‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات د. علي محمد الصلابي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات د. علي محمد الصلابي. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 25 يونيو 2026

في ظلال التربية والدعوة.. ملامح من سيرة الشيخ محمد فتحي رفاعي رحمه الله

 في ظلال التربية والدعوة.. ملامح من سيرة الشيخ محمد فتحي رفاعي رحمه الله

علي محمد الصلابي

حفظ القرآن الكريم وهو في سنٍّ مبكرة، ولم يكن حفظه مجرّد ألفاظ، بل كان مدخلاً لتكوينٍ إيمانيٍّ عميق، لازمَه طيلة حياته..

من نِعم الله تعالى على العبد أن ييسّر له في طريقه رجالاً يذكّرونه بالله إذا غفل، ويأخذون بيده إلى معالي الأمور إذا فتر، ويغرسون في قلبه معاني الصدق والإخلاص قبل أن يفيضوا عليه من العلم والمعرفة. وإنّ من أولئك الذين منّ الله بهم عليّ في مسيرتي، الشيخ المربّي محمد فتحي رفاعي ـ رحمه الله ـ؛ رجلٌ جمع بين صلابة العالم، ورقّة المربّي، وسعة الأفق في النظر إلى قضايا الأمة، فكان مجلسه موطناً للإيمان، ومدرسته فضاءً لصناعة الرجال.

صلة ومعايشة

عرفتُ الشيخ في المدينة المنورة، وكنت أتردّد عليه مع أخي الشيخ سالم الشيخي، والشيخ يوسف محمد المقصي، في لقاءٍ أسبوعيٍّ ثابت، نلتقي فيه على كتاب الله تلاوةً وتدبّراً، ثم نغترف من معين علمه لطائف في التربية، وإشارات في الفكر، وتعليقات على واقع الأمة وأحوالها.

وكان ـ رحمه الله ـ شديد العناية بتربية طلابه، لا يكتفي بتلقينهم، بل يُدخلهم في معترك الحياة، ويغرس فيهم معنى المسؤولية. وقد تجلّى ذلك في موقفٍ لا أنساه؛ حين وقف معي في تأثيث بيت الزوجية، فشارك بنفسه، هو وأسرته، في أدقّ التفاصيل، واختار الأثاث، وتابع التنفيذ، وكلّف الشيخ سالم بنقله، حتى تمّ الأمر، وكأنّه يعلّمنا أنّ الأخوّة الصادقة ليست كلماتٍ تُقال، بل مواقف تُبذل.

نشأته وبداياته

وُلد الشيخ محمد فتحي محمد رفاعي في مصر، ونشأ في بيتٍ يُعلي من شأن العلم، وكان لعمل والده في ميدان التعليم أثرٌ بالغ في توجيهه نحو طريق المعرفة منذ صغره.

حفظ القرآن الكريم وهو في سنٍّ مبكرة، ولم يكن حفظه مجرّد ألفاظ، بل كان مدخلاً لتكوينٍ إيمانيٍّ عميق، لازمَه طيلة حياته. ثم التحق بالمعاهد الأزهرية، حيث تشرّب علوم الشريعة واللغة، وتكوّنت لديه شخصية علمية تميل إلى الجمع بين الأصالة والمعاصرة.

مسيرته العلمية

تدرّج في طلب العلم حتى نال دبلوم معهد المعلمين، ثم عمل مدرّساً للغة العربية، قبل أن يحصل على ليسانس كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر عام 1959م، ثم شهادة العالمية في التدريس عام 1960م، وهي من أعلى الشهادات في ذلك الوقت.

ولم يقف عند هذا الحد، بل واصل مسيرته العلمية حتى نال درجة الدكتوراه من الأزهر، وكانت رسالته في موضوعٍ دقيق من تراثنا اللغوي: أصول النحو وعلله عند ابن جني، وهو اختيار يدلّ على عمق اهتمامه بالمنهج العلمي، وليس مجرد النقل أو التلقين.

أثره في التعليم والدعوة

امتدّ أثر الشيخ خارج حدود مصر، فعمل في الجزائر في مرحلةٍ كانت الأمة فيها أحوج ما تكون إلى من ينهض بالتعليم بعد الاستقلال، فأسهم في بناء جيلٍ يحمل هويته.

ثم انتقل إلى المدينة المنورة، حيث عمل في الجامعة الإسلامية، وكان له دورٌ في إعداد بعض المقررات الفكرية التي تجاوز أثرها حدود المكان، إذ تُرجمت إلى لغاتٍ عدّة.

كما عمل مستشاراً تعليمياً في رابطة العالم الإسلامي، فجمع بين الخبرة الأكاديمية والرؤية العالمية، وساهم في دعم مشاريع تعليمية ودعوية في عدد من البلدان.

اهتمامه بالفكر والإعلام

أدرك الشيخ مبكّراً خطورة المعركة الإعلامية، وأنّها لا تقلّ أثراً عن المعركة العسكرية أو السياسية، فدرس الإعلام، ونال درجة الماجستير في هذا المجال من المعهد العالي للدعوة التابع لـ جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وكانت دراسته حول الإعلام الصهيوني، وهو موضوع يكشف عن وعيٍ مبكّر بطبيعة التحديات التي تواجه الأمة.

حضوره في ميادين الأمة

لم يكن الشيخ من أولئك الذين يكتفون بالتنظير، بل كان حاضراً في ميادين الأمة، فزار أفغانستان في زمن الجهاد، وساهم في التعليم والإصلاح، وكان على صلةٍ ببعض رموز العمل الإسلامي، ومنهم عبد الله عزام.

كما زار الشيشان، ووقف مع المسلمين هناك، وشارك في دعمهم علمياً ودعوياً.

وكانت له رحلاتٌ دعوية إلى بلدانٍ متعدّدة، من قطر إلى كينيا وساحل العاج وروسيا، حيث ألّف كتاباً عن الإسلام طُبع هناك، مراعاةً لظروف النشر، وحرصاً على إيصال الحقّ بأيسر السبل.

سماته التربوية

كان ـ رحمه الله ـ صارماً في مواضع الحزم، رقيقاً في مواضع التربية، يأخذ نفسه وطلابه بالعزائم، ويرى أنّ بناء الإنسان لا يتمّ إلا بالمجاهدة والصبر.

ولم يكن اهتمامه منصبّاً على العلم وحده، بل كان يربط العلم بالعمل، ويؤكّد أنّ أعظم ما يقدّمه العالم للأمة هو أن يُخرج رجالاً يحملون همّها، ويعملون لنهضتها.

وفاته وأثره

توفي الشيخ محمد فتحي رفاعي ـ رحمه الله ـ في 9 يوليو 2012م، بعد حياةٍ حافلةٍ بالعطاء، وشيّعه أهله ومحبوّه في مصر.

وقد ترك أثراً لا يُقاس بعدد الكتب أو المناصب، بل يُقاس بالقلوب التي ربّاها، والعقول التي أنارها، والرجال الذين تخرّجوا على يديه.

كلمة خاصة

وإنّي إذ أكتب هذه الكلمات، لا أفي الرجل حقّه، ولكنّها شهادةُ محبٍّ وتلميذ، عرف من شيخه صدق التوجّه، ونبل المقصد، وعمق الفهم، فرأى أنّ أقلّ الوفاء أن يُعرّف به، وأن يُدعى له.

رحم الله الشيخ محمد فتحي رفاعي، وجزاه عن الإسلام وأهله خير الجزاء، وجعل ما قدّمه في ميزان حسناته، ورفع درجته في عليّين.


الاثنين، 11 مايو 2026

المنهج النبوي في الابتلاء والمحن.. الصبر طريق الثبات وصناعة النصر

 المنهج النبوي في الابتلاء والمحن.. الصبر طريق الثبات وصناعة النصر

علي محمَّد محمد الصلَّابي

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يردد على مسامع أصحابه آيات القرآن الكريم ليغرس في نفوسهم معانيه التي كان لها أثرٌ عظيم في شدِّ أزر المؤمنين والتَّخفيف عنهم، بضرب الأمثلة والقصص لهم من الأمم السَّابقة وأنبيائها.

إن ابتلاء العباد سُنة ثابتة ماضية من الله تعالى في جميع خلقه ليختبر صدقَ إيمانهم؛ قال تعالى: 

(الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) "العنكبوت: 1 : 3". 

وهذه السنة الظاهرة لا تقتصر على أناس دون غيرهم، فقد جرت على جميع البشر بما فيهم الأنبياء والرسل، وأولهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي خاطبه الله تعالى بقوله: (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ) " الأنعام: 34 ". 

فقد قضت إرادته سبحانه بأن تكون الدنيا دار امتحان واختبار، فهي كذلك منذ أنزل إليها آدم عليه السلام واستخلف ذريته فيها، قال الله تعالى: 

(الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) "الملك: 2"، أي ليختبرهم أيهم أصوب عملاً وأخلصه، ولينظر أي عباده أكثر طاعة لأوامره واجتناباً لنواهيه، وأكثر امتناعاً عن الشهوات المحرمة، وأيهم أكثر صبراً عند المصائب والشدائد.

فما ادعى أحدٌ الإيمان بالله تعالى ورسله إلا كان له نصيب من الابتلاء الذي يختبر إيمانه، وإن تباينت صور هذا الابتلاء ومراتبه، فالمؤمن يبتلى على قدر إيمانه، فعن مصعب بن سعد عن أبيه قال: "قلت يا رسول الله: أي الناس أشد بلاء؟، قال: الأنبياء، ثم الأمثل، فالأمثل، فيُبْتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلباً اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة، ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة ".

إن المنهج النبوي كان التجسيد الواقعي للمنهج القرآني في التعامل مع الابتلاء والمحن، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يردد على مسامع أصحابه آيات القرآن الكريم ليغرس في نفوسهم معانيه التي كان لها أثرٌ عظيم في شدِّ أزر المؤمنين والتَّخفيف عنهم، بضرب الأمثلة والقصص لهم من الأمم السَّابقة وأنبيائها، وكيف لاقوا مِنْ قومهم الأذى والعذاب؛ ليصبروا ويستخفُّوا بما يلاقون، وأيضاً بمدح بعض تصرُّفاتهم، ثمَّ بوعدهم بالثَّواب والنَّعيم المقيم في الجنَّة، وكذلك بالتَّنديد بأعدائهم الَّذين كانوا يذيقونهم الألم والأذى.

ورسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أكرم خلق الله على الله تعرض للابتلاء العظيم من المحن والأذى على قدر عظمة الرسالة التي يحملها والتي كلف بدعوة الناس إليها، وذلك ليكون أسوةً حسنة للمؤمنين من بعده في الصبر على البلاء والمصابرة على تكاليف الدعوة من العذاب النفسي والجسدي. فقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم من البلاء ما تضعف معه العزائم وتخور معه القوى، فكان صلى الله عليه يصبر ويحتسب ويتابع دعوته وجهاده دون كلل أو ملل. قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: " لقد أُخِفتُ في اللهِ وما يُخافُ أحَدٌ ولقد أُوذيتُ في اللهِ وما يُؤذَى أحدٌ ولقد أتَت علَيَّ ثلاثون مِن بينِ يومٍ وليلةٍ وما لي ولبِلالٍ طعامٌ يَأكُلُه ذو كَبِدٍ إلَّا شيءٌ يُواريه إبْطُ بلالٍ ".

لكن النبي صلى الله عليه وسلم كان خير قدوة لمن معه من الصحابة في الصبر والمجاهدة، فقد ربّى أصحابه على الصبر على البلاء وذلك بذكيرهم عظم الأجر والجزاء الذي أعده الله للصابرين من عباده، وأن نزول البلاء ليس مرتبطاً بالضرورة بمعاصي العبد، بل قد ينزل بالعبد كعلامة على حب الله تعالى له، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن عِظَمَ الجزاءِ مع عِظَمِ البلاءِ، وإن اللهَ إذا أَحَبَّ قومًا ابتلاهم ؛ فمن رَضِيَ فله الرِّضَى، ومن سَخِطَ فله السُّخْطُ "، وقال صلى الله عليه وسلم: " ما يُصيبُ المُسلِمَ، مِن نَصَبٍ ولا وَصَبٍ، ولا هَمٍّ ولا حُزْنٍ ولا أذًى ولا غَمٍّ، حتى الشَّوْكَةِ يُشاكُها، إلا كَفَّرَ اللهُ بِها مِن خَطاياهُ ".

كما كان رسول الله صلى لله عليه وسلم يبث الثقة والتفاؤل في قلوب الصحابة الكرام، وأن جهدهم لن يذهب سدى، وإنما هي تضحيات مطلوبة على طريق النصر والتمكين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لَيَبلُغَنَّ هذا الأمرُ ما بلَغَ اللَّيلُ، ولا يَترُكُ اللهُ بيتَ مَدَرٍ ولا وَبَرٍ إلَّا أدخَلَه اللهُ هذا الدِّينَ، بعِزِّ عزيزٍ، يُعَزُّ به الإسلامُ، وبذُلِّ ذليلٍ يُذَلُّ به الكُفرُ ". وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقص على أصحابه ما تعرض له المؤمنون قبله من الابتلاء والعذاب فما وهنوا لما أصابهم وما ضعفت عزيمتهم، فعن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: " شَكَوْنَا إِلَى رسولِ اللَّهِ ﷺ وَهُو مُتَوسِّدٌ بُردةً لَهُ في ظلِّ الْكَعْبةِ، فَقُلْنَا: أَلا تَسْتَنْصرُ لَنَا أَلا تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ: قَد كَانَ مَنْ قَبْلكُمْ يؤْخَذُ  الرَّجُلُ فيُحْفَرُ لَهُ في الأَرْضِ فيجْعلُ فِيهَا، ثمَّ يُؤْتِى بالْمِنْشارِ فَيُوضَعُ علَى رَأْسِهِ فيُجعلُ نصْفَيْن، ويُمْشطُ بِأَمْشاطِ الْحديدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعظْمِهِ، مَا يَصُدُّهُ ذلكَ عَنْ دِينِهِ، واللَّه ليتِمنَّ اللَّهُ هَذا الأَمْر حتَّى يسِير الرَّاكِبُ مِنْ صنْعاءَ إِلَى حَضْرمْوتَ لاَ يخافُ إِلاَّ اللهَ والذِّئْبَ عَلَى غنَمِهِ، ولكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ ".

بل إن النبي صلى الله عليه وسلم استحب الصبر على رفع البلاء في بعض المواقف، وحض المؤمنين على ذلك لما في الصبر على البلاء من الأجر العظيم الذي لا يكافئه إلا الجنة، كما جاء فيما رواه يحيى عن عمران أبي بكر قال: " حدثني عطاء بن أبي رباح قال: قالَ لي ابنُ عَبَّاسٍ أَلَا أُرِيكَ امْرَأَةً مِن أَهْلِ الجَنَّةِ؟ قُلتُ: بَلَى، قالَ: هذِه المَرْأَةُ السَّوْدَاءُ، أَتَتِ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، قالَتْ: إنِّي أُصْرَعُ وإنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لِي، قالَ: إنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الجَنَّةُ، وإنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ قالَتْ: أَصْبِرُ، قالَتْ: فإنِّي أَتَكَشَّفُ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ لا أَتَكَشَّفَ فَدَعَا لَهَا ".

إن المنهج النبوي كان التجسيد الواقعي للمنهج القرآني في التعامل مع الابتلاء والمحن، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يردد على مسامع أصحابه آيات القرآن الكريم ليغرس في نفوسهم معانيه التي كان لها  أثرٌ عظيم في شدِّ أزر المؤمنين والتَّخفيف عنهم، بضرب الأمثلة والقصص لهم من الأمم السَّابقة وأنبيائها، وكيف لاقوا مِنْ قومهم الأذى والعذاب؛ ليصبروا ويستخفُّوا بما يلاقون، وأيضاً بمدح بعض تصرُّفاتهم، ثمَّ بوعدهم بالثَّواب والنَّعيم المقيم في الجنَّة، وكذلك بالتَّنديد بأعدائهم الَّذين كانوا يذيقونهم الألم والأذى.

ومن تلك المعاني أن هذه الدنيا دار شقاء وابتلاء دائم، وليست دار هناء واستقرار، قال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ) " البقرة: 155 "، وأن الابتلاء فيه تمحيص وتنقية للصف المسلم من المنافقين، قال الله تعالى: (وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ) " العنكبوت: 3 "، وقال تعالى: " مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) " آل عمران: 179 ". وأن الثبات والصبر سبيل النصر، فالنصر الإلهي آت لا محالة، قال الله تعالى: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) "يوسف:110".

وإذا كان الإيذاء والابتلاء قد نال رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، فليس هناك أحد أكبر من الابتلاء والمحن، فتلك سنة الله مع الأنبياء والمؤمنين إلى يوم الدين، وعلى ذلك ربى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرعيل الأول، فينبغي على المسلم الثبات على دينه ودعوته، وأن يواجه الأذى والمحن والمصائب بالصبر الجميل الذي يريده الله من عبده، فلا يضعف أو يحيد عن طريق الله إذا ما عانى شيئاً من الأذى والابتلاء، فقد سبقه في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وجميع الأنبياء والصحابة الكرام.

الأحد، 3 مايو 2026

أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.. مكانتها العلمية وفضائلها

أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.. مكانتها العلمية وفضائلها
علي محمد الصلابي
الكاتب: 
اسمها الذي عرفت به عائشة ولقبها الصديقة كانت تخاطب بأم المؤمنين وتكنى بأم عبد الله 
  • مقام رفيع وفضل عظيم وعلم راسخ وأثر خالد

حبيبة رسول الله وزوجته، وبنت خليفته أبي بكر الصديق (رضي الله عنه)، أم المؤمنين، أفقه نساء الأمة، العالمة الفصيحة، العين الراصدة ليوميات صاحب الدعوة ، والأذن الواعية للعلم النبوي، التلميذة النجيبة الأولى في مدرسة النبوة، يعينها على ذلك استعداد فطري لسرعة الحفظ وحسن الفهم وجودة التعبير عن نفسها؛ مما أهلها بجدارة لأن تعيش حياة حافلة بالنشاط العلمي، والعمل لخدمة الدين والأمة، فخلفت لأبنائها المسلمين تركة غنية من مناهج النظر في مصادر التشريع وصياغة الفتوى، والتعامل المتزن مع النصوص.

اجتمع في عائشة (رضي الله عنها) أكرم الصفات الحسان، وكان من أبرز الصفات التي اتصفت بها، الصدق والذكاء، فقد ورثت من أبيها هاتين الصفتين النادرتين، فكانت متحررة في نقد الحديث، وحريصة على نقله على الوجه الذي جاء به

اسمها ونسبها وكنيتها

كان اسمها الذي عرفت به عائشة، ولقبها الصديقة، كانت تخاطب بأم المؤمنين وتكنى بأم عبد الله، وأحيانا تلقب بالحميراء، والمبرأة، والطيبة، وحبيبة النبي ، بنت أبي بكر الصديق، عثمان بن أبي قحافة بن عامر بن عمر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن فهر بن مالك، ويلتقي نسبها مع نسب رسول الله في الجد السابع ومن قبل الأم في الجد الحادي عشر أو الثاني عشر.

مناقبها وفضائلها

صفاتها الخلقية: لقد اجتمع في عائشة (رضي الله عنها) أكرم الصفات الحسان، وكان من أبرز الصفات التي اتصفت بها، الصدق والذكاء، فقد ورثت من أبيها هاتين الصفتين النادرتين، فكانت متحررة في نقد الحديث، وحريصة على نقله على الوجه الذي جاء به، من غير تبديل ولا تنقيص، ومع ذلك فقد كانت متوقدة الذكاء، حاضرة الذهن، عذبة الحديث، على جانب عظيم من الحكمة والفكاهة.

بالإضافة إلى أنها أوتيت مقدرة كبيرة على الفهم الفقهي والاستنباط الشرعي، والزهد والورع؛ فقد عاشت معيشة الكفاف، وذاقت ضيق الحياة، يلامسها الرضا والسعادة، وجادت ببذل من لا يخشى الفقر، وأكرمت كرم صاحبة ملك وجاه، فكانت تنفق على الفقراء، والمساكين، وترعى الأرامل واليتامى، وإلى جانب ذلك، فقد كانت ذات عزة وإيثار على النفس، وجود وسخاء، وإكرام الضيف، وكانت بهية الطلعة، وضاءة الجبين، زاهية الشباب، تقية ورعة عابدة متواضعة، تبجل الصحابة، وتحفظ لهم قدرهم، وكانت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.

كانت (رضي الله عنها) شديدة الحياء، ومن دلائل ذلك ما ذكرته عن نفسها: قالت: (كنت أدخل بيتي الذي دفن فيه رسول الله وأبي، وأقول إنما هو زوجي وأبي، فلما دفن عمر معهم، فوالله ما دخلته، إلا وأنا مشدودة على ثيابي حياء من عمر)

رقة قلبها

وكانت (رضي الله عنها) رقيقة القلب، خاشعة قانتة، لا ترى لنفسها فضلا، ولا تتكئ على قربها لرسول الله، وقد علم عنها هذا السمت الخاشع كأبيها (رضي الله عنهما)، وتوافرت الآثار الدالة على ذلك الخشوع القانت، حالا ومقالا، فمما يؤثر عنها قولها: (يا ليتني كنت ورقة من هذه الشجرة).

حياؤها

كما أنها كانت (رضي الله عنها) شديدة الحياء، ومن دلائل ذلك ما ذكرته عن نفسها: قالت: (كنت أدخل بيتي الذي دفن فيه رسول الله ﷺ وأبي، وأقول إنما هو زوجي وأبي، فلما دفن عمر معهم، فوالله ما دخلته، إلا وأنا مشدودة على ثيابي حياء من عمر).

جهادها وشجاعتها

كانت عائشة (رضي الله عنها) من ذوات الشجاعة النادرة، تمشي إلى البقيع في الليل، دون أن يصدها خوف أو تردد، وتنزل في ساحات المعارك، وتشارك المسلمين جهادهم ضد المشركين، وتقوم على خدمتهم، وفي غزوة الخندق تقول (رضي الله عنها): (خرجت يوم الخندق أقفوا آثار الناس، فسمعت وئيد الأرض ورائي).

اتبعت (رضي الله عنها) منهجا علميا واضح المعالم، ومن صوره توثيق المسائل بما ورد في الكتاب والسنة، وكانت تتورع عن الكلام بغير علم، وتعتمد على الجمع بين الأدلة وفهم مقاصد الشريعة وعلوم اللغة العربية

مكانتها العلمية

تبوأت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها مكانة علمية رفيعة، جعلتها عالمة من علماء عصرها والمرجع العلمي الأصيل الذي يرجعون إليه فيما يغمض عليهم، أو يستشكل أمامهم من مسائل في القرآن والحديث والفقه، فيجدون الجواب الشافي لجميع تساؤلاتهم واستفساراتهم.

يقول عنها أبو موسى الأشعري واصفا علمها رضي الله عنها: (ما أشكل علينا حديث قط، فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علما). والذهبي رحمه الله قال: (لا أعلم في أمة محمد بل ولا في النساء مطلقا، امرأة أعلم منها).

وثمة عوامل مكنت السيدة أن تتبوأ هذه المكانة العلمية الرفيعة، أهمها، حدة ذكائها وقوة ذاكرتها وحفظها، وزواجها من النبي في سن مبكرة، وحياتها في كنفه ورعايته لها، بإرشادها وتعليمها، وأيضا كثرة ما نزل من الوحي في حجرتها حتى سميت مهبط الوحي، وكذلك لسانها السؤول فقلما تسمع شيئا تستشكله، أو ترى أمرا لا تعرفه، إلا وتسأل مستفسرة عنه.

فكم أفادت الأمة من أسئلتها للنبي ومراجعاتها واستفصالها في بعض الأمور الشرعية، وهذه الميزة جعلت السيدة تنفرد برواية الكثير الطيب من الأحاديث النبوية التي لم يسمعها غيرها منه عليه الصلاة والسلام، واتبعت (رضي الله عنها) منهجا علميا واضح المعالم، ومن صوره توثيق المسائل بما ورد في الكتاب والسنة، وكانت تتورع عن الكلام بغير علم، وتعتمد على الجمع بين الأدلة وفهم مقاصد الشريعة وعلوم اللغة العربية، فاجتمع لها من حفظ الآثار حسن التفقه فيها والاجتهاد.

وهي تعرف بأدب الخلاف، كيف لا وقد تعلمت على يدي نبي هذه الأمة ومعلمها ، وقد  تميزت بأسلوب علمي متين في التعليم، فكانت تتأنى في الكلام حتى يسهل استيعابه، وتنكر على من يسرع في كلامه، ولا تكتفي بالتعليم النظري، بل كانت أحيانا تلجأ للتعليم العملي، ببيان كيفية الوضوء والغسل، ولم يمنعها حياؤها من تعليم الناس أمور دينهم، حتى في أخص شؤونهم، وكان لها الحظ الأوفر من تلقي العقيدة من منبعها الصافي، أضف إلى ذلك أنها تربت في بيت مسلم، ولم يخالط عقيدتها شيء من الشرك أو ضلالات الجاهلية.

قامت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بدور كبير في رواية السنة النبوية وفي توثيقها، وتعتبر رائدة في هذا المجال، لقربها من النبي فقد كانت زوجة شديدة اللصوق به، تسمع منه مالا يسمعه غيرها، وترى من أحواله ما لا يراه غيرها

علمها بالقرآن وعلومه

أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من كبار مفسري عصرها، ساعدها على ذلك سماعها للقرآن الكريم منذ نعومة أظافرها، وزواجها وعيشها في كنف رسول الله جعلها تظفر بحضور نزول الكثير من القرآن الكريم، إذ عاشت تسع سنوات في مهبط الوحي، ولم يكن يتنزل الوحي على رسول الله وهو في لحاف امرأة من نسائه غيرها، ولم تكن رضي الله عنها تكتفي بمجرد الحفظ، وإنما كانت إذا غمض عليها شيء لا تتردد في طرحه على الرسول لتتعرف على معاني الآيات القرآنية ومراد الله عز وجل بها، وهذا ما جعلها على معرفة تامة بالقرآن الكريم، بأسباب نزوله وموضوعاته وقضاياه، وكان نزول بعض الآيات بسببها، وكانت تفسره وتجتهد.

علمها بالسنة النبوية

قامت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بدور كبير في رواية السنة النبوية وفي توثيقها، وتعتبر رائدة في هذا المجال، لقربها من النبي فقد كانت زوجة شديدة اللصوق به، تسمع منه مالا يسمعه غيرها، وترى من أحواله ما لا يراه غيرها، وتفهم عنه، وتسأله عما يغمض عليها، ولذلك جاءت روايتها للسنة النبوية المطهرة متميزة، لإتيانها على السماع والقرب من رسول الله، ونشأتها وترعرعها في بيت النبوة وتحت توجيهه ﷺ.

قد بلغت مرويات عائشة رضي الله عنها عن رسول الله 2210 أحاديث، منها 174 حديثا متفقا عليها عن الشيخين، وانفرد البخاري بـ54 حديثا، ومسلم بـ 69 حديثا، والباقي في الصحاح، والسنن والمعاجم والمسانيد، وقد عدها ابن حزم في المرتبة الرابعة بين الصحابة المكثرين للرواية. قال ابن كثير رحمه الله وهو يتحدث عن عائشة رضي الله عنها: ( ولم ترو امرأة ولا رجل غير أبي هريرة عن رسول الله من الأحاديث بقدر روايتها رضي الله عنها).

حضرتها الوفاة في ليلة الثلاثاء 17 رمضان 57 هـ وقيل 58 هـ وقيل 59 هـ، وصلى عليها أبو هريرة بعد صلاة الوتر

علمها بالفقه والفتوى

تعد (رضي الله عنها) بحق أفقه نساء الأمة وأعلمهن، بل من أفقه وأعلم الصحابة، قال عطاء رحمه الله: (كانت عائشة أفقه الناس، وأعلم الناس، وأحسن الناس رأيا في العامة)، ومما يؤكد علمها بشأن الفتوى والفقه أن أكابر الصحابة كان إذا أشكل عليهم الأمر في الدين استفتوها، فيجدون علمه عندها، قال مسروق رحمه الله: (لقد رأيت الأكابر من أصحاب رسول الله يسألونها عن الفرائض)، ولم تقف (رضي الله عنها) عند رواية النصوص وفقهها والإفتاء بها، بل كانت (رضي الله عنها) صاحبة ملكة فقهية تستطيع من خلالها استنباط الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة، وعندها العلم بأسرار الشريعة، والحكم والمصالح، ولم تكن تقف عند ظواهر النصوص.

علمها الواسع بالعلوم المختلفة

كانت عائشة (رضي الله عنها)  على قدر كبير من المعرفة بالتاريخ وأيام العرب وسيرة الرسول  وقد عاصرت الخلفاء الأربعة، وقد جاءت عنها روايات تعرف فيها بأحوال أهل الجاهلية، وعاداتهم وأخبارهم الاجتماعية، وطقوسهم وعبادتهم وحروبهم، أضف إلى ذلك أنها كانت على درجة عالية من الفصاحة والبلاغة، ومعرفة الشعر، فعن موسى بن طلحة قال: (ما رأيت أحدا أفصح من عائشة)، ومن فصاحتها وبلاغتها أنها إذا استثيرت يعلو كلامها ويفخم، كأنما تصدر به عن ثقافتها الأصلية وعلومها الوفيرة، كما أنها كانت حافظة للشعر، وتقبل الشعر الحسن وترويه، وكان رسول الله يسر لسماعه منها، ويستزيدها منه، وملكة الشعر عندها وراثية، فأبوها كان يحفظ الشعر ويصحح أوزانه، وكانت توصي الناس أن يعلموا أولادهم الشعر، لتعذب ألسنتهم، وما كان ينزل بها أمر إلا أنشدت فيه شعرا.

وفاتها

حضرتها الوفاة في ليلة الثلاثاء 17 رمضان 57 هـ وقيل 58 هـ وقيل 59 هـ، وصلى عليها أبو هريرة بعد صلاة الوتر، ونزل في قبرها عبد الله وعروة ابنا الزبير بن العوام من أختها أسماء بنت أبي بكر والقاسم وعبد الله ابني محمد بن أبي بكر، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، ودفنت في البقيع.

الأربعاء، 29 أبريل 2026

من حلم عبد الحميد إلى مشروع إقليمي جديد.. هل تعود سكّة حديد الحجاز للحياة؟

 من حلم عبد الحميد إلى مشروع إقليمي جديد.. هل تعود سكّة حديد الحجاز للحياة؟



علي محمَّد محمد الصلَّابي
إن إعادة إحياء سكّة حديد الحجاز برؤيةٍ عصريةٍ هو دلالة تاريخية عميقة 
على أن الجغرافيا لا تموت، وأن الطرق الكبرى تعود حين تنضج شروطها.

عمل السُّلطان عبد الحميد على كسب الشُّعوب الإِسلاميَّة عن طريق الاهتمام بكلِّ مؤسَّساتها الدِّينيَّة والعلميَّة، والتَّبرُّع لها بالأموال، والمنح، ورصد المبالغ الطَّائلة لإِصلاح الحرمين، وترميم المساجد، وزخرفتها، وأخذ السُّلطان يستميل إِليه مسلمي العرب بكلِّ الوسائل، فكوَّن له من العرب حرساً خاصّاً، وعيَّن بعض الموالين له منهم في وظائف كبرى منهم (عزَّت باشا العابد) ـ من أهل الشَّام ـ الَّذي نجح في أن ينال أكبر حظوةٍ عند السُّلطان عبد الحميد، وأصبح مستشاره في الشُّؤون العربيَّة، وقد لعب دوراً هامّاً في مشروع سكَّة حديد الحجاز الممتدَّة من دمشق إِلى المدينة المنوَّرة، وهو بهذا المشروع الَّذي اعتبره السُّلطان عبد الحميد وسيلةً من الوسائل الَّتي أدَّت لإِعلاء شأن الخلافة، ونشر فكرة الجامعة الإِسلاميَّة.


وفي المرحلة الراهنة، تعود "سكّة حديد الحجاز" اليوم إلى الواجهة لا بوصفها مشروعاً هندسياً عابراً، بل باعتبارها ذاكرةً تاريخيةً كبرى تتجدد في لحظة إقليمية فارقة. فالأخبار المفرحة عن مشروع ربط السعودية بتركيا مروراً بالأردن وسوريا يفتح الباب أمام قراءةٍ أعمق لهذا المشروع. فهو أشبه بحلم تاريخي قد يصبح واقعاً في الفترة المقبلة، وخاصة في ظل أزمات سلاسل الإمداد العالمية والتحولات الجيوسياسية في المنطقة.

إننا أمام إحياءٍ معاصر لفكرةٍ قديمة حملها السلطان عبد الحميد الثاني حين جعل من سكّة حديد الحجاز مشروعاً للوحدة، وتسهيل الحج، وربط أطراف العالم الإسلامي، وتعزيز التواصل السياسي والاقتصادي بين الشام والحجاز والأناضول. وقد بيّن الدكتور علي محمد الصلابي أن هذا المشروع لم يكن مجرد وسيلة نقل، وإنما غدا أداة استراتيجية لتعزيز الوحدة والربط بين الأقاليم، وتقوية الحضور السياسي للدولة.

إننا أمام إحياءٍ معاصر لفكرةٍ قديمة حملها السلطان عبد الحميد الثاني حين جعل من سكّة حديد الحجاز مشروعاً للوحدة، وتسهيل الحج، وربط أطراف العالم الإسلامي، وتعزيز التواصل السياسي والاقتصادي بين الشام والحجاز والأناضول. وقد بيّن الدكتور علي محمد الصلابي أن هذا المشروع لم يكن مجرد وسيلة نقل، وإنما غدا أداة استراتيجية لتعزيز الوحدة والربط بين الأقاليم، وتقوية الحضور السياسي للدولة.

أغراض مشروع سكة حديد الحجاز

أبدى السُّلطان عبد الحميد اهتماماً بالغاً بإِنشاء الخطوط الحديديَّة في مختلف أنحاء الدَّولة العثمانيَّة مستهدفاً من ورائها تحقيق ثلاثة أغراضٍ، وهي:

1 ـ ربط أجزاء الدَّولة المتباعدة، ممَّا ساعد على نجاح فكرة الوحدة العثمانيَّة، والجامعة الإِسلاميَّة، والسَّيطرة الكاملة على الولايات الَّتي تتطلَّب تقوية قبضة الدَّولة عليها.

2 ـ إِجبار تلك الولايات على الاندماج في الدَّولة، والخضوع للقوانين العسكريَّة؛ الَّتي تنصُّ على وجوب الاشتراك في الدِّفاع عن الخلافة بتقديم المال، والرِّجال.

3 ـ تسهيل مهمَّة الدِّفاع عن الدَّولة في أيَّة جبهةٍ من الجبهات الَّتي تتعرَّض للعدوان؛ لأنَّ مدَّ الخطوط الحديديَّة ساعد على سرعة توزيع القوَّات العثمانيَّة، وإِيصالها إِلى الجبهات (بني المرجة، ص 113).

بداية المشروع

وكانت سكك حديد الحجاز من أهمِّ الخطوط الحديديَّة الَّتي أنشئت في عهد السُّلطان عبد الحميد، ففي سنة 1900م بدأ بتشييد خطٍّ حديديٍّ من دمشق إِلى المدينة للاستعاضة به عن طريق القوافل الَّذي كان يستغرق من المسافرين حوالي أربعين يوماً، وطريق البحر الَّذي يستغرق حوالي اثني عشر يوماً من ساحل الشَّام إِلى الحجاز، وكان يستغرق من المسافرين أربعة، أو خمسة أيَّامٍ على الأكثر، ولم يكن الغرض من إِنشاء هذا الخطِّ مجرَّد خدمة حجَّاج بيت الله الحرام، وتسهيل وصولهم إِلى مكَّة، والمدينة، وإِنَّما كان السُّلطان عبد الحميد يرمي من ورائه أيضاً إِلى أهدافٍ سياسيَّةٍ، وعسكريَّةٍ، فمن النَّاحية السِّياسيَّة خلق المشروع في أنحاء العالم الإِسلامي حماسةً دينيَّةً كبيرةً؛ إِذ نشر السُّلطان على المسلمين في جميع أنحاء الأرض بياناً يناشدهم فيه المساهمة بالتَّبرُّع لإِنشاء هذا الخطِّ (بني المرجة، ص 113)، وقد افتتح السُّلطان عبد الحميد قائمة التَّبرُّعات بمبلغ (خمسين ألفاً ذهباً عثمانيّاً من جيبه الخاصِّ) وتقرَّر دفع (مئة ألفٍ) ذهباً عثمانيّاً من صندوق المنافع، وأُسِّست الجمعيَّات الخيريَّة، وتسابق المسلمون من كلِّ جهةٍ للإِعانة على إِنشائها بالأنفس، والأموال (حرب، ص 222).

وتبرَّع للمشروع الشَّخصيَّات الهامَّة في الدَّولة، مثل الصَّدر الأعظم ووزير الحربيَّة (حسين باشا) ووزير التِّجارة، والأشغال (ذهني باشا)، ورئيس لجنة المشروعات (عزَّت باشا).

وتبارى موظَّفو الشَّركات في التَّبرُّع، مثل موظَّفي شركة البواخر العثمانيَّة. وكذلك موظَّفو الدَّولة العموميُّون، والولايات، مثل ولاية بيروت، ودمشق، وحلب، وبورصة، وغيرها.

وشارك القصر الحاكم في مصر في حملة التَّبرُّعات، وشُكِّلت في مصر لجنة الدِّعاية للمشروع، وجمع التَّبرُّعات له برئاسة (أحمد باشا المنشاوي). كما شاركت الصَّحافة المصريَّة في حملة سكَّة حديد الحجاز بحماسٍ، ومثال على ذلك جريدة المؤيَّد. وجمعت جريدة (اللِّواء) المصريَّة تبرُّعاتٍ للمشروع بلغت ـ حتَّى عام 1904م ـ ثلاثة آلاف ليرة عثمانيَّة. وكان يرأسها مصطفى كامل باشا، كما جمع (علي كامل) مبلغ (2000) ليرة عثمانيَّة للمشروع حتَّى عام 1901م.

وأسهم في هذه الحملة، جريدة (المنار) وجريدة (الرَّائد المصري) وشُكِّلت لجان تبرُّع للمشروع في كلٍّ من القاهرة، والإِسكندريَّة، وغيرهما من مدن مصر.

وكان مسلمو الهند أكثر مسلمي العالم حماساً، وعاطفةً، وتبرُّعاً للمشروع. وقد تبرَّع أمير حيدر أباد بالهند بإنشاء محطَّة المدينة المنوَّرة في المشروع، كما تبرَّع شاه إِيران بمبلغ (50000) ليرة عثمانيَّة.

ورغم احتياج المشروع لبعض الفنِّيِّين الأجانب في إِقامة الجسور، والأنفاق، فإِنَّهم لم يُستخدموا إِلا إِذا اشتدَّت الحاجةُ إِليهم، مع العلم بأنَّ الأجانب لم يشتركوا إِطلاقاً في المشروع، ابتداءً من محطَّة الأخضر ـ على بعد 760 كيلو متراً جنوب دمشق ـ وحتَّى نهاية المشروع. ذلك لأنَّ لجنة المشروع استغنت عنهم، واستبدلتهم بفنِّيِّين مصريِّين.

وبلغ عدد العمَّال غير المهرة عام 1907م (7500) عامل. وبلغ إِجمالي تكاليف المشروع (4283000) ليرة عثمانيَّة. وتمَّ إِنشاء المشروع في زمنٍ وتكاليف أقلَّ ممَّا لو تعمله الشَّركات الأجنبيَّة في أراضي الدَّولة العثمانيَّة (حرب، ص 222). وفي أغسطس سنة 1908م وصل الخطُّ الحديديُّ إِلى المدينة المنوَّرة، وكان مفروضاً أن يتمَّ مدُّه بعد ذلك إِلى مكَّة، لكن حدث أن توقَّف العمل فيه لأنَّ شريف مكَّة ـ وهو الحسين بن علي ـ خشي على سلطانه في الحجاز من بطش الدَّولة العثمانيَّة، فنهض لعرقلةِ مدِّ المشروع إِلى مكَّة، وكانت مقرَّ إِمارته، وقوَّته. فبقيت نهاية الخطِّ عند المدينة المنوَّرة، حتَّى إِذا قامت الحرب الكبرى الأولى عمل الإِنكليز بالتَّحالف مع القوَّات العربيَّة الَّتي انضمَّت إِليهم بقيادة فيصل بن الحسين بن عليٍّ على تخريب سكَّة حديد الحجاز، ولا تزال هذه السِّكَّة معطَّلةً حتَّى اليوم، والمأمول أن تبذل الجهود لإِصلاحها حتَّى تعود إِلى العمل في تيسير سفر حجَّاج بيت الله الحرام.

ـ قيمة المشروع الاستراتيجية

وصف السَّفير البريطانيُّ في القسطنطينيَّة في تقريره السَّنوي لعام 1907م أهمِّيَّة الخطِّ الحجازي، فقال: (إِنَّ بين حوادث السَّنوات العشر الأخيرة عناصر بارزةً في الموقف السِّياسيِّ العامِّ، أهمُّها خطَّة السَّلطان الماهرة الَّتي استطاع أن يظهر بها أمام ثلاثمئة مليون من المسلمين في ثوب الخليفة الَّذي هو الرَّئيس الرُّوحي للمسلمين، وأن يقيم لهم البرهان على قوَّة شعوره الدِّينيِّ، وغيرته الدِّينيَّة ببناء سكَّة حديد الحجاز؛ الَّتي ستمهِّد الطَّريق في القريب العاجل أمام كلِّ مسلمٍ للقيام بفريضة الحجِّ إِلى الأماكن المقدَّسة في مكَّة، والمدينة). فلا غرو إِذا ما لمسنا حنق الإِنكليز على ذلك الخطِّ الحديديِّ، وافتعالهم الأزمات لإِعاقته، وانتهازهم أوَّل فرصةٍ لتعطيله، ونسفه؛ لقطع الطَّريق على القوَّات العثمانيَّة (بني المرجة، ص 114).

وكان أوَّل قطار قد وصل إِلى محطَّة سكَّة الحديد في المدينة المنوَّرة من دمشق الشَّام يوم 22 آب (أغسطس) 1908م، وكان بمثابة تحقيق حلم من الأحلام بالنِّسبة لمئات الملايين من المسلمين في أنحاء العالم كافَّةً، فقد اختصر القطار في رحلته الَّتي استغرقت ثلاثة أيَّام، وقطع فيها 814 ميلاً مشقَّات رحلةٍ كانت تستغرق في السَّابق أكثر من خمسة أسابيع، كما خفقت في ذلك اليوم التَّاريخي قلوب أولئك الَّذين كانوا مشتاقين إِلى القيام بأداء فريضة الحجِّ المقدَّسة (بني المرجة، ص 114).

كان أوَّل قطار قد وصل إِلى محطَّة سكَّة الحديد في المدينة المنوَّرة من دمشق الشَّام يوم 22 آب (أغسطس) 1908م، وكان بمثابة تحقيق حلم من الأحلام بالنِّسبة لمئات الملايين من المسلمين في أنحاء العالم كافَّةً،

كانت سياسة عبد الحميد الإِسلاميَّة محصَّنةً، فأراد أن يجمع قلوب المسلمين حواليه باعتباره خليفة المسلمين جميعاً، فكان مدُّ خطِّ السِّكَّة الحديدي بين الشَّام، والحجاز من الوسائل الجميلة في تحقيق هدفه المنشود (بني المرجة، ص 114).

كان كرومر المعتمد البريطانيُّ في مصر (1301 ـ 1325هـ ـ 1883 - 1907 م) من أوائل من ألَّب أوربَّة على الجامعة الإِسلاميَّة، وحرص على أن يتحدَّث في تقاريره السَّنويَّة عن الجامعة الإِسلاميَّة ببغضٍ شديدٍ، وفي الوقت نفسه نشرت جريدة الأهرام (المصريَّة) تصريحاتٍ مثيرةً لوزير فرنسيٍّ هو (هانوتو) هاجم فيها الجامعة الإِسلاميَّة. وكانت مهاجمة الجامعة الإِسلاميَّة تُستتبع بالتَّالي بمهاجمة الدَّولة العثمانيَّة؛ حتَّى تتفرَّق الوحدة الَّتي تجمع من حولها الدُّول الإِسلاميَّة لتواجه النُّفوذ الاستعماريَّ الزَّاحف الَّذي قد رسم مخطَّطه على أساس التهام هذه الوحدات، والحيلولة دون التقائها مرَّةً أخرى في أيِّ نوعٍ من الوحدة؛ ليستديم سيطرته عليها؛ فاتَّخذوا لذلك عدَّة أعمالٍ أساسيَّةٍ:

1 ـ تعميق الدَّعوات الإِقليميَّة، والخاصَّة بالوطنيَّة، والأرض، والأمَّة، والعرق.

2 ـ خلق جوٍّ فكريٍّ عامٍّ لمحاربة الوحدة الإِسلاميَّة، وتصفيتها.

وكلُّ هذا مقدِّمةٌ لإِلغاء الخلافة العثمانيَّة نهائيّاً، وبالتَّعاون مع الصَّهيونيَّة العالميَّة ويهود الدُّونمة، وأذنابهم من جمعيَّات تركيَّا الفتاة، والاتِّحاد والتَّرقِّي (المصري، 1/101).

إن إعادة إحياء سكّة حديد الحجاز برؤيةٍ عصريةٍ هو دلالة تاريخية عميقة على أن الجغرافيا لا تموت، وأن الطرق الكبرى تعود حين تنضج شروطها. ولقد أراد السلطان عبد الحميد من هذا المشروع أن يكون جسراً للوحدة والتكامل بين أطراف العالم الإسلامي، وأن يخدم الدين والدولة معاً في آنٍ واحد. واليوم، ومع تصاعد الأزمات في الممرات البحرية الدولية، وإغلاق بعض الطرق الحيوية، يعود هذا المشروع ليطرح نفسه كبديلٍ استراتيجيٍّ يعيد رسم خريطة النقل والتجارة في المنطقة، ويمنح دوله فرصةً جديدة لبناء تكاملٍ اقتصاديٍّ يتجاوز حدود السياسة التقليدية. وبين عهد السلطان عبد الحميد والمرحلة الراهنة، لا يبدو مشروع سكّة حديد الحجاز استعادةٍ لرؤية حضارية تاريخية فقط، وإنما هو امتدادٌ حيٌّ لفكرةٍ لم تمت، بل تأجّلت حتى تجد زمانها المناسب.

المصادر والمراجع:

1 ـ  بني المرجة، موفق. صحوة الرَّجل المريض، دار البيارق، الطَّبعة الثَّامنة، 1417هـ ـ 1996م.
2 ـ حرب، محمد. السُّلطان عبد الحميد الثَّاني، دار القلم دمشق، الطَّبعة الأولى، 1410هـ ـ 1990م.
3 ـ المصري، جميل عبدالله محمد. حاضر العالم الإِسلامي، جامعة المدينة المنوَّرة.
4 ـ الصلابي، علي محمد. السلطان عبد الحميد الثاني وفكرة الجامعة الإسلامية، ط1، 2024.

الجمعة، 17 أبريل 2026

شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان

 شهادة التاريخ والمؤرخين على فطرة التوحيد عند الإنسان

بقلم: د. علي محمد الصلابي

إنَّ الأصل في الإنسان التوحيد وهو أول ديانة عرفتها البشرية، ثم بدأ الإنسان بالانحراف فتدرج أمره حتى وقع في الشرك، وذلك هو الحق الذي لا ريب فيه، ثم إنَّ هذا القول الموافق للقرآن والسنة والفطرة والعقل الصريح الموافق للنقل الصحيح قد اهتدى إليه بعض علماء الآثار والباحثون في الأديان، من الغربيين وغيرهم نذكر هنا نماذج من أقوالهم:

1. يقول الباحث (أدميسون هيوبيل) المختص في دراسة الملل البدائية: لقد مضى ذلك العهد الذي كان يتهم الرجل القديم بأنه غير قادر على التفكير فيما يتعلق بالذات المقدس، أو في الله العظيم، ولقد أخطأ (تايلور) حيث جعل التفكير الديني الموحِّد نتيجة للتقدم الحضاري، والسمو المعرفي، وجعل ذلك نتيجة لتطور بدأ من عبادة الأرواح والأشباح، ثم التعدد، ثم أخيراً العثور على فكرة التوحيد (زكريا، ص 1/199).

2. ويقول الباحث (أندريلانج) من علماء القرن الماضي: إنَّ الناس في استراليا وأفريقيا والهند لم ينشأ اعتقادهم في الله العظيم على أساس من الاعتقاد المسيحي، وقد أكد هذا الرأي العالم الاسترالي (وليم سميث) حيث ذكر في كتابه (أسس فكرة التوحيد) مجموعة من البراهين والأدلة جمعها من عدة مناطق واتجاهات تؤكد أنَّ أول عبادة مارسها الإنسان كانت تجاه الله الواحد العظيم (زكريا، 1/199).

3. يقول الدكتور (حاج أورانج كاي) من علماء الملايو في إندونيسيا: عندنا في بلاد "أرحبيل" الملايو دليل أكيد على أنَّ أهل ديارنا هذه كانوا يعبدون الله الواحد، وذلك قبل أن يدخل الإسلام إلى هذه الديار، وقبل أن تدخل النصرانية، وفي عقيدة جزيرة "كلمنتان" بإندونيسيا لوثة من الهندوسية، ورائحة من الإسلام، مع أنَّ التوحيد كعبادة لأهل هذه الديار كان هو الأصل قبل وصول الهندوسية أو الإسلام إليها، وإذا رجعنا إلى اللغة الدارجة لأهل هذه الديار قبل استخدام اللغة السنسكريتية أو قبل الهجرة الهندوسية أو دخول الإسلام تأكدنا من التصوُّر الاعتقادي لأجدادنا- حسب النطق والتعبيرات الموروثة- هو: أنَّ الله في عقيدتهم واحد لا شريك له (زكريا، 1/200) (ابن دانو، ص 28-30).

إنَّ هؤلاء العلماء وغيرهم من أمثال: لانج، وفريزر شميدث، وبتاتزولي، وفوكارت، قد توصلوا من خلال أبحاثهم التي قاموا بها إلى أنَّ الأصل هو التوحيد وليس الشرك، وسموا نظريتهم: (نظرية فطرية التوحيد وأصالته(، وقد انتصر لهذه النظرية، فريق كبير من العلماء وأيدوها بما توصلوا إليه من اكتشافات وحفريات قديمة تدل على أنَّ هناك أمم عريقة لم تكن تعرف تعدد الآلهة، وكانت تؤمن بالإله الواحد، وبنوا عليه أنَّ عقيدة الوحدانية هي أقدم ديانة عرفها البشر، وأنَّ التعدد والوثنية طارئة ومتطفلة على عقيدة التوحيد (زكريا، 1/196).

إنَّ الأصل في الإنسان التوحيد، وهذا يدحض افتراءات القائلين، بأن التديُّن من صنع الإنسان، وأول العبادة عند الإنسان كانت الآلهة المتعددة، ثم ترقَّت إلى عبادة إلهين، كإله النور وإله الظلام، وإله الخير وإله الشر، ثم ترقى إلى عبادة إله واحد (أبو فارس، ص 28).

وإنَّ التوحيد هو الأصل ومغروس في الفِطَر، وأيقنت به العقول الرشيدة، وأثبتته التجارب التاريخية الصادقة التي كان زعماؤها سادة البشر من الأنبياء والمرسلين، فالإنسانية -إذن- بدأت بالتوحيد ثم انتهت شيئاً فشيئاً إلى الشرك والتعدُّد، وهذه هي الحقيقة العلمية المؤيدة بالدليل العقلي والنقل والمنطقي والبحث العلمي، وهذه الحقائق الدامغة تقلب نظرية (أوغاسط كونت) رأساً على عقب فقد كان (أوغاسط كونت) يرى أن الإنسانية بدأت بالتعدد والشرك ثم التوحيد خاتمة المطاف فيها، وهذه النظرية لم تقف أمام الأبحاث الحديثة، بحيث انهارت كما انهار غيرها من نظريات هذا المفكر الذي كان يحتلُّ يوماً مكان الصدارة بين المفكرين، والذي أصبحت آراؤه تدرَّس الآن على أنها أثر تاريخيٌّ فحسب.

ومهما يكن من شيء، فإنه حينما انحرفتِ الإنسانية في عقيدتها شاءت رحمة الله أن يرسل نوحاً عليه السلام؛ مبشراً بالحق فيما مجال العقيدة، وبالخير في مجال الأخلاق، وبالعدالة في مجال التشريع (محمود، ص 64).

المصادر والمراجع:

1. زكريا، أبو بكر محمد. الشرك في القديم والحديث.

2. بن دانو، د. حاج أورانج كاى رحمات. التفكير الديني في العالم قبل الإسلام، ترجمة: د. عبد الرؤوف شلبي، دار الثقافة، الدوحة. قطر، 1983م.

3. أبو فارس، محمد عبد القادر. مع الأنبياء في الدعوة إلى الله، دار المأمون للنشر والتوزيع، عمان. الأردن، 2013.

4. محمود، عبد الحليم. قصص الأنبياء في رحاب الكون مع الأنبياء والرسل.

5. الصلابي، علي محمد. إبراهيم خليل الله. دار ابن كثير.


الخميس، 12 مارس 2026

سبيل الرشاد.. دروس مؤمن آل فرعون في الدعوة إلى الله بين الحزم والشفقة

 سبيل الرشاد.. دروس مؤمن آل فرعون في الدعوة إلى الله بين الحزم والشفقة



علي محمَّد محمد الصلَّابي

لقد لخص مؤمن آل فرعون دعوته الحكيمة في قوله: ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾؛ إنه دعاهم إلى إله واحد، تشهد آثاره في الوجود بوحدانيته..

عرضت آيات سورة غافر جانبًا مضيئًا من قصة مؤمن آل فرعون، فأبرزت قوة الإيمان حين يقف في وجه الباطل، وصدق النصيحة حين تصدر من قلب مشفق على قومه. ويكشف المقال عن منهجه الحكيم في الدعوة، إذ جمع بين اللين في الخطاب، والوضوح في الحجة، والتذكير بفناء الدنيا وبقاء الآخرة، مع بيان عدل الله في الجزاء، والموازنة بين طريق النجاة وطريق الهلاك. ففي هذه الآيات من الدلالات البلاغية والتربوية والإيمانية العميقة، ما يجعلها نموذجًا خالدًا في الثبات والبيان والدعوة إلى الله.

قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ۝٣٨ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ۝٣٩ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ۝٤٠ وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ۝٤١ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ۝٤٢ لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ۝٤٣ فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ۝٤٤﴾ [غافر: ٣٨-٤4[.

هذا بقية كلام مؤمن آل فرعون، فإنه أعاد عليهم النصح مرة أخرى، حينما رآهم يتمادون في كفرهم وبغيهم، ونادى قومه ثلاث مرات. في المرة الأولى، دعاهم في الآيات السابقة إلى قبول الدين الذي دعا إليه موسى على سبيل الإجمال، وفي المرتين الأخيرتين على سبيل التفضيل، فدعاهم إلى الإيمان بالله سبحانه طريق الرشاد، ثم حذّرهم من الاغترار بالدنيا، وحثّهم على العمل للآخرة لدوامها، وقارن بين دعوته  إياهم إلى الإيمان بالله تعالى طريق النجاة، وبين دعوتهم إلى عبادة الأصنام طريق النار، ثم أخبر سبحانه عن وقايته  وعصمته من السوء الذي دبّروه له، وإغراق آل فرعون، وإدخالهم في جهنم يوم القيامة (الزحيلي، 24/128).

1 ـ  قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٣٨ [.

فقد سبق فرعون أن قال لقومه: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، وهنا يقول الرجل المؤمن للقوم أنفسهم: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، وهذه المواجهة الصريحة منه لفرعون دليل على جرأته وشجاعته وحرصه على دعوته وتوكله على ربه لأنه لا يقف أمام فرعون هذا الموقف؛ ولا يتحداه هذا التحدي، إلا رجل عظيم الإيمان ،كامل الاعتماد على الله، وعندما دعا القوم لاتباعه عرض الدعوة بلهجته المعهودة القائمة على الإشفاق والتحبب ﴿يَا قَوْمِ﴾.

سبق فرعون أن قال لقومه: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، وهنا يقول الرجل المؤمن للقوم أنفسهم: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، وهذه المواجهة الصريحة منه لفرعون دليل على جرأته وشجاعته وحرصه على دعوته وتوكله على ربه لأنه لا يقف أمام فرعون هذا الموقف؛ ولا يتحداه هذا التحدي، إلا رجل عظيم الإيمان ،كامل الاعتماد على الله، وعندما دعا القوم لاتباعه عرض الدعوة بلهجته المعهودة القائمة على الإشفاق والتحبب ﴿يَا قَوْمِ﴾.

وفرق كبير بين قول فرعون لقومه: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾، وبين قول الرجل المؤمن لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، والرجل صادق في قوله لقومه: ﴿اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، بينما كان فرعون كاذباً في قوله: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (الخالدي، 2/503).

لقد افتتح الرجل المؤمن دعوته لقومه يلفت نظرهم إلى حقيقة تتعلق به شخصياً وهي أنه على حق، ويقف مع الحق، ويدعو للحق، وبالتالي فالانقياد له يعني المضي قدماً إلى طريق مستقيم، بعيداً عن مواطن  الزلل والسقوط، وسعى  الرجل المؤمن بهذا التركيز الشديد على قناعته الشخصية إلى استرعاء انتباههم؛ لعله يأتيهم بما تتوق إليه نفوسهم، كيف لا وكل منهم يرغب في اتباع الحق، ويتجنب قدر المستطاع طريق الغي والضلال، وفي الوقت الذي لاحظ  فيه بوادر إقبال عليه؛ وإصغاء إلى ما عنده؛ أكمل حديثه (أحمد، ص 119)، وشرع في بيان دينه إلى قومه، فبعد الإجمال انتقل إلى التفصيل في:  ذم الدنيا وتصغير حالها، تعظيم الآخرة والاطلاع على حقيقتها، الموازنة بين دعوة موسى عليه السلام ودعوة فرعون (أحمد، ص 243) ، وإليك تفصيل المجمل:

2 ـ  قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: ٣٩[.
وكلما بدأ بقوله: يا قوم! بدأ معنىً جديداً، وله عنده أهمية، لأنه يلفت نظر قومه إليه، ويقترب منهم ليقتربوا من النصح الذي يسديه لهم، ولاحظ جملة: ﴿إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾، وكيف بدأت بكلمة ﴿إِنَّمَا﴾ التي تدل على أن ما دخلت عليه مما لا يجهله جاهل، ولا ينكره منكر، كأن هذا معنى شائع في الناس، المؤمن والكافر، لأن الكل يرى الكل وهو يموت، ويترك ما يترك من ثراء ونعمة، ولم يعد يتمتع بها، ثم إن اسم الإشارة هنا مهم جداً، لأنه يحدد ما يريد أن يحكم عليه بأنه متاع، ويميّزه أكمل تمييز، لأن الحكم عليها بأنها متاع يوجب أن تكون حاضرة حضوراً كأن العين تراها، لقوة تشبث الناس بها، مع العلم بأنها متاع، وهذا البناء يخالف بناء الجملة الثانية التي ليست معلومة علم الجملة الأولى، وهي:

ـ ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾: ليس كل أحد يعلم ذلك، بل إن هذا مما نجد أكثر الناس لا يؤمنون به، وإن آمن به المصريون زمن الفراعنة، وأعدوا قبورهم إعداداً خاصاً لحياتهم الثانية، والمهم أن الرجل المؤمن أكّدها بأن ثم بالضمير ﴿هِيَ﴾، ثم جعلها داراً، أي موضع إقامة دائمة، ما دمت حيّاً، كدارك في الدنيا، وأنت هناك لا تموت، فهي دار الأبد، ثم أضافها إلى القرار والمستقر الذي لا يتبدل، ولا يتغير، وهذا تدقيق عجيب (أبو موسى، ص 497).

أ ـ قال ابن كثير: ثم زهدهم في الدنيا التي قد آثروها على الآخر، وصدتهم عن التصديق برسول الله موسى عليه السلام فقال: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾، أي: قليلة زائلة فانية عن قريب، تذهب وتزول وتضمحل، ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ أي: الدار التي لا زوال لها،  ولا انتقال منها، ولا مصير إلى غيرها، بل إما نعيم وإما جحيم (ابن كثير، 7/134).

ب ـ قال السعدي: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾ يُتمتع بها، ويُتنعم قليلاً، ثم تنقطع وتضمحل، فلا تغرنكم وتخدعكم عما خلقتم له، ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ التي محل الإقامة، ومنزل السكون والاستقرار، فينبغي لكم أن تؤثروها، وتعملوا لها عملاً يسعدكم فيها (السعدي، 4/1550).

3 ـ قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر: ٤٠[.

أ ـ راجع النفي والاستثناء ودلالته القاطعة على أنه من عمل سيئة لا يزيد عقابه، ولا ينقص عن عمل السيئة، ووصف العقاب  بأنه مثلها، يعني مماثلاً ومساوياً لها، ولا يجوز أن يزيد حبّة خردل عن هذا المثل، والمحظور أن تزيد في عقاب المذنب؛ وليس من المحظور أن تنقص، لأن الخطأ في العفو أفضل من الخطأ في العقوبة، وتأمل كيف يرسم لنا ربنا طريق الحياة الأفضل، ثم إن العقوبة تكون على من عمل هو سيئة، وليس على من عمل غيره، فلا يعاقب من كان عضواً في جماعة، ولو كان عضواً في عصابة، وإنما على القضاء أن يحدد ما عمله، ولا يعاقب إلا على عمله؛ لأن الله قال لنا: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨[.

ـ ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩[.

ـ ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨[.

فالمسؤولية فردية، ولا يؤخذ أحد بذنب أحد، وهذا كله دلالة كلمة ﴿مَنْ عَمِلَ﴾، فلا بد أن يكون عمل، ولا يعاقب على نيته، ثم يعاقب  الذي عمل، وليس ولده، ولا أخاه، وأن هذا هو نظام خلافة الإنسان لله في الأرض، ثم راجع مرة ثانية كلمة ﴿عَمِلَ﴾ وأنها تنفي نفياً قاطعاً تلفيق التهمة لمن نرفضه، مهما كان بيننا وبينه من خصومة، وبعد هذا التحديد القاطع في كلام هذا المؤمن الذي يصدق قومه النصح قابل هذا بقوله:

ب ـ ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: راجع وتأمل لتقف على شرف الكلام، واعلم أن من وقوفك على شرفه؛ أن تدرك خفايا معانيه:

الأول ـ واو العطف التي تعطف عملاً صالحاً على عمل سيء، وتجمع لك صورتين متقابلتين من أعمال البشر على هذه الأرض، هناك قال: "من عمل سيئة" بالتنكير، أي سيئة، قلّت أو كثُرت، وهنا قال من عمل صالحاً، أي صالحاً قلّ أو كثُر، وضع بإزاء هذا التنكير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۝٧ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ۝٨﴾ ]الزلزلة: ٧-٨[، وإنما قدم المؤمن عمل السيئة لأنه رأى قومه مغموسين في السيئة، فأراد أن يخلعهم منها، وقدّم ربنا مثقال ذرة خيراً لأن الخير يقدم لشرفه، ثم قال من ذكر أو أنثى إشارة بالمساواة في الثواب والعقاب بين الذكر الأنثى، ودفع الجميع لعمل الصالحات.

وسكت عن النساء في عمل السيئة إكراماً لهن، لأن السيئة من النساء أسوأ، والكذب منهن أخطر، ثم ذكر الأصل الذي لا يعتد بالعمل الصالح إلا به؛ وهو الإيمان (أبو موسى، ص 499).

ـ ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾: جملة حالية اسمية وبالواو، وكل ذلك يدل على أنه ـ وهو يزاول العمل الصالح ـ زاوله وهو في حال الإيمان، والتقرب إلى الله، وتخيل معي أن كل الشعب يزاول الأعمال التي تصلح بها البلاد، وهو يتقرب إلى الله بهذه المزاولة، وحينئذ تكون قوة هذه الجماعة في الحق، وليست في الباطل، ولن تكون طامعة في خيرات الشعوب، ولن  تحوك المؤامرات والصراعات، وإنما تكون سالمة مسالمة، صالحة مصلحة، فيزداد بها الثراء والخير والبر والمرحمة بين العباد؛ المسلم وغير المسلم، هؤلاء الذين يزاولون العمل الصالح بهذه الروح التي تستحضر الذي بيده الأمر، جوابهم وجزاؤهم أنهم يدخلون الجنة، وهذه هي غاية الغايات، هي دار القرار (أبو موسى، ص 499).

المسؤولية فردية، ولا يؤخذ أحد بذنب أحد، وهذا كله دلالة كلمة ﴿مَنْ عَمِلَ﴾، فلا بد أن يكون عمل، ولا يعاقب على نيته، ثم يعاقب الذي عمل، وليس ولده، ولا أخاه، وأن هذا هو نظام خلافة الإنسان لله في الأرض، ثم راجع مرة ثانية كلمة ﴿عَمِلَ﴾ وأنها تنفي نفياً قاطعاً تلفيق التهمة لمن نرفضه، مهما كان بيننا وبينه من خصومة،

ت ـ ﴿يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: وبُني يرزقون للمجهول، وأشار إلى أن الخير والرزق والعطاء يأتيهم من هنا ومن هنا، ثم ناهيك عن عطاء بغير حساب، من أكرم، من أعطى، جل وتقدس، وراجع دلالة اسم الإشارة الذي للبعيد:

ـ في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ﴾: ودلالته على بعد محلهم، وبعد رتبتهم، ثم تقديم المسند إليه على  الخبر الفعلي، ودلالة ذلك على التوكيد ثم مجيء المضارع الذي يستحضر الصورة من الغيب البعيد.
- في قوله: ﴿يَدْخُلُونَ﴾: وكأنك تراهم في عزّهم وعليائهم وكرامتهم وهم يدخلون، ثم مجيء المضارع مرة ثانية:

ث ـ  قوله: ﴿يُرْزَقُونَ﴾: وهو رأس الجملة الحالية، وكيف كان الدخول مقترناً بحال الرزق بغير حساب، والأصل أن يكون الرزق بعد الدخول، وإنما هي المبادرة بتكريم الواحد الأحد لكرام عباده الذين فعلوا الصالحات، وهم مؤمنون، وراجع مرة ثانية كلمة "من الصالحات"، واحذر أن تخصّها بالصلاة والزكاة والذكر، لأن الله أطلقها  وهي كل ما تصلح به حياة الناس؛ سواء في مصانعهم أو مدارسهم أو إعداد قوتهم، أو ما يحتاجون إليه من أي علم في الطب أو الهندسة أو الرياضة، أو ما شئت، لأن القاعدة الفقهية هي أن كل علم تحتاجه الأمة فهو من علوم الإسلام، وأن الطبيب الذي له فقه في طبّه أفضل من الفقيه الذي ليس له فقه في فقهه (أبو موسى، ص 500).

قال السعدي -رحمه الله:  ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً﴾: من شرك أو فسوق أو عصيان، ﴿فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾: أي لا يجازى إلا بما يسوؤه ويحزنه بقدر إساءته، وما تستحقه، لأن جزاء السيئة السوء،  ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾: من أعمال القلوب والجوارح وأقوال اللسان، ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، أي: يعطون أجرهم بلا حد، ولا عدّ، بل يعطيهم الله ما لا تبلغه أعمالهم (السعدي، 4/1550).

4 ـ قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ۝٤١ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ۝٤٢﴾ [غافر: ٤١-٤٢[.

يقارن الرجل المؤمن بين الدعوتين بنفس اللهجة المحببة:

أ ـ ﴿وَيَا قَوْمِ﴾: ويبين لهما أنهما دعوتان اثنتان، لا ثالث لهما، فإما دعوة إلى الإيمان والخير، وهي دعوته الموجهة لهم، وإما دعوة إلى الكفر والشر، وهي دعوة فرعون الموجهة لهم.

ب ـ ﴿مَا لِي﴾: يستفهم عن شيء من نفسه: كيف أدعوكم إلى النجاة وأنتم تدعونني إلى النار؟ أي إلى ما يؤدي إلى النار، قالوا: لأن الخير لا يكون خيراً إلا إذا أحببته لسواك، لذلك قال ﷺ: "لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ، حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ" (الشعراوي، 21/1386).

ت ـ ﴿أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾: ويقارن بين حبه لهم؛ وحبه لنجاتهم وحبّه لأن يعيشوا في جنة؛ وهم يدعونه إلى النار، ثم استأنف بيان هذه الجملة الموجزة العالية، وابتدأ هذا البيان بكلمة ﴿تَدْعُونَنِي﴾ التي حملت المقارنة المحزنة والمؤسفة بينه وبين قومه.

ث ـ ﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾: وراجع أنه قال أولاً: أدعوكم إلى النجاة، وتدعونني إلى النار، فقدم دعوته لهم إلى النجاة "الجنة"، وأخّر دعوتهم له إلى النار، وفي الجملة الثانية عكس، وكأنه لما قال الجملة الأولى علا وغلا، وفي قلبه الإحساس بإساءة قومه له، فقدّم دعوته له إلى النار، وأنهم دعوه ليكفر بالله، ولم يُدْع المؤمن الصادق دعوة أسوأ من هذه الدعوة، لأن إيمانه بالله ليس هو نفسه، وقلبه وعقله، ولحمه، ودمه، وإنما هو فوق ذلك كله: أن يكون الله ورسوله أحب إليك من نفسك.

ـ ﴿وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾: كان يمكن أن يكتفي بهاتين الجملتين أكفر وأشرك، وكلمة ﴿مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ كلمة مفهومة؛ لأنه ليس هناك مؤمن بالله وله علم بشريك، لأنه لا شريك له، ونفي العلم بالشريك نفي لوجوده، قلت كان يمكن أن يكتفي ببعض ذلك، لأن بعضه دال على بعضه، ولكن الرجل الصادق كأنه يُفرغ من قومه الذين يجبهم مرارة حارقة في قلبه، ثم استأنف استئنافاً آخر وأعاد كلمة:

ـ ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾: وجعل دعوته هي فاصلة الآية ليبقى رنينها في القلوب، وقد ابتدأ الجملة بقوله: ﴿وَأَنَا﴾، وكأنه يقول وأنا الذي تدعونه ليكفر بالله ويشرك به ما ليس له به علم، ويدعوكم إلى العزيز الغفار، وأحب اقتران الاسمين الجليلين في الفاصلة، لأن لها دلالة جليلة، فالعزيز الغالب الذي لا يُغلب، والذي يستحيل أن يكون له شريك، والغالب المستعلي على من يكفر به؛ فضلاً عن استعلائه على من يكون داعياً للكفر؛ فضلاً  عمن يدعو إلى الكفر من يدعوه إلى الإيمان (أبو موسى، ص 505).

تجد كلمة العزيز يستخرج منها موقعها هنا إشارات ودلالات لا تشبع منها قلوب أهل الإيمان والبيان، ثم تجد الغفار يفتح الأبواب على مصارعها لمن يريد أن يتوب ويؤوب إلى الغفار، بصيغة المبالغة والتعريف بالألف واللام (أبو موسى، ص 505)، لقد رغبهم مؤمن آل فرعون في الإيمان بالله عزّ وجل، وبين لهم بأنه عزيز غفار، يقبل توبتهم إليه وإقبالهم عليه (الخالدي، 2/506).

لقد لخص مؤمن آل فرعون دعوته الحكيمة في قوله: ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾؛ إنه دعاهم إلى إله واحد، تشهد آثاره في الوجود بوحدانيته، وتنطق بدائع صنعته بقدرته وتقديره، دعاهم ليغفر لهم، وهو القادر على أن يغفر لهم، وقرر من غير شك ولا ريبة أن هؤلاء الشركاء ليس لهم من الأمر شيء، وليس لهم شأن في دنيا ولا في آخرة، وأن المردّ لله وحده، وأن المسرفين المتجاوزين للحد في الادعاء سيكونون أهل النار (سيد قطب، 5/3083).

المصادر والمراجع:

(1)  الزحيلي، وهبي. التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج.
(2)  الخالدي، صلاح. القصص القرآني عرض وقائع وتحليل أحداث.
(3)  أحمد، شفيع الماحي. مؤمن آل فرعون؛ حفيد المرأة الكاملة وابن الرجل الصالح، بيروت، دار ابن حزم، ط1، 1420ه - 1999م.
(4)  أبو موسى، محمد محمد. من حديث يوسف وموسى في الذكر الحكيم.
(5)  ابن كثير. تفسير ابن كثير.
(6)  السعدي، عبدالرحمن بن ناصر. تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان.
(7)  الشعراوي، محمد متولي. تفسير الشعراوي.
(8)  سيد قطب. في ظلال القرآن.