الثلاثاء، 5 يونيو 2018

أمل عبد الفتاح.. قصة مصر كلها في امرأة

أمل عبد الفتاح.. قصة مصر كلها في امرأة 

محمد إلهامي
باحث في التاريخ والحضارة
عملت السينما والدراما المصرية لعقود طويلة على تكوين صورة نمطية للمرأة المصرية، حتى أن البعض صار يرى مصر ونساءها كلها تُخْتَزَل في شارع الهرم سيئ السمعة، وهي الصورة التي يؤكد المصريون أنفسهم على أنها زائفة ولا تعبر عنهم، وأن تلك الشريحة التي تضخمها السينما والدراما لا تمثل شيئا من النساء المصريات اللاتي يعانين ويكافحن ضمن جموع المصريين. 
من بين النساء جميعا تبرز قصة سيدة واحدة تُخْتَزَل فيها قصة مصر في الحقبة العسكرية.. أمل عبد الفتاح إسماعيل!

سيدة في الخامسة والخمسين من عمرها، تفتحت عينها على الحياة في اللحظة التي كان والدها يُعلق على المشنقة الناصرية عام 1966، إذ كان والدها عبد الفتاح إسماعيل ثاني ثلاثة أُعْدِموا في خبر هزَّ العالم الإسلامي وقتها، ذلك أن رفيقه في الشنق كانا: المفكر الإسلامي المعروف سيد قطب والشيخ ويوسف هواش! غطَّت شهرة قطب على رفيقيه عند جموع الناس، لكن ابنة السنوات الثلاث حينئذ كانت تتذكر أباها أكثر من أي وقت آخر. ما إن بلغت هذه الفتاة سن الشباب حتى كان الحكم العسكري يُعِدَّ لها محنة أخرى، إذ جرى اعتقالها في عصر السادات كذلك، في خريفه الذي طال رموز مصر وشبابها، ولقد كانت هي رقما من بين المشاهير فلم يكد يلتفت إليها أحد.

وفي عصر السيسي قرر النظام العسكري استكمال مهمته مع الفتاة التي صارت سيدة، فمن بعد وقوع الانقلاب العسكري عام 2013 جرى اعتقال شقيقها نجيب عبد الفتاح إسماعيل (أكتوبر 2014) واتهم بأنه تابع لتنظيم الدولة الإسلامية، وبعدها اعتقل ابنها حنظلة أحمد الماحي وصار نزيل السجون المصرية، ثم لم تنقض شهور أخرى حتى اختفى ابنها الثاني المثنى أحمد الماحي قسريا بتاريخ 23 إبريل 2016 ولا يزال مجهول المصير حتى لحظة إعداد هذا التقرير. لم يتوقف الأمر هنا، فبعدها بعام واحد اختفى ابنها الثالث سهيل أحمد الماحي، وبعد أسبوعين وبالتحديد في 15 يوليو 2017 عُرِف مصيره، إذ أعلنت الأجهزة المصرية عن تصفيته ضمن خلية اتهمتهم بالانتماء لحركة حسم. وبعد أقل من عام آخر اختفى ابنها الرابع مصعب، وهو أكبر أبنائها، بتاريخ 2 مايو 2018، ولم يمض يوم واحد حتى اختفت هي نفسها قسريا بتاريخ 3 مايو 2018 ليظل مصيرهما مجهولا حتى هذه اللحظة.

لم يبق من أسرة أمل عبد الفتاح إسماعيل إلا ولدٌ واحد، تلاحقه السلطات المصرية أيضا التي فيما يبدو قررت إبادة هذه العائلة لتكتمل مسيرة السيدة التي ولدت مع فجر الحكم العسكري
قبل اثنتين وستين سنة كان عبد الفتاح إسماعيل يُشنق بحكم أصدرته محكمة عسكرية برئاسة اللواء عبد الفتاح الدجوي، وهو العسكري الذي حكم قطاع غزة لما كان تابعا للإدارة المصرية وكان بحكم منصبه مسؤولا عن اعتقال المقاومين للاحتلال الإسرائيلي في سجن غزة المركزي، ولما وقع عدوان 1956 سلَّم نفسه وقطاع غزة لقوات الاحتلال الإسرائيلي في مشهد تحتفظ به الذاكرة التاريخية كواحد من أقسى مشاهد التاريخ العربي. وبدلا من أن يُحاكَم بتهمة التقصير العسكري والاستسلام للعدو عاد فكان قاضيا -دون أن يحمل مؤهلا في القانون- ليصدر أحكامه بالشنق على سيد قطب وعبد الفتاح إسماعيل ويوسف هواش.

لم يبق من أسرة أمل عبد الفتاح إسماعيل إلا ولدٌ واحد، تلاحقه السلطات المصرية أيضا التي فيما يبدو قررت إبادة هذه العائلة لتكتمل مسيرة السيدة التي ولدت مع فجر الحكم العسكري ولا تزال منذ هذه اللحظة تشهد المعاناة المستمرة. تصلح أمل عبد الفتاح إسماعيل أن تكون رمزا لمصر كلها تحت حكم الطبقة العسكرية، فمصر التي حكمها العسكر وهي الأولى عربيا وفي طليعة الدول النامية شرقيا، لا تزال تتآكل وتتقزم حدودها ومكانتها وسمعتها، حتى يبدو كأنها تشهد فصولها الأخيرة مع حكم عبد الفتاح السيسي.

بقي ولدٌ مطارد واحد لأمل عبد الفتاح إسماعيل، كما بقي أملٌ واحد لمصر كلها.. فهل يغلب الأملُ العسكر أم سيغلب العسكر الأمل.. أمل مصر، وأمل عبد الفتاح إسماعيل. إذا كنت قد وصلت إلى هذا السطر، فأسألك بالله ألا تنسى هذه السيدة وأبناءها من دعوة مخلصة بظهر الغيب، عسى الله أن يفرج عنها وعن أبنائها، وأن يفرج عن مصر كلها وأبنائها.. وأن يأذن بخلاص من حكم العسكر المجرمين الخونة الذين أفسدوا في الأرض وأهلكوا الحرث والنسل.

الاثنين، 4 يونيو 2018

الأتجاه المعاكس -الدين والعلمانية- الشيخ يوسف القرضاوي والعلماني جلال العظم

حلقة من برنامج الاتجاه المعاكس عمرها 20 سنة.
بين العلامة الشيخ يوسف القرضاوي
والمفكر العلماني صادق جلال العظم


ما خفي أعظم- ليلة القرصنة


ما خفي أعظم- ليلة القرصنة



اختراق "قنا".. تخطيط إماراتي وتنفيذ سعودي

مثّل اختراق وكالة الأنباء القطرية يوم 24 مايو/أيار 2017 ونشر تصريحات مفبركة منسوبة لأمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، الشرارة الأولى لأكبر وأعمق أزمة في تاريخ دول مجلس التعاون الخليجي.
بعد عام على قرصنة وكالة الأنباء القطرية، يفتح فيلم "ليلة القرصنة" ضمن السلسلة الاستقصائية "ما خفي أعظم" ملف هذه الواقعة التي اتخذت ذريعة لإعلان حصار قطر من قبل ثلاث دول خليجية إضافة إلى مصر.
وقد حصل التحقيق على بيانات مفصلة للأجهزة المستخدمة من قبل خلية القرصنة التي عملت من داخل وزارة سيادية في العاصمة السعودية الرياض.

الأحد، 3 يونيو 2018

جمهورية بلا جمهور أو حدائق الشيطان

جمهورية بلا جمهور أو حدائق الشيطان

وائل قنديل

بدت القاهرة في الصباح الفائت كأنها مدينة أشباح. لا وجود للبشر العاديين فيها، فقط طائرات تستعرض في السماء، وسيارات جيش وشرطة، تتبختر على الأرض، وآلاف من أفراد الأمن، يحرسون موكباً عسكرياً، لجنرالٍ قفز للتو من كتاب الفاشيات العسكرية.

طلقات المدفعية التي رجّت طبقات الجو رجّاً، وأزيز الطائرات الحربية التي تحمل كل منها شعار سلاحٍ من أسلحة الجيش، والألعاب النارية في السماء، لم تطرد فقط العصافير من فوق الأشجار، بل جرّدت الشوارع والطرق من العابرين المدنيين، ما جعل العاصمة تبدو كأنها ماكيت مدينة أسطورية في لعبة إلكترونية، من تلك التي تعجّ بها تطبيقات الهواتف الذكية.

وعلى الرغم من ذلك، وقف الحاكم العسكري، في قاعة البرلمان، الأكثر عسكريةً من العسكريين، يتحدث عن الجمهورية والجماهير والدولة المدنية، ووقف رئيس البرلمان بين يديه، يطنطن بعباراتٍ مجففةٍ عن فرحة الملايين الذين أوصلوا الجنرال إلى الحكم.

لم تنجح الأقمار الاصطناعية، أو كاميرات البث الفضائي، في التقاط صورة واحدة لهذه الملايين تحتشد على الجانبين، بطول الطريق، لتحية الجنرال، والمشاركة في هذه الزفّة المبتذلة التي حملتها إلى مجلس النواب، لأداء اليمين.

والسبب، ببساطة، أن هذه الملايين ليست موجودة إلا في عناوين إعلامه الكذوب، وليست حاضرةً إلا فيما تعلنه أجهزته من أرقام، وهمية، عن حجم المشاركة فيما تطلق عليها الانتخابات، من دون أن ينفي ذلك أن هذه الملايين كانت هناك، بالفعل، في صيف الخديعة، يونيو/ حزيران 2013 محمولةً فوق أكاذيب وشعارات نخب سياسية تجرّدت من كل قيمة محترمة، ومارست أعمال السمسرة والقوادة على ثورة نقية عذراء، اسمها 25 يناير، وأقنعت أهلها بأنها ستزوجها لمن يعرف كيف يحميها ويحافظ عليها.

هذه الملايين من الجماهير لم تبق لديها مساحات إضافية لاستقبال واستيعاب مزيد من الأوهام والوعود الكاذبة، فما عادت تخرج أو تهتم، وقرّرت أن تختبئ داخل جلودها من البطش والإرهاب والإهانة التي تمارسها السلطة ضدها يومياً، إن لم يكن بقرارات الاعتقال، فبقرارات زيادة أسعار الخدمات العامة، بأرقامٍ فلكية، وكأن مصدر هذه القرارات يمارس أشرس أنواع الانتقام، وأفظع أشكال التدمير لمقومات المجتمع المصري.

تبدو الحالة المصرية الآن كأنها صورة مكبرة من دراما تلفزيونية مثيرة، قدّمها المخرج إسماعيل عبد الحافظ قبل نحو 12 عاماً تحت عنوان "حدائق الشيطان"، أدى فيها السوري جمال سليمان شخصية طاغية مستبد في صعيد مصر، يحترف البلطجة وزراعة المخدرات، ويمارس إرهاباً على سكان القرى، مستخدماً أسطورة "الغولة" أو الكائن المجهول المفترس القابع في بطن الجبل، منتظراً أي شخص يقرر الخروج فيلتهمه ولا يبقي منه شيئاً.

استطاع الدكتاتور الفاسد "مندور أبو الدهب" أن يُحكم قبضته على المنطقة، باستخدام أسطورة "الغولة"، فوضع بجانبها مكبرات صوت ضخمة، تنقل صوتها المخيف، واضحاً ومسموعاً، إلى الناس في بيوتهم، فتتضخم أسطورة الدكتاتور الباطش الذي لا يقوى عليه أحد، ويرتفع منسوب الخوف إلى أعلى مستوياته، مع بث أجهزة إعلام الطاغية حكاياتٍ عن كيف التهمت "الغولة" شباباً من القرية، دفعهم الحماس إلى الذهاب إلى الجبل، لإسقاط أسطورة الكائن الخرافي، فلم تبق منهم جلداً ولا عظماً.

احتاج أهل القرى سنواتٍ من الكفاح، حتى يكسروا حاجز الخوف والجهل والعجز، ويصعدوا إلى الجبل، ويفكّكوا أسطورة الغول الذي لا يقهر.
تماماً كما هزم المصريون في 2011 الخوف والعجز وصعدوا إلى التحرير.
  

الجمعة، 1 يونيو 2018

فوق السلطة - البحرين ترحب بمصالحة أحلام ونوال

فوق السلطة 
 البحرين ترحب بمصالحة أحلام ونوال



البحرين ترحب بمصالحة أحلام ونوال

قبل عام إلا يومين، صار الخليج خليجين، بقرار من محمدين.. سموا قطر تنظيم الحمدين، تدخل أمير الصباحين، فصموا عنه الأذنين. على قطر أن تكون كالبحرين، فلتقطع لسانها والشفتين.

دروس وعبر من فتح مكّة

دروس وعبر من فتح مكّة

د. علي الصلابي
مؤرخ وفقيه ومفكر سياسي

إنَّ حركة النَّبيِّ (ص) في بناء الدَّولة، وتربية المجتمع، وإرسال السَّرايا، وخروجه في الغزوات تعلِّمنا كيفيَّة التَّعامل مع سنَّة الأخذ بالأسباب، سواءً كانت تلك الأسباب مادِّيَّة أو معنويَّةً، ففي غزوة الفتح نلاحظ هذه السُّنَّة واضحةً في هديه (ص)، فعندما قرَّر (ص) السَّير لفتح مكة؛ حرص على كتمان هذا الأمر حتَّى لا يصل الخبر إلى قريش، فتعد العدَّة لمجابهته، وتصدُّه قبل أن يبدأ في تنفيذ هدفه.

ارتكبت قريش خطأً فادحاً عندما أعانت حلفاءها بني بكرٍ على خُزاعة حليفة المسلمين بالخيل، والسِّلاح، والرِّجال، وهجم بنو بكرٍ، وحلفاؤهم على قبيلة خُزاعة عند ماءٍ يقال له: الوَتير، وقتلوا أكثر من عشرين من رجالها، ولمَّا لجأت خُزاعة إلى الحرم الآمن، ولم تكن متجهِّزةً للقتال، لتمنع بني بكرٍ منه؛ قالت لقائدهم: يا نوفل! إنَّا قد دخلنا الحرم، إلهك، إلهك! فقال نوفل: لا إله اليوم، يا بني بكر! أصيبوا ثأركم، عندئذٍ خرج عمرو بن سالم الخُزاعيُّ في أربعين من خُزاعة، حتَّى قدموا على رسول الله (ص) في المدينة، وأخبروه بما كان من بني بكرٍ، وبمن أصيب منهم، وبمناصرة قريشٍ بني بكرٍ عليهم، ووقف عمرو بن سالم على رسول الله (ص) وهو جالسٌ في المسجد بين ظهراني النَّاس، فقال:

يَا رَبِّ إنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدا          حِلْفَ أَبِيْنَا وأَبِيْهِ الأَتْلَدَا
قَدْ كُنْتُم وُلْداً، وَكُنَّا وَالِدا             ثُمَّتَ أَسْلَمْنَا فَلَمْ نَنْزِعْ يدا
فانْصُرْ هَدَاكَ الله نَصْراً أَعْتَدَا      وادْعُ عِبَادَ الله يأْتُوا مَدَدَا
فِيْهِمْ رَسُولُ اللهِ قَدْ تَجَرَّدا        إِنْ سِيْم خَسْفاً وَجْهُهُ تَرَبَّدَا
فِيْ فَيْلَقٍ كالبَحْرِ يَجْرِي مُزبِدَا     إنَّ قُرَيْشاً أَخْلَفُوكَ المَوْعِدَا
ونقَضُوا مِيْثَاقَك المُؤَكَّدا      وجَعَلُوا لي في (كَدَاءٍ) رُصَّدا
وَزَعَمُوا أَنْ لَسْتُ أدْعُو أحدَا     وَهُمْ أَذَلُّ وأَقَلُّ عَدَدَا
هُمْ بَـيَّـتُونَا بالوَتِيْرِ هُجَّدَا      وقَتَلُونَا رُكَّعاً وسُجَّدَا

فقال النبي (ص): «نُصرتَ يا عمرو بن سالم! لا نصرني الله إن لم أنصر بني كعب!» ولمَّا عرَض السَّحاب مِنَ السَّماء؛ قال: «إنَّ هذه السَّحابة لتستهلُّ بنصر بني كعبٍ».

شرع النبي (ص) في الأخذ بالأسباب الآتية لفتح مكة ولتحقيق مبدأ المباغتة:
الَّذي يساهم في إسقاط فروض الكفاية عن الأمَّـة يستحقُّ التَّقديـر، والاحترام، وإن بدرت منـه بعـض الأخطاء، هذا فيما إذا كان ما صدر من هؤلاء خطـأً محضاً، وزلَّـة قدمٍ
1- أنَّه كتم أمره حتَّى على أقرب النَّاس إليه:
فقد أخذ النَّبيُّ (ص) بمبدأ السِّرِّيَّة المطلقة، والكتمان الشَّديد حتَّى عن أقرب النَّاس إليه، وهو أبو بكر رضي الله عنه أقربُ أصحابه إلى نفسه، وزوجتُه عائشة رضي الله عنها أحبُّ نسائه إليه، فلم يعرف أحدٌ شيئاً عن أهدافه الحقيقية، ولا اتِّجاه حركته، ولا العدوِّ الَّذي ينوي قتاله، بدليل أنَّ أبا بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه عندما سأل ابنته عائشة رضي الله عنها عن مَقْصَدِ الرسول (ص) قالت له: ما سمَّى لنا شيئاً، وكانت أحياناً تصمت، وكلا الأمرين يدلاَّن على أنَّها لم تعلم شيئاً عن مقاصده (ص). ويستنبط من هذا المنهج النبوي الحكيم أنَّه ينبغي للقادة العسكريين أن يخفوا خططهم عن زوجاتهم؛ لأنهنَّ ربما يُذِعْنَ شيئاً من هذه الأسرار عن حسن نيَّةٍ، فتتناقلها الألسن حتَّى تصير سبباً في حدوث كارثةٍ عظيمةٍ.

2- أنه بعث سريَّةً بقيادة أبي قتادة إلى بطن إِضَم:
بعث النَّبيُّ (ص) قبل مسيره إلى مكَّة سَرِيَّةً مكوَّنةً من ثمانية رجال، وذلك لإسدال السِّتار على نياته الحقيقيَّة، وفي ذلك يقول ابن سعد: «لمَّا همَّ رسول الله (ص) بغزو أهل مكَّة بعث أبا قتادة بن ربْعِي في ثمانية نفرٍ سَرِيَّةً إلى بطن إِضَم، لِيَظُنَّ الظَّانُّ: أنَّ رسول الله (ص) توجَّه إلى تلك النَّاحية، فمضوا، ولم يلقوا جمعاً، فانصرفوا حتَّى انتهوا إلى ذي خُشُب، فبلغهم: أنَّ رسول الله (ص) قد توجَّه إلى مكَّة، فأخذوا على (بيبن) حتَّى لقُوا النَّبيَّ (ص) بالسُّقيا». وهذا منهجٌ نبويٌّ حكيمٌ في توجيه القادة من بعده إلى وجوب أخذ الحذر، وسلوك ما يمكن من أساليب التَّضليل على الأعداء والإيهام، الَّتي من شأنها صرف أنظار النَّاس عن معرفة مقاصد الجيوش الإسلاميَّة الَّتي تخرج من أجل الجهاد في سبيل الله، حتى تُحقِّق أهدافها، وتَسْلَم من كيد أعدائها.

3- أنَّه بعث العيون لمنع وصول المعلومات إلى الأعداء:
بثَّ (ص) رجال استخبارات الدَّولة الإسلاميَّة داخل المدينة، وخارجها؛ حتَّى لا تنتقلَ أخبارُه إلى قريشٍ، وأخذ رسول الله (ص) بالأنقاب([1])، فكان عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه يطوف على الأنقاب قيماً بهم، فيقول: لا تَدَعُوا أحداً يمرُّ بكم تنكرونه إلا رددتموه، إلا مَنْ سلك إلى مكَّة فإنَّه يُتَحفَّظ به، ويُسأل عنه، أو ناحية مكَّة. إنَّ جَمْعَ المعلومات سلاحٌ ذو حدَّين، وقد استفاد الرَّسول (ص) من حدِّه النافع لصالح المسلمين، وأبطل مفعول الحدِّ الآخر باتباعه السِّرِّيَّة، واتخاذها أساساً لتحرُّكاته، واستعداداته؛ ليحرم عدوه من الحصول على المعلومات الَّتي تفيده في الاستعداد لمجابهة هذا الجيش بالقوَّة المناسبة.

4- دعاؤه (ص) بأخذ العيون والأخبار عن قريش:
وبعد أن أخذ رسول الله (ص) بالأسباب البشريَّة الَّتي في استطاعته؛ توجَّه إلى الله ـ عزَّ وجلَّ ـ بالدُّعاء والتَّضرُّع قائلاً: «اللَّهُمَّ! خذ على أسماعهم، وأبصارهم فلا يَرَوننا إلا بغتةً، ولا يسمعون بنا إلا فجأة» [البيهقي في الدلائل (5/11)]([2]). وهذا شأن النَّبيِّ (ص) في أموره يأخذ بجميع الأسباب البشريَّة، ولا ينسى التَّضرُّع، والدُّعاء لربِّ البريَّة؛ ليستمدَّ منه التَّوفيق والسَّداد.


دخل الرسول صلى الله عليه وسلم مكة وهو يقرأ سورة الفتح. مستشعراً نعمة الفتح، وغفران الذُّنوب، وإفاضة النَّصر العزيز

5-  إحباط محاولة تجسُّس حاطبٍ لصالح قريش:
عندما أكمل النَّبيُّ (ص) استعداده للسير إلى فتح مكة، كتب حاطب بن أبي بلتعة كتاباً إلى أهل مكَّة يخبرهم فيه نبأ تحرك النَّبيِّ (ص) إليهم، ولكنّ الله ـ سبحانه وتعالى ـ أطلع نبيَّه (ص) عن طريق الوحي على هذه الرِّسالة، فقضى (ص) على هذه المحاولة وهي في مهدها، فأرسل النَّبيُّ (ص) عليّاً، والزُّبير، والمقداد فأمسكوا بالمرأة في روضة خاخٍ على بعد اثني عشر ميلاً من المدينة، وهدَّدوها أن يفتِّشوها إن لم تُخرِج الكتاب؛ فسلَّمته لهم، ثمَّ استدعى حاطباً رضي الله عنه للتَّحقيق، فقال: يا رسول الله! لا تعجل عليَّ، إنِّي كنت امرأً مُلصَقاً في قريشٍ ـ يقول: كنت حليفاً ـ ولم أكن من أنفُسِها، وكان مَنْ معك من المهاجرين مَنْ لهم قراباتٌ يحمون بها أهليهم، وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النَّسب فيهم أن أتَّخذ عندهم يداً يحمون قرابتي، ولم أفعله ارتداداً عن ديني، ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله (ص): «أما إنَّه قد صدقكم».

وهذا منهجٌ نبويٌّ حكيمٌ، فلم ينظر النَّبيُّ (ص) إلى حاطب من زاوية مخالفته تلك فحسب، وإن كانت كبيرةً، وإنَّما راجع رصيده الماضي في الجهاد في سبيل الله تعالى، وإعزاز دينه، فوجد: أنَّه قد شهد بدراً، وفي هذا توجيهٌ للمسلمين إلى أن ينظروا إلى أصحاب الأخطاء نظرةً متكاملـةً، وذلك بأن ينظروا فيما قدَّموه لأمَّتهم من أعمالٍ صالحةٍ في مجال الدَّعوة، والجهاد، والعلم، والتَّربية، فإنَّ الَّذي يساهم في إسقاط فروض الكفاية عن الأمَّـة يستحقُّ التَّقديـر، والاحترام، وإن بدرت منـه بعـض الأخطاء، هذا فيما إذا كان ما صدر من هؤلاء خطـأً محضاً، وزلَّـة قدمٍ، فكيف إذا كان ما صدر منهم رأياً علميّاً ناتجاً عن الاجتهاد؛ وهم أهلٌ لذلك؟!

دخولٌ خاشعٌ متواضعٌ، لا دخول فاتحٍ متعالٍ:
دخل رسول الله (ص) يوم فتح مكة وعليه عمامةٌ سوداءُ بغير إحرامٍ، وهو واضعٌ رأسه تواضعاً لله، حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتَّى إنَّ ذقنه ليكاد يَمَسُّ واسطة الرَّحل. ودخل وهو يقرأ سورة الفتح. مستشعراً نعمة الفتح، وغفران الذُّنوب، وإفاضة النَّصر العزيز([3])، وعندما دخل مكَّة فاتحاً ـ وهي قلبُ جزيرة العرب، ومركزُها الرُّوحيُّ، والسِّياسيُّ ـ رفعَ كلَّ شعارٍ من شعائر العدل والمساواة، والتَّواضع، والخضوع، فأردف أسامة بن زيدٍ، وهو ابن مولى رسول الله (ص)، ولم يردف أحداً من أبناء بني هاشم، وأبناء أشراف قريشٍ، وهم كثير.
ـــــــــــــــــــ
([1]) الأنقاب: جمع نقب، وهو كالعريف على القوم.
([2]) انظر: البداية والنِّهاية (4/282)، ومحمَّد (ص) (غزوة فتح مكة)، لمحمَّد رضا.
([3]) انظر: صور وعبر من الجهاد النَّبوي في المدينة، ص 396.

بيان الحالة بمعيار الزبالة

بيان الحالة بمعيار الزبالة

وائل قنديل

لا تتحدث عن الفقر في مصر، وإلا سيتم استدعاء نقيب الزبالين فيها، ليلقي بك داخل حاوية قمامة، فاخرة، لكي تقف على الوضع بنفسك، أو ربما يأتي أحد مساعديه بكيس زبالةٍ ويفجره في وجهك، ولا يتركك قبل أن تهتف: تحيا مصر، وتقر وتعترف بأنه ليس هناك فقر ولا فقراء في دولةٍ وصل حجم اقتراضها من الخارج، وفقاً لأرقام البنك المركزي، إلى 44 مليار دولار، خلال أربع سنوات فقط من حكم جنرالٍ يرفع شعار"مفيش ما عنديش احنا فقرا قوي".

تنقل صحيفة مصرية (اليوم السابع)عن شحاتة المقدس، نقيب الزبالين وأحد أشهر جامعى القمامة فى مصر،"إن محتويات القمامة فى مصر لم تشهد أى تغير من حيث الكم والكيف خلال الفترة الأخيرة، وأن تغيرات الأسعار والتضخم والتغيرات الاقتصادية لم ير لها أي مردود على قمامة المصريين، سواء فى المناطق الغنية أو الفقيرة، مشيرًا إلى أن حجم الزبالة فى رمضان يرتفع بنسبة 30%، على الرغم من أنه شهر صيام وترشيد فى الاستهلاك".
وتمضي الصحيفة: "وأضاف المقدس، أن ما يصله من كميات القمامة بعد فرزها يشير إلى أن المواطنين لم يتأثروا بارتفاعات الأسعار، خاصة فيما يتعلق بالأكل والشرب، حيث يوجد بالقمامة نفس كميات الطعام المهدرة التى كانوا يجدونها قبل التعويم وقبل ارتفاع الأسعار، والأغرب هو وجود قطع لحمة وأسماك ملقاة فى قمامة المناطق الشعبية والمتوسطة، أما فيما يخص قمامة المناطق الأغنى فى مستواها المادى، لافتًا إلى أنها تتميز بزيادة في كميات السلع الترفيهية، مثل الشوكولاتة والأيس كريم، والحلويات".
الخلاصة، كما يقول دفتر أحوال الزبالة، أنه لا توجد آثار سلبية لسياسات رفع الأسعار، وإسقاط الدعم عن السلع والخدمات الأساسية، ولا يوجد فقر أو فقراء، كما يردّد الأوغاد والعملاء في القنوات الإعلامية الحاقدة على مصر، التي لم تعرف الاستدانة أو تسوّل المنح والعطايا، مطلقاً، منذ جيئ بعبد الفتاح السيسي داخل جوال من الأرز ليحكمها.
منطق الإنكار، بمفرداته، تجده أيضاً كلما تطاول أحدٌ وتحدث عن فقر حقوق الإنسان، وجدب الحريات في مصر، إذ يظهر على الفور متحدث الخارجية المصرية، محاطاً بمجموعةٍ من النواب اللواءات، ليلقنوا المنظمات الدولية المنزعجة من اتساع رقعة الاعتقالات دروساً في الديمقراطية والحرية واحترام القانون.
خرجت ماجا كوسيجانسيك، المتحدثة الرسمية المختصة بقضايا دول الجوار الأوروبي والشرق الأوسط، تعبر عن تخوف الاتحاد الأوروبي من اعتقال نشطاء سياسيين وحقوقيين خلال الأسابيع الأخيرة، فانبرى لها متحدّث الخارجية المصرية، أحمد أبو زيد، بأن لدى مصر فائض من الحريات وحقوق الإنسان، لكنه، تواضعاً، لم يعرض على الاتحاد الأوروبي تصدير كمياتٍ من هذه الحريات، كما لم يعلن فتح باب اللجوء أمام مواطني أوروبا (البؤساء) للفرار من النظم العسكرية المستبدّة إلى مصر، جنة الديمقراطيات والحريات في العالم.
غير أن الرجل لم يفته أن يطمئن الشعوب المسحوقة في ألمانيا وفرنسا والسويد والدانمارك، وبالمرة بريطانيا، بأن قاهرات الجنرالات لا تنساهم، إذ قال في بيانه "لدى مصر  شواغلها إزاء جوانب متعددة من أوضاع حقوق الإنسان في الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الصعوبات الجمة والمعاملة المزرية التي يعاني منها الكثير من المهاجرين واللاجئين، وتجاوزات سلطات إنفاذ القانون، فضلاً عن تزايد أثر تصاعد الحركات والأحزاب اليمينية المتطرفة، وما يقترن بذلك من مظاهر العنصرية والتمييز والعنف وخطاب الكراهية".
شكراً أحمد أبو زيد..شكراً شحاتة المقدس، الآن يستطيع العالم أن ينام مطمئناً على العيش والحرية والكرامة الإنسانية.