب إلى السيد والمشرفين والأتباع، وتمكنّهم من العبادة.  في حالة تقديم أي شكوى يجب على الأخ الذي ثبتت إدانته أن يخضع لقرار وحكم المحفل، فهم القضاة المناسبون والمختصون للبت في كل هذه الخلافات ما لم يتم نقل الشكوى عن طريق التماس إلى المحفل الكبير الذي يجب الرجوع إليه إذا لم تتم إعاقة عمل سيد المحفل في غضون ذلك، وفي هذه الحالة يمكن الإشارة بشكل خاص، لكن يجب عدم اللجوء إلى القانون في أي شأن يخص الماسونية دون ضرورة مطلقة واضحة للمحفل.
    • 2- السلوك بعد انتهاء المحفل وعدم انصراف الإخوة منه

    عند انتهاء جلسات المحفل وتأخر بعض الأعضاء عن الانصراف فإن عليهم مراعاة السلوكيات التالية:

    • يمكن للأعضاء الاستمتاع بالمرح البريء، ومعاملة بعضهم البعض حسب الاستطاعة ولكن من دون إفراط أو إجبار أي أخ على الأكل والشرب بما يتجاوز رغباته أو إعاقته عن الذهاب عندما يضطر إلى ذلك دون فعل أو قول أي شيء مسيء قد يمنع إجراء سهولة وحرية النقاش، لأن ذلك من شأنه أن يلغي الانسجام ويقضي على الأهداف الحميدة.
    • ينبغي على الأعضاء عدم إحضار انزعاجهم أو خلافاتهم الخاصة إلى المحفل، خصوصا الخلافات بشأن الدين أو الأمم أو سياسة الدولة، فالماسونيون من الدين الكاثوليكي، ولكنهم أيضا من جميع الأمم والألسنة والأنساب واللغات، وهم حاسمون ضد جميع السياسيين، لأن ما لا يفضي أبدا إلى رفاهية المحفل فإن الماسونيين لن يفعلونه أبدا، وهذا الالتزام مطلوب دائما ومراقب بشكل صارم، خاصة منذ الإصلاح في بريطانيا وانفصالها عن روما.

    على الماسوني ألا يلجأ إلى القانون أبدا إلا عندما لا يمكن البت في قضيته بطريقة أخرى، وأن يستمع بصبر إلى النصائح الصادقة والودية من سيد المحفل والزملاء، لتجنب الاحتكام إلى القانون ضد الغرباء، أو لحثه على الانتهاء بسرعة من جميع الدعاوى القضائية

    • 3- سلوك الماسونيين عندما يجتمعون بدون غرباء خارج إطار المحفل

    في هذه الحالة يجب على الإخوة أن يحيي بعضهم البعض بطريقة مهذبة، كما سيتم إرشادهم وينادي بعضهم البعض بعبارة "الأخ"، وتبادل التعليمات بحرية، ولكن بشكل ملائم ودون لفت الأنظار والأسماع، ودون التعدي على بعضهم البعض أو الانتقاص من الاحترام الخاص بأي أخ حتى لو لم يكن ماسونيا.

    جميع الماسونيين إخوة على نفس المستوى، والماسونية لا تأخذ شرفا من أحد كان لديه من قبل، بل إنها تضيف إلى شرفه، ولا سيما إذا كان يستحق الخير من الإخوة الذين يجب أن يكرموه ويتجنبوا الأخلاق السيئة.

  • 4- سلوك الماسونيين في حضور الغرباء
  • يجب على الماسوني أن يكون حذرا في حديثه وتنقله حتى لا يتمكن الغرباء الأكثر ذكاء من اكتشاف أو إيجاد ما هو غير مناسب فيخاف منه، وأحيانا على الماسوني تغيير الخطاب وإدارته بحكمة من أجل الحفاظ على شرف إخوة العبادة.

    • 5- سلوك الماسونيين في البيت ومع الجيران

    على الماسوني أن يتصرف كرجل أخلاقي وحكيم، وعلى وجه الخصوص لا يدع عائلته وأصدقاءه وجيرانه يعرفون ما يخص المحفل، ولكن يتصرف بحكمة مراعاة لشرفه وشرف الإخوة القدامى، لأسباب لا تذكر هنا.

    وعلى الماسوني مراعاة حالته الصحية، وعدم الاستمرار لوقت متأخر جدا أو لمسافة بعيدة جدا عن المنزل بعد انتهاء ساعات المحفل، بالإضافة إلى تجنب الإفراط في تناول الطعام أو السكر حتى لا يتم إهمال العائلة أو يصيبها الضرر، وحتى لا تحدث إعاقة للعضو الماسوني عن العمل.

    إذا أساء أحدهم إلى الماسوني يجب عليه تقديم طلب إلى محفله أو محفل العضو المسيء، ومن ثم يمكنه تقديم التماس إلى المحفل الكبير في اللقاءات ربع السنوية وبعده إلى الاجتماع السنوي للمحفل الكبير

    • 6- سلوك الماسونيين مع الغرباء

    على الماسوني أن يتفحص الغريب بحذر وحكمة حتى لا يُفرض عليه المدعي الكاذب الجاهل الذي يجب أن يرفضه الماسوني بازدراء وسخرية، ويحذر من إعطائه أي تلميحات من المعرفة.

    لكن إذا اكتشف أنه يمكن أن يكون أخا حقيقيا وصادقا عليه أن يحترمه وفقا لذلك، وإذا كان في حاجة لمساعدة فإن على الماسوني مساعدته إذا استطاع أو توجيهه بشأن كيف يمكن أن تتم مساعدته أو تشغيله عنده لبضعة أيام أو تزكيته للعمل، دون أن يكون على الماسوني أن يتصرف فوق قدرته، فقط أن يحرص على مساعدة الأخ الفقير الصالح الحقيقي قبل غيره من الفقراء الآخرين من نفس الظروف.

    وبشكل عام، فإن جميع هذه الأحكام والتعليمات يتعين على الشخص الماسوني مراعاتها، إضافة إلى ما سيتم إبلاغه بها بطريقة أخرى.

    نشر الحب الأخوي هو الأساس وتاج الرأس، وهو قاعدة ومجد هذه الأخوة القديمة، وعلى الماسوني أن يتجنب كل الجدل والشجار والقذف والغيبة، ولا يسمح للآخرين بالتشهير بأي أخ أمين، بل يدافع عنه ويقدم له كل المساعي الحميدة، بما يتناسب مع شرف الماسوني وسلامته لا أكثر.   

    وإذا أساء أحدهم إلى الماسوني يجب عليه تقديم طلب إلى محفله أو محفل العضو المسيء، ومن ثم يمكنه تقديم التماس إلى المحفل الكبير في اللقاءات ربع السنوية، وبعده إلى الاجتماع السنوي للمحفل الكبير مثلما كان عليه السلوك الجدير بالثناء للآباء القدامى في كل أمة.

    وعلى الماسوني ألا يلجأ إلى القانون أبدا إلا عندما لا يمكن البت في قضيته بطريقة أخرى، وأن يستمع بصبر إلى النصائح الصادقة والودية من السيد والزملاء، لتجنب الاحتكام إلى القانون ضد الغرباء، أو لحثه على الانتهاء بسرعة من جميع الدعاوى القضائية، ليكون اهتمامه بشأن الماسونية وتقدمها نحو مزيد من النشاط والنجاح، ولكن مع الاحترام للإخوة والزملاء أمام القانون ينبغي على السيد والإخوة أن يقدموا وساطتهم المحمودة بين الإخوة المتنازعين، وإذا كان هذا التقديم غير عملي فإن عليهم الاستمرار في إجراءاتهم أو الدعوى القضائية دون غضب وحقد.

    إن السكوت أو عدم القيام بشيء قد يعيق الحب الأخوي والمساعي الحميدة من أن تتجدد أو تستمر، حتى يرى الجميع التأثير الحميد للماسونية كما فعل جميع الماسونيين الحقيقيين منذ بداية العالم وسوف يفعلون حتى نهاية الزمان.

    وفي ختام هذا الاستعراض فإن من الضروري التأكيد على أنه مهما كان من أمر هذه الأحكام والتعليمات والسلوكيات الماسونية التي نص عليها الكتاب فإنها تتعارض مع الواقع الفعلي للحركة الماسونية، وكانت بمثابة ستار تتخفى وراءه لتوسيع دائرة انتشارها وتعزيز قوتها ومكانتها ونفوذها، ومثال على ذلك ادعاؤهم التشدد في عدم الدخول في السياسة حفاظا على مصلحة المحفل ورفاهيته، وأنهم يمنعون أعضاءهم من ذلك، ويتشددون في مراقبته والتأكد من الالتزام به، وهم الذين كان لهم الدور الأكبر في تأسيس 3 كيانات سياسية ماسونية كبرى أواخر القرن الـ18، هي بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا، وما ينطبق على السياسة ينطبق على الدين والقيم الاجتماعية والسلوكيات الفردية.

الأربعاء، 11 سبتمبر 2024

من يعلّق الجرس في رقبة أميركا؟

 

 من يعلّق الجرس في رقبة أميركا؟  

محمود عبدالهادي


يحكى أن مجموعة من الفئران اجتمعت لتبحث سبل التخلّص من القط الذي يقض مضاجعهم ويفتك بصغارهم، ويطارد كبارهم، وفي نهاية النقاش اقترح أحد الفئران أن يعلّقوا جرساً في رقبة القط، حتى يسمعوا صوته كلما اقترب منهم، فيفروا قبل أن ينقضّ عليهم، فاستحسن الجميع الفكرة، ثم لم يلبث أن صاح أحدهم قائلاً: فكرة رائعة، ولكن من سيعلّق الجرس؟ 
جثث النساء والأطفال التي مزقتها حرب الإبادة الجماعية الصهيو-أميركية على قطاع غزة، لتختفي تحت ركام الدمار، حرّكت الدماء الساكنة في دولة جنوب أفريقيا، التي عانت عقوداً طويلة من نظام الفصل العنصري، لتخطو بجرأة وثبات كي تعلّق الجرس في رقبة دولة الكيان الصهيوني بتقديم طلب إلى محكمة العدل الدولية تتهمه فيه بارتكاب الإبادة الجماعية الشاملة بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، غير مكترثة لردود فعله أيّاً كان نوعها ومدى تأثيرها، ضاربة بذلك المثل الأعلى في الشهامة والشجاعة والإنسانية والانتصار للحق والعدل مهما كانت قوة الظالم وجبروته. 
فمن يعلق الجرس في رقبة الولايات المتحدة الأميركية؟

لماذا تسترخص الدول التي انتهكت الولايات المتحدة سيادتها؛ دماء شعوبها، ودمار بنيانها، ونهب خيراتها، ولا تقوم بما يجب عليها لمحاكمة الولايات المتحدة في المحاكم العدلية الدولية، دفاعاً عن شعوبها ومقدراتها.


جرائم متسلسلة


على مدى الـ٨٠ عاماً ماضية، تسببت الولايات المتحدة الأميركية في قتل وإصابة عشرات الملايين من البشر في العديد من دول العالم، من كوريا إلى قطاع غزة، مروراً بفيتنام والعراق وأفغانستان والصومال وبكستان واليمن،.. بعيداً عن الحرب العالمية الثانية وما جرّته على العالم من ويلات، وما شهدته من استخدام للقنابل النووية لأول مرة في تاريخ البشرية، من أجل إعادة بناء النظام العالمي وإحكام السيطرة عليه. 
وكل ذلك يتم تحت مزاعم واهية مخادعة لا يعترف بها أحد سوى الولايات المتحدة وحلفاؤها، عناوينها مصالح الشعوب ومحاربة الإرهاب وحماية الحلفاء والدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان.

في الحرب الكورية التي امتدت لثلاث سنوات في الفترة ١٩٥٠-١٩٥٣م؛ قتل أكثر من ١،٢ مليون جندي من الكوريين والصينيين والأميركيين وقوات الأمم المتحدة، بالإضافة إلى أكثر من ٦٠٠ ألف مدني من كوريا الشمالية، وأكثر من مليون مدني من كويا الجنوبية.

وفي حرب فيتنام (١٩٥٤-١٩٧٥م) بلغ عدد القتلى والوفيات أكثر من ١،٣ مليون جندي من بينهم حوالي ٢٨٠ ألف جندي أميركي، بالإضافة إلى أكثر من ٦٠٠ ألف قتيل من المدنيين الفيتناميين.

وعلى مدى الـ٢٠ عاماً، التي أعقبت هجمات ١١ سبتمبر/ أيلول ٢٠٠١ في مدينة نيويورك، قتل أكثر من خمسة ملايين عربي ومسلم في العراق وأفغانستان وباكستان والصومال واليمن، العدد الأكبر منهم من الأطفال، قتلوا بسبب الآثار غير المباشرة المصاحبة للحرب، والذين يقدّر عددهم بنحو 3,٧ مليون إنسان.

أما في العراق وحدها، فقد قتل منها أكثر من مليون شخص في الحرب التي شنّها الرئيس الأميركي جورج بوش الابن عام ٢٠٠٣م لإسقاط نظام الرئيس صدام حسين بحجة كاذبة مفادها امتلاك أسلحة الدمار الشامل، عدا عن أكثر من ٥٠٠ ألف طفل قضوا بسبب المرض ونقص الغذاء تحت الحصار الأميركي-البريطاني في تسعينيات القرن الماضي. ولا يزال العراق حتى اليوم يتخبط في جراحه ويعجز عن إيقاف دمائه المهدورة في الصراعات الطائفية والأيديولوجية والفساد المستشري والأجيال المغدورة التائهة، رغم مرور أكثر من ٢٠ عاماً على سقوط نظام صدام حسين.

عشرات الملايين من القتلى والجرحى، فضلاً عن الآثار الهائلة المدمرة لحروب الولايات المتحدة في العديد من دول العالم، تنتظر من يطالب بحقها ويعلّق الجرس في رقبة الولايات المتحدة، أسوة بما قامت به دولة جنوب أفريقيا.


وقت الحساب


لا يقف الأمر عند هذا الحد، فهناك عشرات الملايين من الجرحى والمعاقين والمرضى والمكلومين، فضلاً عن الآثار الهائلة المدمرة لهذه الحروب على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والعلمي والحضاري وتدمير حاضره الدول وتعطيل مستقبلها، فلا تستطيع القيام بعدها، حتى لو خضعت لهيمنة. الولايات المتحدة واستجابت لكافة مطالبها وشروطها.

وها هي الولايات المتحدة، تساند الكيان الصهيوني المرة تلو المرة على حساب الشعب الفلسطيني وعلى حساب المواثيق والقوانين الدولية، وتشترك معه في أبشع حرب إبادة جماعية عرفها التاريخ، استباح فيها الكيان الصهيوني كل شيء أمام نظر العالم أجمع، بغطاء عسكري واقتصادي وسياسي وقانوني كامل من الولايات المتحدة التي تصرّ على حقه في الدفاع عن النفس، وعلى أنه لا يقوم أثناء ذلك بأي مخالفات للقانون الدولي والإنساني. بل ذهب بعض المشرعين في مجلس النواب إلى التصريح بحق الكيان الصهيوني باستخدام القنابل النووية في وجه التهديد الوجودي الذي تمثله المقاومة الفلسطينية التي تقاتل من أجل استعادة حقوقها المشروعة.

فلماذا تسترخص الدول التي قامت الولايات المتحدة بانتهاك سيادتها؛ دماء شعوبها، ودمار بنيانها، ونهب خيراتها، ولا تقوم بما يجب عليها لمحاكمة الولايات المتحدة في المحاكم العدلية الدولية، دفاعاً عن شعوبها ومقدراتها؟

إن الولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني وسائر الدول الاستعمارية الغربية، لا يغضّون الطرف عن أي نسمة تؤذي فرداً واحداً من شعوبها، أو تمس بسوء جانباً من جوانب مصالحها المترامية، وجميعنا يتذكّر جيداً التعويضات التي قدمتها ليبيا لأهالي ضحايا طائرة بان أم التي انفجرت فوق لوكربي الأسكتلندية عام ١٩٨٨م وعددهم ٢٧٠ شخصاً، وقد بلغت التعويضات ٢،٧ مليار دولار، بما يعادل عشرة ملايين دولار لكل شخص قضى في هذه الحادثة. ولا تزال ألمانيا تدفع لدولة الكيان الصهيوني تعويضات عن ضحايا المحرقة النازية المشكوك فيها جملة وتفصيلاً.

فلماذا تستهين الدول المنكوبة بدماء شعوبها، وتسكت عن حقوقها، ولا تطالب بمحكمة المجرمين الذين أذاقوا شعوبها الويلات، وتطالب بالإدانة الشاملة والتعويض الكامل عن كافة الكوارث البشرية والبنيوية التي أصابتها.

لماذا لا تتحرك كوريا وفيتنام والعراق وأفغانستان والصومال واليمن وغيرهم، ليعلّقوا الجرس في رقبة الولايات المتحدة، وغيرها من الدول الاستعمارية، على غرار ما قامت به جنوب أفريقيا؟ أعتقد أن الفرصة متاحة الآن أكثر من أي وقت مضى لتقوم هذه الدول بذلك، وسيكون تأثيره كبيراً على الولايات المتحدة والدول الاستعمارية من بعدها إذا تمّ تشكيل منظمة للدول المتضررة، لتحمل الجرس وتعلقه في رقبة الولايات المتحدة، ولا تتركه حتى تحصل على كافة التعويضات. 
فهل تفعل؟

 (يتبع)



عندما سألتني محدثتي عن غزة!


الثلاثاء، 10 سبتمبر 2024

عندما سألتني محدثتي عن غزة!

 

عندما سألتني محدثتي عن غزة!

محمود عبد الهادي

كاتب صحفي وباحث

20 فبراير, 2024

المقال يستعرض واقع الدول العربية والإسلامية وتأثير التاريخ على تحولاتها السياسية والاجتماعية، مع تسليط الضوء على التحديات الراهنة وتأثيرها على القضايا الإنسانية مثل الأزمة في غزة.

الواقع العربي والإسلامي – بين التاريخ والتحديات الراهنة

قالت لي محدثتي بألم شديد، وقهر أشد، وهي تحبس دموعها في أجفانها المحتقنة: 
لماذا لا يهبّ العرب والمسلمون حتى الآن لنجدة الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، ويوقفوا حرب الإبادة الجماعية الصهيو-أميركية المستمرة منذ أكثر من أربعة أشهر، والتي تصرّ على مواصلة تدميرها للقطاع وقتل شعبه، بمعدل يزيد عن ١٥٠ قتيل و٣٠٠ جريح يومياً؛ ومعظمهم من الأطفال والنساء؟ 
لماذا هبّت الولايات المتحدة والدول الغربية فوراً لنصرة الكيان الصهيوني منذ اليوم الأول؟ ثم أجهشت بصوت يلفه البكاء: إلى متى سيستمر هذا التخاذل وهذا الصمت، والدماء ما زالت تتدفق في كل مكان؟

تعيش الدول العربية والإسلامية حالة هزيمة شاملة، وتبعية جبرية فُرِضت عليها منذ السنوات الأخيرة من عمر الإمبراطورية العثمانية قبيل الحرب العالمية الأولى، ولا تزال تخضع لآثارها حتى اليوم.


نظرت محدثتي إليّ نظرة رجاء قاتلة، تتوقع مني إجابة تشفي غليلها، وهي لا تدرك مدى الحرج الذي وضعتني فيه للإجابة على مثل هذه الأسئلة التي تطرق أدمغة الشعوب العربية والمسلمة منذ بدايات الحرب الهمجية على غزة، وما زالت تجوب الآفاق بحثاً عن إجابة ترضيها، لأن هذه الشعوب لا تزال تعيش في حالة غيبوبة متواصلة، تهرب إليها لتنسى الواقع الأليم الذي يحيط بها ويتحكم في أنفاسها.

– لماذا تقاعسوا عن غزة؟

قلت لمحدثتي: إن الإجابة على هذه الأسئلة المؤلمة، تأخذنا تارة بعيداً في غياهب التاريخ، ثم تقفز بنا فجأة إلى الحاضر الأليم الذي نعيشه، ثم تنتقل لتحوم قليلاً حول أسوار المستقبل العالية، وأكتفي للإجابة بالتذكير بالنقاط التالية:

1. إن المنطقة العربية والإسلامية تعيش في حالة هزيمة شاملة، وتبعية جبرية فرضتها عليها هذه الهزيمة، وذلك منذ السنوات الأخيرة من عمر الإمبراطورية العثمانية قبيل الحرب العالمية الأولى، ولا تزال الدول العربية والإسلامية منذ أكثر من ١٠٠ عام تخضع للآثار التي خلفتها هذه الهزيمة، ومن أبرز هذه الآثار:

   – إنهاء الهوية السياسية الإسلامية المشتركة التي كانت تربط مناطق العالم الإسلامي، بعربها وعجمها من المغرب العربي إلى إندونيسيا، ضمن قيادة سياسية واحدة.

   – تقسيم العالمين العربي والإسلامي إلى مجموعة دول على أساس قومي، بحيث يكون لكل دولة هويتها وعلمها، وعملتها ونظامها السياسي وقيادتها، وتاريخها وحضارتها، ومصالحها وتطلعاتها المستقبلية، ومناهج تعليمها وثقافتها، وإعلامها ورموزها التاريخية والمعاصرة، وغير ذلك من الأسس التي تجعل من شعب كل دولة على حدة؛ وحدة واحدة مستقلة لا يربطها ببقية دول المنطقة سوى مصالحها القومية، التي سرعان ما تدفعها للانفصال عنها إذا اهتزت هذه المصالح قيد أنملة.

   – بناء الدول العربية والإسلامية الجديدة بمساعدة الدول الاستعمارية المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، على الأسس والمبادئ والأنظمة، التي تضمن لها ارتباط الدول العربية والإسلامية الوليدة ارتباطاً مصيرياً بها في كافة الظروف والأحوال، سياسياً واقتصادياً وعلمياً وتعليمياً وحضارياً.

   – انشغال الدول العربية والإسلامية الوليدة بكياناتها الجديدة، واستقلالها الزائف، واستكمال عملية بناء هويتها القومية الخاصة، دونما كبير اعتبار من كل دولة لجوارها الذي كانت تشكل معه جغرافيا واحدة ونظاماً سياسياً واحداً، بهوية واحدة ومصير مشترك.

   – استمرار الهيمنة الغربية على الدول العربية والإسلامية في كافة المجالات، واقتناع الدول العربية والإسلامية بأنها لا تستطيع الانفكاك عن هذه الهيمنة، وأن أي محاولة لتحقيق ذلك سيكون مصيرها الفشل.

2. إن هذه الهزيمة والتبعية التي تعيشها الدول العربية والإسلامية حالياً، هي إحدى تجلّيات المرحلة التاريخية الراهنة التي قد تمتد لعدة عقود أو قرون قادمة، في انتظار بدء مرحلة تاريخية جديدة، تنهار فيها أنظمة المرحلة الحالية، وتتهاوى فيها القوى التي كانت تهيمن عليها، لتظهر قوى جديدة بأنظمة جديدة، تتشكل فيها الجغرافيا السياسية العربية والإسلامية من جديد. وهذه المراحل التاريخية عبارة عن دورات متعاقبة تتسارع أحياناً، وتتباطأ أحياناً أخرى، وقد شهدها العالم الإسلامي، بعربه وعجمه، مراراً على مر التاريخ، مخلّفة ظروفاً أقسى مما يعيشه الآن، وخاصة في دورتي الغزوين الصليبي والمغولي. وهذه الدورات التاريخية لم تمر على العالم الإسلامي وحده، بل على جميع الأمم التي تعيش في العالم من حولنا.

السياق التاريخي الراهن الذي تعيشه الدول العربية والإسلامية؛ لا يجعلنا نتوقع منها أن تقوم لنصرة قطاع غزة بأفضل مما تقوم به، بل على العكس من ذلك، تجعلنا نتوقع الأسوأ، وهذا ما ينبغي الإقرار به والتعايش معه، لأن إنكاره يعني الاستمرار في حالة الغيبوبة والوهم.

3. النقطتان السابقتان توضحان أن عملية “طوفان الأقصى” جاءت في سياق تاريخي عربي وإسلامي في غاية السوء، تهتم فيه كل دولة من الدول العربية والإسلامية بمصالحها الخاصة، وبعلاقاتها الإقليمية والدولية التي تحافظ على هذه المصالح، التي تحكم مواقفها وتحركاتها تجاه القضايا المختلفة الإقليمية والدولية، ولا تستطيع الخروج عن نظام الهيمنة الذي يضمن لها استقرار هذه المصالح، لأن أي محاولة للخروج تعني الانهيار السياسي الفوري، وقد يتبعه الانهيار الجغرافي.

4. وهذا يعني أن معطيات السياق التاريخي الراهن، ومنظومة القوى الغربية المتحكمة في المرتكزات السياسية والاقتصادية والعسكرية والعلمية التي تقوم عليها الدول العربية والإسلامية؛ لا تجعلنا نتوقع من هذه الدول أن تقوم بأفضل مما تقوم به، بل على العكس من ذلك، تجعلنا نتوقع الأسوأ، وهذا ما ينبغي الإقرار به والتعايش معه، لأن إنكاره يعني الاستمرار في حالة الغيبوبة والوهم، واستمطار سماء لا ماء فيها، وانتظار النبات في الصحراء الجرداء القاحلة.

نظرتُ إلى محدثتي وقد وضعت كفيها على رأسها واغرورقت عيناها بالدموع، وقبل أن تبدأ التعليق على إجابتي السابقة، بادرتها قائلاً: هذا هو واقعنا الذي لا نملك الفكاك منه، كما لا نملك تغييره، وهذا لا يعني الوقوع في اليأس والركون إلى الغيبوبة، ولكننا بحاجة إلى فهم واقعنا بطريقة تساعدنا على ألا نتوقع منه إلا ما يقدر عليه، أما ما لا يقدر عليه، فننتظره من الله سبحانه وتعالى، الذي يدفع الناس بعضهم ببعض ليقضي على الشر والطغيان، ويفتح صفحة جديدة من الخير والعدل، وهو القائل سبحانه {وتلك الأيَّام نداولها بين النَّاس}.

أعان الله أهلنا في غزة على ما هم فيه، ونسأل الله تعالى أن يفرّج كربهم ويكشف همّهم وغمّهم، وأن يختم لهم بالنصر.

السبت، 1 يونيو 2024

"حماس" في مواجهة تحدي الهدنة المؤقتة

 

"حماس" في مواجهة تحدي الهدنة المؤقتة

شهدت الأيام القليلة الماضية العديد من التطورات المتعلقة بالإبادة الجماعية الشاملة التي تشنّها إسرائيل بدعم أميركي في قطاع غزة منذ 8 أشهر، والتي قد يكون لها تأثير على سير الأحداث في الأيام القادمة، وعلى تغيير -أو تأجيل- سيناريو (الانتصار الكامل) الذي استعرضناه في مقالنا السابق  الحرب القادمة على "حماس"، والذي يمثل في حال نجاحه المخرج المثالي للحليفين -إسرائيل وأميركا- من المأزق السياسي الذي يمرّان به حاليًا، بالقضاء على حركة حماس واستعادة الأسرى والمختطفين. فكيف ستتعامل حركة "حماس" وكتائب المقاومة مع هذه التطورات؟

التطورات الأخيرة ربما تجبر نتنياهو وحكومته، على القبول بالرؤية الأميركية للتغلب على الأزمة بالعمل العسكري والسياسي معًا، للقضاء على حماس واستعادة الأسرى، وقد يساعد ذلك على الخروج المؤقت من المأزق، ولكنه لا يعني إيقافًا دائمًا للحرب وإنهاء الأزمة.

تطورات مفاجئة

استعرضنا في مقالنا السابق السيناريوهات الثلاثة المحتملة للتحرك الإسرائيلي في مواجهة تعقيدات الموقف الراهن، وهي:

  • مواصلة الحرب لتحقيق الانتصار الكامل على حركة "حماس".
  • أو تحقيق الانتصار الجزئي.
  • أو مواصلة الحرب من أجل تحسين شروط التفاوض.

تلك هي الاحتمالات إذا لم تحدث تطورات مفاجئة تعدّل من مسار هذه السيناريوهات، التي تم تحديدها بناء على أبرز الأسس التي تحكم الموقف الإسرائيلي والأميركي، بكل ما يحيط به من تعقيدات، وما يواجهه زعيما التحالف -بنيامين نتنياهو وجو بايدن- من حرج يهدد مستقبلهما السياسي ومستقبل حزبيهما.

تتلخص أبرز التطورات التي شهدتها أزمة الحرب على حماس فيما يأتي:

  • أولًا: مشروع أميركي جديد لإيقاف الحرب

زار مستشار الأمن القومي الأميركي، جاك سوليفان، إسرائيل يوم الأحد 19 مايو/ آيار الجاري، حاملًا مشروعًا جديدًا لتعجيل الخروج من المأزق والاتفاق على الهدنة واستعادة الأسرى، قبل أن تحتدم المنافسة في انتخابات الرئاسة الأميركية في نهاية هذا العام، ويقوم هذا المشروع على إغراء نتنياهو بجملة مكاسب سياسية وأمنية تشجعه على قبول الهدنة ووقف إطلاق النار.

وتتضمن هذه المكاسب المزيد من اتفاقات التطبيع، وتشكيل غلاف أمني مع دول المنطقة ضد إيران، يضمن أمن إسرائيل، والتزامات باستثمار مليارات الدولارات في غزة تحت إشراف إسرائيل، وإطلاق سراح الأسرى، وإنهاء الحرب، إضافة إلى اتفاق سياسي مع حزب الله، يعيد الاستقرار والأمن إلى شمال دولة الاحتلال.

وفي مقابل تلك المكاسب طلبت الولايات المتحدة من حكومة نتنياهو الموافقة على: إيقاف الحرب على غزة، والاتفاق على إطلاق الأسرى، والقبول بإدارة غزة بعد الحرب بواسطة إدارة فلسطينية مدنية بالتعاون مع دول المنطقة.

وبرغم موافقة المعارضة والرئيس الإسرائيلي على هذا المشروع، إلا أن نتنياهو وحكومته اليمينية رفضوا المشروع، وشدّدوا على عدم استعجالهم المزيد من اتفاقات التطبيع قبل القضاء على حماس واستعادة الأسرى.

  • ثانيًا: قرارات عدلية دولية ضد إسرائيل

لم تمضِ أيام على مشروع سوليفان، حتى طلب المدّعي العام للمحكمة الجنائية الدولية إصدار مذكرات اعتقال بحق بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه ورئيس أركانه، أعقبها بعد أربعة أيام صدور قرار محكمة العدل الدولية بإيقاف الحرب في غزة وفتح معبر رفح أمام المساعدات الإنسانية، ما زاد من حجم الحرج الذي يواجه إسرائيل وحكومتها على الصعيد الدولي رسميًا وشعبيًا، حتى بين الدول الغربية الداعمة لها.

الحرب القادمة على "حماس"



الجمعة، 31 مايو 2024

مفهوم القوّة عند نتنياهو!

 

مفهوم القوّة عند نتنياهو!


قبل 30 عاماً من هجوم "طوفان الأقصى" الذي قامت به حركة المقاومة الإسلامية "حماس" في السابع من أكتوبر/ تشرين أول من العام الماضي؛ صدر كتاب رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو (مكان بين الأمم)، الذي يوضح فيه رؤيته العميقة لدولة إسرائيل القوية في محيط عربي مضطرب، وسياق عالمي مازال يتشكل من جديد بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.

وقد خصص الجزء الأخير من الكتاب تحت عنوان (مسألة القوة اليهودية) للحديث عن القوة اليهودية اللازمة لدولة إسرائيل والنظريات اليهودية اليمينية واليسارية الخاصة بها، والركائز التي يجب أن تقوم عليها ليتمكن اليهود من "التغلب على العقبات الكأداء التي تعترض طريقهم، ويجتازوا النهر الهائج الذي يفصل بين الموت والحياة، ويعودوا لبناء أرضهم المختارة من جديد" على حد قوله.

ورغم المدة الزمنية الفاصلة بين تاريخ كتابة هذا الكتاب وحرب الإبادة الجماعية العنصرية التي يقودها نتنياهو حالياً ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة؛ إلا أن الكتاب يحتل أهمية كبيرة في فهم شخصية نتنياهو والدوافع التي تقف وراء سلوكياته الإجرامية التي تحكم مواقفه المختلفة، وتفسّر الغموض الذي وراء إصراره الغريب على مواصلة الحرب، رغم الخسائر الفادحة التي قد تؤدي إلى تفكّك الكيان وانهياره.

لم يقدم نتنياهو لليهود الذين يبحثون عن السلام والاستقرار، وعن طريقة للخلاص من ضرورة البقاء في صراع دائم، ويتساءلون: متى سينتهي هذا الأمر؟ وهل هو محكوم عليهم العيش في حرب إلى الأبد؟

قوة الردع

في هذا القسم من الكتاب؛ ينتقد نتنياهو بشدة الأفكار التي تدعو اليهود إلى الاندماج في العالم، أو البحث عن حلول توافقية لحل الأزمة التي سببتها نشأة الكيان الصهيوني للشعب الفلسطيني، ويشدد على ضرورة وجود دولة يهودية قوية قادرة على حماية الشعب اليهودي في كافة الظروف وفي مواجهة كافة التحديات. يقول نتنياهو في الصفحة ٣٨٨ من الطبعة الثانية من الترجمة العربية للكتاب، الصدرة عن دار الأهلية للنشر والتوزيع عام ١٩٩٦م "إن من يُحرم من حمل السيف، سرعان ما ينسى كيفية استخدامه، ويبدأ استعداده النفسي للمقاومة يتلاشى. وهكذا أصبح اليهود أقلية أجنبية بحاجة إلى حماية من الحكام الذين لم يسارعوا في كثير من الأحيان إلى توفير هذه الحماية.

إن الضعف في حد ذاته يُغري بالعدوان على الضعيف، وهذا ينطبق -بشكل خاص- على اليهود الذين دمجوا النجاح الاقتصادي مع الضعف السياسي والعسكري، وهكذا أصبح اليهود هدفاً للمطاردة والطرد". ويقول في الصفحة ٣٨٧ "إذا كانت هناك ميزة واحدة على الأقل تبرز في ثنايا التاريخ اليهودي القديم، فهي تلك المتمثلة برفض الشعب اليهودي الشديد للتنازل عن استقلاله السياسي والديني، واستعداده لمواصلة الكفاح ضد من أرادوا استعباده". ومن هنا يرفض ما يقوله كثير من اليهود بأنهم يشعرون أن أميركا بيتهم، ويؤكد على أن ثمة كثير من اليهود ترعرعوا في إسرائيل، لا يعرفون الشعور بعدم الأمن الذي يمتاز به يهود المهجر، (ص٣٩٢-٣٩٣).

لم يقدم نتنياهو لليهود الذين يبحثون عن السلام والاستقرار، وعن طريقة للخلاص من ضرورة البقاء في صراع دائم، ويتساءلون: متى سينتهي هذا الأمر؟ وهل هو محكوم عليهم العيش في حرب إلى الأبد؟؛ لم يقدم لهم إجابة شافية، لأنه لا يستطيع أن يتنبأ بما إذا كان السلام هو الأفضل، أم الاستمرار في الحرب، وما إذا كانت الدبلوماسية ستنجح في منع وقوع الحرب أم أن الحروب ستتوقف بسبب وجود قوة الردع، (ص٣٩٤).

 يرى نتنياهو أن أصحاب النظرية اليسارية يرون أن اليهود هم المذنبون لأنهم انحرفوا عن الطريق الصواب، وأن رفض العرب الاعتراف بهم، هو عقاب على هذه الخطيئة، وأنهم إذا أصلحوا طريقهم بإمكانهم تحقيق حلم السلام المثالي، وأن على إسرائيل أن تجري عملية جراحية مؤلمة، وتبتر عضواً من أعضائها، فإذا تخلّصت من الضفة الغربية وقطاع غزة سيتغير كل شيء نحو الأفضل.

نظريات خيالية

قوة الردع هذه مربط الفرس بالنسبة لنتنياهو، ومن أجل إقناع القارئ اليهودي في دولة الكيان الصهيوني والولايات المتحدة على وجه الخصوص، فنّد في هذا القسم من الكتاب الأفكار والمواقف التي تدور في الأوساط السياسية والاجتماعية اليهودية في الكيان الصهيوني، ساخراً من الذين يعتقدون أن العرب يرغبون في التوصل إلى سلام مع إسرائيل.

وهنا استعرض نتنياهو ما اعتبره نظريات خيالية لحل الصراع العربي-الإسرائيلي، تنبع من رغبة اليهود في رؤية نهاية لهذا الصراع، والتوصل بسرعة إلى حالة سلام وأخوّة. وهذه النظريات على قسمين، الأولى يسارية والثانية يمينية. حيث يرى نتنياهو أن أصحاب النظرية اليسارية يرون أن اليهود هم المذنبون لأنهم انحرفوا عن الطريق الصواب، وأن رفض العرب الاعتراف بهم، هو عقاب على هذه الخطيئة، وأنهم إذا أصلحوا طريقهم بإمكانهم تحقيق حلم السلام المثالي، وأن على إسرائيل أن تجري عملية جراحية مؤلمة، وتبتر عضواً من أعضائها، فإذا تخلّصت من الضفة الغربية وقطاع غزة سيتغير كل شيء نحو الأفضل. أما النظرية اليمينية فتقوم على أن الكيان الصهيوني يمكن أن ينعم بالاستقرار الحقيقي بالتخلص من العرب الذين يسكنون هذه المناطق عن طريق التهجير، (٢٩٧-٣٩٨).

ويعتقد نتنياهو أن هاتين النظريتين تدلان على عدم وجود رؤية واقعية للواقع السياسي الإسرائيلي، وعلى أحلام كاذبة، تنبع من محاولة الهروب من الصراع الصعب المحتوم على الشعب اليهودي، ويعتقد أن الصراع المستمر لا يعني بالضرورة حرباً إلى ما لا نهاية، ولكنه سيتطلب جهداً قومياً طويل المدى قد يؤدي إلى مجابهات دولية شديدة، مؤكداً على أنه حتى لو حدث انخفاض حقيقي في مستوى الصراع العربي-الإسرائيلي، فإن أخطار الحرب والمواجهات لن تتلاشى في المستقبل، معتبراً أن على اليهود التسليم بوجودهم الدائم مع الصراعات، وضرورة الاحتفاظ دائماً بقوة يهودية في مواجهتها.

الأحد، 26 مايو 2024

ماذا وراء الرصيف الأميركي العائم في بحر غزة؟

 

ماذا وراء الرصيف الأميركي العائم في بحر غزة؟



   صورة جوية للرصيف العائم بعد تركيبه من قبل الجيش الأميركي (الجزيرة)    

أخيرا تم تشغيل الرصيف الأميركي العائم في قطاع غزة، والذي كلف الخزانة الأميركية حوالي ٣٢٠ مليون دولار، وقد تم نقل حوالي ٦٠٠ طن متري من المساعدات الإنسانية إلى مخازن برنامج الغذاء العالمي (WFP) التابع للأمم المتحدة، في محافظة دير البلح، تمهيدا لتوزيعها على المواطنين في قطاع غزة.

ويأتي هذا التطور ليفتح الباب واسعا أمام العديد من الأسئلة التي طرحنا بعضها في مقالنا قبل شهرين من تشغيل الرصيف، والتي مازالت تحوم في الأرجاء دون إجابات، رغم التوضيحات التي قدمتها الولايات المتحدة، لأنها ظلت إجابات غير شافية وغير مقنعة، وغير كافية لإزالة الشكوك المتنامية في أوساط المعنيين والمراقبين الفلسطينيين وغير الفلسطينيين.

خصوصا وأنها تأتي من دولة شريكة للكيان الصهيوني في حرب الإبادة الجماعية التي يشنها ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، دولة تغذي حرب الكيان الصهيوني بالمال والسلاح والعتاد والمشورة والتغطية السياسية والقانونية، وتدعي الشفقة والرحمة لضحايا هذه الحرب من المدنيين الفلسطينيين.

لو كانت الولايات المتحدة صادقة في حرصها على المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة، لما وقفت في وجه قرارات مجلس الأمن المطالبة بالإيقاف الفوري الشامل للحرب، ولسعت إلى إيجاد حلول سياسية تحتوي بها الأزمة.

تأكيدات غير مؤكدة

حرصت مديرة الوكالة الأميركية للتنمية الدولية "سامانثا باور" في بيانها الصادر الأسبوع الماضي بمناسبة بدء وصول شحنات المساعدات الإنسانية إلى غزة عن طريق الرصيف العائم؛ على معالجة الشكوك وتقديم إجابات للأسئلة التي الحائرة لدى المعنيين والمراقبين، مؤكدة على ما يأتي:

  • أن الرصيف العائم تم إنشاؤه لسد النقص الحاد في الغذاء والمأوى والدواء وغيرها من المساعدات وإيصالها إلى المحتاجين، وأن على المجتمع الدولي أن يقوم باستغلال الرصيف إلى أقصى حد لإيصال المساعدات المنقذة للأرواح والتخفيف من معاناة المدنيين المستشرية في قطاع غزة.
  • أن الرصيف يمثل جهدا مشتركا بين الولايات المتحدة (بقيادة الوكالة الأميركية للتنمية الدولية ووزارة الدفاع الأميركية) وجمهورية قبرص وإسرائيل والأمم المتحدة وجهات مانحة دولية، بما فيها الإمارات العربية المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي.
  • أن المساعدات يتم نقلها إلى المنظمات الإنسانية لتسهيل توزيعها على المجتمعات الفلسطينية في مختلف أنحاء غزة.
  • أن الرصيف ليس بديلا للمعابر البرية، وأن الولايات المتحدة ستواصل الضغط على الحكومة الإسرائيلية لحماية المدنيين والعاملين وتسهيل نقل المساعدات المتزايدة برا وبحرا، وتسريع عمليات التفتيش، وفتح كافة مسارات الوصول، وتسهيل الحركة الآمنة لقوافل المساعدات حتى تصل إلى المحتاجين.
  • أن الولايات المتحدة ستواصل أيضا الضغط بقوة من أجل وضع حد لهذا الصراع والتوصل إلى وقف فوري لإطلاق النار بما يضمن عودة الرهائن إلى ديارهم ويتيح زيادة المساعدات الإنسانية ويحمي المدنيين الإسرائيليين والفلسطينيين.

ولنفس الغرض، عقد مدير الاستجابة في الوكالة الأميركية للتنمية الدولية "دان ديكهويس" ونائب قائد الأسطول البحري الأميركي، نائب قائد القيادة المركزية البحرية "براد كوبر"؛ مؤتمرا صحفيا منتصف الشهر الجاري، قبل يومين من صدور بيان سمانثا، في المركز الإعلامي الدولي في لندن التابع لوزارة الخارجية الأميركية، أكدا فيه على ما يأتي:

  • أن دعم جهود الوكالة الأميركية للتنمية الدولية في توريد المساعدات إلى سكان غزة يمثل أولوية قصوى بحسب توجيهات وزير الدفاع.
  • أن الدور الوحيد للجيش الأميركي في هذا المشروع هو توفير القدرات اللوجستية التي تمكن الوكالة الأميركية للتنمية الدولية والشركاء الدوليين من إيصال المساعدات الإنسانية إلى سكان غزة. وأن سياسة الولايات المتحدة الحالية إغراق المنطقة بالمساعدات الإنسانية.
  • أن الرصيف مؤقت بطبيعته، ويمثل المسار البحري مسارا إضافيا كما ذكرنا، وليس بديلا عن الطرق البرية.
  • أن القوات العسكرية الأميركية لن تتواجد على الأرض في غزة.
  • أن هذه مهمة إنسانية مئة بالمئة، وأي هجوم على العاملين فيها وعلى هذه المهمة هو هجوم على المساعدات المقدمة لسكان غزة.
  • أن المشروع يحظى بدعم دولي بالتنسيق مع الأمم المتحدة، التي تساعد في تنظيم المساعدات في قبرص، وتتولى قيادة عملية تنسيق المساعدات وتوزيعها بمجرد وصولها إلى الأرض في غزة.
  • تمت مناقشة المشروع مع السلطة الفلسطينية، وهي تقدم دعما عاما له.
  • أن المساعدات الإنسانية تصل في البداية إلى قبرص عن طريق الجو أو البحر، ويتم هناك فحصها ووضعها على منصات وإعدادها للتسليم. هناك آلاف الأطنان من المساعدات قيد الإعداد، ونتوقع أن يستمر هذا التدفق من الجهات المانحة الدولية.
  • تم إنشاء الرصيف لغرض إنساني بحت، بهدف تسهيل التوزيع المستقل للمساعدات الإنسانية للمحتاجين أينما وجدوا، وليس هناك أي هدف آخر، بما في ذلك التهجير أو أي أهداف سياسية أو عسكرية أخرى.
  • القدرة اللوجستية المشتركة فوق الشاطئ والممر البحري مستقرة، وغير معرضة لأي خطر إضافي يتجاوز ما هو قائم أصلا في غزة، ويجري مراقبة العملية وإجراء التعديلات عليها بحسب ما تفرضه المخاطر. وندعو كافة الأطراف إلى عدم التدخل في عملية إيصال المساعدات إلى المحتاجين.
  • هناك خليتا تنسيق، أحدهما في قبرص والثانية في إسرائيل، والعمل جار مع فريق الوكالة الأميركية للتنمية الدولية والقبارصة والإسرائيليين والأمم المتحدة منذ أسابيع لزيادة تدفق المساعدات الإنسانية إلى غزة.
  • طورت الولايات المتحدة وإسرائيل في الأسابيع الماضية خطة أمنية متكاملة لحماية كافة الموظفين الذين يعملون في موقع القدرة اللوجستية المشتركة فوق الشاطئ والمنطقة المحيطة، ونحن واثقون من قدرة هذا الترتيب الأمني على حماية المشاركين فيه.
  • يوجد خليتان كبيرتان للاتصالات والتنسيق، إحداهما في قبرص والثانية في إسرائيل، تم إنشاؤهما كآليات لتولي كافة التنسيق المرتبط بتسليم المساعدات عبر القدرة اللوجستية المشتركة فوق الشاطئ، على غرار الوصول من قبرص، والتوزيع من قبرص إلى البحر، ومن البحر إلى غزة ثم إلى داخل القطاع، وهناك بروتوكولات لإدارة نقاط التفتيش ومراقبة القوافل كآلية لزيادة هذا التنسيق.

التنسيق الأمني الكامل في هذا المشروع محصور بين الطرفي التحالف الصهيو-أميركي، وهذا يعزز الرأي بأن المصلحة العليا للمشروع هي مصلحة التحالف وليست مصلحة الشعب الفلسطيني، كما يظهر على السطح.

الشكوك مازالت قائمة

التوضيحات والتأكيدات السابقة التي قدمها مسؤولو الوكالة الأميركية للتنمية الدولية ووزارة الدفاع الأميركية، والتي تركزت حول ثلاثة محاور رئيسية هي:

تأكيد الدافع الإنساني لإنشاء الرصيف. مساهمة الأمم المتحدة وشركاء الولايات المتحدة الإقليميين والدوليين في المشروع. نفي وجود أي أهداف أخرى للرصيف، وأن دور الجيش الأميركي هو دور لوجيستي فقط.

ومع ذلك، فقد أثارت هذه التوضيحات والتأكيدات المزيد من الشكوك المدعومة بالكثير من المعطيات الموضوعية، التي أشرنا إلى بعضها في مقالنا المشار إليه آنفا، وفي مقدمتها:

  • أن الولايات المتحدة ليست طرفا محايدا، فهي شريك للكيان الصهيوني، وتتحمل معه المسؤولية الكاملة عن حرب الإبادة الشاملة الدائرة في قطاع غزة منذ حوالي ثمانية أشهر.
  • أن الولايات المتحدة لو كانت صادقة في حرصها على المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة، لما وقفت في وجه قرارات مجلس الأمن المطالبة بالإيقاف الفوري الشامل للحرب، ولسعت إلى إيجاد حلول سياسية تحتوي بها الأزمة وفقا لسياسات احتواء الصراعات التي تروج لها هنا وهناك.
  • أن الإجراءات التنسيقية التي قامت بها الولايات المتحدة لنجاح عمل الرصيف، كان يمكن القيام بها من اليوم الأول لإدخال وتوزيع المساعدات عن طريق الممرات البرية، ولكن الولايات المتحدة تركت المجال أمام الكيان الصهيوني، ليفعل ما يريد.
  • أن هذه الأعمال من اختصاص الأمم المتحدة، وكان من المفترض أن يقوم مجلس الأمن منذ بداية الحرب بإصدار القرارات اللازمة للقيام بمهامها الإنسانية والقانونية.
  • أن الأدوار التنسيقية التي يتحدث عنها مسؤولو الإدارة الأميركية بين الولايات المتحدة وشركائها؛ تبقي السيادة الكاملة على المشروع للجيش الأميركي.
  • أن المشروع تم إنشاؤه على أرض ليست خاضعة للولايات المتحدة، ولم يطلب أهلها منها القيام بذلك، وأنها باشرت بإنشاء الرصيف ضمن سياسات العربدة الدولية التي تقوم بها دون أي مرجعية قانونية.
  • أن رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو طلب إنشاء الرصيف من الرئيس الأميركي جو بايدن بعد أسبوعين من بدء حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة.
  • أن مشروع الرصيف يتصل بمشروع حكومة نتنياهو السابقة الصهيوني الخاص بإنشاء ميناء ومطار وجزر إنسانية لسكان قطاع غزة، وحتى الآن لا أحد يعرف التصور الذي يخبئه نتنياهو للوضع النهائي لقطاع غزة.
  • أن التنسيق الأمني الكامل في هذا المشروع محصور بين الطرفي التحالف الصهيو-أميركي، وهذا يعزز الرأي بأن المصلحة العليا لهذا المشروع هي مصلحة التحالف وليست مصلحة الشعب الفلسطيني، كما يظهر على السطح.
  • أن خدمات الرصيف لا تقتصر على المساعدات الإنسانية، بل على البضائع التجارية كذلك، وهذا يفتح المجال لأدوار أخرى ستأتي بطبيعة الحال في المستقبل القريب.

قد يكون الرصيف مؤقتا فعلا، كما يدعي مسؤولو الإدارة الأميركية، ولكن المؤكد أنه سيستمر لعشرات السنين، لحين اتضاح الرؤية لنهاية هذه الحرب، وترتيب الأوضاع السياسية الجديدة لقطاع غزة، والانتهاء من إعادة الأعمار، وفي هذه السنوات ستتضح الأهداف الحقيقية لإنشاء الرصيف.

وسيتعرض الشعب الفلسطيني للكثير من إغراءات الهجرة الطوعية للتخلص من ضنك الحياة في مراكز الإيواء، وهي الهجرة التي لا تعترض عليها الأمم المتحدة والمحاكم الدولية ولا الولايات المتحدة وشركاؤها.

هذا طبعا، إذا سلمنا بصدق النوايا الأميركية الخاصة بمرحلة ما بعد الحرب.