الاثنين، 5 سبتمبر 2016

الأناجيل : نسيج من الرقع !

الأناجيل : نسيج من الرقع !

أ. د. زينب عبد العزيز
أستاذة الحضارة الفرنسية



لا توجد أية عبارة يمكنها التعبير عن كلمة "الأناجيل" إلا: "نسيج من الرقع".. نسيج من الرقع المخاطة بالخيط الأبيض، أي إن رقعها شديدة الوضوح. وسواء نظرنا إلى تلك النصوص نظرة تفصيلية أو إجمالية وإلى تاريخ تكوينها وتكوين عقائدها، فذلك لن يغيّر شيئا من هذا التشبيه لرقع رخيصة متراكمة على بعضها، تمت حياكتها بخيط أبيض، أي أنها رقع شديدة الوضوح. لأن النصوص التي تكونها عبارة عن نسيج من أشياء مستبعدة الحدوث، غير متناسقة، ومتناقضة.

إن يسوع لم يترك شيئا مكتوبا، وكان يتحدث بلغة شعبية أو بالأمثال. وبالتدريج، وبعد أكثر من خمسين عاما بدأ تجميع هذه الحكايات من الذاكرة، في كتاب، ووضعوا له عنوان: "العهد الجديد". وقام قساوسة الكنيسة بإضافة النص الشفهي المتراكم الأقاصيص والأغراض، للنص الذي كتبوه، ليجعلوا منه قانون الإيمان الراسخ، الذي لا يمكن المساس به. واحتل التراث الشفهي والتجميع المكانة الأولى. وهكذا تكون التفسير الديني التقليدي أو التراثي، على أن يتقبله الأتباع صاغرين شاكرين وإلا تم اعتبارهم من الهراطقة، والنتيجة معروفة..

إن يسوع وحوارييه كانوا من اليهود، ولا يتحدثون سوى الآرامية، ومع ذلك فإن كافة الأصول المسيحية باللغة اليونانية، أي لا أصول أصلية لها إلا باللغة اليونانية، ثم تمت ترجمتها إلى اللاتينية ومنها إلى غيرها.. وقد قامت الكنيسة بمحو كل ما كان يعترض مسيرتها التحريفية الانتقائية، ثم تحايلت للاحتفاظ بما صاغه علماؤها أو قلفطوه، ليطلقوا عليه كلمة "ديناً"! وفيما يلي بعض النماذج: 


النصوص :

في القرن الثالث تحديدا تدخلت السياسة بصورة فعالة أثناء تشكيل المسيحية التي كانوا يشقون طريقها بين جماعات متحاربة مخرّبة. فوفقا للقس آلبيوس ثيودوريه، "حوالي سنة 225 كانت هناك أكثر من مائتين صيغة مختلفة للأناجيل بين هذه الجماعات".
وإذا افترضنا جدلا، كما يقترح البعض، إن نقص أو عدم وجود أي نص أصلي على الإطلاق بالآرامية، يرجع إلى أن يسوع كان يعلن لأتباعه عن اقتراب ملكوت الرب ونهاية العالم، وإن المحيطين به سيشهدونه في حياتهم ـ ولا زالوا ينتظرون تحقيق هذا الوعد حتى يومنا هذا، لكنه لا يبرر عملية التخلص الإجرامية من النصوص المحرجة. ويكفي الإشارة إلى ما قامت به كنيسة روما سنة 1415 وأبادت كل ما كان موجودا من مراجع ووثائق يهودية تعود للقرن الثاني، وأحرقت كتابين عبريين كانا يحتويان على اسم يسوع الحقيقي. ثم قام البابا إسكندر السادس بتحطيم كل نسخ التلمود عن طريق رئيس محاكم التفتيش، توما دي توركميدا (1420ـ 1498)، المسئول عن حرق ستة آلاف مخطوطة في مدينة سلمنك وحدها.
وفي حياة بولس الرسول، كانت المسيحية ـ التي لا يعرف عنها يسوع أي شيء، قد وُلدت وسط المعارك الطاحنة والانقسامات والمنازعات والعداوات وتبادل اللعنات بالحرمان. وقد وصل عدد هذه الفصائل إلى إثنين وعشرون ألفا في الإمبراطورية الرومانية، تلاشى أو انضم الكثير منها لتنتهي إلى 349 كنيسة مختلفة عقائديا، تمثل مجلس الكنائس العالمي الحالي.. إن تطور العقائد المسيحية على أيدي رجال الكهنوت والسلطة المستبدة للأباطرة الرومان في القرون الأولى، كانت تتم في نفس الوقت مع هذه المعارك الدائرة. ومنحت المجامع البابوية نفسها سلطة صياغة أو نسخ عقائد الإيمان. وكانت العقائد والمذاهب الأولى تتولد وهي تتناقض أو تكمل بعضها البعض وفقا لقرارات المجامع والآباء. وقد اعتادوا احتلال الصدارة فوق سلطة النصوص، ويكفي أن نطالع بعض النماذج:

العذرية الدائمة لمريم :

إن كافة العقائد المسيحية قائمة على فكرة الترجيح والاحتمال جدلا، إضافة إلى أخطاء الترجمة أو النقل من ديانات وعقائد وثنية موجودة أو سابقة. وقد قام فيلون السكندري، المرتبط بجماعة الآسينيين ومخترع كلمة "اللوغس"، في القرن الثاني، بإضافة كلمة "تجسد" ليتحدث عن "لوغس" سوف يأتي روحيا. وهو ما يتناقض مع ما تم فرضه فيما بعد، بقول إن يسوع سوف يعود بلحمه ودمه في نهاية الزمان ليحاكم العالم.
إن كافة عقائد الإيمان تقول ان يسوع قد وُلد من عذراء، وهي فكرة تعتمد على نص يشوع (7 : 14)، حيث إن الكلمة العبرية "امرأة شابة" قد تمت ترجمتها خطأً في النسخة السبعينية بكلمة "عذراء". وقد قام چوڤيانوس بمعاتبة القديس چيروم لتركه هذا الخطأ في ترجمته الشهيرة التي أعاد فيها ترجمة وصياغة عدة ترجمات سابقة ليكوّن "الڤولجات" أو النص الرسمي للأناجيل (سبق وتناولت اعترافات القديس جيروم)، لكن يبدو أن "التزوير الورع من أجل مجد الله"، على حد قول القديس بولس، كان منتشرا ولا يزال.. إلا إن المجامع قد قامت بفرض العذرية الدائمة لمريم قبل وأثناء وبعد الحمل !!
وبينما تنص عقيدة الإيمان التي صاغها أوريچين، تقول، هي فقط، أنها حملت عن طريق الروح القدس! وظلت الآراء تتضارب حتى القرن الثالث ولم تكن قد استقرت هذه العقيدة بعد، وقام مجمع نيقية الأول سنة 325 بفرضها. ومن الطريف ملاحظة أنه بينما كان إغنسيوس وترتوليان وكيرولس القدسي يؤكدون إن تجسد يسوع تم بفعل الروح القدس ؛ فإن إيريني يقول إن مريم حملت من الآب ؛ أما چوستين وكليمون السكندري وأطنازيوس يؤكدون أنها حملت من اللوغس شخصيا ؛ بينما يقول أغسطين أنها حملت من الأقانيم الثلاثة المكونة للثالوث. وهو ما يعني ضمنا أن يسوع له دور في أبوة نفسه، لكى لا نقول شيئا عن أية علاقة غير شرعية !! أما وفقا لإنجيل يوحنا (1 : 13) فإن الله شخصيا هو الذي أنجب ابنه الوحيد، يسوع المسيح، بلا أم طبعا ! ووفقا لإنجيل لوقا فإن مريم كانت حامل عندما خطبها يوسف النجار، ووفقا لليهود فإن يسوع ابن الجندي الروماني ݒانتيرا.. وأيا كان الأمر فإن عبارة "أبوك وأنا كنا نبحث عنك" (3: 46) تستبعد فكرة أي ميلاد عذري، لكى لا نقول شيئا عن اخوته وأخواته المذكورين بوضوح في الأناجيل وفي أعمال الرسل.

تأليه يسوع :

في يوم 21 يونيو سنة 325 اجتمع أكثر من الفين أسقفا في مدينة نيقيه للفصل في عقيدة الإيمان الرسمية للمسيحية، والنصوص التي يجب الاحتفاظ بها، ومن هو الإله الذي يجب أن يتبعوه.. ويقول توني باشبي في كتابه "تحريف الكتاب المقدس": "ان أولي محاولات اختيار ذلك الإله ترجع إلى سنة 210، حينما كان على الإمبراطور أن يختار بين يهوذا كريستوس أو أخيه التوأم ربى يسوع. أي إن يسوع أو الشخص الآخر، موضحا أنه حتى عام 325 لم يكن هناك للمسيحيين إله رسمي" ! إن هذه المتناقضات لا يمكن تفسيرها إلا بوجود طبقات من الكتابة المتتالية المتراكمة، دون حتى الاهتمام بالتوفيق بينها. أما القديس چيروم فيقول في المقدمة التي كتبها لترجمته وإعادة صياغة الأناجيل: "توجد ترجمات وأخطاء بعدد النسخ المنسوخة"، أي أنه لا حصر لها.

بدعة الثالوث :

إن يسوع لم يقل أبدا أنه ذو طبيعة إلهية أو ابن الله، ولم يقل شيئا عن الثالوث، ولم ينشئ أية كنيسة. كل ما طلبه من الأتباع هو أن يصلوا في غرفهم (متّى 6: 6 ـ 8)، وألا يقلدوا الوثنيين في لغوهم أو بذخ معابدهم. بل والأكثر من ذلك، نطالع أكثر من مرة إن يسوع نبي مقتدر، ثم قام علماء الكنيسة بتحويله إلى ممسوح ومسيح، ثم المسيح ثم ابن الله، ثم الله شخصيا. ثم بدأت مشكلة طبيعة واحدة أم طبيعتان (إلهية وبشرية)، ثم إرادة أو إرادتان، ثم جعلوه الإله الوحيد، المتفرد، في محاولة خبيثة لسد الباب أمام الإله الحقيقي الذي ليس لكثله شيء.
وقد اعترف بزيل القيصري (329ـ379) بأن عقيدة عبادة الروح القدس لا وجود لها في الكتاب المقدس، ورغمها، أقام العقيدة بلا أي تردد أو خجل، ليثبت المساواة بين الأقانيم الثلاثة المكونة للثالوث. وهذا المثال الذي يمثل نموذجا واضحا لكيفية إختلاق العقائد وفقا للطلب، وكأنها "دليڤري"، يمثل مرحلة حاسمة على طريق تعريف التشابه الكينوني بين الروح القدس والله والمسيح وفقا لما فرضه مجمع نيقيه الأول سنة 325، ثم أكدها مجمع القسطنطينية سنة 381 بتأكيد المساواة التامة بين الأقانيم الثلاثة..

زواج يسوع بالكنيسة :

إن عملية تزويج يسوع للكنيسة تعد من أكبر الفريات التي اقترفتها الكنيسة لترسيخ كيانها، والتي دفع كثير من المسيحيين حياتهم ثمنا لها، أو لإقرار معادلة حسابية معوجة تقول: يسوع = الكنيسة = الباباوات = الله. علما بأن الأبحاث الحديثة تؤكد أن يسوع كان متزوجا وله ذرية.

الروح القدس :

منذ ابتداع فكرة الروح القدس، جعلوه أولا هو ملهم كتابة نصوص الأناجيل، وذلك يعني ـ وفقا للحالة التي عليها الأناجيل حاليا، إن ذلك الروح القدس المسكين يخطئ، وأنه من أكبر الكذابين، ويتناقض في أقواله بصورة واضحة! إن الموسوعة البريطانية كانت تشير قديما إلى وجود أكثر من 150000 خطأ وتناقضا. وقد تضاعف هذا العدد بفضل أعمال النقد الحديثة. ولكي ندرك كم هذه الأخطاء ومدى تنوعها ومختلف مجالاتها، تكفي الإشارة إلى أنها تتعلق باللاهوت وبالجغرافيا والتاريخ والعادات والتقاليد وأسماء المدن أو الأماكن التي لم تكن موجودة آنذاك، بخلاف عمليات النقل من الأساطير والديانات الوثنية القائمة آنذاك. وتكفي الإشارة إلى الإفخارستيا المنقولة من أسطورة الإله ميترا، وهي عقيدة تحول الأتباع إلى فئة من آكلي لحوم البشر، إذ يجب عليهم عند تناولها أن يؤمنوا إيمانا راسخا أنهم يأكلون لحم المسيح ويشربون دمه..
وبعد أن تم فرض صفة الإلهام والتنزيل الإلهي لكل هذه المتناقضات في مجمع ترانت (1546)، وتأكيد أنها منزلة من عند الله، حتى على حساب اغتيال ملايين الأتباع لفرضها، قام مجمع الفاتيكان الثاني (1965)، باكتشاف إن هذه النصوص ليست إلهية، وقرر بلا أدنى حرج أو خجل، إن الذين كتبوها بشر، وأسماء أخرى غير تلك التي هي معروفة بها.. ومن أجل مداراة هذه التلاعب الجديد أضاف النص الفاتيكاني: "لكنها كتبت بوحي من الروح القدس"! وإن كان بها بعض "الأخطاء أو الأفكار البالية، فذلك لا يمنع من كونها دروس تعليمية إلهية"..

هروب العائلة المقدسة :

يمثل هروب العائلة المقدسة إلى مصر نموذجا حياً لعملية التحريف وكيفية الصياغة المزورة للمسيحية. وقد سبق أن تناولت موضوع هروب العائلة المقدسة ، لكنني أشير هنا اختصارا: إن متّى وحده هو الذي يتحدث عن هذا الهروب، بينما لوقا يقول عكس ذلك وأنهم عادوا إلى بلدهم. أي إن القصة وفقا لمتّى تقول: إن يوسف النجار قد حلم بملاك الرب ثلاث مرات: في المرة الأولى طلب منه الملاك أن يأخذ الطفل وأمه ويهرب إلى مصر؛ وفي المرة الثانية طلب منه الملاك أن يعود إلى الوطن؛ وفي الرؤية الثالثة قام الملاك بتعديل خط سير العودة بناء على اقتراح يوسف النجار.. وبعد أربعة قرون تقريبا، وفي محاولة مخادعة لتنصير القطر المصري، قام ثيوفيلس، بطريرك الإسكندرية، برؤية حلم تقص له فيه السيدة العذراء تفاصيل رحلة الهروب إلى مصر! وفي الصباح قام ثيوفيلس بتدوين رؤيته هذه في مذكراته الشخصية.. وبقدرة كنسية ألعوبانية، تم تحويل هذه الرؤيا إلى حقيقة، وقامت الكنيسة القبطية بفرض هذه الأحلام على مصر، ببناء سيناريو متكامل الأركان وآثار مختلقة لهذه الرحلة المزعومة، وفرضت رؤيتها على مصر والمصريين وعلى السياح السذج الذين لا زالوا يؤمنون بهذه الخدع والاحتيالات..

صلب يسوع :
من الثابت علميا إن عملية صلب يسوع منقولة بوضوح صارخ من الأساطير اليونانية القديمة وباتت تمثل أحد العناصر الأساسية للمسيحية. وهي في نفس الوقت دليل آخر على عمليات النقل والتلفيق الممتدة المأخوذة من الأساطير والديانات الوثنية القائمة آنذاك. فالصورة التي على اليسار تمثل صَلب الإله أورفيوس ديونيزيوس، الذي تم صلبه ودفنه ثلاثة أيام ثم بعث من الموت في اليوم الثالث، وفقا للأسطورة اليونانية. وعلى اليمين صورة ليسوع تؤكد بوضوح عملية النقل أو الترقيع في العقائد بالاختلاس.. بما إن النصوص الكنسية تقول إنه صُلب ودُفن ثلاثة أيام، ثم بُعث في اليوم الثالث.. وإن كانت مراجعتها تؤكد أنه أمضا نهارين وليلة واحدة..
وقد تكون الصورة صادمة للمسيحيين، أن يروا إلى أي مدى أساس عقيدتهم منقول ويثبت يقينا أنه بمثابة ترقيع لنصوص تلك العقيدة، وكيف إنها عبارة عن نسيج من الرقع المرقعة وتمت خياطتها بالخيط الأبيض، أي إن هذا الترقيع شديد الوضوح..

تبرأة اليهود :

قام مجمع الفاتيكان الثاني (1965)، دون خجل أو مراعاة لمشاعر أتباعه، وأدار ظهره لكل ما فرضه على مدى ألفى عام تقريبا، ضد اليهود واتهامهم بأنهم "قتلة الرب"، متناسيا تلك الصلوات التي تسبهم وتدعوا عليهم وتدعوهم للتنصير، وكل الخطابات الرسولية التي صاغها الباباوات ضدهم. بل وكل ما يحفظه التاريخ من حصار مفروض عليهم وأزياء وعلامات بعينها، وراح المجمع المبجل يبحث في أعماقه، كما قال رسميا في نصوصه، ليكتشف براءتهم فجأة !! والأدهى من ذلك، قام هذا المجمع بنفس الحركة الانقلابية، ليس على القرارات السابقة فحسب، فالقائمة جد طويلة كاشفة، تلك التي اتهموا بها اليهود طوال تلك القرون..
واكتشف المجمع المبجل في نفس الوقت إن هؤلاء اليهود هم "إخوته الأكبر منه"، ثم قام بتقديم الاعتذارات الرسمية عن كل ما عانوه، ثم بدأت التنازلات، ثم توالت التنازلات لتصيب صلب العقائد، ثم أصبح اليهود اليوم هم الذين يقودون الفاتيكان وكرسيه الرسولي..

خلاصة القول : 

ما أكثر عدد الذين تركوا طاحونة التزوير تلك، التي ظلت ولا تزال تبدل وتعيد صياغة نصوصها، مما أدى إلى تلك العبارة الشهيرة في الغرب: "النزيف الصامت للكنيسة"، ورغمها، فهي لا تزال تستميت بكل الوسائل لفرض نفسها.. فعلى الرغم من كل ما تم كشفه من تاريخها، وكل ما به من متناقضات ونقل وتحريف، فإن الكنيسة المبجلة تواصل تقديم المسيحية على أنها الديانة المطلقة، المنزلة، الوحيدة التي يتقبلها "الله ـ يسوع" الذي اخترعته ظلما وغشاً، لتنصير العالم بأي ثمن وبأية وسيلة.. وهو مطلبها القديم الذي جدده مجمع الفاتيكان الثاني بضراوة تنفيذية.
وبعد تقديم تلك الشذرات القليلة، من غثاء جد كثير، فإن تاريخ المسيحية وكيفية تكوين عقائدها لا يسمح لها على الإطلاق بهذا الادعاء، لأنه تاريخ يدين كل علماؤها وقديسيها، بكل فرقهم، واختلافاتهم وتناقضاتهم وحروبهم، وهم يؤكدون اليوم ما سوف ينكرونه غدا.. فهل من ضرورة لإضافة: كيف يمكن لمثل هذه البنيان القائم على الأكاذيب، أن يقوم بشيطنة الإسلام والمسلمين ومحاولة اقتلاعهم لفرض نسيج مهلهل من الرقع المرقعة الشديدة الوضوح؟

زينب عبد العزيز
2 سبتمبر 2016
 

تحالف شيعي صاعد مقابل تشرذم سُني قاتل

تحالف شيعي صاعد مقابل تشرذم سُني قاتل




د. فيصل القاسم

مشكلتنا نحن العرب والمسلمين أننا نفضل دفن الأوساخ تحت السجادة بدل تنظيفها وتهويتها، وبدل أن نعرض دماملنا على الأطباء كي يعاينوها ويعالجوها ويستأصلوها، نقوم عادة بالتستر عليها، فتتفاقم حالتها وتزداد سوءاً. 

لا أدري لماذا كلما تطرق أحد إلى موضوع الطائفية والمذهبية في منطقتنا اتهموه بالتحريض الطائفي وإثارة النعرات، مع العلم أن النعرات تتحرك على الأرض على عينك يا تاجر وبسرعة رهيبة.

نستطيع أن نتحدث عن التقارب السني الشيعي لسنوات وسنوات، ونعقد المؤتمرات تلو المؤتمرات، ويتصافح أعيان الجانبين ويلتقطون صوراً تذكارية، ويظهرون أمام وسائل الإعلام ويقولون: "صافي يا لبن"، لكن الواقع على الأرض يسير في اتجاه معاكس تماماً. 

هل يستطيع أحد أن ينكر الآن أن "الهلال الشيعي" الذي تحدث عنه العاهل الأردني أصبح حلفاً كامل الأوصاف. 
ألا يمتد النفوذ الإيراني الآن وبوضوح شديد من اليمن إلى العراق مروراً بسوريا إلى لبنان، ناهيك عن الخليج؟ 
أليس هناك الآن كتلة متحدة صاعدة متماسكة بقيادة إيران تضم القيادة في جنوب اليمن والعراق وسوريا ولبنان؟ 
أليس هناك ثقل سكاني من لون مذهبي معين يزداد تماسكاً واتحاداً يوماً بعد يوم؟ 
أليست هذه حقيقة تفقأ العيون؟ 
فلماذا عندما يقترب أحدهم من هذا الموضوع يبدأ البعض باتهامه بإثارة النعرات المذهبية والطائفية؟ 
أيهما أخطر، الحديث عن هذا التحالف المذهبي، أم التحالف المتصاعد نفسه؟ 
إن من يتهم الذين يتحدثون عن هذا الأمر يذكرنا بما يحدث في سوريا، فمثلاً لا بأس أن تقتل وتذبح الناس في سوريا، لكن ممنوع أن تصور عمليات القتل والذبح، فالذبح حلال، والحديث عنه ونقله إعلامياً حرام. ما شاء الله.
فلنعترف أن هناك مباركة أمريكية لما أصبح يعرف بالحلف الشيعي الذي بدأت تتشكل ملامحه بعد أن سلمت أمريكا العراق لإيران على طبق من ذهب. 
أما التدخل الإيراني السافر الآن في الشأن السوري سياسياً وعسكرياً وإعلامياً واقتصادياً فلم يعد يخفى على أحد، بدليل أن الغرب غض الطرف تماماً عن الوجود العسكري الهائل لحزب الله والميليشيات العراقية والإيرانية على الأرض السورية.
 ومن سلم العراق لإيران لا يمكن إلا أن يدعم الجهد العسكري الإيراني في سوريا، بدليل أن أمريكا وافقت قبل أيام على أن تكون إيران جزءاً لا يتجزأ من مؤتمر جنيف (2) الذي سيشكل الخارطة السورية الجديدة. 
لقد أصبح الدور الإيراني معترفاً به دولياً في سوريا. 
ومن الواضح أنه سيفوز بنصيب الأسد من الكعكة السورية على ضوء التقارب الإيراني الأمريكي المتمثل في الاتصال الأخير بين روحاني وأوباما.
لنكن واقعيين: هناك تحالف شيعي صلب، ناهيك عن أنه على قلب قيادة وأهداف واحدة. 
وهو أكثر تنظيماً وتعاضداً من غيره، خاصة أنه أنجز حلماً راوده لمئات السنين بأن يصبح سيد المنطقة. 
وبناء على ذلك، فمن الصعب جداً أن يتنازل عن إنجازاته الرهيبة لأحد، ولا شك أنه سيتمسك بها بأسنانه. 
ولو نظرنا فقط إلى الطريقة التي يقاتل فيها الإيرانيون والعراقيون وحزب الله والحوثيون على الأرض السورية إلى جانب النظام السوري ضد الجماعات السنية الأخرى لاتضحت الصورة تماماً.
لماذا نكذب على أنفسنا، هناك حرب سنية شيعية تدور على الأرض السورية، بدليل أن الميليشيات الشيعية تدعي الدفاع عن المراقد والمزارات الشيعية في سورية بشهادة حسن نصر الله. 
لكن الفرق بين المتقاتلين الشيعة والسنة في سورية أن الشيعة متحدون، بينما الجماعات السنية تتقاتل فيما بينها أحياناً. 
بعبارة أخرى فإن الانقسام السني السني ليس موجوداً فقط على الأرض بل يزداد وضوحاً على الصعيد السياسي.
ألا تتآمر الأحزاب والجماعات السنية في المنطقة على بعضها البعض بالغالي والرخيص.
الأمثلة كثيرة أمامكم، فما إن تظهر جماعة أو حزب سني قوي إلا وتبدأ الجماعات السنية والدول الأخرى بضربه وإخراجه من الساحة حتى لو كان منتخباً شعبياً، كما حصل مؤخراً للرئيس المصري المنتخب محمد مرسي، الذي بدل أن يلتموا حوله لمواجهة الأحلاف الصاعدة الأخرى، راحوا يعملون على إسقاطه دون أن يعلموا أن هذا التشرذم السني سيصب في نهاية المطاف في صالح الحلف الشيعي الصاعد كالصاروخ. 
ولا ننسى كيف تحالف البعض ضد صدام حسين في الماضي، وبدأوا الآن يتباكون عليه بعد أن استغلت إيران سقوطه وراحت تجتاح المنطقة. لا يبدو أننا نتعلم من التاريخ حتى القريب منه أبدا.
وبينما نجد أن الجماعات السنية في المنطقة تتناحر، نجد أن الحلف الشيعي يفرك يديه فرحاً بهذا الاشتباك السني السني القاتل. 
لم يخطئ بعض الساخرين عندما علق قائلاً: إن أفضل من يخدم الحلف الشيعي في المنطقة هي الأحزاب والجماعات السنية المتناحرة.
ليس المقصود من الكلام أعلاه سوى إيضاح حقيقة إستراتيجية وجيوسياسية أصبحت واضحة كعين الشمس. ولا يسعنا أن نقول سوى: حلال على الشاطر، ولا عزاء للمتناحرين الذين يطلقون النار على أرجلهم، ثم يشتكون من تآمر الآخرين عليهم.

حرب اللبن في القاهرة 30


حرب اللبن في القاهرة 30
من الذي اهان الجبش

وائل قنديل

30 مليون علبة لبن، بسعر 30 جنيهاً للعلبة، و30 مليون متظاهر في 30 يونيو..
سيتوقف التاريخ وعلم النفس طويلاً أمام ولع السلطة الحاكمة في مصر بالرقم 30 الذي صاروا يستخدمونه، وكأنه تميمة أو تعويذة للسيطرة على الجماهير، كلما لاحت منها بادرة تململ أو غضب أو سخط على فساد عام، يزكم الأنوف ويطحن عظام الفقراء والناس العاديين.

مع اندلاع فضيحة التلاعب في لبن الأطفال، سارعت الحكومة إلى الإعلان أن الجيش سوف يتدخل، أو أنه تدخّل بالفعل، لاستيراد ثلاثين مليون علبة حليب أطفال. 
ثم حين تفجرت ينابيع السخرية من السيناريو التجاري الركيك، عاد المتحدث العسكري، متقمصاً شخصية مدير تسويق، أو مسؤول دعاية وإعلان في وكالة تجارية صغيرة، ليتحدّث عن اضطرار الجيش لخوض معترك لبن الأطفال، حمايةً لمصر من جشع الأوغاد المحتكرين، من خلال بيان عسكري صارم، حتى تخيلت أنني سأقرأ في خاتمته عبارة "حفاظاً على هوية الدولة"، الأمر الذي أجّج نار السخرية مجدداً على مواقع التواصل الاجتماعي، ثم زاد طين السخرية بلة، بنشر خبر، يمكنك تصنيفه باعتباره ملحقاً لبيان المتحدث باسم الجيش، عن شروع وزارة الإنتاج الحربي في إنشاء مصنع لحليب الأطفال.

كل ما فعله بيان المتحدّث العسكري أنه كرّس واقعاً جديداً للجيش كمؤسسة تجارية منافسة، تخوض حروب السوق ضد تجار آخرين، ترى المؤسسة العسكرية، بالطبع، أنها الأجدر والأكفأ، والأحق، منهم بالسيطرة على السوق.
وبالضرورة، قنّن بيان "العسكري" سعراً جديداً لعلبة اللبن، وهو 30 جنيهاً، للعلبة التي كان ثمنها مدعوماً، ثلاثة جنيهات، ترتفع إلى 17 جنيهاً في السوق السوداء، مع اشتداد الأزمة، بفعل فاعل، ونائبه.

تدّعي سلطة القاهرة 30 أنها غاضبة من طوفان السخرية الذي اجتاح مواقع التواصل الاجتماعي، وبعض وسائل الإعلام "المارقة"، غير أن هذا الغضب غير صادق، إذ يبدو، للوهلة الأولى، وكأن هناك من يتعمّد داخل هذه السلطة إهانة المؤسسة العسكرية، بالدفع بها إلى أتون السخرية، حين جرّدها من زي المقاتلين، وألبسها ثوب الباعة والتجار المغامرين، إذ لا يمكن تصوّر أن الجيش، وإن كان قد بدأ يسلك باعتباره حزباً سياسياً، منذ طرح مرشحه لخوض انتخاباتٍ رئاسية، بلا مرشحين آخرين، في مطلع 2014، لا يمكن تصوّر أنه ليس فيه من يشعل الضوء الأحمر، محذراً من الانخفاض بمستوى اللعب إلى ذلك الحد المخجل.

قلنا مبكراً، عقب ثورة يناير 2011، إن الخطر كله يكمن في توريط الجيش في مستنقعات السياسة، طرفاً وقد ظهر جنرالات المجلس العسكري على شاشات التلفزة، في ذلك الوقت لنفي أي نيةٍ للعسكر في الهيمنة على السياسة، أو الطمع بالسلطة، وهو ما تبيّن كذبه، لاحقا، وبأسرع مما تخيل أكثر الناس تشاؤماً.

الآن، لم يكتفوا بجر الجيش إلى دور الحزب السياسي، بل جعلوه المؤسسة التجارية العملاقة التي تسعى إلى ابتلاع السوق، وبعد أن كنا نحذر من انخراط الجيش في شؤون السياسة، حمايةً له وحفاظاً على صورته، على اعتبار أنه كلما اقتربت الجيوش من السياسة، ابتعدت عن العسكرية، نجد الجيش في قلب بحيرة الاقتصاد والبيزنس والتجارة، يسري عليه ما يسري على كل من يمارس لعبة السوق. 
وهنا يكون الابتعاد عن العسكرية مضاعفاً، والأخطر أنهم يضعونه في مواجهةٍ، غير متكافئة، مع عموم الناس، كونه يحتكر لنفسه وضعية الخصم والحكم، وسلطة العقاب أيضاً.

يتم ذلك كله تحت لافتات فاشية، تحشر الناس في علب الخوف من سيناريوهات سقوط الدولة، إن لم تسلم نفسها للجيش، طائعةً أو صاغرة، كي لا يفترسها الأشرار المتربصون. 
وفي هذه الحال، من الطبيعي أن تجدهم يساومونك: علبة حليب للأطفال أم حريتك وكرامتك الإنسانية!
وفي الأثناء، تستطيل قوائم القتل والاعتقال والإخفاء القسري والتعذيب حتى الموت، لتصبح في نظرهم خائناً ومتآمراً على الوطن، لأنك تشغل الناس بحوادث بسيطة، مثل قتل طالب الطب أحمد مدحت، وقبله سائق سيارة نقل الركاب في المعادي، وتعذيب الناشط إسلام خليل، بينما الوطن يخوض معركته الباسلة لتمكين الجيش من الانتصار على أعدائه في "حرب اللبن".

ندرك أن الفاشية، بمعنى عبادة الدولة العسكرية، وسحق الأفراد كي يحيا الوطن، في أوج تألقها في مصر هذه الأيام، تماماً كما شهدت تألقها الأول مع موسوليني في ثلاثينيات القرن الماضي، بعد الحرب العالمية الأولى، حتى إن أصداءها بانت في القاهرة 30، وتصاعدت أصوات تطلب الفاشية حلاً، غير أن هذا يبدو ضرباً من الجنون، في عالمٍ يتحدّث لغةً مختلفة تماماً، دخلت فيه الفاشية متحف التاريخ.

الجمعة، 2 سبتمبر 2016

غراب

غراب

       الجمعة01 ذو الحجة 1437 الموافق 02 سبتمبر 2016       


د. سلمان بن فهد العودة
يتميَّز الغراب بذكائه العجيب وقدرته على تفكيك بعض العمليات المعقَّدة، والعرب تسمي الرجل الذكي غراباً، وهو يحفر في ظاهر الأرض أحياناً ليخفي طعاماً في مخبأ، وقد يموّه بفتات الحصى، ولذا عبَّر القرآن في قصة قابيل وهابيل بـقوله: {لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ} (31:المائدة)، ولم يُعبِّر بـالدفن، فالدفن أعمق.

الاقتباس من الغراب يؤكد أن القصة تتعلق بمرحلة متقدمة من حياة البشر، وقبل أن تتسع دائرة التجارب والخبرات والأعراف المستقرة لدى الأمم.

قال أبو مسلم الأصفهاني: (عادة الغراب دفن الأشياء، فجاء غراب فدفن شيئاً فتعلَّم ذلك منه).

الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يدفن موتاه على اختلاف الشرائع والموروثات في سائر الأمم.

الفيل قد يُغطي موتاه بفروع الأشجار، وكذلك قرود الشمبانزي والزرافات.

التقط قابيل النادم على قتل أخيه، المتحيِّر في كيفية التعامل مع الجثة، حتى ورد أنه كان يحملها معه، التقط فكرة الحفر في الأرض لدفن أخيه من غرابٍ كان يحرث ويفتش في التراب، وليس في القرآن ما يدل على أن الغراب كان يدفن غراباً آخر، ولكن هذا قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وجمع من السلف والمفسِّرين: أن الغراب كان يواري غراباً آخر ميتاً.

هل علم الطيور اليوم يُسعف في هذا المضيق؟

في موقع الـ BBC العربي: سلوكيات فريدة لطائر الغراب تجاه الموت.

وفي التقرير: تجتمع طيور الغراب حول موتاها، أما الأسباب وراء ذلك فهي مذهلة حقاً، المعروف عن الغربان أنها تتصرف بشكل غريب حول الطيور النافقة من نفس جنسها، فهي تجتمع حولها وتصيح بصوتٍ عالٍ!

أُجريت سلسلة دراسات بقيادة (جون مارزلوف) من جامعة واشنطن في سياتل، وكشفت تلك الدراسات أن الغربان تستذكر شخصاً يُشكِّل خطراً لها، وهي تصيح بصوتٍ عالٍ عند رؤية ذلك الشخص، ولسنين عديدة!

(كايلي سويفت)؛ ضمن الفريق من جامعة واشنطن تقول: تكشف التجربة أن الغربان تنظر إلى الموت -على الأقل جزئياً- باعتباره لحظة قابلة للتعلُّم؛ لتستعير منه شيئاً محسوساً، إنها دلالة على وجود خطر والخطر يجب تفاديه.

الدراسة نشرت في مجلة (سلوك الحيوان)، وفيها: اكتشف باحثون أن طيور القيق -وهي من نفس عائلة الغرابيات- تقيم ما يشبه جنازة عندما ترى أحد أفرادها ميتاً..

الغربان ضمن مجموعة صغيرة يعرف عنها تعرفها على الطيور الميتة من نفس نوعها، أو ربما إقامة حداد عليها!

من الأفضل عدم التسرُّع في سرد الاحتمالات العلمية لتفسير النص القرآني قبل أن تصبح حقيقة واضحة، ومن الأفضل عدم التسرُّع في نفيها لمجرد أنها لا تنسجم مع تكوين عقلي لفردٍ أو فئةٍ من الناس.

نحن أحياناً ننكر أشياء تاريخية لأنها في نظرنا (غير معقولة)، ثم نُسلِّم بأشياء غريبة لأن العلم يقررها والتجارب تثبتها!

فكرة أن يدفن الغراب غراباً آخر ليست مناقضة لقوانين العقل.

بل هي أقرب إلى دلالة النص القرآني، فهي تُفسِّر قول القاتل: {يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي؟} (31:المائدة).

فالتناظر بين الأنموذجين يرجِّح أن الغراب اهتدى لدفن غرابٍ آخر، بينما قابيل عجز أن يفعل ذلك..

حين يقول النص: {فَبَعَثَ اللّهُ غُرَابًا} (31:المائدة)، فهذا يحتمل أن يكون الأمر تدبيراً إلهياً محضاً متصلاً بالمرحلة الأولى من حياة البشر ونقص تجربتهم.

ويرى الأصمّ: أن الله بعث غراباً يحثو التراب على المقتول، وهو هابيل، وهذا وإن كان غريباً إلا أنه لا يتعارض مع ظاهر النص.

هل سلوك الطيور والحيوانات يتطوَّر عبر الزمن؟ وهل ينقص أو يتراجع؟

الأمر يحتاج إلى (بحث!).

وحين يقول: {يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ} (31:المائدة)، فهو لا يعني الحفر، بل تحريك ظاهر الأرض برجله.

كلمة (البحث) اليوم واسعة الانتشار جداً في الحياة العلمية والعادية والشبكات الاجتماعية، الاستخدام القرآني لها ملهم؛ لأنه يدل على استخدام الملاحظة والنظر في البحث عن حلول لمشكلات قائمة أو أسئلة محيرة؛ خاصة وقد جاءت في سياق التعلُّم.

ويدل على توسيع دائرة البحث للاستفادة من بني الإنسان، ومن الطير والحيوان، والبحث في الأرض كل الأرض!

الغراب عند العرب طائر شؤم ويسمونه: (غرابُ البَيْن)، لكنه في القرآن طائر ذكي ملهم للإنسان، وفي العلم هو طائر وَفيٌّ؛ يحزن على موتاه، ولا يقتل نظيره.

الإنسان يقتل ويندم، ويورثه الندم عجزاً وحيرة، ويُحَمِّل بعض تبعات جريمته لغيره!

الخميس، 1 سبتمبر 2016

موت الجماهير: لا وقت للبكاء


موت الجماهير: لا وقت للبكاء
أحمد مدحت... شهيد جديد للتعذيب في مصر

وائل قنديل

عند منتصف ليل القاهرة، أطلق شقيق المعتقل السياسي، المختفي قسرياً، إسلام خليل، صرخةً أخيرة لإنقاذ شقيقه "الذي يموت الآن تعذيباً في أقبية الأمن"، بينما كانت مواقع التواصل الاجتماعي تنتحب على الرحيل المفجع لطالب الطب، أحمد مدحت، الذي ألقت قوات الأمن القبض عليه، ثم اتصلت بأهله، بعد أقل من ثلاث ساعات لاستلام الجثة.

الشاب إسلام خليل، الذي تعرّض لأبشع التنكيل والتعذيب والإهانة منذ اعتقاله، وحتى ما بعد قرار النيابة بإخلاء سبيله، كان بينه وبين مصير طالب الطب، أحمد مدحت، لحظات معدودات، لولا أن قبيلة الحقوقيين تجمعت عن بكرة أبيها على "السوشيال ميديا"، وخاضت معركة ضروساً لإنقاذه.

هذا جيد وإنساني ونبيل، لكنه يظل فعلاً ناقصا، وحركة فئوية في إطار ضيق، تستهدف إنقاذ حياة أفراد، لا مجموعات، وتكشف الوقائع أنه، في حمأة النضال الحقوقي المشتعل لتحرير معتقلين معروفين، يسقط آخرون، ضحايا المقتلة الأمنية، ممن لا يعرفهم الناس، مثل سائق السيارة الفقير على الطريق الدائري، وطالب طب عين شمس، ولا يدوّن من أجلهم أحد، أو يضغط على جثة هامدة، اسمها المجلس القومي لحقوق الإنسان، لكي تسترد الحياة، مؤقتاً، لإنقاذ ناشط، ثم تعود إلى مقبرة السلطة السعيدة.

قبل ساعات من إطلاق سراحه، كتب شقيق إسلام خليل أنه حين استنجد بأعضاء المجلس القومي لحقوق الإنسان، قالوا له إن كل ما يجري مع شقيقه من "اختفاء قسري .. تعذيب .. تلفيق قضايا واضح .. حبس احتياطي تعسفي .. تعذيب تاني وتالت ورابع .. حبس انفرادي .. تلفيق قضية تانية .. تعذيب بعد إخلاء سبيل .. حبس خارج إطار القانون بعد إخلاء السبيل .. كل دي إجراءات اعتيادية، وبتتعمل مع ناس كتير، وإحنا مش هنعمل حاجة غير إننا نصبر و خلاص".

هنا، يتحول الصبر من فضيلة إلى عار، وفعل شائن، مثل الصمت الذي يخيم على الرموز الثورية التي بنت مجدها السياسي والنضالي من عوائد الاستثمار في فاجعة مقتل الشاب، خالد سعيد، قبل يناير/ كانون الثاني 2011، والذين صاروا يغرّدون، أو يدوّنون، إلا حين يتعلق الأمر بأسماء ذائعة الصيت، وهو الخيط الذي التقطته السلطة، وأصبحت تلعب عليه، من خلال قوائم العفو وإخلاء السبيل المطعمة بأسماء رنانة. 
وفي أثناء ذلك، تواصل إجراءاتها التوحشية بحق البسطاء والعامة من الناس.
المحزن في الأمر أن سماكة جلد الرموز الكبيرة انتقلت إلى الجماهير، إذ صار الخوف جداراً عازلاً بينها وبين مقاومة الظلم والانتفاض من أجل الكرامة الإنسانية، ولو كانت مصر هي مصر، لشاهدنا عشرات الآلاف من البشر في جنازة طالب الطب، شهيد مصر الذي قتلته السلطة، وشوّهت جثته، وسمعته، تماماً، مثل خالد سعيد، بادّعائها الكذوب أنه سقط من أعلى وكر للرذيلة.

أنت بصدد لحظة يتحوّل فيها أعضاء ما يسمى "مجلس حقوق الإنسان" إلى شياطين خُرْسٍ، في أفضل التوصيفات، وتشاء المقادير أن يكون تصريحهم أنهم لا يملكون إلا "نصبر وخلاص" متزامنا مع الذكرى الأولى للزيارة التاريخية لوفد منهم، بقيادة حافظ أبو سعدة، إلى السجون ليعلنوا بعدها أن الخدمة فيها فندقية، وطعامها أشهى مما تقدّمه المطاعم الشهيرة.

كان من المتصور أن يقدم أعضاء المجلس الحقوقي على خطوةٍ، تمثل الحد الأدنى من احترام الذات، بأن يتقدّموا باستقالةٍ جماعيةٍ من هذا العار الذي يلفهم جميعا، أو أن يستقيل بعضهم، بشكل فردي، ويعلن العودة إلى صفوف الجماهير، ولو على سبيل ذرّ الرماد في العيون، أو القفز الاستباقي من سفينةٍ في طريقها إلى الغرق، كما فعل رئيس لجنة حقوق الإنسان في البرلمان، مثلاً، غير أن شيئاً من ذلك لا يحدث، في ظل ارتفاع منسوب البطش والقتل المادي والمعنوي لمستويات مرعبة.

فكيف لمن كان أداةً لقتل روح الجماهير، وتم استعماله غطاء لقتل الناس في تجمعات الغضب ضد الانقلاب، أن يفكر في الاقتراب من الجماهير مجدداً؟

قبل رحيله، قال آخر الحقوقيين الكبار، أحمد سيف الإسلام، إن خطورة مذابح رابعة العدوية، وما سبقها وما تلاها، أن الهدف منها هو إنهاء عصر الجماهير، من خلال تنفيذ ما من شأنه تآكل وتضاؤل وزن الجماهير كقوة محركة في العمل السياسي، في المستقبل، وهو ما ستدفع ثمنه كل القوى السياسية، وليس فقط الإخوان، وهو ما تراه ماثلاً أمامك الآن.

كلهم، إلا ما ندر، اختاروا، الانعزال عن الجماهير، والخضوع والخنوع أمام جبروت سلطة تفعل بالمصريين ما هو أبشع مما صوره أمل دنقل، عن أمة الأعداء، في قصيدته "لا وقت للبكاء"، حين قال:

مجنونة الأنياب والرغبة..

تشرب من دماء أبنائك قربة.. قربة

تفرش أطفالك فى الأرض بساطاً..

للمدرعات والأحذية الصلبة

وأنت تبكين على الأبناء،

تبكين؟

ولا يُنبئك مثل خبير

ولا يُنبئك مثل خبير



د.محمد عمارة

المستشرق الألماني "شاخت جوزيف" (1902- 1969 م)
واحد من كبار المستشرقين على النطاق العالمي، شغل كرسي الأستاذية في العديد من الجامعات الغربية والعربية، منها الجامعة المصرية والجزائرية، وشغل عضوية العديد من المجامع العلمية، منها المجمع العلمي العربي بدمشق، وأشرف على مجلة الدراسات الإسلامية التي يصدرها المستشرقون.


وله العديد من المؤلفات في الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي، وعلم الكلام الإسلامي، وعلم الاجتماع الإسلامي، كما حقق ونشر الكثير من النصوص التراثية الإسلامية في الطب والتاريخ.

وفي الكثير من أعماله العلمية صفحات تشهد للشريعة بالتميز والتفوق على غيرها من الشرائع والقوانين الأخرى، وفي هذه الشهادة يقول - ضمن ما يقول - إن من أهم ما أورثه الإسلام للعالم المتحضر قانونه الديني، الذي يسمى الشريعة، وهذه الشريعة الإسلامية تختلف اختلافا واضحا عن جميع أشكال القانون، إنها قانون فريد في بابه، والشريعة الإسلامية هي أبرز ما يميز الحياة الإسلامية، وهي لب الإسلام ولبابه.

وبالرغم من أن التشريع الإسلامي قانون ديني، فإنه من حيث الجوهر لا يعارض العقل بأي وجه من الوجوه، فهو لم ينشأ من عملية وحي متواصل فوق العقل، وإنما نشأ من منهج عقلاني في فهم النصوص وتفسيرها، ومن هنا اكتسب مظهرا عقليا مدرسيا، كما أن قواعد هذا التشريع لا تدعو إلى مراعاة النص الحرفي للأحكام دون روحها.

إن التشريع الإسلامي ذو منهج منظم، وهو يؤلف مذهبا متماسكا، ونظمه المتعددة مترابطة بعضها مع بعض، ويتجلى في الشريعة الإسلامية نموذج بليغ لما يمكن أن يسمى "قانون الفقهاء"، فقد أنشأ هذا القانون وطوره فقهاء متخصصون أتقياء بجهود خاصة.

إنه يقدم مثالا لظاهرة فريدة يقوم فيها العلم القانوني، لا الدولة، بدور المشرع، وتكون فيها لمؤلفات العلماء قوة القانون.

ولقد أثر التشريع الإسلامي تأثيرا عميقا على قوانين أهل الديانات الأخرى، من اليهود والنصارى الذين شملهم تسامح الإسلام وعاشوا في الدولة الإسلامية، فبالنسبة للجانب اليهودي، تأثر "موسى بن ميمون" (601 هـ، 1204 م) ببعض ملامح المؤلفات الإسلامية في تنظيمه للمادة القانونية في مدونته (مشنة توراة)، وهو عمل لم يسبقه إلى مثله أحد من اليهود.


ومن جهة أخرى، فإنه بالنسبة للجانب المسيحي، فليس هناك شك في أن الفرعين الكبيرين من الكنيسة المسيحية الشرقية، وهما اليعاقبة والمونوفيزية (أصحاب الطبيعة الواحدة) والنسطوريون لم يترددوا في الاقتباس بحرية من قواعد التشريع الإسلامي.

وعلى حين شهدت المسيحية نزاعا بين الدين والدولة، فقد اتخذ أشكالا مختلفة، فإن الإسلام قد خلا مما يشبه "الكنيسة"، فالشريعة الإسلامية لم تستند مطلقا إلى تأييد قوة منظمة، ولم ينشأ في الإسلام فقط اختبار حقيقي للقوى بين الدين والدولة، وظل المبدأ القائل بأن "الإسلام من حيث هو دين ينبغي أن ينظم الناحية القانونية في حياة المسلمين"، قائما لا يتحداه أحد.

تلك شهادة خبير عالمي في الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي، وهو في ذات الوقت خبير بالشرائع والقوانين الغربية، وهي شهادة نتمنى أن تحظى باهتمام الذين يشنون الغارات المشبوهة على الإسلام وعلى الشريعة الإسلامية.

قصيدة مؤتمر الضرار

قصيدة  مؤتمر الضرار

الشاعر عبدالرحمن العشماوي






  تهميش شعري على مؤتمر الضرار الذي عقد في الشيشان      بدعم روسيا وغيرها من دول الطغيان        

أقول لأهل مؤتمرِ الضِّرارِ
أبشِّركم بذُلٍّ وانكسارِ

غُباركم الكثيف غبارُ وهمٍ
وهل تصفو الحياة مع الغبار

أفي الشيشان وهي بلاد حقٍّ
سليبٍ ، ترفعون أكفَّ عارِ ؟!

أفي الشيشان و الطغيان ألْقى
عليها ما محى أمل الصِّغار

" جُروزني " مثلُها حلبٌ و حمصٌ
تُدَكُّ ضحىً بآلات الدَّمار

فوا أسفا على علم يُرينا
عمائمَكم تُلفُّ على صَغار

ألا بئس العمائمُ حين تُلوى
على دَخَنٍ وفكرٍ مستعار

وحين تَرى من التَّخريف ديناً
يوزَّع بين بيَّاعٍ وشاري

وحين تُلَفُّ في ليلٍ بهيمٍ
على وهمٍ يضلِّلُّ كلَّ ساري

وحين بكون بوتينٌ وليَّاً
تقدِّسه العمائمُ بافتخارِ

ألا بئس العمائم حين تغدو
كأحلاسٍ تُشَدُّ على "....."

غضبت لأمتى منكم لأني
أراكم تَجنَحون إلى انشطار

تآمرتم على شرعٍ حكيمٍ
مؤامرةَ الظلام على النهارِ

ولن يبقى الظلامُ أمامَ شمسٍ
منَ القرآن تعصف بالمُماري

لقد رسَمَ الرسولُ لنا طريقاً
منَ الإسلامِ واضحةَ المَسارِ

محَجَّةُ ديننا فيها ضياءٌ
يبدِّدُ وهمَ "مؤتمرِ الضِّرارِ "

عبدالرحمن العشماوي
الرياض ١٤٣٧/١١/٢٦