‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات د. سلمان بن فهد العودة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات د. سلمان بن فهد العودة. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 9 مايو 2025

الخوف على الأمة

 الخوف على الأمة

3/01/2004


تجد عند بعض الناس وخاصة الغيورين على هذه الأمة خوفاً شديداً على الدين, خوفاً شديداً على الدين, ومستقبل الإسلام والمسلمين. خوفًا شديدًا مبالغًا فيه.
نعم! للخوف المعتدل الذي يحملك على:
العمل..
وعلى الإنجاز..
وعلى المشاركة..
وعلى طلب العلم..
وعلى أن تكون عنصراً فعالاً وبناءً في الأمة.
هذا الخوف لا إشكال فيه.
لكن الإشكال في ذلك الخوف المفرط؛ الذي قد يتحول إلى خوف مرضي يضرك ويضر الآخرين.
فهذا الخوف يقعد عن العمل؛ لأن من تلبس به أصبح يائساً, قانطاً, يرى أنه ليس ثمة مجال للإصلاح, وأن الأمة قد تُودّع منها, ولم يبق إلا أن ننتظر.
ولذلك فكثير من الناس يحملهم هذا الخوف على عقدة سميتها:"عقدة الانتظار"؛ فتجدهم ينتظرون المهدي أن يخرج من الأرض, أو عيسى أن ينزل من السماء.
نحن نؤمن أن عيسى -عليه السلام- سينزل من السماء.
ونحن نؤمن بأن المهدي سوف يخرج في هذه الأمة، لكننا نؤمن ـ أيضاً ـ أن الله سبحانه وتعالى لم يتعبدنا قط بانتظار أحد، وإنما تعبدنا بأن نقوم نحن بالأعمال الصالحة التي كلفنا بها من:
الدعوة والإصلاح
والخلق الجميل
وطلب العلم النافع
والقيام بالعمل الصالح
والعبادة
والأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر
والتعاون على البر والتقوى
والسعي في تكامل المسلمين، فهذا ما تعبدنا الله وأمرنا به.

أما أن نبقى في الانتظار؛ فهذا نتيجة خوف أفرط؛ فولّد قنوطاً وعجزاً.
إن الله -سبحانه وتعالى- لم يخبرنا أن مهديًّا سوف يخرج في عام كذا, أو أن عيسى ينزل في سنة كذا, وإنما تعبدنا بما ذكرنا, مما هو من قطعيات الدين وضرورياته ونصوص القرآن والسنة المحكمة في هذا الباب.
فالخوف الشديد والقلق المفرط يحمل الإنسان على أن يبالغ في هذه الأشياء؛ فيكون عنده نوع من القنوط ومن اليأس، وربما يكون هناك تأثير آخر سلبيّ أيضاً نتيجة هذا القلق، وهو أن يكون عند الإنسان إحساس مفرط بالمسؤولية عن هذا الدين.
إن بعض الناس قد يؤدي به الخوف الزائد إلى القعود والقنوط، وبعضهم يؤدي به الخوف إلى الشعور المضاعف بالمسؤولية عن هذا الدين؛ حتى يظن أن الدين كله مسؤوليته هو, وأن عليه أن يحفظ هذا الدين, وأن يحميه, وأن يقوم به!
وهذا الشعور يفرز عند الإنسان ما يسميه بالوصاية على الدين وأهله, وعلى الدعوة والدعاة, وهذا يضر به؛ لأنه يجعله يتحرك بطريقة غير طبيعية, ويضر بالآخرين؛ لأنه يكلفهم, ويتعامل معهم بطريقة ليست سوية.
وهذا كله نوع من اضطراب المعايير يولّد عند الإنسان قدراً من عدم الانضباط، ويفرز إلحاحاً على بعض المسائل والقضايا.
هناك شيء يسميه المختصون: بـ"الفوبيا".
ترجمتها: الخوف المرضي.
هو نوع من الخوف الذي لا يبرره الواقع؛ لكنها تختلف عما سميته بالقلق العصابي.
إن الفوبيا خوف من الواقع.
أما القلق فهو خوف من؟
المستقبل.
ولذا كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يستعيذ من الهم والحَزَن.
فالهمُّ يتعلق بالمستقبل؛ وهو ما نعبر عنه بالقلق العصابي.
- يخاف عندما يريد أن يتزوج.
- يخاف عندما يريد أن يتخرج؛ أين يوظف؟
- يخاف عندما يريد أن يسافر.
أما الفوبيا, أو الخوف المرضي فهو ما يتعلق بالحاضر، وهو ما يعبر عنه بالحزن أو الغم.
فيكون الإنسان مغموماً.. ضيق الصدر يخاف من أشياء حاضرة لا يبرر الواقع الخوف منها.
والغربيون يخافون من الإسلام , وخصوصاً دوائر الإعلام والدراسات والمراكز وغيرها.
فيسمي بعض الدارسين خوف الغرب من الإسلام: "فوبيا الإسلام".
أي: الخوف المرضي من الإسلام.
لأن الواقع أن الإسلام دين صحيح قوي وصلب، ومقاوم.
لكن واقع الأمة الإسلامية لا يوجب خوف الغرب خوفاً مسعوراً.
وإنما هذا الخوف كما يعتبره بعضهم نوعاً من الفوبيا. أي: المبالغة في الخوف.
وقد تكون هذه المبالغة منهم مقصودة من أجل صنع عدو للغرب؛ كما كانت الشيوعية عدوًّا للغرب في فترة من الفترات.
كما يمكن أن نقول -في بعض الأحيان-: إن خوف المسلمين من الغرب يصل إلى درجة هذه الفوبيا إلى حد ما!.
إن الإسلام دين قوي وراسخ وصلب، وقد تكفل الله -سبحانه وتعالى- بحفظ هذا الدين (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر:9].
ولم يجعل الله -سبحانه وتعالى- أمر حفظ الدين إلى أحد من خلقه حتى ذكر الله -عز وجل- وفاة نبيه -صلى الله عليه وسلم-, وقال لأصحابه:
(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) [آل عمران:144]. 
فالدين محفوظ، والأمة باقية إلى قيام الساعة، والشريعة خالدة, لا زوال لها, حتى يأذن الله -سبحانه وتعالى-.
وقد أخبر الله عن ذلك فقال: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) [التوبة:33].
وفي الآية الأخرى:
(وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً) [الفتح:28].
وأخبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن آخر هذه الأمة, وما جاء فيها من الخيرات والبركات, وما يجريه الله -سبحانه وتعالى- على يد أبطالها ورجالها وأئمتها وعلمائها من النصر والعز والتمكين.
الغرب يضر، ولكن: (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذى) [آل عمران:111] .
وإذا كان لدينا خوف من الغرب؛ فإن هذا الخوف ينبغي أن يكون معتدلاً, لا يضعف بحيث نكون لقمة سائغة, ولا يزيد بحيث نصبح ضحايا هذا التخوف ونتيجة لذلك نملك التمييز بين النافع والضار, ولا نقع أسرى الرفض المطلق لكل شيء على اعتبار الشعور بالعجز الذاتي والاستهداف.
من صور الخوف المرضي الهمُّ، كما أشرت إليه.
والمهموم تجده يستعيد همومه ومتاعبه باستمرار، ويتذكرها لحظة لحظة, دون أن يصل إلى حل لهذه الهموم!.
وهذا تعب لا ينفع.
ولذلك, قيل لبعض بني أمية: أين كنت يوم قتل عثمان -رضي الله عنه-؟
قال: شغلني الغضب له, عن الحزن عليه.
وهكذا! نحن نريد أن نقول لأنفسنا ولإخواننا: يجب أن يشغلنا الغضب للإسلام وللمسلمين عن الحزن عليهم؛ فإن تحولنا إلى مجرد نُعاة وبكّائين وأصحاب نياحة؛ فإن هذا لا ينفع شيئاً, ولا يغني شيئاً.
وإنما الذي يغنِي هو أن نعمل ولو قليلاً، وأن تضيء شمعة؛ خير من أن تلعن الظلام ألف لعنة!.

الخميس، 8 مايو 2025

القدس الحزين!

القدس الحزين!


الجمعة 26 ذو الحجة 1436 الموافق 09 أكتوبر 2015



د. سلمان العودة


مساؤكم مساء القدس الحزين تتلوى في قيودها، وتتوجّس من أقدام نتنة، تهدد بوطئها واجتياحها، وتعبث بدم أبنائها
اشتَدَّي أزمَةُ تَنفَرِجي *** قَد آذَنَ لَيلُكِ بِالبَلَجِ
وَظَلامُ اللَّيلِ لَهُ سُرُجٌ ***حَتّى يَمحوهُ أبُو السُرُجِ
وَسَحَابُ الخَيرِ لَهَا مَطَرٌ *** فَإِذَا جَاءَ الإِبّانُ تَجي

عندما تحلَّق الأحزاب حول المدينة.. بشَّر النبي -عليه الصلاة والسلام-أصحابه بالفتح.
ما بقي عندي شك أن المقصود بـ(وَعْدُ الآخِرَةِ) في سورة الإسراء هو الصدام الأخير بين الصهاينة وبين أصحاب الحق، {فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا} (104:الإسراء)، وها قد جاء الله بهم لفيفاً من كل أنحاء الأرض، {فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا} (7:الإسراء)، فهذا وعد حق قادم.
القوة الغاشمة اليوم تتخذ القرار بتدنيس القدس، وبالإحراق، وبالتقسيم الزماني، وبالتقسيم المكاني.. وتفرض الأمر الواقع دون مبالاة.
تتخذ القرار بطرد المرابطين والمرابطات، والتضييق عليهم، ووصفهم بأنهم مجموعات إرهابية.. تشعر بأنها سيدة الموقف تُعربد دون رقيب.
الإدارة الصهيونية المتطرفة اليوم تشعر بأنها استطاعت تحييد الكثير من القوى في المنطقة، وأصبح بمقدورها أن تتصرف وفق مصالحها.
يا آلَ إسرائيلَ.. لا يأخذْكم الغرورْ
عقاربُ الساعاتِ إن توقّفتْ، لابدَّ أن تدورْ..
إنَّ اغتصابَ الأرضِ لا يُخيفنا
فالريشُ قد يسقطُ عن أجنحةِ النسورْ
والعطشُ الطويلُ لا يخيفنا
فالماءُ يبقى دائماً في باطنِ الصخورْ
هزمتمُ الجيوشَ.. إلا أنكم لم تهزموا الشعورْ
قطعتم الأشجارَ من رؤوسها.. وظلّتِ الجذورْ
للحزنِ أولادٌ سيكبرونْ..
للوجعِ الطويلِ أولادٌ سيكبرونْ
للأرضِ، للحاراتِ، للأبوابِ، أولادٌ سيكبرونْ
يا آلَ إسرائيلَ.. لا تسكروا بالنصرْ..
إذا قتلتُم خالداً.. فسوفَ يأتي عمرْو
وإن سحقتُم وردةً..
فسوفَ يبقى العِطرْ

في المرة الأولى قال تعالى: {فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ} (2:الحشر).
نعم، هم أهل مكر، وتخطيط، ونفوذ سياسي، وتأثير إعلامي، وعندهم لوبيات تعمل باسمهم وتدافع عن قضاياهم.. لكن الله يأتيهم (مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا)، يأتيهم من داخلهم من قلوبهم، يأتيهم لا لينصرهم ويساندهم، بل ليخذلهم ويهزمهم، فهو الذي يحاربهم: (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ)، ماذا تنفع الأسلحة النووية والقوى المدججة إذا وُجدت هزيمة نفسية داخلية؟ وماذا ينفع وقوف القوى الكبرى معهم إذا كان الله في صف المستضعفين المقهورين أصحاب الأرض؟!
لكل الأولاد والبنات اليائسين المحبطين أقول: تذكّروا أن هؤلاء الشذاذ ظلوا آلاف السنين مشرّدين فوق كل أرض وتحت كل سماء.
تذكّروا أن رحلة ألف ميل تبدأ بخطوة واحدة، ليس المطلوب منا أن نحاول المستحيل أو نضرب الجدران برؤوسنا.
المطلوب نصرة هذه القضية، ونصرة الشعب الأعزل، بالمقدور، بالمستطاع، بالممكن، بالواقعي ولو كان قليلاً، ولا تحقرن من المعروف شيئاً.

لن يسألك الله عن الآخرين ماذا قدَّموا؟ وهل ثبتوا أم تراجعوا؟ وهل وفّوا أم غدروا..؟ سيسألك عن نفسك: {لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ}(165:الأنعام)، (إيش كنت تقدر تسوي؟ وإيش سويت؟).
دعونا نجعل من نصرتنا للقضية استخدام لغة إيجابية، لغة متفائلة، لغة واعدة.. بدلاً من العويل، والإحباط، وشتم بعض، واليأس.
استمرارنا في حياتنا العادية وبرامجنا ومشاريعنا -أياً كانت- لا يتعارض مع نصرة القضية ومراعاة المتغيرات، فليست قضية القدس قضية عابرة أو وقتية، هي قضية واسعة طويلة الأمد.
ولكل الأبناء والبنات المستعجلين والغاضبين، والذين ينتظرون مفاجآت أو خوارق أو معجزات.. أنا مثلكم أؤمن بأن الله على كل شيء قدير.
لكنه -سبحانه- لم يأمرنا بمجرد انتظار ما في الغيب، أمرنا باستدعاء ذلك بواسطة الدعاء والتضرع، وأن نُقدِّم ما في أيدينا، وهذا هو المطلوب.


الجمعة، 28 مارس 2025

قراءة مستقبلية

 قراءة مستقبلية

د. سلمان بن فهد العودة 
30 أبريل,2015 


خَطبَ مُصْعَب بْن الزُّبَيْر في البصرة سنة سبع وستين للهجرة، فقرأ: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا} (4:القصص).. وأشار بيده صوب الشام؛ يعني: بَنِي أُميَّة!

{وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً} (5:القصص)، وأشار بيده صوب الحجاز؛ يقصد أخاه عبد الله، ومَنْ معه بمكة..

{وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ} (6:القصص)، وأشار بيده صوب العراق؛ يقصد المختار بن أبي عبيد.

القصة تدريب على استنطاق الآيات في الظروف الحاضرة مع ما يحْتَفّ بذلك من إمكان الخطأ والصواب.

من عادة المعنيين بالسياسة أن يتحدَّثوا عن النوازل الكبيرة، ويُشبعوها تحليلاً، وتفكيكاً، وتعليقاً على آثارها ونتائجها، والقرآن يُعلِّمنا طريقة أخرى تهتم بالقصص الصغيرة الجانبية حيث جاء ذلك النص الفخم العظيم؛ المعبِّر عن الإرادة الملكيَّة الربَّانية بالمنِّ على المستضعفين، وإهلاك المستكبرين، ثم أعقبه قوله: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ} (7:القصص).

من الإيحاء لأم موسى أن ترضعه، فإذا خافت عليه ألقته في نهر النيل.. تبدأ القصة!

وفي قصة يوسف ذكر وقوعه في الاستعباد، وخضوعه للخدمة في بيت العزيز، ووصية العزيز زوجته به عسى أن ينفعهم أو يتخذوه ولداً، ثم قال: {وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ} (56:يوسف)

خيطٌ رفيعٌ لا يراه الناس تجري به أقدار الله الحكيم، ولذا يقول لموسى: {ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ} (40:طـه)،كل التفصيلات مرسومة في القَدَر من حمله، فميلاده في العام الذي يُقتل مواليده، فرميه في البحر.. إلى آخر الخطوات الصغيرة في نظر الناس، وحتى (الْيَمِّ) وهو: النهر أو البحر، له مهمة محددة يؤمر بتنفيذها، كما تؤمر الأم الرؤوم سواء بسواء: {أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ} (39:طـه)!

العَجَلة في التغيير، والإصرار على مشاهدة النتائج والآثار تتنافى مع حكمة الله القائل: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} (39:طـه)

لكي تتعرَّف على المستقبل تأمَّل في البدايات البطيئة الصغيرة، وابحث عن السر الإلهي في طيَّاتها، ولا ترهن الأمر بمدى عمرك المحدود، فتدبير الله لا ينتهي بنهاية حياتك المباركة!

وفي الحالات كلها يأتي التعبير القرآني: {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} (9:القصص)؛ تنويهاً بأنه لم يخطر على بالهم أي خاطر يتعلق بالأمر، وهو بمعنى: {مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا} (2:الحشر)، ولكنه أبعد مدى، فعدم الاحتساب كان أثناء المعركة، ولكن الله أتاهم من جهةٍ لم يظنوها!

عاش موسى في القصر الفرعوني سنين عدداً ليُغادر مدينته (ممفيس) راجلاً خائفاً إلى مدين، ويقطع ألف وأربعمائة كيلو متر بصبرٍ عجيب، ثم مكث بمدين ما لا يقل عن عشر سنوات يرعى الغنم؛ بعيداً عن أسرته وعن قومه؛ الذين حمل همهم، وحلم بأن يُسهم في رفع الظلم عنهم.

ومكث يوسف في قصر العزيز حتى بلغ أَشُدَّهُ، وصار رجلاً مكتمل الرجولة، ثم لبث في السجن بضع سنين.. قيل: هي تسع، وهذا قريب، قبل أن يُمكَّن له في الأرض يتبوَّأ منها حيث يشاء.

هذا يُعلِّمنا ألا نتعسَّف الدور، ولا نحرق المراحل، ولا نتحرك وفق الأوهام والخيالات والأمنيات؛ التي لم تُبن على رؤية ناضجة، عارفة بالسياقات والأحوال، وموازين القوى، والإمكانات القريبة والبعيدة..

إن أحلام النصر والتمكين العامة ونبوءاتها تنفع حين تكون عقيدة هادئة؛ تحفظ النفوس من اليأس والإحباط، وتحافظ على هوية الأمة وتحميها من الانكسار، وهذا ما كان يحفظ الأمم السابقة من الانهيار والذوبان، وهو ما كان يُبشِّر به النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه، وهو ما يحفظ للفلسطينيين -مثلاً- روح الإصرار والصبر الجميل.

أما حين ننظر إليها على أنها وعود تتعلق بشخوصنا، وأن من المحتَّم أن تتحقق على أيدينا، فكأننا نستعجل إرادة الله؛ التي لا تتقدَّم ولا تتأخَّر..

وعد الله بني إسرائيل أن يجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين، ويورثهم جنات الفراعنة، وعيونهم، وكنوزهم، وزروعهم.. فماذا حدث؟

خرج قوم موسى من مصر فجعل الله فيهم أنبياء وجعلهم ملوكاً، أي: جعلهم أمة مستقلة تملك زمام أمرها وتستقل بقرارها، ونجت من تسلط الفراعنة واستعبادهم، ونعمت بخيرات أرضها؛ من المسكن والخادم والقوت، وكأنما حِيْزَت لها الدنيا!

ومكَّن لهم في الأرض، أي: جعل لهم (مكاناً) يستقرون فيه، ويقيمون مملكتهم؛ التي تسوسها أنبياؤهم.

ويحتمل أن يكون بعض بني إسرائيل؛ الذين لم يخرجوا مع موسى، ورفضوا الهجرة لمصالحهم المرتبطة بالنظام الفرعوني، استغلوا فرصة انهيار النظام، فسطوا على بعض الكنوز والعقار التابع للحكومة السابقة؛ لأنهم كانوا قريبين منها بحكم طبيعة أعمالهم في الخدمة والحراسة والعسكرية، والله أعلم.

وعاد الفراعنة يحكمون ما شاء الله بعد ذلك في مصر.

تصوُّر ما حدث يُعطي العاقل بصيرة في طبيعة التحوّلات المرتقبة، وأنها تكون متدرِّجة غالباً، وحتى حين تكون حادة وصارمة في التغيير والانتقال فسرعان ما يدبّ إليها الضَعْف، وتدركها السنن، {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ} (34:الأعراف).

وإنما الوعد الأعظم هو في الانتقال من الدنيا ونواميسها الجارية إلى الآخرة: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ} (26:الرعد).

تجربة الضمير القرآني

 تجربة الضمير القرآني

سلمان بن فهد العودة

ولو تعوّد التالي للقرآن على التيقظ للألفاظ والضمائر والإشارات العائدة إلى الله لكان تأثير القرآن على وجدانه وقلبه مضاعفًا، ولأدرك أن هذا الكتاب هو دليل عظيم على الله ووجوده وعظمته أعظم من الكون والأرض والسماء وسائر المخلوقات.


أغفلُ عن مطالعة القرآن الكريم ومراجعته حدّ أن أخشى دخولي في الآية الكريمة: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} [الفرقان:30].

وأحاول أن أعوّض بالنظر في طرائق القرآن وأساليبه في التأثير على القلوب وصياغتها من جديد.

وجدتُ واحدة من هذه المؤثرات في ضمائر الألوهية الموجودة في القرآن بصيغ متعددة وبكثرة تدعو للعجب.

كنا نسمع لغزًا عن سورة يوجد لفظ الجلالة (الله) في كل آية من آياتها؟

ونكتشف أنها سورة المجادلة: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [المجادلة:1].

ولو تعوّد التالي للقرآن على التيقظ للألفاظ والضمائر والإشارات العائدة إلى الله لكان تأثير القرآن على وجدانه وقلبه مضاعفًا، ولأدرك أن هذا الكتاب هو دليل عظيم على الله ووجوده وعظمته أعظم من الكون والأرض والسماء وسائر المخلوقات.

بالملاحظة أدركت أن أعظم مقاصد القرآن على الإطلاق صناعة الحضور الربّاني في القلب البشري، فهو الشاهد الذي لا يغيب، والرقيب الذي لا يغفل، والحاضر الذي لا يعزب، و{لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ} [سبأ من الاية:3].

فضلاً عن أن هذه الطريقة تحيي في القلب الشعور بمصدر القرآن كلما همّ بتلاوته حتى لو كان الحديث عن موضوع آخر غير الألوهية.

ألقيت العديد من الكلمات حول هذه الملاحظة؛ ملاحظة كثرة وتنوع الضمائر الإلهية في الآيات بطريقة تلح على العقل والقلب والسمع حتى لا يستطيع القارئ أن ينفك عنها إلا أن تكون الغفلة قد استحكمت عليه.

وفي كل مرة كنت أطلب من الحاضرين أن يفتحوا صفحة اتفاقية أي صفحة من المصحف ثم يطبقوا عليها الملاحظة، وفي كل مرة أجد الاستغراب منهم!

مرة وقع الاختيار الاتفاقي غير المقصود على صفحة [١٦٧] من سورة الأعراف، فماذا وجدنا؟

{وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ..} [الآعراف من الاية:138]، نون العظمة لله تعالى؛ الذي جمّد لهم البحر.

{قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَٰهًا} [الأعراف من الاية:140]، لفظ الجلالة العظيم.

{وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} [الأعراف من الاية:140]، ضمير {هُوَ} للغيبة، واختياره هنا إما تنبيهًا على غفلتهم عنه حين عبدوا غيره أو لغير ذلك.

وهو الفاعل في: {فَضَّلَكُمْ}.

{وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم} [الأعراف من الاية:141]، ضمير (نَا) يتكرر هنا؛ لأن المتكلم هو الله.

{وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} [الأعراف من الاية:141]، الرب هو أحد أسماء الله.

{وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً} [الأعراف من الاية:142]، فاعل الوعد والمواعدة هو الله المتكلم صاحب العظمة والصدق.

{وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} [الأعراف من الاية:142]، والمتمم هو الله.

{فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [الأعراف من الاية:142]، وربه هو الله.

{وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} [الأعراف من الاية:143]، هنا نون العظمة واسم الرب.

{قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف من الاية:143].

موسى الكليم يتطلّع لما هو أبعد فيتمنى الرؤية، ويدعو باسم الرب؛ الذي وجده حفياً به في تحولات حياته، وتقلباتها، ومضايقها.. ويخاطبه بـ{رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف من الاية:143]، والكاف ضمير المخاطب وهو الله..

وذات مرة وقع الاختيار التلقائي على الصفحة رقم [٣٢٣] من سورة الأنبياء، وأولها: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ} [الأنبياء:11].. الآيات.

وأدع استخراج الضمائر العائدة لله في الصفحة للقارئ الكريم كتجربة شخصية.

بحث كهذا يستحق رسالة علمية؛ تحصر كل الأسماء والضمائر والإشارات، وتقارن وتستخرج الفروق والجوامع والأسرار، وهي نعمة لمن وفّقه الله إليها.

الأرض لنا..

الأرض لنا..



         الجمعة 10 محرم 1437 الموافق 23 أكتوبر 2015        



د. سلمان بن فهد العودة
 القدس أو بيت المقدس اسم إسلامي نبوي، وحين يقول ربنا سبحانه: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى} (1:الإسراء)، فهو يربط المسجد الحرام بالمسجد النبوي بالمسجد الأقصى في منظومة واحدة، وإنما سمي أقصى بالنظر إلى المسجد الحرام، فهناك المسجد النبوي وهو أقرب، وهناك المسجد الأقصى الأبعد، ولكنه وثيق الصلة بالمسجد الحرام، وثيق الصلة بالرسالة المحمدية، وما قصة الإسراء والمعراج عن هذا ببعيد.
وثمَّ ربط عربي، فالمؤرخون الثقات على أن الذين بنوا القدس هم "اليبوسيون"؛ المهاجرون من الجزيرة العربية، كما قال المؤرخ الأمريكي (أولبرايت) في دراسة مشهورة له، وكان (يبوس) أول اسم لها..
والجزيرة هي الرحم التي تدفع بالهجرات إلى العراق والشام ومصر.
هي أقدم مدينة تاريخية، عمرها أكثر من أربعة آلاف سنة قبل الميلاد، فنحن الآن أمام ستة آلاف سنة، في مكان ضارب في أعماق الزمن وجذور التاريخ.
هي أكثر المدن استحواذاً على اهتمام الباحثين، قد نتكلم عن ناطحات السحاب، والمراكز الاقتصادية و"ديزني لاند"، وواحات الاقتصاد.. لكن لا يوجد مدينة حظيت بأكثر من سبعة آلاف دراسة ما بين رسائل ماجستير، ودكتوراه، وبحوث متخصصة..
 في مدينة القدس أكثر من ألفي (أثر) تاريخي عربي وإسلامي.
كانت نسبة العرب فيها أكثر من 64%، والبقية من أجناس شتى، واليهود ما بين 1.5% إلى 4% فحسب.
الآن مع التحولات الديموجرافية والألاعيب الصهيونية أصبحت نسبة اليهود تصل إلى ثمانين بالمائة، وأصبح سكان البلد الأصليون لا يُشكِّلون إلا نسبة ضئيلة!
موسى نبي لنا جميعاً؛ لأنه بُعث بالتوحيد، ومع ذلك  فمرور بني إسرائيل على القدس كان عابراً، وحين قال لهم نبيهم: {ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ}(22،21:المائدة).
كان ياسر عرفات -رحمه الله- يقول: نحن القوم الجبارين!
يرمي إلى قصة أن العرب هم المؤسسون والبناة الأصليون لهذه المدينة.
فإن نظرت إلى جانب التاريخ فالعرب بُناتها، وإن نظرت إلى الجانب الإيماني فمحمد -صلى الله عليه وسلم- هو وريث الأنبياء السابقين كلهم، وهذا من أسرار حادثة الإسراء والمعراج.
والمملكة التى أقامها بنو اسرائيل في القدس لم تدم أكثر من سبعين سنة.
على أن الكتاب المقدّس يحكي أن الله تعالى قال لإبراهيم: «لنسلك أعطي هذه الأرض».
 والعرب من ذرية إبراهيم.
وإذا كان القوم في زمن موسى يترددون ويحجمون ثم يعلنونها صريحة أنهم لن يدخلوها -كما أمرهم الله- وليذهب موسى وربه فليقاتلوا!
فإن أصحاب الأرض الحقيقيين يتربون أطفالاً دون الحلم، وشباباً في سن المراهقة، وشيوخاً أضناهم الكدح والتغرُّب والانتظار.. يتربّون على حب هذه الأرض وتقديسها والموت دونها، والتضحية الباسلة التي قلّ نظيرها في التاريخ.
لا حاجة بعد هذا للبحث النظري في الأحقية بهذه الأرض، فقد قطعت جهيزة قول كل خطيب..
استقبلت القدس جيش أبي عبيدة، ورفض أهلها أن يسلموها إلا بحضور الخليفة، وذهب عمر -رضي الله عنه- واستلم مفاتيح القدس، وأمَّن أهلها ولم يسفك المسلمون قطرة دم، وقام عمر بكنس القمامة من المسجد؛ تواضعاً لله، وتكريساً لمبدأ احترام المقدّسات وحفظ الحقوق.
أصبحت كل دولة إسلامية تسعى لأن تضع لها بصمة في القدس؛ بنو أمية بنوا المسجد المرواني، وقبة الصخرة، وعملوا حدوداً وأسواراً.. وكان بعضهم يفكر أن يجعل القدس عاصمة لخلافته، وربما كان هذا باعتبارها مدينة مقدّسة، وربما كان لمصالح سياسية وصراعات داخل الصف الإسلامي.
العباسيون أول وآخر مَنْ ضرب سكة (عملة نقدية) باسم بيت المقدس، وذلك في عهد المأمون .
 المظفر قطز، والسلطان قلاوون، وغيرهم من المماليك؛ كانوا يضعون بصمات ويضخون الكثير من ميزانية الدولة في البناء والإعمار والتشييد.
العثمانيون عملوا عملاً عظيماً وجباراً وبنوا أوقافاً وأسواراً، ولا ينسى التاريخ موقف السلطان عبد الحميد؛ الذي جاءه اليهود وعرضوا عليه أموالاً ضخمة مقابل أن يتنازل لهم عن شبر في فلسطين، ورفض وهو يعلم أنه سوف يخسر سلطته لكنه لم يرد أن يُسجّل عليه التاريخ خيانة بيع الأرض المقدسة!
اليوم تتعرض القدس لمحاولات مستميتةٍ لطمس هويتها، حاولوا تحويلها إلى مدينة يهودية بواسطة الأحافير فلم يفلحوا، حوّلوها إلى مدينة سياحية تستقبل أعداداً غفيرة من الناس، وتوفر لهم الترفيه كما يعبّرون! والفنادق والخدمات المختلفة.. مما يتنافى مع طبيعتها كمدينة مقدّسة محترمة عند شعوب العالم كلها وأديانها.
التغيير الديموجرافي ماضٍ على قدمٍ وساق، وحين قامت دولة الكيان الصهيوني لم تمنح المقادسة الجنسية الإسرائيلية وأبقت جنسيتهم الأردنية، ثم سحبوها منهم فأصبحوا مواطنين بلا هوية، واضطروهم إلى الرحيل وكأنهم غرباء طارئون، وكأن القدس هي التي دخلت على الصهاينة وليسوا هم الذين دخلوا عليها!
تاريخياً كان المسلمون يحافظون على دماء خصومهم، وحين دخل صلاح الدين القدس لم يُعمل السيف في سكانها بل عالج مرضاهم، واحتاج في بعض ذلك للاستعانة بطبيبه الخاص.
قبل مائة سنة من صلاح الدين قتل الصليبيون أكثر من سبعين ألف مسلم، دُفنوا في مقبرة معروفة في القدس اسمها مقبرة "مان الله".
حين عاد اليها العرب المسلمون حولوها مركزاً للحضارة والمعرفة والمحافظة على الحقوق حتى إن أبا حامد الغزالي سكن المدينة وابتدأ كتابه العظيم "إحياء علوم الدين" فيها، ومثله الإمام الطرطوشي، وابن العربي.. وغيرهم.

هناك الحنابلة الذين يسمون بـ"المقادسة"، وهم مدرسة متكاملة من العلم والفقه والأصول، ومنهم صاحب المغني رحمهم الله..
للحديث صلة إن شاء الله.

الجمعة، 21 مارس 2025

لا تظلموا الموتى!

لا تظلموا الموتى!


الجمعة 08 ربيع الثاني 1438 الموافق 06 يناير 2017

د. سلمان بن فهد العودة

أما أنت يا ولدي الكريم فلك أن تقول من الألفاظ وتتخذ من المواقف ما ينسجم مع تربيتك وأخلاقك، وما تراه يليق بك ويكون أدعى إلى سلامة موقفك بين يدي الله يوم العرض عليه: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ} (18:الحاقة).
أما أنا فإنني أشعر للموت برهبة، وأشعر إزاءه بخوف، وأشعر أن هذا الموقف سيمر بي يوماً، ولست أدري متى ولا كيف:

وما أَدْري إِذا يَمَّمْتُ أَرْضاً      أُريدُ الخَيْرَ أَيُّهُما يَلِينِي؟


أَأَلْخَيْرُ الذي أَنَا أَبْتَغِيه         أَم الشَّرُّ الذي لا يأتليني!

ولأني أرجو أن يشملني ربي بستره وعفوه، وألا يجعل لحاسدٍ ولا لحاقدٍ عليّ ولا على أحدٍ من أحبتي وأهلي وذوي قرباي سبيلاً لتنقّص ولا شماتة ولا مذمة؛ لذا فإنني أراعي لغتي بشأن الذين رحلوا وفارقوا دنيانا إلى الدار الأخرى؛ خاصة أولئك الذين لم يتولوا مسؤوليات جسيمة في ميدان الحياة ولم يسيؤوا للناس في مالٍ ولا موقف ولا قرار.. فأنت تحاسبهم بأشخاصهم لا بمسؤولياتهم ومناصبهم.

ولذلك أرى أن الذين جاوزوا قنطرة الموت وانتقلوا للضفة الأخرى في حمى منيع، وحصنٍ حصين وفي ذمة الله وجواره وحفظه وكلاءته وبين يديه، وهو ربهم وحسيبهم والمطلع على نواياهم وسرائرهم وخلجات قلوبهم ولحظات ذنوبهم، ولحظات استغفارهم وندمهم وقرباتهم إليه وطاعاتهم ابتغاء وجهه.

ولعل أحدهم بكى يوماً حباً لله أو خشية من عقابه أو طمعاً في رحمته وقال: (رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين)، بينما كنت أنا وقتها غارقاً في معصية غيبة أو إعجاب بالنفس أو ازدراءٍ لأحد من الخلق أو تمييز عنصري بين عباد الله أو تدخل فيما لا يعنيني أو تظاهر بما ليس من حقيقتي!
فبأي حق يليق أو يجدر بي أن أتجاوز هذا كله وأتعدى على حق من حقوق ربي فأُدخل أحداً جنة أو ناراً، أو أحكم له بسوء خاتمة؟

اللهم إلا أني أُحسن الظن برب العالمين وأُحسن الظن بإخواني المسلمين، وأتفاءل لهم بخير، وأرجو لهم من الخير ما أرجو لنفسي فإن هذا مما أتوسل إلى الله أن يرحمني به لرحمتي لأهلي وجيراني ولحبي الخير لهم.
لستُ أحكم يا بني لأحد بخاتمة سوء؛ لأنني لم أكن حاضراً مع ملك الموت ومن معه من رسل الله {حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} (62،61:الأنعام)، ولو كنت حاضراً فأنَّى لي أن أعلم ما بينهم وبين رب العالمين؟ فإن هذا مما لا تحيط به العقول، ولا تدركه الأبصار، ولا تحكم به وبظواهره قرائن من قرائن الحياة الدنيا.
وإذ دلَّت الآية الكريمة على أن الحكم له وحده دون سواه وليس لغيره حتى من الملائكة والأنبياء والمقربين، فكيف يسوغ لي أن أقحم نفسي في هذا الموقف الرعيب المهيب الرهيب وأنا لا أملك أدواته ولا أحيط به ولم أومر به، بل نهيت عن تقحمه والتدخل فيه ومن نازع الله في شيء من اختصاصه وشأنه عذّبه..

لسنا أمام حكم دنيوي عابر بل نحن أمام حكم غيبي أخروي، والغيب خصيصة ربانية لا معرفة لنا بها إلا بواسطة ملك مقرب أو نبي مرسل: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} (27،26:الجن)

ونحن لم نتلق عن الله ولا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شأن أمواتنا ما يجعلنا نحكم لهم أو عليهم إلا بما هو ظاهر من حالهم من أصل دخولهم في الإيمان والإسلام وأنهم من أهل التوحيد جملة فيُرجى لهم الخير..

حتى أولئك الذين تعلم أنهم أخطؤوا يوماً من الدهر فهل أنت بلا خطيئة؟ ولو لم يكن لك خطيئة فيما تزعم وتدّعي فكفى بالغرور والإعجاب والغفلة عن عيب نفسك والجرأة على أعراض الناس والتسرع في تكفيرهم أو قذفهم أو تسويغ قتلهم. كفى بهذا خطيئة وذنبا، ومن أعان على قتل مسلم بشطر كلمة لقي الله مكتوباً بين عينيه: آيس من رحمة الله.

غاية الإجرام أن يقدم جاهل جريء على قتل أناس لايعرفهم من أجل قضية سياسية تم حقنه بها، وأشد إجراماً أن يقحم اسم الله في عدوانه ويهتف (الله أكبر)، والله بريء من الظلم والبغي والعدوان، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

إن العبد أعجز من أن يعرف من حال نفسه أو مصيره شيئا،حتى أولئك الذين شهد لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بالجنة من العشرة المبشرين وغيرهم؛ كانوا أشد الناس خوفاً على أنفسهم، وأعف الناس ألسنة، وأطهرهم قلوباً، وأزكاهم حالاً وأبعدهم عن الوقيعة، وكيف لا وقد ربّاهم وعلمهم محمد -صلى الله عليه وسلم- ألا يسبوا الأموات فيؤذوا الأحياء، وعلمهم أن يذكروا محاسن الموتى ويُثنوا عليهم بما يعلمون؛ لأن التعرُّض للراحلين عدوان بغير حق، وهو أذيَّة للميت وأذيَّة للحيِّ، ودناءة في الأخلاق وقسوة في القلب وغفلة عن المصير.

إن ما أعلمه من نفسي ومن كثرة ذنوبي، وجراءتي وغفلتي عن الله، وتقصيري في التوبة، وتقصيري في العمل الصالح؛ يجعلني ألوذ برحمة الله، وأرجو فضله وثوابه أن يُلحقني بالصالحين، وأن يغفر لي ويتجاوز عني، أتوسل إليه برحمته بعباده، وفي الحديث -الذي يعرفه العلماء عادة بالحديث المسلسل بالأوَّلية- فيما يرويه عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمْ الرَّحْمَنُ, ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ » (رواه أبو داود، والترمذي، وأحمد، والحاكم).

ولا تنزع الرحمة إلا من شقي.

اللهم أسألك أن تغفر لهم وترحمهم، وتسبل عليهم سترك وعفوك وجودك وكرمك، وأحسن إليهم في دنياهم وأخراهم، وأتوسَّل إليك ربّ أن تُدرجني في عبادك المرحومين المغفور لهم، وأن تجيرني والمسلمين من غضبك ومقتك وعقابك.

اللهم استرني فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض وذريتي ومن أحب، ولا تسلط علينا مريض قلب، ولا سليط لسان، ولاجريئاً على حرمات الناس وأعراضهم، ولا مدعياً غيرةً على الحق ولا غضباً لله وهو من الجاهلين المسرفين.

وأعوذ بك ربّ من ذلك الصنف من الناس الذي يحسن الظن بنفسه ويسيء الظن بالناس.

الدين يا بني جاء بالرحمة، وجاء بحفظ الأعراض والدماء والأموال وسائر الضروريات، والله تعالى هو الخالق فكيف تهدم بيتاً بناه الله؟ أو كيف تتجرّأ على سترٍ أضفاه على عباده فتكشفه؟ وقدتوعَّد المتجرِّئين عليه بأشد العقوبة وهي اللعن، فلعن الله من قتل نفساً بغير حق، وكأنما قتل الناس جميعاً برهم وفاجرهم مؤمنهم وكافرهم، حتى الكفر ليس مسوِّغاً للقتل بذاته، ولذلك يُحفظ الكافر عن القتل في حالاتٍ كثيرة وإنما القتل سببه العدوان والبغي، وهذا مقرر عند كثير من أهل العلم، فكيف بالمؤمنين؟ فكيف بالغارِّين؟ فكيف بمن لا شأن لك بهم؟!

أراك يا بني تطرح على الراحلين علامات استفهام، فبالله عليك بأي صفة تفعل ذلك؟! هل أنت قاضٍ تحاكمهم؟ هل أنت شاهد عليم يعلم الظاهر والباطن؟ هل علمت منهم ما علمه الخضر من الغلام؟ هل بيدك جنة أو نار فأنت تتثبت من هوياتهم وأحوالهم لتقرر مصيرهم؟ هل صفت لك نفسك واستقام أمرك وصلح حالك واتجه قلبك إلى الله فلم يبق عليك إلا أن تحاكم العباد؟ لو كان ذلك كذلك وكان قلبك على الحال الحسن لشعر بالوجل والرهبة من المصير، ولأدرك أن الخليق به أن يتجه إلى الله؛ طلباً للصفح والعفو عن عباده، والتماساً للمغفرة، وانكساراً وذلاً على ما فرط من ذنبه، وخوفاً من سوء المصير..

لِنَفْسِي أَبْكِي لَسْتُ أَبْكِي لِغَيْرِهَا  

                  لِنَفْسِي مِنْ نَفْسِي عَنِ النَّاسِ شَاغِلُ

ألم تسمع قول علي رضي الله عنه: (بِئْسَ الزَّادُ إِلَى الْمَعَادِ الْعُدْوَانُ عَلَى الْعِبَادِ)؟
ألم يدر في بالك أن أحداً ممن ظلمته وتجرّأت عليه سيلقاك يوماً فيعرفك ويأخذ بيدك إلى الله ويقول:

-يا رب.. سل هذا فيم أساء إليّ بغير حق؟

لا تظلموا الموتَى وإن طالَ المدى *** إنّي أخافُ عليكُمو أن تَلتَقوا


الجمعة، 14 مارس 2025

(...) في إسرائيل!

 (...) في إسرائيل!

 د. سلمان بن فهد العودة


أحداث الساعة تأبين للنظام العربي، وإعلان لخاتمة حزينة لهذه المرحلة بكل تطلعاتها وإخفاقاتها وممانعاتها.
النظام الأمني يتهتك في ظل حضور إسرائيلي مدروس في المنطقة، وتأثير مباشر على مجريات القرار في الولايات المتحدة.
وما خبر اكتشاف الجاسوس الإسرائيلي على أعلى المستويات في البنتاجون إلا نموذج لهذا التأثير، وقد كان لهذه الجاسوسية تأثير حقيقي على قرار حرب العراق وما تلاه، وعلى مجمل السياسات الأمريكية في قضايا الشرق الأوسط، مما يؤكد أن حفظ أمن إسرائيل هو أبرز أهداف تلك الحملة.
بيد أن الإدارة الأمريكية بجملتها خاضعة للنفوذ اليهودي، ومرشحو الرئاسة يختلفون في أشياء عديدة، ولكنهم يتفقون على دعم إسرائيل وحمايتها، ويتنافسون في تقديم المزيد للمواطن الإسرائيلي.
ويأبى الإعلام أن يكشف للشعب الأمريكي حقيقة الأمر؛ فالإعلام خاضع هو الآخر للنفوذ اليهودي، كشركة: (تايم وارنر) التي تملك عدداً من شبكات التلفزيون بينها (cnn) والمئات من شبكات الإعلان والفرق الرياضية وشبكات للإنترنت واستوديوهات ومؤسسات للإنتاج السينمائي ودور نشر للكتب، كما يسيطر اليهود على غيرها من محطات التلفزة كـ(fox tv) و(cbs tv) و(abc) و(nbc)، ومجموعة من الصحف اليومية واسعة الانتشار، و لليهود نفوذ كبير في هوليوود وصناعة السينما العالمية.
ولذلك تم التستر على فضيحة الجاسوس في وزارة الدفاع، ولنا أن نتصور لو أن هذا الجاسوس كان عربياً!
لقد دارت التهم حول موظف عادي في سجن (غوانتانامو) وتم تصعيد الخبر إعلامياً، وتكشفت النتائج عن وهم كاذب أو خداع مدروس.
وهذا يشكل التحدي الخارجي الهائل لما كان يسمى بالنظام العربي، فالإرادة -بتقديم الراء- الأمريكية ماضية على كسر أي امتناع عربي أو إسلامي يعكر على الوجود اليهودي، ويحول دون إتمام صفقة سلام ذليل يفتح لإسرائيل الحدود العربية، ويقيم سفاراتها في العواصم الكبرى، ويقضي على كل وجود عسكري أو أمني يهددها في الحاضر أو المستقبل.
وفي الوقت الذي لا تزال خطة أمريكا في العراق تعاني من الإخفاق؛ فإن صقور الإدارة يتحرشون بقوة بـسوريا و إيران و السودان، ويضغطون على مصر و السعودية و لبنان.
ووضع كهذا يتزامن مع مساندة إعلامية وأمنية للقوى الداخلية المنسجمة مع السياسة الأمريكية؛ فهناك بند خاص لدعم المثقفين المتحالفين مع أمريكا، ويخطئ من يظن أن هذه الأساليب كانت حكراً على نظام البعث في العراق، فقد ذكرت فرانسيس ستوندر في كتاب: الحرب الباردة الثقافية أن المخابرات الأمريكية قامت عام1950م بتأسيس منظمة ثقافية باسم (منظمة الحرية الثقافية)، تحولت في عام 1976م إلى الاتحاد الدولي للحرية الثقافية، وقد قامت هذه المنظمة بإنشاء فروع لها في خمس وثلاثين دولة تم اختيارها بعناية، وقد أصدرت هذه المنظمة أكثر من عشرين مجلة ذات تأثير كبير، وقامت بتنظيم المعارض الفنية والحفلات الموسيقية؛ لكي يتواصل الجميع مع الأسلوب الأمريكي في الحياة، ولخدمة المصالح الأمريكية، وكانت هذه المنظمة التابعة لـ(cia) تدعم من تسميهم بأصدقاء الحرية، بمبالغ طائلة تتجاوز خمسة ملايين فرنك سويسري شهرياً.
والقنوات الحرة تمارس تبشيراً مكشوفاً بالقيم الأمريكية، أو باللاقيم على الحقيقة، وقد يصل بها الحماس إلى أنها لا تستطيع أن تداري انحيازها السافر لكل ما هو ضد العروبة والإسلام!
ولقد أصبح العديد من كتاب الأعمدة يشمتون بالمقاومة الوطنية الصادقة حيث كانت، ويعدونها عبثاً وهدراً، في الوقت الذي يشيدون به بعملاء الغرب الذين يمنحونهم صفات العقلانية والتطوير والانجاز وإعادة الإعمار!
وضمن هذه الحلقة تتحرك جهود مكافحة الإرهاب لتشويه صورة المقاومة المشروعة، وقطع المساعدات المادية، أو المؤازرة السياسية وعزلها عن ارتباطها التاريخي بالشعوب الإسلامية.
و أمريكا التي تمسك بمعظم خيوط اللعبة توظف المنظمات الدولية لمصالحها الخاصة وتستصدر القرارات التي تشاء، وتغلق أبواب نادي العولمة الاقتصادية في وجه الدول التي تظهر شيئاً من استقلال الإرادة السياسية.
لسنا نستغرب أن يحدث هذا؛ فـالذي لا يساعد نفسه لن يساعده الآخرون، والضعيف يظل عرضة للابتزاز، ويغري الآخرين بهذا، لكن الغرابة في المسارعة العربية في هؤلاء القوم، حيث ترتفع نبرة الحديث عن علاقات طبيعية مع إسرائيل، ويبادر بعض القوم إلى زيارتها، ويسارع آخرون لتعويض اليهود المهاجرين، كحالة ليبيا المنكوبة، ويتوارى آخرون خجلاً من الحديث عن العدو الصهيوني الذي أصبح كياناً ثم دولة، وقد يأتي اليوم الذي تصفه بعض قنوات الإعلام السياسي بالصديق، وإذا لم تفعل مداراة للشعور الشعبي؛ فإنها تكون قد قطعت قبل ذلك شوطاً بعيداً في تبادل الخبرات الأمنية، والتعاون الاقتصادي، والتطبيع السياسي الهادئ.
وقد يأتي اليوم الذي تتحدث فيه تلك الأقنية عن زيارات متكررة إلى القدس تحت سمع الكاميرات وبصرها، ولم لا؟ فنحن في عصر التحولات والمفاجآت.
وإذا لم يحدث هذا اعتباراً بما جرى في مصر فلتكن اللقاءات المكوكية المتخصصة هي البديل الأجدى لاندماج إسرائيل في الشرق الأوسط الكبير!
في النهاية لست متشائماً؛ لأنني أعرف أن الطب نجح في زراعة الكبد والكلية و.. و.. ولكنني لا أعرف حتى الآن أن الطب نجح في زراعة رأس .
إن أقسى هزيمة تحيق بنا أن نصل إلى شفير اليأس؛ فليكن لنا معتصم بإيماننا بالله ووعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الدائرة على الظالمين المعتدين، ولو فسح لهم في الوقت ، والله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، (( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ))[هود:102].


ملاحظة: كتب هذا المقال في نهاية شهر رجب الفرد 29/7/ 1425هـ.