حوار موقع المسلم مع الشيخ الدكتور / عبد العزيز كامل [1]
|
د.عبدالعزيز بن مصطفى كامل
|
أجرى موقع المسلم حواراً مع فضيلة الشيخ الدكتور عبد العزيز كامل، المحاضر السابق بجامعة الملك سعود، وعضو هيئة تحرير ومجلس إدارة مجلة البيان، حول عدة قضايا إسلامية وعربية.
دكتور عبد العزيز نرحب بكم أولاً في موقعكم موقع (المسلم)، ونود أن نستوضح منكم بعض القضايا الهامة..
أطلقتم صيحة تحذير قبل سنوات طويلة عبر كتابكم (قبل أن يهدم الأقصى) نبهتم فيه على الخطر الحقيقي الذي يهدد المسجد الأقصى، هل ترون أنه ليس هناك ما يحول الآن بين الكيان الصهيوني وبين هدم المسجد الأقصى؟
بحسب الأسباب المادية البحتة , فالأقصى بالفعل في خطر شديد , و موضوع هدم الأقصى بالنسبة لليهود عقيدة وليس مجرد مشروع هدم بناء لبناء مبنى آخر أو هدم مسجد لبناء معبد يهودي , الأمر بالنسبة لهم عقيدة ومرتبطة بمنظومة فكرية متشعبة يرتبط بعضها ببعض , بدء ا من السيطرة على أرض المسجد , وانتهاء بالسيطرة على العالم , مرورا بالاستيلاء على القدس كلها , وفلسطين كلها , وما يسمونه بأرض إسرائيل الكبرى كلها , وهذا ما فصلته في ذلك الكتاب الذي صدر منذ ما يزيد عن سبعة عشر عاما , والذي طبع مؤخرا باسم ( نذير ونفير) . لكن سؤالك عن عدم وجود ما يحول بين دولة اليهود وبين هذا المشروع الإجرامي التخريبي اليوم ، الجواب عنه أنه يحول بينهم وبين ذلك - بعد حفظ الله عز وجل - مواجهتهم لتحد وتهديد مساو في القوة ومضاد في الاتجاه , يكفي لردعهم , بمعنى أنه لو شعر اليهود أن كل يهودي في العالم وكل مصلحة يهودية في العالم مهددة بالفعل في حال إذا مُسّ المسجد الأقصى بسوء , فسوف يفكرون ألف مرة قبل المساس به , لكن هم إذا أمِنُوا جانب المسلمين وشعروا بأن الأمر يمكن أن يمر كغيره من البلايا التي نزلت على المسلمين دون أن يحركوا ساكناً خلال سنوات ما كان يسمى بالصراع العربي الإسرائيلي , فإنهم لن يترددوا في افتعال أي أحداث تنتهي بهذه الكارثة , ينبغي على المسلمين أن يستشعروا هذا الأمر وأن يعرفوا ويوقنوا بأن اليهود الذين أُعدّ لمجيئهم إلى فلسطين منذ القرن التاسع عشر بحيث لم يكد القرن العشرون ينتصف حتى حققوا المشروع القديم وهو العودة إلى فلسطين, ثم خاضوا وخاض أعوانهم نيابة عنهم ست حروب على طريق إسرائيل الكبرى- وآخرها حرب العراق - هؤلاء لم يقيموا الدولة ولم يحتلوا القدس ولم يخضعوا العرب حولهم , إلا من أجل استكمال معالم الدولة الدينية اليهودية بالوصول إلى المسجد الأقصى لهدمه وبناء الهيكل الثالث مكانه , وهذا ما عبّر عنه العديد من زعمائهم عندما قالوا ( لا قيمة لإسرائيل بدون القدس ولا قيمة للقدس بدون الهيكل ) و مثلما ذكرت في الكتب وفي المقالات المتعددة فإن الأقصى بالنسبة لهم قبلة ضائعة منذ أكثر من ألفي عام وهم مشتتون عن الوصول إليها طيلة هذه القرون الطويلة , فلا يمكن ولا يتصور أن يتنازلوا بسهولة عنها بعد أن وصلوا إليها إلا - كما ذكرت - إذا وجدوا صدا قوياً ًمن رجال أولي بأس شديد .
أزمة الرسوم البذيئة وردة الفعل عليها أثارت العديد من الملفات من بينها رد فعل المسلمين لو ما أقدم اليهود على هذا المخطط، واتجاه أوربا وأمريكا إلى التخلي عن حيادها لتمرير بعض المخططات الأخرى إلى غير ذلك كيف تقرؤون الأحداث من رؤيتكم ؟
مواقف النصارى فيما يتعلق بقضية المسجد الأقصى ليست محايدة أصلاً عن تتخلى عن حيادها عن حدوث أي جديد بالنسبة لتلك القضية , وفينبغي أن يعلم المسلمون أن هدم المسجد الأقصى وبناء ما يسمونه بالهيكل الثالث مكانه , إذا كان عقيدة يهودية كما أسلفت , فهو أيضاً عقيدة نصرانية , وبالذات عند النصارى البروتستانت الذين يدينون بغالبية مايدين به اليهود في النواحي الاعتقادية , ومن ضمن ذلك الاعتقاد بعودة منتظر في آخر الزمان, تكون عودة اليهود إلى فلسطين ممهدة لمجيئه والنصارى يعتقدون أن المنتظر هو عيسى ابن مريم نفسه , عليه السلام, أما اليهود فيعتقدون أنه نبي خاص بهم وهو آخر أنبيائهم . لهذا يتعاون اليهود والنصارى للتهيئة لمجيئه رغم اختلافهم في تعيين شخصه ,ومن أبرز أسباب مجئ ذلك المنتظر , إعادة بناء الهيكل ليكون مكاناً أو منبراً لدعوته عندما يعود ، حيث يفصل هو في ذلك الخلاف , ويلحق به من هم أولى به .
فالشاهد في ذلك أن النصارى - و بالذات البروتستانت - يشاركون اليهود في هذه العقائد التي تهدف إلى اتخاذ القدس عاصمة أبدية موحدة للدولة اليهودية ,حتى يأتي زمان المسيح ويكون الهيكل قائماً مهيئا له في هذه العاصمة , وهذا يحل لنا إشكالا كبيرا في تفسير هذا التعاون غير المحدود بين اليهود والنصارى في كل مراحل الصراع مع العرب والمسلمين مع أن كل مصالحهم عندنا وليست عند اليهود . فبريطانيا التي انتعش فيها المذهب البروتستانتي هي بالذات التي حملت المشروع الصهيوني ورتبت له وخططت له ونفذته ومكنت اليهود من احتلال أرض فلسطين بعد أن احتلتها هي بنفسها لمدة 30سنة ,حتى إذا ما تهيأت هذه الأرض لليهود وتمكنوا فيها وأقاموا فيها الميليشيات العسكرية والمزارع والمصانع أذنت لهم بأن يعلنوا دولتهم , لتنسحب هي بجيوشها لكي يقيم اليهود دولتهم ويعلنوها مباشرة , ثم جاءت الولايات المتحدة الأمريكية بعدها لتستسلم هذه الراية , راية حمل اليهود , ولتكون بمثابة الحبل الثاني البشري الذي يُمد لهم كما قال الله عز وجل: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ) (آل عمران: من الآية112)، فحبل الناس الأول كان هو حبل الإنجليز والآن هو حبل الأمريكان, نسأل الله عز وجل أن يقطع هذين الحبلين ليعود اليهود إلى ما كانوا عليه من ذلة.
هل تعتقد أن كثيراً من المفكرين والموجهين الإسلاميين قد فقدوا البوصلة في زمن العولمة والإعلام , بحيث باتوا في حيرة من الأولوية المطلوبة مع مستجدات الأحداث السياسية والإعلامية والاقتصادية والاجتماعية.........؟
التعبير بفقد البوصلة , تعبير كبير, ولا نظن أن هذه الأمة الخيرية تفقد البوصلة أبدا ً, لأن الخير فيها _ كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم _ إلى يوم القيامة , لكن بطبيعة الحال فالأمة تعيش في ظروف استثنائية منذ ما يزيد عن مائة عام , فمنذ أن مرضت الدولة العثمانية ثم سقطت والمسلمون يعيشون دون قيادة عالمية سياسية موحدة ولا قيادة شرعية عالمية موحدة ,أيضاً فبالتالي هذا أمر طبيعي أن تختلف الاجتهادات وتختلف التصورات في طريقة التعامل مع النوازل المتتابعة والمتكاثرة في هذا الظرف الاستثنائي الطويل , لكن مع ذلك نقول: إن الأمة لأنها أمة خير ، وخير أمة أُخرجت للناس ، قد أثبتت خيريتها من خلال قيامها بتوزيع أكثر فروض الكفاية التي كان ينبغي أن تقوم بها الدولة الإسلامية العالمية , قُسِّمت هذه الفروض الكفائية على فصائل العمل الإسلامي بمجموعها , فمنها ما يقوم بشأن العلم والتعليم والتربية الإسلامية , ومنها ما يقوم بالعمل الخيري و الإغاثي ,ومنها ما يقوم بالعمل الجهادي أو السياسي ,في ظل غياب أدوار الحكومات في أكثر بلدان العالم الإسلامي في خدمه الدين. وهذا سر بقاء هذه الأمة للآن , وإلا فإن فشدة ما يلاقيه أهل الإسلام من التحديات ومن العداوات المتعددة كان كافيا لأن يندثر الكثير من معالم هذه الأمة , لكننا نرى العكس يحدث , إذ إن معالم الدين تتجدد , والأمة تُقبل على العودة إلى الدين بخلاف ما كان يظن الأعداء , فالقول بأن الإسلاميين فقدوا البوصلة هذا , تعبير فيه - حقيقة ً- مبالغة , ونحن لا نريد أن نغمط الناس حقهم , ولا أن نجلد ذواتنا .
ربما كانت الأمة بحاجة إلى آليات جديدة للنهضة , لكن هل ترضون عن هذا الكم المتزايد من مواقع الإنترنت والبرامج الدعوية و اللجان والمؤتمرات المعقودة بكثرة , بمعنى آخر هل تخشون من تحول الوسيلة إلى غاية ؟
كل هذه البرامج أو المواقع أو المؤتمرات المعقودة أو الأنشطة الإسلامية بوجه عام , لا نستطيع أن نقول إن كثرتها غير مطلوبة فالكثرة مطلوبة لسبب وهو: أن واقع المسلمين فيه ما يستدعي بذل كل مستطاع من الجهود , لكن في النهاية التجربة تثبت أن النشاط الأقوى والنشاط الأصح والأكثر فائدة هو الذي يبقى , وهذه الكثرة الزائدة - إذا كانت زائدة بالفعل - فإنها تزول بطبيعة الأشياء (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ) (الرعد: من الآية17) ، بالعكس الساحة الإسلامية تستوعب المزيد من الأنشطة وتستوعب المزيد من أوجه العمل الإسلامي في المجالات الدعوية والإعلامية والبحثية وغيرها , بل قد يقال في بعض الأحيان إننا لم نصل بعد إلى المستوى المطلوب من حيث الكم ولا الكيف , وقد يكون الكم طريقا لترسيب الكيف المنشود .
ما الذي يمكن لمراكز الدراسات الإسلامية أن تقدمه للأمة في ظل غياب دوائر لصنع القرارات الإسلامية التي تستمع إلى توصياتها, أم هل تعول تلك المراكز على صنع النخب فقط ؟
لا نستطيع أن نسلم في البداية بأن هناك العديد من مراكز الدراسات الإسلامية بالمعنى الحقيقي ، فمراكز الدراسات الإسلامية هي بالفعل قليلة بل نادرة , إذا قيست بمستوى ما تحتاجه الأمة من دراسات جادة , فهذه مشكلة في حد ذاتها وهي ندرة وقلة بل ضعف هذه المراكز , ثم تأتي المشكلة الأخرى وهي أنه حتى في حال وجود مراكز إسلامية جادة تنشأ منها أبحاث مهمة بالفعل , تبرز مشكلة غياب أو انشغال الدوائر المعنية بالنظر فيها واتخاذ القرارات بشأنها في أحيان كثيرة ، وهذه مشكلة تؤرقنا نحن الكتاب والباحثين الإسلاميين , إذ كثيرا ما نتساءل: لمن نكتب ؟ ومن نخاطب ؟ إذا كان ما نكتبه وما نبحث فيه لا يجد من يناقشه , فضلا عن أن يتخذ بشأنه قرارا بالسلب وبالإيجاب , لا أ تحدث عن نفسي شخصيا , ولكن أتحدث عن العشرات من الباحثين والكتاب والمفكرين الجادين الذين قد يكتشفون أنهم يتحدثون الى بعض البسطاء المتعاطفين فقط , إنها أزمة حقيقية في الساحة الإسلامية , وقد طُرح نقاش منذ فترة قريبة في مثل هذه الموضوعات المتعلقة بأهمية إنشاء مراكز دراسات إسلامية , فكنت أقترح أن يكون من أولويات أنشطة أو فعاليات مثل هذه المراكز , أن تعكف على دراسات لتفعيل دور النخب في صناعة القرار , ووضع تصورات لكيفية إيجاد آلية لتفعيل القناعات الناشئة عن دراسات جادة , وإلا فهناك بالفعل أطروحات جادة , ولكنها تفتقد وتفتقر إلى من يقوم على متابعتها وتنفيذها , أو حتى مناقشتها بجدية , فنحن إذن أمام ثلاث أزمات في هذا الأمر:
الأولى: ندرة مراكز الدراسات الإسلامية الجادة والمنتجة ، هذا من ناحية.
الأمر الثاني: غياب- أوبالأحرى انشغال - الجهات المعنية بصنع القرار الإسلامي .
ثم يأتي الأمر الثالث: وهو أنه في حال وجود هذه الدوائر , فقلّما يتعامل بجدية واهتمام من قِبلها مع ماتنتهي إليه وتنادي به الدراسات الجادة التي تتوجه لعلاج الأزمات التي تواجه الأمة .
الولايات المتحدة كانت عازمة على المضي قدما في فتح ثغرة للعمل السياسي في المنطقة العربية , ومنه العمل السياسي الإسلامي , ثم تحركت جهات إسلامية بناء على ذلك لاستغلال تلك الثغرة , هل أصبح رد الفعل الإسلامي مرهونا نوعاً ما بما يصدر من واشنطن؟
الإسلاميون معذورون إذا حاولوا أن ينفذوا من أي ثغرة تُفتح إليهم , لأن أكثر الأبواب مؤصدة أمامهم , فإذا فُتحت بعض الأبواب تحت أي ظروف داخلية أو خارجية للوصول إلى عمل مشروع , فلا يُعاب على الإسلاميين أن يستغلوا هذه الفرص لأنها حقوقهم رُدّت إليهم , فالعمل السياسي الإسلامي أو العمل الدعوي أو الإعلامي عندما تُتاح الفرص له , لا يقال هنا إنه بات مرهوناً بما يصدر من واشنطن أو غيرها , فواشنطن وغيرها من عواصم الطغيان , ليست هي التي تهب الفرص للمسلمين أن يعملوا أو لا يعملوا بل الأصل أن تلك الجهات المعادية هي التي تغلق الأبواب أمام النشاط الإسلامي والعمل الإسلامي الجاد المشروع بكل أنواعه ، لكنها قد تفتح - كما ذُكر في السؤال - بعض الثغرات لأنواع من العمل السياسي أو غيره ، بطريقة محسوبة لا تخرج عن الخطوط الحمراء التي تضعها الولايات المتحدة الأمريكية أوغيرها من خلال النظر إلى مصالحها وإلى برامجها في المنطقة ، لذا نقول إن أي حق من حقوق المسلمين في النشاط سواء كان نشاطاً سياسياً أو إعلامياً أو دعوياً ينبغي استغلال فرصته كلما لاحت , لكن مع الحذر من أن يُستغل الإسلاميون ويكونوا جزء اً من برنامج خارجي أوبرنامج معادي لمصالح الأمة.
أجواء المراجعات التي تثار داخل التيار الإسلامي بين فترة وأخرى , هل ترى أن التيار السلفي بشقية العلمي والحركي بحاجة إلى مراجعة جذرية مماثلة الآن؟
أولاً كلمة تيار لا أحب التعبير بها, لأن أهل الإسلام جميعاً هم أمة وليسوا تيارا ً, وهذا من المصطلحات المغرضة التي أراد بها بعضهم أن يساوي بين أهل الإسلام وغيرهم , ممن ينطبق عليهم بالفعل وصف ( تيارات) فأي تيارات مخالفة للخط العام للأمة , هي بالفعل مجرد تيارات , هناك تيار علماني .. تيار ليبرالي.. تيار شيوعيي... أما أهل الإسلام , فلا يقال تيار إسلامي بل نحن أمة، الأمة الإسلامية هي الأصل والتيارات الأخرى هذه عارضة , لكن هناك داخل الصف الإسلامي والأمة الإسلامية توجهات وفصائل , تتفاوت قربا أوبعدا من المنهج الصحيح .
أما التوجه السلفي الذي سألتَ عن ضرورة إجراء مراجعة جذرية بالنسبة له , فأقول إن المراجعات في الغالب تكون في المنهج الفكري والعقدي , والمناهج إذا كان فيها خلل واضح , يُطلب فيها بالفعل أن تراجع , لكن التوجه السلفي منهجه النظري على الأقل توجه لا ينبغي أن يقال إنه يحتاج إلى المراجعات أو التراجعات , لأنه المنهج المأخوذ عن السلف , وهو منهج منتهي من حيث تأصيله ومن حيث ثوابته , ومن ثم فإن من يدعو إلى مراجعة منهج السلف الذي يسير عليه التوجه السلفي ، دعوته نفسها تحتاج إلى مراجعة بل تراجع , لكن قد يوجد من يخطئ في الفهم أو التطبيق ، أما المنهج بذاته فهو لا يحتاج إلى مراجعة بل يحتاج إلى إخلاص و متابعة , لأنه منهج الفرقة الناجية , منهج أهل السنة والجماعة , فمن أخطأ في تطبيق هذا المنهج سواء من ناحية حركية أو من ناحية علمية أو تنفيذية , فهذا الذي يحتاج إلى مراجعات , وأيضا بعض أصحاب التوجه السلفي تحتاج طريقتهم في نشر المنهج وفي الدفاع عنه إلى تطوير, ولا نقول إلى مراجعات بالمعنى السائد لأن المراجعات استقرت - للأسف - , على أنها تراجعات وانتكاسات , مثلما حدث من بعض الجماعات في مصر , حيث أدانت نفسها وتاريخها وأدانت غيرها من الإسلاميين, وتبرعت بإحباط أعمالهم , ولم تزك إلا العلمانيين والمجرمين الذين لا يختلف في إجرامهم في حق الأمة وشريعتها وثوابتها الدينية , بل ومصالحها الدنيوية التي عادوا الدين وأهله من أجلها . التطوير مطلوب , وتعديل المسار في بعض نواحي الفهم والتطبيق مطلوب , لكن ما ليس مطلوبا أن نجعل المسلمين كالمجرمين , ثم نسمي ذلك مراجعات شجاعة .
إبان صدور مجلة المنار للشيخ رشيد رضا عليه - رحمة الله - كان للمقال الورقي تأثيره العظيم في نفوس النخبة الإسلامية , ومن ثم على الشعوب, لماذا ابتعد المقال المقروء وأيضاً المواد المرئية عن لعب الدور ذاته ؟
عندما صدرت مجلة المنار في وقتها كان الظرف مختلفا تماماً , فالمعروض من الفكر كان قليلا جداً , والأوقات كانت كثيرة جدا ً, ومساحة الفراغ المعرفي كانت أيضا واسعة جدا ً, لذلك كان طبيعياً أن تبرز هذه المجلة وتعطي هذا الدور البارز في وقته , والآن توجد مجلات كثيرة قد تكون أقوى وأنقى بكثير من مجلة المنار, لكنها ربما لم تأخذ ما أخذته المنار من منزلة , لا لضعفها أو لعزوف الناس عنها , ولكن لأن الكم المعروض الآن ضخم جداً , سواء في المادة ا لمقروءة أو المسموعة أو المرئية , إضافة إلى أن طبيعة العصر الآن وأوقات الفراغ عند الناس , ليسا كما كان الأمر أولاً, كما أن الفراغ المعرفي الذي كان موجوداً في بدايات القرن الماضي لم يعد الآن كما كان بعد الصحوة الإسلامية التي غطت جانباً كبيراً في النواحي العلمية وفي النواحي المتعلقة بالمفاهيم , فأصبح هناك ما يشبه حالة تشبع في بعض المجتمعات والبيئات , بمعنى أنه لم تعد هناك حاجة في نظر الكثيرين للإكثار من القراءة في الجوانب النظرية المفاهيمية , بقدر الحاجة إلى الجوانب العملية التطبيقية .
ألا ترون أن فكرة تجمعات علماء المسلمين هي فكرة ناجعة في التغيير أم أنها تسير ضد حقائق التاريخ ومعطياته ؟
فكرة تجمعات علماء المسلمين - كما وصفتها - هي أولاً ليست فكرة حتى نقول إنها تسير ضد حقائق التاريخ ومعطياته ، فتجمع علماء ودعاة المسلمين ليمثلوا في مجموعهم قيادة ومرجعية علمية للأمة , أو بالتعبير الأصح : يمثلون ولاية أمر علمية للأمة , هذا من الشرع , وليس مجرد فكرة ؛ لأن الله عز وجل قال : (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (النساء: من الآية59)، وأكثر المفسرين على أن المقصود بأولي الأمر في الآية العلماء ، وبعضهم يقول العلماء والأمراء ، وإذا قلنا بالقول الثاني إن ولاة الأمر هم العلماء والأمراء أي الساسة وأهل العلم ، فإن ولاية الأمر السياسية أيضاً ترجع إلى ولاية الأمر العلمية , ولا تنضبط إلا بها ولا تأخذ مشروعيتها إلا منها ، إذن فولاية الأمر العلمية هذه إحدى الفرائض التي غُيِّبت والتي أُهمِلت, والتي تحتاج إلى إحياء على المستوى العالمي ، لا شك أن هناك في كل مجتمع وكل بلد مراجع علمية تخص هذه البيئة أو ذاك المجتمع , لكن أن يكون لأهل الإسلام جميعاً ولاية علمية يُرجَع إليها عند النوازل الكبرى وعند المسائل الشرعية والعقدية الدقيقة الحديثة أو القديمة , هذا الأمر ينبغي أن تتداعى إليه الجهود , وينظر في صيغة أكثر مناسبة لتفعيله . لأنه إحدى الفرائض الشرعية الغائبة.
علاقة هذه الشرعة - ولا أقول الفكرة - في التغيير, علاقة مباشرة لأن المسلمين ذاقوا الكثير من المآسي ووقعوا في الكثير من المشكلات والأزمات بسبب عدم اجتماع الكلمة في القضايا الكبرى ,فكلمات أهل العلم في كثير من الأحيان تتفرق بحسب التوجهات الرسمية المحلية هنا وهناك ، وتتأثر المواقف بمؤثرات خارجية لا علاقة لها بالتأصيل العلمي ، لكن على كل حال في السنوات القليلة الماضية وُجدت بعض المحاولات لإيجاد مرجعية علمية أو ولاية أمر علمية , تحاول أن تأخذ صفة العالمية , لكنها في رأيي تمدح فقط من باب أنها فتحت الطريق, أو أنها مثّلت البداية القابلة للتطوير , و البدايات لها أحكامها دائما ً, ولا يُتصور أن تكون البداية مثالية في كل الأحوال , ولهذا فإن هذه البدايات , لا ترقى إلى المستوى المرجو والمأمول ، والسبب في ذلك هو ما أشرت إليه في إحدى المقالات في مجلة البيان وهي بعنوان (تغيير الخطط في مواجهة خطط التغيير ) حيث دعوت أو اقترحت إنشاء رابطة عالمية للدعاة , تكون نواة لإنشاء رابطة عالمية للعلماء , واشترطت فيها أو اشترطت لنجاحها - بحسب وجهة نظري واجتهادي –
أن تبتعد عن ثلاثة أمور:
تبتعد عن الرسمية .
وتبتعد عن الحزبية .
وتبتعد عن الإقليمية .
لكن : هل هناك فرص لنجاح مثل هذا المشروع في ظل حالة الفرقة الموجودة الآن ؟
أنا متأكد أن جهود التفريق التي تبذل , أضعاف أضعاف جهود التجميع , وفقه الوفاق شبه غائب , لأنه بينما للتفريق أشخاصه ورموزه وأقلامه ومنابره بل وجماعاته , فإن أشخاص ورموز وأقلام ومنابر التوفيق وجمع الكلمة أقل عددا وأضعف نشاطاوحماسا , إضافة إلي أن آفة الحزبيات والرسميات والإقليميات ,تنخر في معظم الجهود المبذولة في مشروعات التجميع , وعلى كل حال ,إذا أراد أي مشروع من هذا القبيل أن ينجح ، فينبغي أن يكون طويل النفس ومتجردا , و ينبغي ألا يرتبط بتوجه حزبي معين , ولا يرتبط بتوجه رسمي معين ، ولا يرتبط باتجاه إقليمي محدد ؛ لأن التوجه الحزبي في النهاية لمثل هذه التجمعات سوف يؤثر عليها ويحجمها , وسوف يفقدها صلاحياتها واحترامها الكامل عند غيرها من أصحاب التوجهات المختلفة , فالتوجه الواحد سوف يمثل مرجعية لمن يليه فقط, أما الباقون فقد لا يقبلون أن يمثلهم علمياً ومنهجياً أناس من اتجاه آخر , مهما كانت ادعاء ات هذا التوجه بأنه يمثل الجميع أو يمثل المنهج الوسط الذي ينبغي أن ينزل على رأيه الجميع .
و التقيد الرسمي ينطبق عليه هذا القول أيضاً , وكذلك الإقليمي , فالتجمعات العلمية أو حتى الدعوية إذا كانت محصورة في قوالب رسمية أو حزبية أو إقليمية , فإنها تخدم في داخل قالبها المحدود فقط , لكننا نطمح إلى تجمع علمي دعوي عالمي يمثل مجموع المسلمين وفصائل الإسلاميين في العالم الإسلامي , وفي مقدمتهم العلماء والدعاة الممثلين لمنهج أهل السنة والجماعة ,فهؤلاء أولى من الرافضة وغيرهم من المبتدعة في تمثيل وتوجيه وقيادة الأمة علميا و عمليا , ودعني أقول لك: إن أعداء الأمة أنفسهم أصبحوا يوقنون أن أصحاب التوجه الممثل لأهل السنة والجماعة , يتحولون بانتظام إلى تمثيل الطليعة في الأمة , وقد خبر هؤلاء ذلك في أصقاع مختلفة من العالم الإسلامي ,وآخرها العراق , حتى أصبح هناك ما يشبه الترادف بين الإسلام وأهل السنة عندهم وبخاصة أصحاب التوجه السلفي , ولذلك تلاحظ أن جل الحرب العالمية على ما يسمى بالإرهاب في جانبها التعليمي والإعلامي والخيري , هي موجهة إلى المنهج السلفي وحملته قبل غيرهم , حتى إنه ليستعان عليهم بالمنحرفين في الأمة من علمانيين ورافضة وصوفية وغيرهم . ومع ذلك فإنني لاأقصد إلى تزكية أشخاص ولا جماعات بعينها على غيرها , ولكن أقصد تزكية منهج وتزكية معتقد أوقن ويوقن الجميع بمن فيهم الأعداء , أنه يمثل الإسلام الصحيح , وهو معتقد أهل السنة والجماعة الذي يحمله أصحاب التوجه السلفي ويدعون الأمة كلها للالتزمة به , و مع ذلك أيضا فإنني لا أميل إلى الاستمرار في استعمال وصف (السلفيين) لمن يحملون هذا المنهج ويدافعون عنه , بل أفضل الاقتصار على وصف أهل السنة والجماعة وحسب , لأسباب متعددة , منها : أنه الوصف الشرعي المستخدم عند السلف أنفسهم , والموافق لألفاظ النصوص الشرعية التي تصف الفرقة الناجية , ومنها : أن وصف ( السلفية ) حاولت بعض الشرائح احتكاره بلا حق ولا موجب , وحاولت تحت مسماه أن تشق الصفوف وتفرق الكلمة وتتعالى على الآخرين , ومنها : أن وصف (أهل السنة والجماعة ) هو الأكثر قبولا للانضباط العلمي والمنهجي , لأن أصول أهل السنة مستقرة , ولا يسهل إدخال ما ليس منها فيها ولا يسهل انتحالها من غيرأهلها , ومنها : أن انتعاش فرق الضلال في عصرنا , وانبعاثها بأصولها وأسمائها , يستدعي وضوحا في التفريق بين فرق الضلال بمجموعها والفرقة الناجية التي استقرت بأصولها واسمها , ومنها : أن أهل السنة أنفسهم شرائح وفصائل متنوعة , فمنهم العلماء وطلاب العلم , ومنهم العامة والبسطاء , ومنهم الطائعون والعصاة , ولايمكن اختزال هؤلاء جميعا في شريحة واحدة , وقطاع واحد وهو القطاع المعني بالعلم الشرعي , مع جمهوره من محبي العلم الشرعي , وهم ليسوا من أهله في الغالب ولا من طلابه بالمعنى الصحيح , وأخيرا , فإن وصف أهل السنة والجماعة هو الوعاء الأوسع والأرحب , الذي يستوعب ضم شرائح الإسلاميين جميعا تحت مسماه , وهو ما يعين على تحقيق فريضة الاعتصام بحبل الله التي يتشوق الصادقون ويتشوفون إلى بذل المستطاع في أدائها أو الوصول الى تطبيقها . باختصار فإن مشروع تجمع أو رابطة الدعاة والعلماء , ليس مجرد فكرة - في فهمي - بل هي شرعة , واجبة التنفيذ لتحقيق الاعتصام وتوحيد الكلمة على كلمة التوحيد , والأحداث تثبت أن المسلمين في حاجة إلى هذا الأمر لأن التحديات تتوالى والنوازل تكثر , وكل هذه الأمور تحتاج إلى التقريب بين المسلمين على كلمة سواء من كتاب ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم , دون حزبيات ولا رسميات ولا عنصريات محلية أو إقليمية .
---------------------------[1] نقله لصيد الفوائد محمد جلال القصاص |
الدرة (( إني رأيتُ وقوفَ الماء يفسدهُ، إِنْ سَاحَ طَابَ وَإنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِبِ )) الامام الشافعي
الاثنين، 2 يوليو 2018
حوار موقع المسلم مع الشيخ الدكتور / عبد العزيز كامل [1]
هل كان رجمًا بالغيب..؟
هل كان رجمًا بالغيب..؟
د.عبد العزيز مصطفى كامل
قبل 30 يونيو بعام ونصف..وبعد سبعة شهور من انطلاق ثورة 25 يناير ..بل وقبل مجئ مرسي.. كتبتُ هذه السطور، ضمن أول مقالة لي بعد خروجي من معتقلات آل سعود عقب الثورة المصرية بشهور قليلة..
وكانت بعنوان (الثورات العربية والانطلاق الدعوي) وقد نُشرت بمجلة البيان عدد 292 ، وموجودة على الانترنت .. وجاء فيها نصًا :
[ عند التأمل في أحوال الناس بعد الانتفاضات والثورات العربية الأخيرة، نجد أنه إلى جانب انفتاح أبواب الدعوة أمام الصالحين والمصلحين؛ فإن أبواباً كثيرة، قد فُتحت أمام الدعاة على أبواب جهنم ؛ حيث من أجابهم إليها قذفوه فيها، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم . وفي كلا الحالتين لا مناص من إطلاق عنان الدعوة إلى الله بكل السُبل، ترغيباً في سبيل المؤمنين، وترهيباً من سبيل المجرمين.
وقد كشَفت تطورات تلك الثورات أن حزب الشيطان له كثير من الخلايا التي كانت نائمة، أزعجتها صيحات الإيمان هنا وهناك، فانطلقت بدعوات مضادة عالية الصوت عالمية الصدى، تستميت لأجل التشكيك في محكمات العقيدة، ومسلَّمات الشريعة وحُرُمات المسلمين، غير هيَّابة من العاقبة أو العقوبة؛ لأنها محمية بضمانةٍ (ليبرالية) كاملة في التمرد، تحت شعار (حقوق الإنسان) في أن يكفُر أو يفجُر، وفي ظل " قيم " الديمقراطية، التي إن فتحت باباً من أبواب الإصلاح للعباد ؛ فإنها تكسر آلاف الأبواب أمام طوفان الفساد ، ف «قيم» الديمقراطية هذه لا تعني شيئاً غير ترسيخ العَلمانية اللادينية بكل معانيها. وهذه حقيقة لا بد أن يعرفها مَنْ لا يعرفها، ويعترف بها من لا يريد الاعتراف بها.
لكن آفاقاً جديدة نحو صحوات إسلامية جديدة؛ بدأت بوادرها تلوح في الأفق مؤخراً، في بلدان وبيئات لم تكن قد أخذت حظها من موجات انتشار المد الإسلامي في العقود الأخيرة لشدة البطش فيها، مثل: تونس وليبيا وسورية، وهذه الصحوات المنتظَرة في تلك البلاد وغيرها، تستوجب استنفاراً دعوياً من داخلها وخارجها، يتلقف الداخلين في دين الله أفواجاً. وفي الوقت ذاته هناك مراحل جديدة في البلدان التي سبقت إلى الصحوة ، يُرجى لها أن تتحول إلى نهضة .
لكن هناك قوى داخل بلاد المسلمين وخارجها لا تريد لهذه الأمة أن تنهض بالإسلام أو تتقدم أو تصل إلى أي إنجاز أو خير لدنيا أو آخرة، وهذه القوى الكارهة للدين تتربص الآن بالبلدان التي شهدت تحولات جماهيرية؛ لتحوِّلها إلى صدامات وصراعات وفتن لا تنتهي، والأمر كما قال الله - تعالى -: {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْـمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ} [البقرة: 105]، وكما قال سبحانه : {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 120]، وقال: {الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُوا ألَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْـمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [النساء: ١٤١].
هذه القوى المتربصة بالدين وأهله تتحين الفرص الآن بالبلدان التي شهدت تحولات جذرية أو جزئية ، لتحُول بينها وبين العودة للإسلام أو النهوض به من جديد، مصممة على إعادة الإسلاميين إلى أجواء الكبت والتضييق والتهميش والتشويش على سمعتهم وأمانتهم وكفاءتهم؛ ليحولوا بينهم وبين الجماهير المتعطشة والمتعاطفة مع الدين وأهله من الصالحين. لذلك فإن المرحلة القادمة ستشهد بذل كل المحاولات لتنشيط (دعوات مضادة) تسير مع اتجاه الثورات المضادة التي يقوم بها الملوثون المنحرفون الذين يتضررون من الاستقامة والنقاء. سيزداد هذا التكالب و «البلطجة الفكرية» كلما لاحت فرصة من فرص النجاح الإسلامي (سياسياً كان أو اقتصادياً أو اجتماعياً، أو حتى إعلامياً). أما إذا تطور نجاحٌ مَّا في بلد مَّا؛ بحيث يتطلع الإسلاميون من خلاله إلى الوصول لمقاعد التأثير والتغيير - رئاسية كانت أو نيابية - فهنا لن تكونَ إلا الحـرب ! نعم، الحـرب بكل معانيهـا، وهـذا ما دل عليه تاريخ قرن كامل من الصراع ضد مشروعات النهوض الإسلامي منذ إسقاط الخلافة العثمانية عام 1914م. فهناك بالفعل اتفاق ( غير مكتوب ) بين قوى الطغيان في العالم منذ نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918م، يقضي بألا يُسمَح – سِلْماً أو حرباً – لأي كيان للإسلام بأن ينجح أو يستمر في النجاح، دون أن يحاط بالفتن والمؤامرات المجهِدة أو المجهِضة؛ بحيث لا يعطِي ذلك الكيـان «النمـوذج» الـذي يمكـن الاقتــداء بـه فـي (قوته) و (تقدمه) و (استقلاله) و (عالميته).
ولم تكن تلك المعركة الطويلة التي خاضها - ولا يزال يخوضها – أعداء الشرق والغرب إلا تجسيداً وتطبيقاً لروح ذلك التحالف غير المقدس ضد مشروعات النهوض الإسلامي. وقد كانت ممارسات الأنظمة القمعية المحلية ضد الإسلاميين على مدى ما مضى من عقود، تمثل دور النيابة عن قوى الاستكبار الدولي في الحيلولة دون استئناف الدور العالمي الرائد للمسلمين، بعد أن نجح أعداؤهم في تشتيت وتفتيت كيانهم الجامع الأخير؛ بحيث لا يُسمح بعده لبوادر مشروع إسلامي أن ينجح أو يستمر، فضلا عن أن يستقر.. ولذلك أُجهضت أو سُرقت كل الثورات التي كانت لها في بداياتها توجهات إسلامية، هذا ما حدث مع الثورات الجزائرية والتونسية والمصرية، ومع جهاد الشعب الليبي والسوداني، وشعوب بلاد الشام والعراق، كل ذلك في النصف الأول من القرن العشرين، ولما بدأت بوادر الصحوة الإسلامية قبيل موعد التجديد ببداية القرن الهجري الجديد (المتوافق مع السبعينيات الميلادية )؛ حوربت هذه الصحوة بشراسة وعنف، رغم بداياتها السلمية، وسط ترحيب العالم " الحر" ! وهو ما كان صعباً على الفهم إلا في ضوء تنفيذ «الاتفاق غير المكتوب» بعدم السماح بنهضة إسلامية تؤمن بالحرية والعالمية في أي مكان في العالم؛ حيث لم يُسمح لهذه النهضة أن تسير في طريقها في مصر – مثلاً - على يد مجموع الجماعات الإسلامية، ولا في الجزائر بقيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ، ولا في أفغانستان على يد المجاهدين ضد الغزو السوفييتي سابقاً، ولا الطالبان لاحقاً، ولا في الشيشان ولا في البوسنة، ولا في الصومال «الفقيرة» بزعامة المحاكم الإسلامية، ولا حتى في غزة «الصغيرة» حيث تجربة حركة المقاومة الإسلامية.
ولهذا فإن المعطيات المستجدة على الساحة العربية بعد الثورات التي فتحت نوافذ الأمل أمام الإسلاميين؛ فتحت معها أبواب صراعات جديدة، تأخذ صورة حرب منهجية - لا زلنا في بداياتها – بين المشروع الإسلامي المتطلع للنهوض، والمشروعات الأخرى غير المشروعة، المصرة على الاستئثار والاحتكار لكل مواقع التأثير والتغيير.. ] .. انتهى النقل..
والآن أقول : ما أثار بالأمس المخاوف على مصر التي لم تكن قد تقدمت بثورتها بضع خطوات نحو النهوض.. يثور اليوم أضعافه على تركيا التي قطعت أشواطا من الانطلاق والصعود.. وبالرغم من أن (أردوغان ) - المتفاخر علنا بالعلمانية - لايمثل بالمعايير الشرعية - القدوة المثالية لزعيم الإصلاح الرافع للواء الشريعة الإسلامية..؛ فإن مجرد عاطفته الدينية ونزعته نحو التحرر من العبودية؛ تثير أحقاد أحفاد القردة والخنازير، ومن لف لفهم ودار في فلكهم من سباع الأرض وضباعها..ومن كلابها وذئابها .. الذين قال الله تعالى عنهم : ( إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ۖ وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) (آل عمران/ 120).. لذلك يظل السعي نحو الاعتصام بمنهاج الإسلام الصحيح...هو الضمانة الوحيدة للسير على طريق النصر والتغيير والتصحيح..
شاهد على العصر شهادة الرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بله (الجزء الخامس الي الثامن)
شاهد على العصر
شهادة الرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بله
جـ(5)
جــ(6)
جـ(7)
جــ(8)
الراكب والمركوب!
سليم عزوز
لا أقصد بـ"المركوب"؛ الاسم الشائع في اللهجة الصعيدية القديمة لـ"الحذاء"، ولـ"الحذاء القديم" في بعض الدوائر، فـ"المركوب" هو من ركب، يركب، فهو "مركوب"، وهو من الامتطاء، نسبة لما تردد عن الذين ركبوا الثورة!
القوى المشكلة لجبهة الإنقاذ (رحم الله موتاكم) تؤكد أن جماعة الإخوان المسلمين ركبت ثورة يناير، وعلى أساس أنها شاركت متأخرة في الثورة، مع أن الإخوان كانوا منذ اللحظة الأولى في قلب الثورة، لكن القرار الذي تأخر هو قرار الجماعة. وقد حضر الإخوان في وقت غاب فيه البرادعي نفسه في اليوم الأول، كما أن أحزاباً شاركت في الجبهة لم تشارك فيها. فرئيس حزب "الوفد"، وعندما وجد حرصاً من شباب الحزب على الخروج في يوم 25 يناير، حذرهم من مغبة ذلك، ثم أعلن أن من يريد التظاهر فعلى مسؤوليته الشخصية. أما رئيس الحزب الناصري "سامح عاشور"؛ فقد أعلن منذ اليوم الأول أن حزبه لن يشارك في مظاهرات لا يعرف هوية الداعين إليها، وبينما كانت الجماهير في "التحرير" وغيره من ميادين الثورة تكتظ بالثوار، كان "عاشور" على مرمى حجر، وفي مقر الحزب، يعلن أنه مع مبارك! هذا فضلاً عن أن الكنيسة وبوصفها دعت للتظاهر يوم 30 يونيو، قد أعلن رئيسها البابا شنودة أن رعاياه لن يشاركوا في المظاهرات يوم 25 يناير، لأنه مع الرئيس، وليس سراً أن البابا من الذين كانوا يزورون مبارك في محبسه!
ولا يمكن لأحد أن ينكر أن الإخوان شاركوا في الثورة، كما شارك فيها غيرهم، وكان لهم فيها ما لم يكن لكثيرين من الذين شاركوا فيها (أفراداً أو حركات)، لا سيما في حماية مداخل الميدان، وفي يوم موقعة الجمل، فلم نشاهد أحدا من الذين يحتكرون الحديث باسم الثورة وقد أصيب في هذا اليوم، الذي أصيب فيه أكثر من ألف شاب بعد مواجهة حامية الوطيس مع الشبيحة!
الإخوان هم شركاء في الثورة التي أدى كل منا فيها على قدر جهده، ومن ركب الثورة ليسوا هم ولكنه المجلس العسكري، كما ركبها كثير من الكيانات المشكلة لجبهة الإنقاذ؛ التي مثلت غطاء مدنياً للانقلاب العسكري!
الإخوان هم شركاء في الثورة التي أدى كل منا فيها على قدر جهده، ومن ركب الثورة ليسوا هم ولكنه المجلس العسكري، كما ركبها كثير من الكيانات المشكلة لجبهة الإنقاذ
ولم يقتصر الاتهام للإخوان على مجرد "ركوب الثورة"، ولكن في أنهم تحالفوا مع المجلس العسكري الذي استجاب لهم، فكان الذهاب للانتخابات (البرلمانية والرئاسية)!
وقصة التحالف مع العسكر لم يبدأها الاخوان، لكن فعلها الشباب الذي احتكر الحديث باسم الثورة، وشكل ما أطلقت عليه في وقته "ائتلافات الوجاهة الاجتماعية". وبعض هذه الائتلافات كانت مشكلة من فرد واحد، والهدف هو حضور اجتماعات المجلس العسكري والتقرب إليه بالنوافل، والذي كان يبحث عن طليعة شبابية يواجه بها الإخوان. ولم يكن الذهاب للانتخابات رغبة العسكر، لكنهم رضخوا لذلك بعد ضغوط مارسها الجميع!
الشباب الثوري الآن هو الذي باع مطالب الثورة، ودماء الشهداء، مقابل أن يجد له مكاناً في "حظيرة عصام شرف" الذي عينه العسكر رئيسا للحكومة
والشباب الثوري الآن هو الذي باع مطالب الثورة، ودماء الشهداء، مقابل أن يجد له مكاناً في "حظيرة عصام شرف" الذي عينه العسكر رئيسا للحكومة، وأطلق هؤلاء الشبان عليه رئيس الحكومة القادم من ميدان التحرير. وكتبت كثيراً عن أنهم يدخلون الغش والتدليس على الرأي العام، فعصام شرف هو رئيس الحكومة القادم من لجنة السياسات. وفي يوم تعيينه كان من يقف على المنصة في الميدان بجانبه (الناصري) حسين عبد الغني، و(الإخواني) محمد البلتاجي، و(القاضي ذو الميول الناصرية) زكريا عبد العزيز، وكان المحتشدون في الميدان من كل ألوان الطيف الثوري، فهل كان عصام شرف فعلا رئيس الحكومة القادم من ميدان التحرير؟!
المشكلة في أن الإخوان كانوا يعرفون ماذا يريدون، فلم يستعدوا المجلس العسكري، فهم يعرفون قدرتهم على الحشد وكسب الانتخابات، في حين أن الشباب الثوري كان لا يجد لوجوده قيمة، إلا في حالة السيولة الثورية، فماذا كانت استراتيجيتهم للمرحلة القادمة؟!
بدأت الضغوط الثورية على المجلس العسكري للرحيل، فما هو البديل له في ظل ثورة لم تفرز زعيما وإنما أنتجت مطالب؟!
لقد كان المجلس العسكري هو من يحكم وقد تجاوز الفترة الانتقالية التي قررها لنفسه وهى ستة شهور. فبعد عام ونصف العام، جاء المشير محمد حسين طنطاوي ليقول إنه قد يلجأ للاستفتاء الشعبي لأخذ رأي الشعب في استمرار المجلس في السلطة من عدمه، ورددت عليه وقتها بأننا لم نأت بكم باستفتاء لتستمروا باستفتاء!
وقد بدأت الضغوط الثورية على المجلس العسكري للرحيل، فما هو البديل له في ظل ثورة لم تفرز زعيما وإنما أنتجت مطالب؟!
لقد تحدث البعض عن مجلس ثوري يحكم، وبمجرد طرح الأسماء، كان المأزق. فحمدين صباحي كان على الهواء في أحد البرامج التلفزيونية، وقد نقل إليه اختياره عضواً في المجلس، فقال إنه يرفض ذلك، فما هو البديل الذي أفسده الإخوان باللجوء للانتخابات؟!
أخطأ الإخوان في إدارة ملف الانتخابات، عندما استبعدوا من ينتمون للثورة من قوائمهم واحتفوا بمعارضة مبارك على هذه القوائم، كما أخطأوا عندما دفعوا بمرشح رئاسي بعد الإعلان عن أنهم لن يفعلوا
ثم إن الإخوان ليسوا وحدهم من ذهبوا للانتخابات النيابية، كما أنهم ليسوا وحدهم الذين ذهبوا للانتخابات الرئاسية، فجبهة الإنقاذ ضمت الأحزاب التي شاركت في الأولى، كما ضمت عدداً من المرشحين الرئاسيين الذين سقطوا في هذه الانتخابات، فهل يعقل أن يلعبوا سياسة، وعندما يفشلون يريدونها ثورة؟!
أخطأ الإخوان في إدارة ملف الانتخابات، عندما استبعدوا من ينتمون للثورة من قوائمهم واحتفوا بمعارضة مبارك على هذه القوائم، كما أخطأوا عندما دفعوا بمرشح رئاسي بعد الإعلان عن أنهم لن يفعلوا، لكن ليس لأحد من القوى الأخرى أن يستغل هذا لدعوة العسكر للإطاحة بهم، فهذه جريمة ليست مبررة، وكان على تحالف جبهة الإنقاذ أن ينزل للشارع لطرح نفسه بديلاً للإخوان، بدلاً من أن يكون جزءاً من ثورة الفلول، ثم يصيح مرة أخرى بأن السيسي ركب الثورة!
لنعود مرة أخرى للحديث عن "الراكب" و"المركوب"، فالقوم في كل مرة يقومون بثورة يندفع فريق ليركبها، فهل السيسي هو من ركب 30 يونيو فعلاً؟!
هل كان المغفلون يعتقدون أن السيسي، وقد طالبوه بالتدخل، سيعزل الرئيس المنتخب ويختار أحداً منهم؟!
الحقيقة، أن 30 يونيو هي الثورة المضادة، وكان وجهاء جبهة الإنقاذ يدركون ذلك، لكنهم تصرفوا على طريقة من أراد أن يغيظ زوجته فخصى نفسه، ففي هذا اليوم كان "الراكب" هم ضباط الشرطة، وكانت الصور المرفوعة هي صورة السيسي، ولا وجود يُذكر للبرادعي وجماعته. فهل يمكن لأحد من غلمان هذا اليوم القول إن المشهد في ميدان التحرير كان ينتمي لثورة يناير بأي شكل، وقد كانوا "مركوبين" وليسوا "راكبين"؟ فمن تم رفعهم على الأعناق هم من هزمتهم ثورة يناير بعد أن واجهوها بعنف، وقتلوا عدداً من المشاركين فيها!
هل كان المغفلون يعتقدون أن السيسي، وقد طالبوه بالتدخل، سيعزل الرئيس المنتخب ويختار أحداً منهم؟!
لا بأس، فأنتم أصحاب ثورة يناير وركبها الإخوان، وأصحاب ثورة 30 يونيو وركبها السيسي، وشرعاً تسقط شهادة من ينتمي لأهل الغفلة!
فـ"المركوب" لا تقبل شهادته، ولو في حزمة من بقل!
الوداع الأخير لشهداء الحرية"
الوداع الأخير لشهداء الحرية"
المستشار/ محمد يوسف عدس
مقالة كتبتها بدم القلب منذ 732 يومًا ، نشرت في حينها وكدت أنساها لولا أن ذكّرني بها من ذكّرنى فأهاج بها مشاعري ..
استقبلتها بروح القارئ المحايد ، وكأني أقرأها لأول مرة ، فعصفت بى وأثارت في نفسى تساؤلات عجيبة:
هل أنا كاتبها حقًّا ..؟ وكيف تماسكت حتى أنهيتها..؟
وكم تحملت من الآلام النفسية وأنا أصوغها كلمةً كلمة وصورة الشاعرشهيد الحرية"هوسي ريسال" ماثلة أمام ناظريَّ وهو ينشدها في نفس الموقع الذى تم تنفيذ حكم الإعدام فيه فور انتهائه من تلاوتها ..
الآن أشعر بمذاق مكثف من الألم المرير وقد امتزجت صورة هوسى ريسال مع صور شهداء الحرية لثورة يناير المصرية ، ومن تبعهم من إخوانهم وأخواتهم الشهداء الذين رفضوا الانقلاب العسكري وثاروا عليه فدفعوا أرواحهم ثمنًا باهظًا في طلب الحرية.
أعيد نشرها على هذه الصفحة .. لا أملًا في أن يهتم الآخرون بقراءتها .. على العكس من هذا تمامًا ؛ ففي الحقيقة أوجّه هذه المقالة إلى نفسى لأعيد قراءتها وأحيا في أجوائها مرة أخرى ، وقد تكون الأخيرة .. لا بأس ؛ فأنا أعزّى بها نفسى لنفسى ، فهي شأن خاص شديد الخصوصية أرجو أن يسمح لى به أصدقائى الأعزاء مشكورين.
هكذا تمضى المقالة القصيدة:
المقالة القصيدة:
رائعة من روائع الشعر فى التضحية والوطنية.. كتبها باللغة الأسبانية فى ليلة واحدة.. سهر عليها حتى أتمّها قبل تنفيذ حكم الإعدام عليه فى الصباح ؛ إنه "هوسى ريسال" أمير شعراء الفلبين، وبطلها الأسطوري وأعظم ثوارها فى التاريخ .. يودّع فيها وطنه الذى كان يئنّ تحت الاحتلال الأسباني.
عندما تقرأ هذه القصيدة لا تقرأ كلمات وإنما تلمس نزيف قلب مجروح .. ترجمها إلى العربية شعرا واحدٌ من أرقّ الشعراء المصريين، بفيض من مشاعره المتدفقة ووجدانه المكلوم.. فكانت تحفة عربية بقدر ماكانت القصيدة الأصلية تحفة أسبانية..
بداية: أودّ أن أهدى هذه القصيدة إلى شهداء الحرية.. وإلى كل المصابين وأسرهم وأحبّائهم فى مصر والوطن العربي ..
بداية: أودّ أن أهدى هذه القصيدة إلى شهداء الحرية.. وإلى كل المصابين وأسرهم وأحبّائهم فى مصر والوطن العربي ..
إن عمق التجربة الوجدانية وصدقها فى هذه القصيدة تُذرى بكل عاطفة رخيصة زائفة ينتحلها أولئك الذين يتمسّحون بالثورية والوطنية وهم فى الحقيقة يتاجرون بدم الشهداء ويتكسّبون من بيع أوطانهم لكل أجنبي كاره خسيس..
هذه قصة من الواقع الحي الذى عاصرته وكنت طرفًا فيه ؛ ففى أوائل الستينات من القرن الماضى أبلغ صديقى الراحل الدكتور "محمد إبراهيم كاظم" بصفته الملحق الثقافى بسفارتنا فى مانيلا، وزارة الخارجية المصرية، رغبة الحكومة الفلبينية ترجمة قصيدة ريسال إلى اللغة العربية.. وكان يرأس لجنة الشعر فى المجلس الأعلى للفنون والآداب حينذاك "عباس محمود العقاد" ، فكلّف الشاعر "العوضي الوكيل" بهذه المهمة.. وكان اختياره حصيفًا ؛ فالقصيدة مكتوبة بالأسبانية التى يجيدها العوضى الوكيل، ولأنها مفعمة بالمشاعر المأساوية صادفت جرحا نازفا عنده لم يكن قد برئ منه، بعد وفاة زوجته [الأسبانية ] .. وقد فرغ توّا من تأبينها فى قصيدة رائعة امتزجت فيها مشاعر الحب بلوعة الفراق..
هذه قصة من الواقع الحي الذى عاصرته وكنت طرفًا فيه ؛ ففى أوائل الستينات من القرن الماضى أبلغ صديقى الراحل الدكتور "محمد إبراهيم كاظم" بصفته الملحق الثقافى بسفارتنا فى مانيلا، وزارة الخارجية المصرية، رغبة الحكومة الفلبينية ترجمة قصيدة ريسال إلى اللغة العربية.. وكان يرأس لجنة الشعر فى المجلس الأعلى للفنون والآداب حينذاك "عباس محمود العقاد" ، فكلّف الشاعر "العوضي الوكيل" بهذه المهمة.. وكان اختياره حصيفًا ؛ فالقصيدة مكتوبة بالأسبانية التى يجيدها العوضى الوكيل، ولأنها مفعمة بالمشاعر المأساوية صادفت جرحا نازفا عنده لم يكن قد برئ منه، بعد وفاة زوجته [الأسبانية ] .. وقد فرغ توّا من تأبينها فى قصيدة رائعة امتزجت فيها مشاعر الحب بلوعة الفراق..
وفى سنة ١٩٦٤عندما وصلتْ الترجمة العربية إلى مانيلا كان الدكتور كاظم قد أنهَى بعثته فى مانيلا و بدأتُ عملى مديرًا للمركز الثقافي المصري هناك.. ومن ثَـمَ أسندتْ إليَّ السفارة المصرية أمر هذه القصيدة مع السلطات المحليةّ.. حيث صحبنى أحدهم إلى النصب التذكارى لـ"هوسى ريسال" فى"لونيتا بارك" أكبر متنزّه بمدينة مانيلا، فى هذا المكان الرائع مساحات واسعة من الخضرة والزهور ونافورات المياه.. وفى منتصفه يرتفع النصب التذكارى فى وقار جليل، توحى به الوقفة العسكرية لعدد من الجنود يتناوبون على حراسته كل يوم على مدار ساعات الليل والنهار .. حول هذا النصب التذكارى سور على شكل نصف دائرة من الرخام الأبيض مثبت عليه لوحات نحاسية محفور عليها ترجمات قصيدة ريسال بكل لغات العالم الحية.. وكان آخرها الترجمة العربية...
جاءوا إليّ مرّة ببروفة لتصحيحها قبل حفرها على النحاس.. فلاحظت أن شطرات الأبيات الشعرية قد تبادلت وضعًا معكوسا؛ فما كان منها على اليمين إنتقل إلى الشمال وبالعكس.. فقلت لهم لن يستطيع أحد أن يقرأ هذه القصيدة.. وأوضحت لهم السبب.. فاستغرقوا فى الضحك.. كأنهم يستمعون إلى نكتة؛ كان الفلبينيون قبل عهد الدكتاتور ماركوس –كالمصريين قبل الانقلاب العسكري- يضحكون من قلوبهم على كل شيئ مهما كان بسيطا، ولكن ماركس -مثل قرينه المصري- استطاع أن يكبت روح الفكاهة فى القلوب، ويقتل الابتسامة على الشفاة.. ويزرع مكانهما التعاسة والأحزان والجهامة.
فمن هو "هوسى ريسال" José Rizal ؟:
فمن هو "هوسى ريسال" José Rizal ؟:
إنهم يطلقون عليه إسم "أبُ الفلبين" وأعظم الشهداء من أبطال النضال الوطني.. كان سلاحه الأكبر هو فكره الذى عبّر عنه بقلمه ولسانه ضد الاحتلال الأسباني.. هذا الاحتلال الذى جسم على صدر الشعب الفلبيني ثلاثمائة عام أو تزيد.. وبسبب هذا الفكر وحده قُدّم ريسال لمحكمة عسكرية حكمت عليه بالإعدام رميا بالرصاص، ونُفّذ فيه الحكمُ صباح يوم ٣٠ ديسمبر سنة ١٨٦٩، بينما كان يردد أبياتا من قصيدته الشعرية يودّع فيها شعبه ووطنه..
مات "هوسى ريسال" عن عمر يناهز الخامسة والثلاثين سنة.. عمر قصير، ولكن ما صنعه "ريسال" فى حياته القصيرة هو شيء أقرب إلى الخيال الأسطوري.. يصعب تصديقه لولا أنه مسجل وموثّق وثابت فيما ترك من كتابات وأعمال .
.
نشأ ريسال فى أسرة غنية كانت تملك أراضى زراعية شاسعة.. فكان هو السابع فى الترتيب بين إخوته الأحد عشر، ولكنه كان منذ طفولته ظاهرة متميزة بين كل أقرانه؛ أدخله أبوه مدرسة كاثوليكية .. ولكن لم تستطع المدرسة أن تتحمل جسارة هذا الطفل المعجزة.. أربكتها أسئلته الجريئة وتفكيره الناضج، فوسمته بالراديكالية، وطلبت من أبيه أن يبحث له عن مدرسة أخرى خوفا على بقية التلاميذ.. فألحقه أبوه بالتعليم العام حتى وصل إلى الجامعة ليدرس الآداب أولا، ثم القانون.. ولكنه غيّر مسيرته التعليمية فاتّجه -فى نفس الوقت- ليدرس الطب بجامعة سانتو توماس بمانيلا.. ذلك لأن أمه كانت تعانى من مرض فى عينيها يهددها بالعمى.. فقرر أن يدرس الطب ويتخصص فى أمراض العيون فكان له ما أراد..
ولكنه لم يتوقف عند هذا الحد فقد كان طموحه أعظم، ومن ثَـمّ رحل إلى أسبانيا بمفرده (وكان عمره آنذاك ٢١سنة فقط) لاستكمال دراساته العليا فى الجامعة المركزية بمدريد، ثم انتقل إلى فرانسا ليحصل على درجة الدكتوراة من جامعة باريس، ثم ليحصل على درجة ثانية للدكتوراة من جامعة هايدلبرج فى ألمانيا، وفى أثناء ذلك لم ينقطع عن الكتابة والمحاضرة فى أسبانيا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا، داعيا إلى مساعدة الشعب الفلبّيني فى نضاله للتحرر من نير الاستعمار الأسباني ، ولم يكن يحتاج فى تواصله مع هذه الشعوب إلى مترجم فقد كان ريسال أعجوبة فى اكتساب اللغات الأجنبية.. كان يجيد ٢٢ لغة: كتابةً و قراءةً وحديثًا..
مات "هوسى ريسال" عن عمر يناهز الخامسة والثلاثين سنة.. عمر قصير، ولكن ما صنعه "ريسال" فى حياته القصيرة هو شيء أقرب إلى الخيال الأسطوري.. يصعب تصديقه لولا أنه مسجل وموثّق وثابت فيما ترك من كتابات وأعمال .
.
نشأ ريسال فى أسرة غنية كانت تملك أراضى زراعية شاسعة.. فكان هو السابع فى الترتيب بين إخوته الأحد عشر، ولكنه كان منذ طفولته ظاهرة متميزة بين كل أقرانه؛ أدخله أبوه مدرسة كاثوليكية .. ولكن لم تستطع المدرسة أن تتحمل جسارة هذا الطفل المعجزة.. أربكتها أسئلته الجريئة وتفكيره الناضج، فوسمته بالراديكالية، وطلبت من أبيه أن يبحث له عن مدرسة أخرى خوفا على بقية التلاميذ.. فألحقه أبوه بالتعليم العام حتى وصل إلى الجامعة ليدرس الآداب أولا، ثم القانون.. ولكنه غيّر مسيرته التعليمية فاتّجه -فى نفس الوقت- ليدرس الطب بجامعة سانتو توماس بمانيلا.. ذلك لأن أمه كانت تعانى من مرض فى عينيها يهددها بالعمى.. فقرر أن يدرس الطب ويتخصص فى أمراض العيون فكان له ما أراد..
ولكنه لم يتوقف عند هذا الحد فقد كان طموحه أعظم، ومن ثَـمّ رحل إلى أسبانيا بمفرده (وكان عمره آنذاك ٢١سنة فقط) لاستكمال دراساته العليا فى الجامعة المركزية بمدريد، ثم انتقل إلى فرانسا ليحصل على درجة الدكتوراة من جامعة باريس، ثم ليحصل على درجة ثانية للدكتوراة من جامعة هايدلبرج فى ألمانيا، وفى أثناء ذلك لم ينقطع عن الكتابة والمحاضرة فى أسبانيا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا، داعيا إلى مساعدة الشعب الفلبّيني فى نضاله للتحرر من نير الاستعمار الأسباني ، ولم يكن يحتاج فى تواصله مع هذه الشعوب إلى مترجم فقد كان ريسال أعجوبة فى اكتساب اللغات الأجنبية.. كان يجيد ٢٢ لغة: كتابةً و قراءةً وحديثًا..
لم يكن ريسال فى ثورته على الاستعمار الأجنبي مُحَبِّذًا للعنف.. بل كان من أكبر دُعاة الإصلاح، وقد بدأ بدعوة الأسبان لمنح الفلبين حكما ذاتيا، ولكنه لم يستبعد العنف كملجأ أخير إذا فشلت الحركة السلمية فى تحقيق الاستقلال.. وقد عبّر عن هذه الأفكار فى اثنين من أمتع و أشهر رواياته هما: "نولى مِى تَنْجِيرى" و "فلِبُّوسْتِيرزْمو" .. وهما عملان أدبيان كتبهما ريسال باللغة الأسبانية.. حَفِلا بتحليلات ونقد عميقين للآثار المدمرة للاحتلال الأسباني على المجتمع الفلبيني.. ولتدعيم أفكاره التحررية أنشأ ريسال منظمتين: سياسية واجتماعية، أعتبرهما المؤرخون المصدر الأول والأصيل لحركة الإصلاح وحركة الثورة المسلحة فى نفس الوقت، ففيهما وُلدت وترعرعت القيادات الإصلاحية والثورية على السواء، وكان من أبرز روّدها "أنْدِرٍي بونافاشْيو" أول زعيم انتفاضة مسلحة ضد الاستعمار فى تاريخ آسيا ..
عاش ريسال نائيا بنفسه عن الكنيسة فلم يكن يؤمن بعقائدها ولا بفكرتها الهزيلة عن الألوهية؛ فقد كان يؤمن بإله واحد خالق عظيم القدرة بالغ الرحمة محيط بكل شيء.. وأكثر ما كرهه فى الكنيسة أنها كانت تبرر للمحتل الغاصب قتل الأبرياء الرافضين لجبروته..! كان ريسال كاتبا آسِرًا وصحفيا لامعا ومتحدّثا لبقًا وفنانا يجيد الرسم. أما شعر ريسال فهو أعجوبة ثانية فى حياة هذا الطبيب الأديب المصلح الثائر الذى أحب وطنه وشعبه.. حبًّا سطّره ريسال بنبضات قلبه فى "الوداع الأخير" لا يطلب فيه لنفسه سوى أن تصلّى بلاده من أجله وتدعو الله له بالرحمة والغفران..
قصيدة "الوداع الأخير" لريسال تسيل رقّة وعذوبة وأسًى، وتنضح يصدق العاطفة، وتسمو بالحب الإنسانى إلى درجات عالية من الفداء والتضحية.. وتتدفق فيها مشاعر اللوعة للفراق .. تتجمّد الدموع فى عينيْ صاحبها وهو على شفا الموقف الرهيب.. ولكن تنهمر الدموع فى عيون قّرّائه ومشاهديه.. لا على مصير فدائيٍّ جسور يواجه نهايته فحسب.. ولكن أيضا على وطن مكلوم لا يزال يرزح تحت القهر والطغيان الأجنبي.. إستمع إلى الشهيد وهو يغنّى مودِّعا وطنه.. فى قصيدة طويلة..
نجتزئ منها بهذه الأبيات:
وداعًـا وداعًـا يا بــلادًا يحبهــا فــؤادي
وتهواهـــا بعليائهــــا الشمسُ
لأنْتِ ببحر الشرق أكـــرم دُرَّةٍ
وأنــت لنــا فـي ذلك الكــون فردوسُ
حياتـــي مضنّاةٌ فإمـا وهبتُهـا فداءَكِ
لـم تأسـف علــى ذلــك النفسُ
ولـو أنهـا كانـت صِبًـا لوهبتـُه
ألَا كُلُّ بــذْلٍ فــي سبيل الحِمَــى بخسُ
فيـــا وطنــى إن أعـوزَ اللّـــونُ
فليكـــن دمــى صبغةً للفجرِ إنْ لاحَ فأْتلقْ
يزيــد دمــى المســــفوكُ بهجـــةَ لونـِـــه
وقُرْمُـزِه حتى يـروقَ لـدى الحـدقْ
أمُوتُ لتَحْيَى إنّ مَوْتِــــــى مُحَبَّـــــبٌ
بتـلك الذُّرا الشَّــمَّاء مـا بـين أَقْوامِــى
فيغمــضُ جــفْنى الموتُ في خــير تـربةٍ
وأرقـــد مرتــاحًا وتخفـــق أعــلامــى
ثم يخاطب بلاده فيقول:
إذا نَجَمَتْ فــي تـُـرْبِ قـــبْريَ زهرةٌ
بَدَتْ وحدها في الفَدْفَدِ المُوحِــشِ القفرِ
فلا تبخــــلي أن تُــؤنســـيها بـِـزَوْرَةٍ
ألا إنــها رُوحــى تــرفرف كــالزهــرِ
ولا تبـــخلي يـــومًا عــليــها بــلثمة
بــثغرك حيـث الدفء فــي ذلك الثغرِ
أحـِـسُّ هــواء القــبر حــوْلـــيَ باردًا
ألا فابــعثي الدفءَ المحـبَّب فـي قبرى
وفي مَضْجَعِى السَّاجِى البعيدِ دَعِى السَّنا
من القمر السَّارِى يشعُّ لمضْجعي
دَعِى الريح تُزْجِى همْسها فوق تُرْبَتِى
دَعِى الفجر يحْبُوني بأَنْوَارِهِ دَعِى
وإنْ مـــرَّ يومًــا فــوق قبْرِيَ طائرٌ
يرجِّـعُ لَحْنًــا مُبْدِعًــا أيَّ مُبْــدع
دعيـهِ علـى هـامِ الضَّريـحِ مُغَـرِّدًا
وقُولى لـه : بالسّـلم غَّنِّ ورَّجِّعِ
ألا فدعــي مـن أهـل وُدّيَ قائمـا
علـى القبـر يبكي أَعْظُمِي المتبعثـرة
ويـا بلــدي صلِّـى لربـِّى فإننــى
لأرجــو قبـولا فـي حِمـاهُ ومغفـرة
لأِمٍّ غدت تذري الدموع وما شَفَتْ
بأضلاعهـا نارًا من الشَّجَـنِ العــاتـى
لأجل اليتامَى والأيامَى ومَنْ غَــدَا أسيرًا
شديدَ الكَرْبِ رَهْــنَ المُلِمَّـاتِ
ألَا يـا بــلادِى فانْهَضِىي وتضَرَّعِى
ليومِ خــلاصٍ فــى غَــدِ صُبْحُــــُه آتِ
إذا ما ظـلامُ الليـلِ غشَّــى المقابـَرا
فمـا بـَـِرحَ الموتــى هنــاك سوَاهِــرَا
على السّلْمِ والأسرارِ تسهرُ روحُهم
دعُوهـم ومـا صانـوا وغُضّـوا النَّواظِــرَ
فإن تسمعـوا صوتًـا هنالـك شادِيًـا
فذلـك صوتـي يُرسـل اللحــن زافــرا
أجـلْ.. ذاك لحنـي يـا بلادي رفعتُـــه أليــكِ
فحيُّــوا فـي المقـابـر شـاعــرا
فــإن طالـت الأيـامُ بـي وتحوّلـت
معــالـمُ قبــري كالطُّلــول بَوَاليـــا
وأقْـــوَى ، فــلا رمـزٌ هنالك شاهدٌ
علــيّ وأمســَى ذاكــرُ القــومِ ناسيـا
إذن فدعــى المحراث يفـري أديمه
فيحيـى مَـواتُ الأرضِ أخضـرَ زاهيـا
وهـذا رفاتـي يـا بـلادي فرشتــه مواطِـئَ
مـن عُشْـبٍ فمـا عـادَ ذاوِيـا
إذا أصبـح النسيـان للميـْتِ هيِّنًـا
سألقـاكِ فـي موتِى هُنــالِكَ أو هُنَــا
سألقـاكِ لونًـا زاهيا أو شذًى مٌتَضَوِّعَـا
وطــوْرًا غنــاءً مُبْدِعَــــا مُتَفًنِّنَــــا
فمــا زال قلْبى يـا بـلاديَ هائمًـا
بحبـِّك فيّـــاضَ المشــاعرِ مؤمنَـــا
ألا فاسْمعـي هـذا النشــــيدَ نظمْتُهُ
وِداعًـا أخيـرا فهْـوَ آخِـــرُ أنْغـامى
سأتــرك مـا أهواه فيـك وديعــــــةً
لديـك فـلا تنْسَيْ ودائـعَ أحلامــى
وأَمْضِـــى إلـى لا ظُلْـمَ ثمَّـةَ نــازلٌ بعبـْدٍ
ولا طغيـانَ مـن بطْـشِ ظـلّامِ
إلـى حيـثُ لا رأىٌ يُصــابُ صِحابٌه
بسـوءٍ وحيـثُ الله فـي حُكْمِهِ السامـى
*******************
محمد يوسف عدس
فى الصور الثلاثة:
تمثال ريسال فى لوينيتا بارك
منزله الذى تحوّل إلى متحف تاريخي
أول كتبى عن الفلبين نشر سنة 1969م
الأحد، 1 يوليو 2018
شاهد على العصر شهادة الرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بله (4 أجزاء كاملة)
شاهد على العصر
شهادة الرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بله على العصرجـزء(1)
جزء (2)
جزء (3)
جزء (4)
الطريق من هنا
الطريق من هنا
التوعية والتربية والبناء أساس الحُكم والتغيير
الشيخ محمد الغزالى
عندما كان موسى عليه السلام يكافح لتحرير قومه من ظلم الفراعنة واجه متاعب جديرة بالتأمل، وجل هذه المتاعب كان من قومه أنفسهم!.
أصدر إليهم الأمر أن يرحلوا من مصر فى ليلة موعودة، وأن يستخفوا تحت جنح الظلام متجهين شطر البحر الأحمر، واستجاب اليهود للأمر الذى أصدره قائدهم، فلننظر: أكانوا متلهفين للخروج من مصر؟ أكانوا متعشقين للحرية التى فقدوها؟ والأمان الذى حرموه؟ أكانوا كارهين لجو تُذبح فيه الأبناء وتُستحيا النساء ويُصب فيه البلاء؟.
إن هذا ما يتبادر للأذهان.
غير أن الواقع غير ذلك، فإن بنى إسرائيل كانوا قد ألفوا الدنية واستكانوا للضيم على نحو ما قال أبو الطيب :
من يهن يسهل الهوان عليه .. ما لجرح بميت إيلام!
وقد نبه القرآن الكريم إلى موقف الشعب من القائد الذى يبغى تحريره قال تعالى: (فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم) إن بعض الشباب حديث السن سليم الفطرة هو الذى اعتنق رسالة موسى، وقرر أن يقاوم معه الجبروت، ومضى مع أحلام المغامرة ينشد مستقبلا أشرف!.
أما الشيوخ وسواد اليهود فقد قيد مسالكهم الخوف ولم يتحمسوا لدعوة الحرية!
وقد انكشفت خباياهم لما قرر فرعون ملاحقة الهاربين من بطشه، وخرج على رأس جيش كبير ليستعيد قوم موسى إلى السجن الذى فروا منه!!.
كانت مطاردة مثيرة، اليهود يشتدون نحو الساحل عابرين الصحراء الشرقية، وفرعون وراءهم يريد أن يدركهم..
ويصف الإصحاح الرابع من سفر الخروج هذا الموقف قائلا: " فلما اقترب فرعون رفع بنو إسرائيل عيونهم، وإذا المصريون راحلون وراءهم، ففزعوا جدا، وصرخ بنو اسرائيل إلى الرب وقالوا لموسى: هل لأنه ليست لنا قبور فى مصر أخذتنا لنموت فى البرية؟ ماذا صنعت بنا حتى أخرجتنا من مصر؟ أليس هو الكلام الذى كلمناك به فى مصر قائلين: كف عنا فنخدم المصريين لأنه خير لنا أن نخدم المصريين من أن نموت فى البرية ؟".
إن هذا الكلام ناضح بالنذالة والجبن واستمراء الدنية، والواقع أن الشعوب التى برحت بها العلل لا يمكن أن تبرأ من سقامها بين عشية وضحاها، إنها تحتاج إلى مراحل متتابعة وسنين متطاولة من العلاج المتأنى الصبور حتى تنقه من بلائها.
من أجل ذلك قرر المصلحون بعد تجارب مريرة أن الزمن جزء من العلاج..
وقد رأيت بعد تدبر عميق أن الشعب الإسرائيلى أول أمره لم يتبع موسى عن عزة نفس أو صلابة يقين، لعله تبعه عن تجاوب عرقى أو تعصب قبلى، ثم استفاد الأخلاق والإيمان فى مراحل متأخرة.
وملاحظة العقل اليهودى، والتاريخ اليهودى تؤكد هذا الاستنتاج!!
ونحتفظ بهذه النتيجة الآن لنعرف نهاية المطاردة بين فرعون وموسى!
لقد صورها القرآن الكريم فى هذه الآيات (فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون * قال كلا إن معي ربي سيهدين * فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم * وأزلفنا ثم الآخرين * وأنجينا موسى ومن معه أجمعين * ثم أغرقنا الآخرين)
إن الله لم يخذل نبيه، بل سانده بقدرته الخارقة، ولم يترك الجبابرة ليستأنفوا فسادهم فى الأرض، بل أخمد أنفسهم بضربة ما توقعوها قط.
ونظر بنو إسرائيل فوجدوا أنفسهم سالمين على الشاطئ الآخر، كما أحسوا أن قتلة الأمس قد طاحوا، فلا عدوان عليهم بعد!!..
فبماذا استقبلوا هذه النعماء الغامرة؟ وماذا فعلوا لمسديها الجليل؟ لقد تيقظت فى أنفسهم الوثنية، وأعجبتهم عبادة الأصنام! فتقدموا إلى نبيهم فى بلادة هائلة ليجعل لهم صنما! قال تعالى (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون * إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون * قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين).
وأى فضل أعظم مما تم؟ أن يرثوا الأرض، ويغلبوا العدو، ويُمنحوا فرصة السيادة؟ بيد أن شيئا من ذلك لم يغير خستهم إن أثقالهم النفسية حالت بهم فى مكان سحيق..
وجاء الاختبار التالى، فإن الله لم يكلف اليهود بمحاربة فراعنة مصر - ومحاربة الطغاة مطلوبة حيث كانوا - إلا أن الإسرائيليين كانوا أقل وأذل من ذلك، لقد كلفوا بمحاربة الجبابرة الذين يسكنون فلسطين، ووعدوا بأنهم فى هذه الحرب سوف ينتصرون...
وجزع اليهود لهذا التكليف، ولم يطمئنهم هذا الوعد!! إنهم أحرص الناس على حياة، وهيهات أن يعرضوا أنفسهم لخطر! كيف يطلب منهم قتال؟.
يقول لى الأمير بغير جرم: .. تقدم!. حين تجذبنا المراس!
فمالى إن أطعتك من حياة .. ومالى بعد هذا الرأس!
فمالى إن أطعتك من حياة .. ومالى بعد هذا الرأس!
جاء فى القرآن الكريم على لسان موسى (يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين * قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها).
ووصف التوراة حال الشعب اليهودى عندما سمع هذا التكليف فرفعت كل الجماعة صوتها وصرخت! وبكى الشعب تلك الليلة، وتذمر الشعب على موسى وعلى هارون، وقال لهما: ليتنا متنا فى أرض مصر! أو ليتنا متنا فى هذا القفر! لماذا أتى بنا الرب إلى هذه الأرض لنسقط بالسيف؟.
وكان لابد من قرار إلهى قاطع..
إن هذا الشعب محتاج إلى تربية طويلة الآماد، تكبح جماحه وتقتل رذائله، وتفتح بصيرته على لون آخر من الحياة الرفيعة، والإيمان بالله واليوم الآخر..
فلتكن "سيناء" مصيدة محكمة الجدران يضطرب داخلها، ويعيش وراء حدودها لا يعرف أحدا ولا يعرفه أحد، وليبق على تلك الحال أربعين سنة!.
أربعين سنة يهلك فيها الذين شاخوا فى الفساد، ويتدبر أمره فى سجنها الطويل من عاشوا لا يفكرون إلا فى مآربهم! وستنضج خلالها الذرية التى آمنت بموسى، وتبلغ مرتبة الرجولة التى تتصرف فى نفسها وفيما حولها...
أربعين سنة يخرس فيها من كانوا يهمسون بالحق فتكمم أفواههم!.
إن الأفراد المدمنين للمخدرات يحتاجون إلى مستشفيات تفنى فيها عاداتهم السيئة وتحيا فيها عادات جديدة تصح بها أجسامهم وأعصابهم، فكيف بأمم تواضعت على تقاليد رديئة وأعراف فاسدة؟.
إن هذه الأمم محتاجة إلى جو جديد تتنفس فيه هواء أنقى، وتسمع فيه إلى دعاة الحق وهم يهدونها سواء السبيل..
وقد طالت المدة على بنى إسرائيل فى "سيناء"! مات فى هذه الفترة موسى وهارون، وتركا وراءهما شعبا يتولى القدر تأديبه، ويتدرج بشتى الوسائل على رفع مستواه.. ولم يكن من هذا بُد ، إن الأمم لا تترك السفوحَ إلى القمم بكلمة عابرة من واعظ مخلص، أو مدرس بصير، الزمن جزء من العلاج.
استوقفتنى فى هذا المعنى فكاهة ذات مغزى : قيل إن ثعلبا جائعا انطلق يبحث عن طعام، فرأى من سرداب طويل إناء مشحونا بما لذ وطاب، فوثب داخل السرداب الضيق وتلطف حتى بلغ الإناء ثم أخذ يكرع منه حتى امتلأ، وحاول العودة من حيث جاء فعجز، لأن بدنه انتفخ فما يستطيع التقهقر! ولقيه فى محبسه هذا ثعلب عجوز عرف القصة من بدايتها، فقال للثعلب الصغير: ابق فى مكانك هذا حتى تجوع وتعطش وتخف وتنحف، وعندئذ تقدر على الخروج! قلت ضاحكا: الزمن جزء من العلاج..
لكن ما تكون عليه حال الدنيا خلال هذا الزمن المفروض؟ إن الجبارين الذين أُمر بنو إسرائيل بمقاتلتهم سيبقون مفسدين فى الأرض ينشرون فى أرجائها الكفر والذل، سيبقون كذلك عشرات السنين! فكيف ترضى الأقدار بهذا العوج؟.
وأجيب: لابد من وارث شريف للحضارة المعتلة! وإذا كان حملة الوحى الإلهى ليسوا أهلا لهذه الوراثة فهيهات أن يقودوا.. سواء حملوا التوراة أو الإنجيل أو القرآن..
وقد تنبأت بأن المدنية الحديثة سوف تبقى عصرا آخر لا أدرى مداه، سوف تبقى مع كفرها باليوم الآخر، ونسيانها الوضيع لله، وظلمها للضعاف والملونين، وتهتكها فى طلب الشهوات بكل وسيلة.
لماذا؟ لأن حملة الوحى يفقدون من الناحيتين الفكرية والنفسية مؤهلات القيادة، بل أعرف ـ وأنا عربى أعيش بين العرب ـ أن لدينا رذائل من نوع آخر لا تقل عن رذائل المعطلين والمثلثين، يستحيل معها أن نكون أهلا للصدارة، بل يستحيل معها أن يقع زمام القافلة البشرية فى أيدينا..
إن فساد المبتعدين عن الله، الجاهلين بحقوقه، سوف يُعلل بأنهم لا إيمان لهم..
أما فساد المتدينين فإنه يرتد إلى الدين نفسه بالنقض، ويجر عليه تُهما هو منها براء، فحكمة الله واضحة فى تأخير المتدينين الجهلة وحرمانهم من السلطة.
والأمة الإسلامية منذ بضعة قرون تتدحرج إلى أدنى، والمصلحون الذين هم شهداء عليها يوم القيامة لا يلقون منها إلا عنتا، وقد فقدت فى أثناء هذا التدحرج أمرين جليلين :
أولهما الشمائل الإسلامية التى اختصت بها الرسالة الخاتمة.
والآخر الملكات الإنسانية التى تتمتع بها الشعوب الراقية، والتى تجعلها سباقة فى ميادين الحياة ـ المادية والأدبية..
أذكر أنه جاءنى يوما أحد الدعاة فى حال من الغضب الشديد يقول لى: أترى إلى حكومتنا وهى تدعو إلى تحديد النسل؟ يجب أن تنضم إلينا فى محاربتها!
قلت له وأنا متثاقل: إن التحديد المقترح لا يحل المشكلة القائمة!ان المشكلة تكمن فى عدم وجود الإنسان السوى، والمجتمع الناشط.
قال لى: إن تعاليم الإسلام هى تكثير النسل.. قلت.. له: نعم وله تعاليم أخرى فى تكبير الشغل! قال: ماذا تعنى؟
قلت: لماذا تريد الزواجَ والنسلَ الكثيرَ على أن يقوم غيرك بالإنفاق على زوجك وولدك؟ إنكم لا تعمرون الأرض وتثيرونها كما أثارها غيركم وعمَّروها، إنكم لا تستخرجون خيرات الأرض من خباياها وظواهرها كما استخرجها غيركم من أنحاء البر والبحر!!.
إنكم بدوافع الرغبة الحيوانية تصيحون فى طلب الزواج والأولاد، وتطلبون الكثير الكثير، فعلام يدل هذا؟ على أن العقل الإسلامى يعرف رغبته ويسمع صوتها، ولكنه لا يعرف واجبه ولا يلبى نداءه!.
ثم استتليت : لا الشعب يدرى، ولا السلطة تدرى! ظلمات بعضها فوق بعض!!.
إن المثال السابق سُقته إثر واقع عرض لى وأنا أكتب الآن، وهو يخدم الفكرة التى أريد إبرازها، وهى أن علل الأمم لا تداوى بالارتجال السريع، والرغبة النزقة.
والشبان الذين يظنون الإسلام يمكن أن يقوم بعد انقلاب عسكرى أو ثورة عامة لن يقيموا إسلاما إذا نجحوا! فإن الدولة المحترمة وليدٌ طبيعىٌ لمجتمع محترم، والحكومة الصالحة نتيجةٌ طبيعيةٌ لأمة صالحة! أما حيث تتكون شعوب، ماجنة وضِيعة فسيتولى الأمرَ فيها حكامٌ من المعدن نفسه (وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون).
والاتجاه إلى الجماهير لغرس العقائد وتزكية الأخلاق وإنشاء تقاليد شريفة، وإقامة شواخص ماجدة ترنو إليها البصائر، وإقامة الصلاة جماعة بعد جماعة، أعنى وقتا بعد وقت من الفجر إلى العشاء، وتحصين الرجال والنساء ضد الانحراف والانحلال، والتغلغل فى الأسواق والميادين والمنظمات والنقابات لإحياء كلمات الله وإنفاذ وصاياه.. ذلك كله كان طريق الأنبياء وحوارييهم ومَن نَهج نهجهم..
ولم تقع معركتا بدر والفتح إلا بقدَر أعلى ، انساق إليه المسلمون دون خطة سابقة أو إعداد مبيت..!!.
أعرف أن عددا من الحكومات مرتد عن الإسلام يقينا، وأنه لن يدَّخر وسعا فى مقاومة المد الإسلامى وفتنة أهله، وعلاج ذلك يتم بالتزام الخط الذى رسمه الأنبياء، والصبر على لأوائه وضرائه، فهو ـ وإن طال المدى ـ أقصر الطرق إلى الوصول، وأولاها برعاية الله، وأبعدها عن الأطماع والشبهات..
ولا تحسبن هذا الخط أبعد عن المخاطر وأقرب إلى السلامة، إنه صعب التكاليف ثقيل الأعباء، وقد رأيتُ أعداء الإسلام يرقبون هذا الخط بحذر ويرون أصحابه هم الأعداء الحقيقيون لهم.
إن قصة خدمة الإسلام عن طريق الانقلابات والثورات راودت أناسا لهم إخلاص وليست لهم تجربة، ولم تنجح من سنين طويلة هذه المحاولات، ورأيى أنها لو نجحت فإلى حين، ثم يبدأ الجهاد لتنظيف الشعوب من أقذائها، وإحداث تغيير جذرى فى أخلاقها وعاداتها!
أى أننا سنرجع إلى الإصلاح الشعبى عن طريق الشعب نفسه لا عن طريق الأوامر الرسمية.
لست أنكر قيمة السلطة فى اختصار المسافة، وإقرار المعروف ومحو المنكر، وإنى أعلم أن الدولة جزء من الدين، وأن أجهزتها الفعالة جزء من شعب الإيمان السبعين.. وكون الحكم من شعائر الإسلام حقيقة لا يمارى فيها إلا جاهل أو جاحد...!.
وهذا كله لا يلغى ولا يوهن عمل الأمة نفسها فى تثبيت العقائد والأخلاق والعادات الحسنة، وفى إعلاء سلطان الضمير وتتبع مسارب السلوك الخفية والجلية، وفى فرض رقابة دقيقة على أجهزة الحكم، وإبطال شرعيتها إن هى نسيت وظيفتها أو جاوزت حدودها..
إن الدولة فى الإسلام صورة ظاهرة لباطن الأمة، وهى يدها التى تحقق بها ما تبغى، وقدمها التى تسعى بها إلى ما تريد..
بيد أن ضراوة الطباع البشرية السافلة قلبت هذا كله رأسا على عقب، وأمكنت ناسا من عبيد ذواتهم أن يفهموا الحكم على نحو آخر، إنهم لم يفهموه عبادة لله بل سيادة على الآخرين، ولم يفهموه أمانة ثقيلة العبء بل فهموه مغنما لذيذ الطعم، .. وتطاولت هذه الحال على الأمة المنكوبة فأصابها من الضياع ما أصابها....
كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلم أن وضع قريش بين القبائل العربية يجعل الأمور تتدافع إليها، ويجعلها مرشحة أكثر من غيرها لتولى السلطة، فأحب أن يشعرها بما لها وما عليها لترغب وترهب، روى أحمد فى مسنده عن أبى موسى الأشعرى قال: " قام رسول الله على باب بيت فيه نفر من قريش، وأخذ بعضادتى الباب، فقال: هل فى البيت إلا قرشى؟ فقيل: يا رسول الله غير فلان ابن أختنا، فقال: ابن أخت القوم منهم! ثم قال : إن هذا الأمر فى قريش ما إذا استرحموا رحموا، وإذا حكموا عدلوا، وإذا قسموا - يعنى المال - أقسطوا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل " أى لا تنفعه توبة ولا فداء. وقد قامت لقريش دولة بل دول فى المشارق والمغارب، فهل راعت شروط الاستخلاف، أم جرت على الإسلام وأمته المتاعب..؟.
لقد لبث الحكم فى أيدينا أحقابا، فلما لم تحسن الأمة الإفادة منه فى دعم رسالتها ورفع رايتها، انتزعه الآخرون منها، وها هى ذى تلهث لتستعيده.
وهو إن شاء الله عائد إلينا طال الزمان أو قصر، غير أنه لن يعود حتى تختفى من بيننا أوهام كثيرة فى فهم معنى السلطة، وحتى ترقى أمتنا ماديا ومعنويا فتكون الدولة فى يدها لخير الجماهير لا لإرضاء فرد مغرور..
إن فن الحكم فى العالم المعاصر قد ارتقى إلى أوج بعيد، وفى انجلترا مثلا يستطيع عامل فى أحد المناجم أن يجابه الحكومة دون أن تخالجه ذرة من قلق! وقد ينتصر أو ينهزم فلا يزيده نصر ولا تنقصه هزيمة!.
ولو وقع ذلك فى بعض الدول الإسلامية لأمر الحاكم بقطع عنقه، ولمرَّت الدهماء على جسده الملقى يقولون: ما دخلك يا صعلوك فى سياسة الملوك؟.
إن الشعب والحكومة معا دون مستوى الإسلام الذى ينتمون إليه، بل هم والحق يقال عار عليه! لقد اختفت تحت أطباق الثرى تقاليد الخلافة الراشدة، وبقيت فى العقل الباطن للدهماء تقاليد السلاطين الذين هم ظل الله فى الأرض، وفتاوى العلماء الذين تواصوا بقبول الأمر الواقع، أو بالتعبير الفقهى الخضوع لمن نالوا الحكم بالغلبة والقهر..!.
ثم كان من احتاك المسلمين بغيرهم من أهل الأرض، أن ظهرت وطبقت فلسفة الديمقراطية، ورأى من لهم فقه وتقوى أنها قريبة من " الشورى الإسلامية" فكيف انتقلت إلينا " ديمقراطية " الغرب؟..
إن الحكم الفردى صالح بينها وبين رغبته، ويستطيع الحاكم " المهم " فى بلاد الإسلام أن يظل عشرات السنين، يُنتخب هو وحده لا غير، عشر مرات أو أكثر ما دام حيا.. ويقول هذا الحاكم للمتدينين هذه هى الشورى التى تنادون بها، ويقول للناس من وراء الحدود، أنا وليد انتخابات حرة، وإرادة شعبية.
والأرض والسماء يعلمان أن هذا كذب وزور..
والأمر يحتاج إلى تغيير جذرى كما قلنا فى كيان الأمة وعقلها وضميرها حتى لا تمر هذه المهازل أبدا..
ويضحك أولو الألباب ومن حقهم أن يبكوا عندما يسمعون متحدثا باسم الإسلام يصحح هذه الأوضاع!.
هل تحتاج أمتنا إلى أربعين سنة تصح فيها كما احتاج بنو إسرائيل؟ لا أدرى! كل ما أقدر على قوله أن الإسلام لا يقبل حكما عسكريا، ولا يعرف خرافة: " الناس قلوبهم مع الحسين وسيوفهم مع يزيد " وأن على دعاة الإسلام من خلال تعاليمه لا من خلال تقاليد عصور الانحطاط والفوضى فى تاريخه المديد.
عليهم أن يعدُّوا قتيل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر شهيدا أغرَّ الجبين لا صعلوكا يقاوم السلاطين، فإنهم بهذا المنطق الجبان لن يكونوا مسلمين! ولن يصلحوا لقيادة أنفسهم بله أن يقودوا العالمين..!.
وصلة الاقتصاد بالسياسة وثيقة، ومراقبة سير المال بين جماهير الناس لابد منها، وتحديد موقف الحاكم من المال العام شارة كل دولة محترمة.
وقبل أن نشير إلى ما يقع فى بلادنا الإسلامية نريد أن نثبت نموذجا من الخلافة الراشدة يوضح طبيعة الحكومة الإسلامية والسمة البارزة لحياة الحاكم المسلم.
كان عمر بن الخطاب مرموق المكانة فى الجاهلية والإسلام فلما ولى الخلافة، واتسعت رقعة الدولة فى عهده، وورث ملك الأكاسرة والقياصرة، لوحظ عليه أنه حريص على استصغار شأن نفسه سرا وعلنا، وعلى توكيد أنه رجل لولا فضل الله ما كان شيئا يذكر..!!.
كان عمر مع قافلة من الناس يمرون بشعاب " ضجنان " - جبل قريب من مكة - فسمع يقول: " لقد رأيتنى فى هذا المكان، وأنا فى إبل للخطاب وكان فظا غليظا أحتطب عليها مرة، وأختبط عليها أخرى، ثم أصبحت اليوم يضرب الناس بجنباتى ليس فوقى أحد! ثم تمثل بهذا البيت:
لا شيء مما ترى تبقى بشاشته .. يبقى الإله و يفنى المال و الولد
وخرج عمر يوما حتى أتى المنبر فشوهد عليلا، وكانوا قد وصفوا له عسل النحل، وفى بيت المال عكة - آنية صغيرة - فقال للناس: إن أذنتم لى فيها أخذتها، وإلا فإنها علىَّ حرام، فأذنوا له فيها..!!.
وكان عمر يؤكد أنه ما قبل الخلافة إلا رجاء أن ينهض بما لا يقدر غيره على النهوض به، ولولا ذلك لنأى عنها، وفى ذلك يقول: " ليعلم من ولى هذا الأمر من بعدى أن سيُريده عنه القريب والبعيد، وإنى لأقاتل الناس عن نفسى قتالا! ولو علمت أن أحدا من الناس أقوى على هذا الأمر منى لكنت أن أقدم فيضرب عنقى أحب إلى من أن أتولاه... وقال عمر للناس يوما: " أنا أخبركم بما أستحل من مال المسلمين! يحل لى حلتان، حلة فى الشتاء وحلة فى القيظ، وما أحج عليه وأعتمر من الظهر، وقوتى وقوت أهلى كقوت رجل من قريش ليس بأغناهم ولا بأفقرهم.. ثم أنا بعد رجل من المسلمين يصيبنى ما أصابهم ".
ورووا أن الربيع بن زيادة الحارثى وفد على عمر بن الخطاب فأنس إليه عمر وأعجبته هيئته، فشكا إليه عمر طعاما غليظا أكله فقال الربيع: يا أمير المؤمنين، إن أحق الناس بطعام لين وملبس لين لأنت، فرفع عمر جريدة معه فضرب بها رأسه، وقال أما والله ما أراك أردت الله بمقالتك، ما أردت إلا مقاربتى! ويحك، هل تدرى ما مثلى ومثل هؤلاء ـ جماهير الناس ـ؟.
فقال الربيع: ما مثلك ومثلهم؟ قال عمر: قتل قوم سافروا فدفعوا نفقاتهم إلى رجل منهم وقالوا له: أنفق علينا! فهل يحل له أن يستأثر منها بشىء؟ قال: لا يا أمير المؤمنين قال: فكذلك مثلى ومثلهم..
ثم قال عمر: إنى لم أستعمل عليكم عمالى ليضربوا أبشاركم وليشتموا أعراضكم، ويأخذوا أموالكم! ولكنى استعملتهم ليعلموكم كتاب ربكم وسنة نبيكم. فمن ظلمه عامله بمظلمة فلا إذن له علىَّ ليرفعها إلى حتى أقصه منه! فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين أرأيت إن أدب أمير رجلا من رعيته أتقصه منه؟ فقال عمر: وما لى لا أقصه منه وقد رأيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقص من نفسه؟ وكتب عمر إلى أمراء الأجناد: لا تضربوا المسلمين فتذلوهم! ولا تخرموهم فتكفروهم! ولا تجمروهم فتفتنوهم، ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم!.
تلك علاقة الشعوب بحكامها فى تعاليم الإسلام، وقد نكبت الجماهير فى أقطار عدة برجال مترفين استباحوا الضعفاء، وأذلوا من أعز الله، وأعزوا من أذل الله ، فقامت عليهم ثورات محنقة ركب موجتها شبان مغامرون باسم الاشتراكية التى تنصف الشعوب وتحقق العدالة الاجتماعية، فماذا كان؟.
دخلت الشعوب فى محن متتابعة أفقدتها دينها ودنياها معا، وأنزلت بها هزائم عسكرية وسياسية كست الوجوه بالقار والعار!.
رفع أولئك المغامرون شعار العروبة بعد تجريدها من الإسلام، واتباعها المذاهب المغيرة على بلادنا من الشرق الشيوعى أو الغرب الصليبى، وأكرهت الجماهير إكراها على قبول الشعار الجديد.
وكان بالقادة الجدد جوع شديد إلى الظهور والعظمة، كما كان بهم جوع إلى الرفاهة والبذخ فإذا قصورهم تترع بالملذات وأهلوهم يمرحون فى فنون من الوجاهات والمتع..
ولما كانوا خالين من المواهب الرفيعة والتجارب المفيدة، فقد أساءوا النقل والاقتباس، وزعموا أنهم سوف ينهضون بالبلاد صناعيا، فأضاعوها زراعيا وصناعيا..
وكانت نتائج انقطاعهم عن الله، وجهالتهم بالحياة، أن خذلتهم قوانين الأرض وبركات السماء فإذا العرب والمسلمون يقعون فى ورطات رهيبة وتجتاحهم هزائم مذلة فى كل ساحة.
وما عسى أن يفعل القدر لرجل يخطب فى الحشود المسوقة إليه فيقول وهو يعبث بين أصابعه بقلم: ماذا فعل محمد للناس؟ محمد (!) هكذا يذكر صاحب الرسالة العظمى (!) وتصورت معزة خرجت من مربضها لتقول للشمس : اغربى إنك ما تصنعين للكون شيئا...!!.
وزعيم آخر نسى كل النسيان أنه كان فى طفولته يجرى وراء جحاش القرية ثم صيرته الاشتراكية زعيما فإذا هو لا يمتطى فى تنقلاته إلا الطائرات السمتية كبرا عن أعظم السيارات.
وآخر، وآخر... ما أكثر الأصفار التى ظنت نفسها ألوفا فى أرض الإسلام اليتيم!. والجماهير تنظر فى بلاهة، وقد حبسها فى موقفها السلبى حب الدنيا وكراهية الموت وإرخاص الحق وعشق الشهوات...
إن رسالتنا الكبرى قاعدتها أمة مؤمنة بها حريصة عليها وأداتها الأولى جهاز الحكم فيها وقد تكون الأداة قاصرة، أياما أو شهورا ! فأن تكون الأداة مضادة لرسالة الأمة منسلخة عن وحيها، والأمة نفسها لا تعى ولا تتحرك، فالأمر يتصل بالقاعدة نفسها...! والإصلاح الأول لا يتجه إلا إليها...
من أجل ذلك أهيب بالإسلاميين أولى الغيرة على دينهم ألا يضيعوا وقتا فى جدال، وألا ينخدعوا عن فساد الموضوع بفساد الشكل، وأن يتجهوا إلى أمتهم ذاتها يعالجون عشرات العلل الكامنة والوافدة التى تنخر فى كيانها وتباعدها عن كتاب ربها وسنة نبيها.
إن الحالمين بانقلاب عسكرى يجب أن يستيقظوا وإلا كانوا هم أنفسهم قسما من المرضى! لقد تدبرت أحوال دول ما تزال تعبد الأصنام فوجدتها وصلت إلى حد الاكتفاء الزراعى، وقفزت إلى الصناعات الإلكترونية، وفجرت القنبلة الذرية، واستقرت فيها الأنظمة الديمقراطية، ورجعت البصر إلى أمتى فوجدتها دون ذلك كله، فازداد حتى بخطورة ما انتهينا إليه!.
بل لقد تأكد لدى أن الحضارة الغربية ـ بشقيها المتنافرين ـ قد تبقى عصرا آخر لا يعلم إلا الله مداه، ما بقى المسلمون رسميا وشعبيا على هذا المستوى من الإسفاف فى نواحى حياتهم الفردية والاجتماعية..! لأنهم لن يصلحوا بديلا لوراثة الأرض!.
إن الدين كما درسته فى كتاب ربى إيمان وإصلاح لا نفاق وإفساد! ألا تقرأ قوله تعالى (وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون * والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون).
ما أحلى شعار الحكم بما أنزل الله.. هل تحكم بما أنزل الله فى نفسك؟ وفى بيتك؟، وبين جيرانك وإخوانك؟ وفى عملك..؟.
لقد تقلبت بين طوائف كثيفة، وبلوت الكبار والصغار، فشعرت أن الناس عندما يتخفون عن مشاعر الحب والرحمة، وتستبد بهم نوازع الأثرة والتكاثر، يتحولون إلى وحوش مرهوبة الفتك!. أين كلمة الرسول: " لن تؤمنوا حتى تحابوا "؟ إن فقدانها لا يسد مسده شىء، وشرائع الحدود والقصاص ما منها بد! بيد أنها لا تغنى أبدا عن شرائع الأخلاق وتقاليد الحنان والأدب والرفق..
والحكومات تستبعد من عالم القانون نصوصا دينية لا ريب فيها لأن الصليبية والشيوعية قررتا إماتة هذه النصوص، وسوف تعترضان محاولات بعث الحياة فى هذا التراث..!!.
حسنا، فهل يتحقق الإسلام عندما يطبق المسئولون فى العالم الإسلامى هذه الشرائع؟ إن الذين جاءوا بطريق غير إسلامى لن يحسنوا الحكم بما أنزل الله! والذى سرق منصبه بطريق التزوير أو الاغتصاب لن ينصف الإسلام يوم يقطع يد لص صغير، كل ما حدث أن اللص الكبير قطع يد لص ضعيف..
الإسلام كل لا يغنى بعضه عن بعض، والحكومة فيه إفراز طبيعى لأمة مؤمنة، أمة اختارت الأكفأ والأصلح ، وائتمنته على دينها ودنياها، ووضعته تحت رقابتها، ولها حق مطلق فى تنحيته يوم تشاء..!.
الشعوب الطبيعية عرفت ذلك ونفذته جزءا من منطق الفطرة، أعنى منطق الإسلام، وهل الإسلام إلا الفطرة السليمة؟.
إن غيرنا أقرب إلى تعاليم الإسلام فى مجال الحكم، وإن كان بعيدا عنه فى مجال الاعتقاد!.
يعلم الناس أن مستر " تشرشل " هو بطل انجلترا وكاسب النصر لها فى الحرب العالمية الثانية، وحقه على قومه كبير، لكن قومه رأوا غيره أقدر منه فى أيام السلام وأجدر بالوزارة فأبعدوه دون حرج، وذهب الرجل إلى بيته دون ضجة..
وكذلك جنرال " ديغول " الذى مسح العار عن وطنه فى أيام كالحات، وقاد فى المنفى حرب مقاومة انتهت بالنصر! لقد قال له الفرنسيون يوما: جنرال لم ورقك واترك منصبك فكان الرجل أسرع من البرق فى جمع أوراقه والانطلاق إلى قريته.
ولو فكر أحدهما فى الخروج على مشيئة أمته لما وجد خادما يقدم له الطعام، بل ما وجد من يبيعه الخبز، ذاك لو بقى حيا!.
أما فى البلاد التى يعيش فيها مليار عربى ومسلم فللوثنية السياسية منطق آخر.
يقول القائد اليهودى " مردخاى ": " إن النصر الذى تم لنا فى حرب الأيام الستة فاق أشد الأحلام جنونا " وهذا حق، فقد كسب اليهود أرضا ومالا وجاها تتجاوز الخيال دون خسائر تذكر، لم تكن حربا هذه الرواية التى وقعت! إن القادة العرب قدموا جنودهم لجزار لا تكل يداه من الذبح، وعندما تعب من التنكيل بخصمه ساق البقية أسرى!!.
ثم ماذا؟ رجع القادة المدحورون المعصوبون بالخزى يقولون فى وقاحة لم يعرف التاريخ لها نظير: هذه نكسة! المهم أننا نحن بقينا..!.
ثم ماذا أيضا؟ انتظروا من الجماهير أن تهتف بأسمائهم وأن تقدم لذواتهم المصونة الولاء..!.
وتم لهم ما انتظروه! قادة النصر فى الغرب تستبدل بهم شعوبهم من تراه أفضل لها، وقادة الهزيمة هنا يبقون جاثمين على صدر الأمة حتى يوردوها القبور...
ولا أزال أستغرب الصمت الذى يحف قتل عشرات الألوف من المسلمين فى حماة ثم فى طرابلس - لبنان.
لئن كان القتل جريمة شنعاء إن هذا الصمت الجبان جريمة أشنع لكن هذه نتائج الموت الأدبى.. ومازلت أؤكد أن العمل الصعب هو تغيير الشعوب، أما تغيير الحكومات فإنه يقع تلقائيا عندما تريد الشعوب ذلك..!.
إن علل أمتنا غليظة، وإذا لم ينشغل دعاة الإصلاح بعلاجها فبم يشتغلون؟.
هناك تقاليد انحدرت إلينا من ماض طويل، ما أنزل الله بها من سلطان، ثم جاءنا الاستعمار العسكرى والثقافى بتقاليد أخرى هى من مباذل الغرب وهناته، ربما كان محصنا ضدها أو قليل التشكى منها، لكنها لما جاءتنا كانت بالغة الضرر..
هذه التقاليد وتلك، اعوجت بفكرنا وسلوكنا على سواء، وأكاد أقول: إننا بهذا الاعوجاج نشبه بنى إسرائيل قبل أن يعاقبوا بأيام التيه! أو نشبههم عندما تمردوا على الوحى، ولعنوا على لسان داود وعيسى ابن مريم..
وما خلت الأمة على تطاول القرون من مذكر بالحق وداع إلى الخير!
والذى ألفت النظر إليه أن التغيير الحاسم لا يتم ارتجالا، ولا يتم بين عشية وضحاها، ويجب أن يتجرد له رجال لا يخافون فى الله لومة لائم، ولا تخلع قلوبهم رهبة أو رغبة، يمشون فى الطريق الطويل الذى سار فيه الأنبياء، ولا يفكرون فى انقلابات عسكرية أو ثورات مسلحة، إنما يفكرون فى الإصلاح المتأنى، والتغيير الذى جزم القرآن الكريم بنتائجه قال (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).
وهناك من يطلب السلطة لتكون بين يديه أداة التغيير المنشود!. وأكره أن أتهم نية هؤلاء أو نهجهم، فقد عشت معهم ومازلت بينهم، ووجهة هؤلاء الرجال أن الحكم فى أرض الإسلام منحرف من زمان بعيد، وهم يتساءلون: ما الشرعية التى يعتمد عليها هذا الحكم؟ الحكومات المدنية تستند فى مشروعية بقائها على أنها تمثل الشعب، والحكومات الدينية تستند إلى أنها تطبق الدين!.
فإذا لم يكن ثم تمثيل للشعب ولا تحكيم للدين فأين مشروعية البقاء؟ والنزاع الدموى الطويل الذى شجر بين الفريقين يرجع إلى التنافر الحقيقى بين الأمر الواقع وطلاب التغيير!.
وأنا أدعو هنا إلى سياسة جديدة فى خدمة الإسلام، وبناء أمته التى تتواثب حولها شياطين الإنس والجن تكفينها والخلاص منها.
ودعوتى أساسها الاستفادة من التجارب الطويلة، والنظر الدقيق فى الأسلوب الذى سار عليه رسل الله، وخاتمهم العظيم محمد بن عبد الله، الذى دعا إلى الحق، وتنزه عن كل مأرب، وأمن أهل الدنيا على ما بأيديهم (قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله وهو على كل شيء شهيد).
وقد لاحظت فى أثناء الصراع القاسى بين الإسلاميين وغيرهم من الحكام، أن أغلب الذين يملكون الأمور يمضون مع تيار السلطة وينغمسون فى عبابه انغماس السمك فى الماء.
أى أنهم يحسون أن الخروج منه انتقال إلى الموت، فهم يدفعون عن حياتهم، ويرون من يحاول استلاب السلطة منهم قاتلا، يجب الإجهاز عليه قبل أن يجهز عليهم!.
وشىء ثان أن ظنهم سيئ بالإسلاميين، فهم لا يرونهم أصحاب مبادئ بل أصحاب مطامع، وأن مغانم الحكم هى التى تحركهم، فلماذا تترك لهم؟.
والشىء الثالث الخطير أن بعضهم يجهل الإسلام جهلا بسيطا أو مركبا بل لقد رأيت فى سياحاتى بالعالم الإسلامى من يكره الصلاة والعفاف أكثر من كره الشيوعيين والصليبيين لهما..!!.
ويفرض هذا كله على الدعاة التجرد التام وهم يرفعون راية الإسلام، وأن يعلنوا بقوة عزوفهم عن الحكم ورفضهم لمناصبه، وإيثارهم أن يقوم غيرهم بمهمة التطبيق والتنفيذ وتأييدهم القوى لمن يسارع من الحكام إلى العمل بالإسلام..
وليست مهمة الدعاة تلمس الأخطاء وكشف أصحابها، ولا أن نتحول إلى نقاد سياسيين يشغلنا الهجاء عن البناء.
الذى أراه أن نكدح فى الميادين الداخلية لنعيد بناء أمة توشك أن تتحول إلى أنقاض، وما أكثر هذه الميادين وأفقرها إلى العاملين إننا لو انتصرنا فيها ربحنا تسعة أعشار المعركة.
وكل عمل مقرون بالجهل أو الغلو يصيب الإسلام فى مقاتله، ويجعل صاحبه ـ من حيث لا يدرى ـ عونا لخصوم هذا الدين..
قد تقول : إن السلطات القائمة سوف تمنعنا من هذا العمل! فماذا ترى؟.
وأقول : إن الأنبياء منعوا من قبل عن أداء رسالتهم لكنهم مضوا فى الطريق الطويل يتحملون التكذيب والتعويق (ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله) مضوا يبنون ولا يهدمون ويحسنون ولا يسيئون، مضوا فى طريق التوعية والتربية والتبصير بالآخرة والاشراف على الحياة الدنيا من مستواهم العالى، لا يزاحمون عليها، ولا يُظن بهم طمع فيها، حتى تخير الله لهم مكان النصر وزمانه، وكان ما قدر الله!!.
عاش من عاش محققا رسالته، ومات من مات موطدا عند الله مكانته. لقد سمعت شبابا يشكو طول هذا الطريق، ويهز رأسه رافضا، إنه يريد معركة سريعة!.
إن ريبتى شديدة فى قلوب هؤلاء أو فى عقولهم، وأدعو الله أن يقى الإسلام شرهم.
من كتاب الطريق من هنا
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)




