الأحد، 1 يوليو 2018

الطريق من هنا



 الطريق من هنا 
التوعية والتربية والبناء أساس الحُكم والتغيير 

الشيخ محمد الغزالى
 عندما كان موسى عليه السلام يكافح لتحرير قومه من ظلم الفراعنة واجه متاعب جديرة بالتأمل، وجل هذه المتاعب كان من قومه أنفسهم!.
أصدر إليهم الأمر أن يرحلوا من مصر فى ليلة موعودة، وأن يستخفوا تحت جنح الظلام متجهين شطر البحر الأحمر، واستجاب اليهود للأمر الذى أصدره قائدهم، فلننظر: أكانوا متلهفين للخروج من مصر؟ أكانوا متعشقين للحرية التى فقدوها؟ والأمان الذى حرموه؟ أكانوا كارهين لجو تُذبح فيه الأبناء وتُستحيا النساء ويُصب فيه البلاء؟.
إن هذا ما يتبادر للأذهان.
غير أن الواقع غير ذلك، فإن بنى إسرائيل كانوا قد ألفوا الدنية واستكانوا للضيم على نحو ما قال أبو الطيب :
من يهن يسهل الهوان عليه .. ما لجرح بميت إيلام!
وقد نبه القرآن الكريم إلى موقف الشعب من القائد الذى يبغى تحريره قال تعالى: (فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم) إن بعض الشباب حديث السن سليم الفطرة هو الذى اعتنق رسالة موسى، وقرر أن يقاوم معه الجبروت، ومضى مع أحلام المغامرة ينشد مستقبلا أشرف!.
أما الشيوخ وسواد اليهود فقد قيد مسالكهم الخوف ولم يتحمسوا لدعوة الحرية! 
وقد انكشفت خباياهم لما قرر فرعون ملاحقة الهاربين من بطشه، وخرج على رأس جيش كبير ليستعيد قوم موسى إلى السجن الذى فروا منه!!.
كانت مطاردة مثيرة، اليهود يشتدون نحو الساحل عابرين الصحراء الشرقية، وفرعون وراءهم يريد أن يدركهم.. 
ويصف الإصحاح الرابع من سفر الخروج هذا الموقف قائلا: " فلما اقترب فرعون رفع بنو إسرائيل عيونهم، وإذا المصريون راحلون وراءهم، ففزعوا جدا، وصرخ بنو اسرائيل إلى الرب وقالوا لموسى: هل لأنه ليست لنا قبور فى مصر أخذتنا لنموت فى البرية؟ ماذا صنعت بنا حتى أخرجتنا من مصر؟ أليس هو الكلام الذى كلمناك به فى مصر قائلين: كف عنا فنخدم المصريين لأنه خير لنا أن نخدم المصريين من أن نموت فى البرية ؟".
إن هذا الكلام ناضح بالنذالة والجبن واستمراء الدنية، والواقع أن الشعوب التى برحت بها العلل لا يمكن أن تبرأ من سقامها بين عشية وضحاها، إنها تحتاج إلى مراحل متتابعة وسنين متطاولة من العلاج المتأنى الصبور حتى تنقه من بلائها.
من أجل ذلك قرر المصلحون بعد تجارب مريرة أن الزمن جزء من العلاج..
وقد رأيت بعد تدبر عميق أن الشعب الإسرائيلى أول أمره لم يتبع موسى عن عزة نفس أو صلابة يقين، لعله تبعه عن تجاوب عرقى أو تعصب قبلى، ثم استفاد الأخلاق والإيمان فى مراحل متأخرة.
وملاحظة العقل اليهودى، والتاريخ اليهودى تؤكد هذا الاستنتاج!!
ونحتفظ بهذه النتيجة الآن لنعرف نهاية المطاردة بين فرعون وموسى! 
لقد صورها القرآن الكريم فى هذه الآيات (فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون * قال كلا إن معي ربي سيهدين * فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم * وأزلفنا ثم الآخرين * وأنجينا موسى ومن معه أجمعين * ثم أغرقنا الآخرين)
إن الله لم يخذل نبيه، بل سانده بقدرته الخارقة، ولم يترك الجبابرة ليستأنفوا فسادهم فى الأرض، بل أخمد أنفسهم بضربة ما توقعوها قط.
ونظر بنو إسرائيل فوجدوا أنفسهم سالمين على الشاطئ الآخر، كما أحسوا أن قتلة الأمس قد طاحوا، فلا عدوان عليهم بعد!!..
فبماذا استقبلوا هذه النعماء الغامرة؟ وماذا فعلوا لمسديها الجليل؟ لقد تيقظت فى أنفسهم الوثنية، وأعجبتهم عبادة الأصنام! فتقدموا إلى نبيهم فى بلادة هائلة ليجعل لهم صنما! قال تعالى (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون * إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون * قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين).
وأى فضل أعظم مما تم؟ أن يرثوا الأرض، ويغلبوا العدو، ويُمنحوا فرصة السيادة؟ بيد أن شيئا من ذلك لم يغير خستهم إن أثقالهم النفسية حالت بهم فى مكان سحيق..
وجاء الاختبار التالى، فإن الله لم يكلف اليهود بمحاربة فراعنة مصر - ومحاربة الطغاة مطلوبة حيث كانوا - إلا أن الإسرائيليين كانوا أقل وأذل من ذلك، لقد كلفوا بمحاربة الجبابرة الذين يسكنون فلسطين، ووعدوا بأنهم فى هذه الحرب سوف ينتصرون...
وجزع اليهود لهذا التكليف، ولم يطمئنهم هذا الوعد!! إنهم أحرص الناس على حياة، وهيهات أن يعرضوا أنفسهم لخطر! كيف يطلب منهم قتال؟.
يقول لى الأمير بغير جرم: .. تقدم!. حين تجذبنا المراس!
فمالى إن أطعتك من حياة .. ومالى بعد هذا الرأس!
جاء فى القرآن الكريم على لسان موسى (يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين * قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها).
ووصف التوراة حال الشعب اليهودى عندما سمع هذا التكليف فرفعت كل الجماعة صوتها وصرخت! وبكى الشعب تلك الليلة، وتذمر الشعب على موسى وعلى هارون، وقال لهما: ليتنا متنا فى أرض مصر! أو ليتنا متنا فى هذا القفر! لماذا أتى بنا الرب إلى هذه الأرض لنسقط بالسيف؟.
وكان لابد من قرار إلهى قاطع..
إن هذا الشعب محتاج إلى تربية طويلة الآماد، تكبح جماحه وتقتل رذائله، وتفتح بصيرته على لون آخر من الحياة الرفيعة، والإيمان بالله واليوم الآخر..
فلتكن "سيناء" مصيدة محكمة الجدران يضطرب داخلها، ويعيش وراء حدودها لا يعرف أحدا ولا يعرفه أحد، وليبق على تلك الحال أربعين سنة!.
أربعين سنة يهلك فيها الذين شاخوا فى الفساد، ويتدبر أمره فى سجنها الطويل من عاشوا لا يفكرون إلا فى مآربهم! وستنضج خلالها الذرية التى آمنت بموسى، وتبلغ مرتبة الرجولة التى تتصرف فى نفسها وفيما حولها...
أربعين سنة يخرس فيها من كانوا يهمسون بالحق فتكمم أفواههم!.
إن الأفراد المدمنين للمخدرات يحتاجون إلى مستشفيات تفنى فيها عاداتهم السيئة وتحيا فيها عادات جديدة تصح بها أجسامهم وأعصابهم، فكيف بأمم تواضعت على تقاليد رديئة وأعراف فاسدة؟.
إن هذه الأمم محتاجة إلى جو جديد تتنفس فيه هواء أنقى، وتسمع فيه إلى دعاة الحق وهم يهدونها سواء السبيل..
وقد طالت المدة على بنى إسرائيل فى "سيناء"! مات فى هذه الفترة موسى وهارون، وتركا وراءهما شعبا يتولى القدر تأديبه، ويتدرج بشتى الوسائل على رفع مستواه.. ولم يكن من هذا بُد ، إن الأمم لا تترك السفوحَ إلى القمم بكلمة عابرة من واعظ مخلص، أو مدرس بصير، الزمن جزء من العلاج.
استوقفتنى فى هذا المعنى فكاهة ذات مغزى : قيل إن ثعلبا جائعا انطلق يبحث عن طعام، فرأى من سرداب طويل إناء مشحونا بما لذ وطاب، فوثب داخل السرداب الضيق وتلطف حتى بلغ الإناء ثم أخذ يكرع منه حتى امتلأ، وحاول العودة من حيث جاء فعجز، لأن بدنه انتفخ فما يستطيع التقهقر! ولقيه فى محبسه هذا ثعلب عجوز عرف القصة من بدايتها، فقال للثعلب الصغير: ابق فى مكانك هذا حتى تجوع وتعطش وتخف وتنحف، وعندئذ تقدر على الخروج! قلت ضاحكا: الزمن جزء من العلاج..
لكن ما تكون عليه حال الدنيا خلال هذا الزمن المفروض؟ إن الجبارين الذين أُمر بنو إسرائيل بمقاتلتهم سيبقون مفسدين فى الأرض ينشرون فى أرجائها الكفر والذل، سيبقون كذلك عشرات السنين! فكيف ترضى الأقدار بهذا العوج؟.
وأجيب: لابد من وارث شريف للحضارة المعتلة! وإذا كان حملة الوحى الإلهى ليسوا أهلا لهذه الوراثة فهيهات أن يقودوا.. سواء حملوا التوراة أو الإنجيل أو القرآن..
وقد تنبأت بأن المدنية الحديثة سوف تبقى عصرا آخر لا أدرى مداه، سوف تبقى مع كفرها باليوم الآخر، ونسيانها الوضيع لله، وظلمها للضعاف والملونين، وتهتكها فى طلب الشهوات بكل وسيلة.
لماذا؟ لأن حملة الوحى يفقدون من الناحيتين الفكرية والنفسية مؤهلات القيادة، بل أعرف ـ وأنا عربى أعيش بين العرب ـ أن لدينا رذائل من نوع آخر لا تقل عن رذائل المعطلين والمثلثين، يستحيل معها أن نكون أهلا للصدارة، بل يستحيل معها أن يقع زمام القافلة البشرية فى أيدينا..
إن فساد المبتعدين عن الله، الجاهلين بحقوقه، سوف يُعلل بأنهم لا إيمان لهم..
أما فساد المتدينين فإنه يرتد إلى الدين نفسه بالنقض، ويجر عليه تُهما هو منها براء، فحكمة الله واضحة فى تأخير المتدينين الجهلة وحرمانهم من السلطة.
والأمة الإسلامية منذ بضعة قرون تتدحرج إلى أدنى، والمصلحون الذين هم شهداء عليها يوم القيامة لا يلقون منها إلا عنتا، وقد فقدت فى أثناء هذا التدحرج أمرين جليلين :
أولهما الشمائل الإسلامية التى اختصت بها الرسالة الخاتمة.
والآخر الملكات الإنسانية التى تتمتع بها الشعوب الراقية، والتى تجعلها سباقة فى ميادين الحياة ـ المادية والأدبية..
أذكر أنه جاءنى يوما أحد الدعاة فى حال من الغضب الشديد يقول لى: أترى إلى حكومتنا وهى تدعو إلى تحديد النسل؟ يجب أن تنضم إلينا فى محاربتها!
قلت له وأنا متثاقل: إن التحديد المقترح لا يحل المشكلة القائمة!ان المشكلة تكمن فى عدم وجود الإنسان السوى، والمجتمع الناشط.
قال لى: إن تعاليم الإسلام هى تكثير النسل.. قلت.. له: نعم وله تعاليم أخرى فى تكبير الشغل! قال: ماذا تعنى؟
قلت: لماذا تريد الزواجَ والنسلَ الكثيرَ على أن يقوم غيرك بالإنفاق على زوجك وولدك؟ إنكم لا تعمرون الأرض وتثيرونها كما أثارها غيركم وعمَّروها، إنكم لا تستخرجون خيرات الأرض من خباياها وظواهرها كما استخرجها غيركم من أنحاء البر والبحر!!.
إنكم بدوافع الرغبة الحيوانية تصيحون فى طلب الزواج والأولاد، وتطلبون الكثير الكثير، فعلام يدل هذا؟ على أن العقل الإسلامى يعرف رغبته ويسمع صوتها، ولكنه لا يعرف واجبه ولا يلبى نداءه!.
ثم استتليت : لا الشعب يدرى، ولا السلطة تدرى! ظلمات بعضها فوق بعض!!.
إن المثال السابق سُقته إثر واقع عرض لى وأنا أكتب الآن، وهو يخدم الفكرة التى أريد إبرازها، وهى أن علل الأمم لا تداوى بالارتجال السريع، والرغبة النزقة.
والشبان الذين يظنون الإسلام يمكن أن يقوم بعد انقلاب عسكرى أو ثورة عامة لن يقيموا إسلاما إذا نجحوا! فإن الدولة المحترمة وليدٌ طبيعىٌ لمجتمع محترم، والحكومة الصالحة نتيجةٌ طبيعيةٌ لأمة صالحة! أما حيث تتكون شعوب، ماجنة وضِيعة فسيتولى الأمرَ فيها حكامٌ من المعدن نفسه (وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون).
والاتجاه إلى الجماهير لغرس العقائد وتزكية الأخلاق وإنشاء تقاليد شريفة، وإقامة شواخص ماجدة ترنو إليها البصائر، وإقامة الصلاة جماعة بعد جماعة، أعنى وقتا بعد وقت من الفجر إلى العشاء، وتحصين الرجال والنساء ضد الانحراف والانحلال، والتغلغل فى الأسواق والميادين والمنظمات والنقابات لإحياء كلمات الله وإنفاذ وصاياه.. ذلك كله كان طريق الأنبياء وحوارييهم ومَن نَهج نهجهم..
ولم تقع معركتا بدر والفتح إلا بقدَر أعلى ، انساق إليه المسلمون دون خطة سابقة أو إعداد مبيت..!!.
أعرف أن عددا من الحكومات مرتد عن الإسلام يقينا، وأنه لن يدَّخر وسعا فى مقاومة المد الإسلامى وفتنة أهله، وعلاج ذلك يتم بالتزام الخط الذى رسمه الأنبياء، والصبر على لأوائه وضرائه، فهو ـ وإن طال المدى ـ أقصر الطرق إلى الوصول، وأولاها برعاية الله، وأبعدها عن الأطماع والشبهات..
ولا تحسبن هذا الخط أبعد عن المخاطر وأقرب إلى السلامة، إنه صعب التكاليف ثقيل الأعباء، وقد رأيتُ أعداء الإسلام يرقبون هذا الخط بحذر ويرون أصحابه هم الأعداء الحقيقيون لهم.
إن قصة خدمة الإسلام عن طريق الانقلابات والثورات راودت أناسا لهم إخلاص وليست لهم تجربة، ولم تنجح من سنين طويلة هذه المحاولات، ورأيى أنها لو نجحت فإلى حين، ثم يبدأ الجهاد لتنظيف الشعوب من أقذائها، وإحداث تغيير جذرى فى أخلاقها وعاداتها!
أى أننا سنرجع إلى الإصلاح الشعبى عن طريق الشعب نفسه لا عن طريق الأوامر الرسمية.
لست أنكر قيمة السلطة فى اختصار المسافة، وإقرار المعروف ومحو المنكر، وإنى أعلم أن الدولة جزء من الدين، وأن أجهزتها الفعالة جزء من شعب الإيمان السبعين.. وكون الحكم من شعائر الإسلام حقيقة لا يمارى فيها إلا جاهل أو جاحد...!.
وهذا كله لا يلغى ولا يوهن عمل الأمة نفسها فى تثبيت العقائد والأخلاق والعادات الحسنة، وفى إعلاء سلطان الضمير وتتبع مسارب السلوك الخفية والجلية، وفى فرض رقابة دقيقة على أجهزة الحكم، وإبطال شرعيتها إن هى نسيت وظيفتها أو جاوزت حدودها..
إن الدولة فى الإسلام صورة ظاهرة لباطن الأمة، وهى يدها التى تحقق بها ما تبغى، وقدمها التى تسعى بها إلى ما تريد..
بيد أن ضراوة الطباع البشرية السافلة قلبت هذا كله رأسا على عقب، وأمكنت ناسا من عبيد ذواتهم أن يفهموا الحكم على نحو آخر، إنهم لم يفهموه عبادة لله بل سيادة على الآخرين، ولم يفهموه أمانة ثقيلة العبء بل فهموه مغنما لذيذ الطعم، .. وتطاولت هذه الحال على الأمة المنكوبة فأصابها من الضياع ما أصابها....
كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلم أن وضع قريش بين القبائل العربية يجعل الأمور تتدافع إليها، ويجعلها مرشحة أكثر من غيرها لتولى السلطة، فأحب أن يشعرها بما لها وما عليها لترغب وترهب، روى أحمد فى مسنده عن أبى موسى الأشعرى قال: " قام رسول الله على باب بيت فيه نفر من قريش، وأخذ بعضادتى الباب، فقال: هل فى البيت إلا قرشى؟ فقيل: يا رسول الله غير فلان ابن أختنا، فقال: ابن أخت القوم منهم! ثم قال : إن هذا الأمر فى قريش ما إذا استرحموا رحموا، وإذا حكموا عدلوا، وإذا قسموا - يعنى المال - أقسطوا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل " أى لا تنفعه توبة ولا فداء. وقد قامت لقريش دولة بل دول فى المشارق والمغارب، فهل راعت شروط الاستخلاف، أم جرت على الإسلام وأمته المتاعب..؟.
لقد لبث الحكم فى أيدينا أحقابا، فلما لم تحسن الأمة الإفادة منه فى دعم رسالتها ورفع رايتها، انتزعه الآخرون منها، وها هى ذى تلهث لتستعيده.
وهو إن شاء الله عائد إلينا طال الزمان أو قصر، غير أنه لن يعود حتى تختفى من بيننا أوهام كثيرة فى فهم معنى السلطة، وحتى ترقى أمتنا ماديا ومعنويا فتكون الدولة فى يدها لخير الجماهير لا لإرضاء فرد مغرور..
إن فن الحكم فى العالم المعاصر قد ارتقى إلى أوج بعيد، وفى انجلترا مثلا يستطيع عامل فى أحد المناجم أن يجابه الحكومة دون أن تخالجه ذرة من قلق! وقد ينتصر أو ينهزم فلا يزيده نصر ولا تنقصه هزيمة!.
ولو وقع ذلك فى بعض الدول الإسلامية لأمر الحاكم بقطع عنقه، ولمرَّت الدهماء على جسده الملقى يقولون: ما دخلك يا صعلوك فى سياسة الملوك؟.
إن الشعب والحكومة معا دون مستوى الإسلام الذى ينتمون إليه، بل هم والحق يقال عار عليه! لقد اختفت تحت أطباق الثرى تقاليد الخلافة الراشدة، وبقيت فى العقل الباطن للدهماء تقاليد السلاطين الذين هم ظل الله فى الأرض، وفتاوى العلماء الذين تواصوا بقبول الأمر الواقع، أو بالتعبير الفقهى الخضوع لمن نالوا الحكم بالغلبة والقهر..!.
ثم كان من احتاك المسلمين بغيرهم من أهل الأرض، أن ظهرت وطبقت فلسفة الديمقراطية، ورأى من لهم فقه وتقوى أنها قريبة من " الشورى الإسلامية" فكيف انتقلت إلينا " ديمقراطية " الغرب؟..
إن الحكم الفردى صالح بينها وبين رغبته، ويستطيع الحاكم " المهم " فى بلاد الإسلام أن يظل عشرات السنين، يُنتخب هو وحده لا غير، عشر مرات أو أكثر ما دام حيا.. ويقول هذا الحاكم للمتدينين هذه هى الشورى التى تنادون بها، ويقول للناس من وراء الحدود، أنا وليد انتخابات حرة، وإرادة شعبية.
والأرض والسماء يعلمان أن هذا كذب وزور..
والأمر يحتاج إلى تغيير جذرى كما قلنا فى كيان الأمة وعقلها وضميرها حتى لا تمر هذه المهازل أبدا..
ويضحك أولو الألباب ومن حقهم أن يبكوا عندما يسمعون متحدثا باسم الإسلام يصحح هذه الأوضاع!.
هل تحتاج أمتنا إلى أربعين سنة تصح فيها كما احتاج بنو إسرائيل؟ لا أدرى! كل ما أقدر على قوله أن الإسلام لا يقبل حكما عسكريا، ولا يعرف خرافة: " الناس قلوبهم مع الحسين وسيوفهم مع يزيد " وأن على دعاة الإسلام من خلال تعاليمه لا من خلال تقاليد عصور الانحطاط والفوضى فى تاريخه المديد.
عليهم أن يعدُّوا قتيل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر شهيدا أغرَّ الجبين لا صعلوكا يقاوم السلاطين، فإنهم بهذا المنطق الجبان لن يكونوا مسلمين! ولن يصلحوا لقيادة أنفسهم بله أن يقودوا العالمين..!.
وصلة الاقتصاد بالسياسة وثيقة، ومراقبة سير المال بين جماهير الناس لابد منها، وتحديد موقف الحاكم من المال العام شارة كل دولة محترمة.
وقبل أن نشير إلى ما يقع فى بلادنا الإسلامية نريد أن نثبت نموذجا من الخلافة الراشدة يوضح طبيعة الحكومة الإسلامية والسمة البارزة لحياة الحاكم المسلم.
كان عمر بن الخطاب مرموق المكانة فى الجاهلية والإسلام فلما ولى الخلافة، واتسعت رقعة الدولة فى عهده، وورث ملك الأكاسرة والقياصرة، لوحظ عليه أنه حريص على استصغار شأن نفسه سرا وعلنا، وعلى توكيد أنه رجل لولا فضل الله ما كان شيئا يذكر..!!.
كان عمر مع قافلة من الناس يمرون بشعاب " ضجنان " - جبل قريب من مكة - فسمع يقول: " لقد رأيتنى فى هذا المكان، وأنا فى إبل للخطاب وكان فظا غليظا أحتطب عليها مرة، وأختبط عليها أخرى، ثم أصبحت اليوم يضرب الناس بجنباتى ليس فوقى أحد! ثم تمثل بهذا البيت:
لا شيء مما ترى تبقى بشاشته .. يبقى الإله و يفنى المال و الولد
وخرج عمر يوما حتى أتى المنبر فشوهد عليلا، وكانوا قد وصفوا له عسل النحل، وفى بيت المال عكة - آنية صغيرة - فقال للناس: إن أذنتم لى فيها أخذتها، وإلا فإنها علىَّ حرام، فأذنوا له فيها..!!.
وكان عمر يؤكد أنه ما قبل الخلافة إلا رجاء أن ينهض بما لا يقدر غيره على النهوض به، ولولا ذلك لنأى عنها، وفى ذلك يقول: " ليعلم من ولى هذا الأمر من بعدى أن سيُريده عنه القريب والبعيد، وإنى لأقاتل الناس عن نفسى قتالا! ولو علمت أن أحدا من الناس أقوى على هذا الأمر منى لكنت أن أقدم فيضرب عنقى أحب إلى من أن أتولاه... وقال عمر للناس يوما: " أنا أخبركم بما أستحل من مال المسلمين! يحل لى حلتان، حلة فى الشتاء وحلة فى القيظ، وما أحج عليه وأعتمر من الظهر، وقوتى وقوت أهلى كقوت رجل من قريش ليس بأغناهم ولا بأفقرهم.. ثم أنا بعد رجل من المسلمين يصيبنى ما أصابهم ".
ورووا أن الربيع بن زيادة الحارثى وفد على عمر بن الخطاب فأنس إليه عمر وأعجبته هيئته، فشكا إليه عمر طعاما غليظا أكله فقال الربيع: يا أمير المؤمنين، إن أحق الناس بطعام لين وملبس لين لأنت، فرفع عمر جريدة معه فضرب بها رأسه، وقال أما والله ما أراك أردت الله بمقالتك، ما أردت إلا مقاربتى! ويحك، هل تدرى ما مثلى ومثل هؤلاء ـ جماهير الناس ـ؟.
فقال الربيع: ما مثلك ومثلهم؟ قال عمر: قتل قوم سافروا فدفعوا نفقاتهم إلى رجل منهم وقالوا له: أنفق علينا! فهل يحل له أن يستأثر منها بشىء؟ قال: لا يا أمير المؤمنين قال: فكذلك مثلى ومثلهم..
ثم قال عمر: إنى لم أستعمل عليكم عمالى ليضربوا أبشاركم وليشتموا أعراضكم، ويأخذوا أموالكم! ولكنى استعملتهم ليعلموكم كتاب ربكم وسنة نبيكم. فمن ظلمه عامله بمظلمة فلا إذن له علىَّ ليرفعها إلى حتى أقصه منه! فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين أرأيت إن أدب أمير رجلا من رعيته أتقصه منه؟ فقال عمر: وما لى لا أقصه منه وقد رأيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقص من نفسه؟ وكتب عمر إلى أمراء الأجناد: لا تضربوا المسلمين فتذلوهم! ولا تخرموهم فتكفروهم! ولا تجمروهم فتفتنوهم، ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم!.
تلك علاقة الشعوب بحكامها فى تعاليم الإسلام، وقد نكبت الجماهير فى أقطار عدة برجال مترفين استباحوا الضعفاء، وأذلوا من أعز الله، وأعزوا من أذل الله ، فقامت عليهم ثورات محنقة ركب موجتها شبان مغامرون باسم الاشتراكية التى تنصف الشعوب وتحقق العدالة الاجتماعية، فماذا كان؟.
دخلت الشعوب فى محن متتابعة أفقدتها دينها ودنياها معا، وأنزلت بها هزائم عسكرية وسياسية كست الوجوه بالقار والعار!.
رفع أولئك المغامرون شعار العروبة بعد تجريدها من الإسلام، واتباعها المذاهب المغيرة على بلادنا من الشرق الشيوعى أو الغرب الصليبى، وأكرهت الجماهير إكراها على قبول الشعار الجديد.
وكان بالقادة الجدد جوع شديد إلى الظهور والعظمة، كما كان بهم جوع إلى الرفاهة والبذخ فإذا قصورهم تترع بالملذات وأهلوهم يمرحون فى فنون من الوجاهات والمتع..
ولما كانوا خالين من المواهب الرفيعة والتجارب المفيدة، فقد أساءوا النقل والاقتباس، وزعموا أنهم سوف ينهضون بالبلاد صناعيا، فأضاعوها زراعيا وصناعيا..
وكانت نتائج انقطاعهم عن الله، وجهالتهم بالحياة، أن خذلتهم قوانين الأرض وبركات السماء فإذا العرب والمسلمون يقعون فى ورطات رهيبة وتجتاحهم هزائم مذلة فى كل ساحة.
وما عسى أن يفعل القدر لرجل يخطب فى الحشود المسوقة إليه فيقول وهو يعبث بين أصابعه بقلم: ماذا فعل محمد للناس؟ محمد (!) هكذا يذكر صاحب الرسالة العظمى (!) وتصورت معزة خرجت من مربضها لتقول للشمس : اغربى إنك ما تصنعين للكون شيئا...!!.
وزعيم آخر نسى كل النسيان أنه كان فى طفولته يجرى وراء جحاش القرية ثم صيرته الاشتراكية زعيما فإذا هو لا يمتطى فى تنقلاته إلا الطائرات السمتية كبرا عن أعظم السيارات.
وآخر، وآخر... ما أكثر الأصفار التى ظنت نفسها ألوفا فى أرض الإسلام اليتيم!. والجماهير تنظر فى بلاهة، وقد حبسها فى موقفها السلبى حب الدنيا وكراهية الموت وإرخاص الحق وعشق الشهوات...
إن رسالتنا الكبرى قاعدتها أمة مؤمنة بها حريصة عليها وأداتها الأولى جهاز الحكم فيها وقد تكون الأداة قاصرة، أياما أو شهورا ! فأن تكون الأداة مضادة لرسالة الأمة منسلخة عن وحيها، والأمة نفسها لا تعى ولا تتحرك، فالأمر يتصل بالقاعدة نفسها...! والإصلاح الأول لا يتجه إلا إليها...
من أجل ذلك أهيب بالإسلاميين أولى الغيرة على دينهم ألا يضيعوا وقتا فى جدال، وألا ينخدعوا عن فساد الموضوع بفساد الشكل، وأن يتجهوا إلى أمتهم ذاتها يعالجون عشرات العلل الكامنة والوافدة التى تنخر فى كيانها وتباعدها عن كتاب ربها وسنة نبيها.
إن الحالمين بانقلاب عسكرى يجب أن يستيقظوا وإلا كانوا هم أنفسهم قسما من المرضى! لقد تدبرت أحوال دول ما تزال تعبد الأصنام فوجدتها وصلت إلى حد الاكتفاء الزراعى، وقفزت إلى الصناعات الإلكترونية، وفجرت القنبلة الذرية، واستقرت فيها الأنظمة الديمقراطية، ورجعت البصر إلى أمتى فوجدتها دون ذلك كله، فازداد حتى بخطورة ما انتهينا إليه!.
بل لقد تأكد لدى أن الحضارة الغربية ـ بشقيها المتنافرين ـ قد تبقى عصرا آخر لا يعلم إلا الله مداه، ما بقى المسلمون رسميا وشعبيا على هذا المستوى من الإسفاف فى نواحى حياتهم الفردية والاجتماعية..! لأنهم لن يصلحوا بديلا لوراثة الأرض!.
إن الدين كما درسته فى كتاب ربى إيمان وإصلاح لا نفاق وإفساد! ألا تقرأ قوله تعالى (وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون * والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون).
ما أحلى شعار الحكم بما أنزل الله.. هل تحكم بما أنزل الله فى نفسك؟ وفى بيتك؟، وبين جيرانك وإخوانك؟ وفى عملك..؟.
لقد تقلبت بين طوائف كثيفة، وبلوت الكبار والصغار، فشعرت أن الناس عندما يتخفون عن مشاعر الحب والرحمة، وتستبد بهم نوازع الأثرة والتكاثر، يتحولون إلى وحوش مرهوبة الفتك!. أين كلمة الرسول: " لن تؤمنوا حتى تحابوا "؟ إن فقدانها لا يسد مسده شىء، وشرائع الحدود والقصاص ما منها بد! بيد أنها لا تغنى أبدا عن شرائع الأخلاق وتقاليد الحنان والأدب والرفق..
والحكومات تستبعد من عالم القانون نصوصا دينية لا ريب فيها لأن الصليبية والشيوعية قررتا إماتة هذه النصوص، وسوف تعترضان محاولات بعث الحياة فى هذا التراث..!!.
حسنا، فهل يتحقق الإسلام عندما يطبق المسئولون فى العالم الإسلامى هذه الشرائع؟ إن الذين جاءوا بطريق غير إسلامى لن يحسنوا الحكم بما أنزل الله! والذى سرق منصبه بطريق التزوير أو الاغتصاب لن ينصف الإسلام يوم يقطع يد لص صغير، كل ما حدث أن اللص الكبير قطع يد لص ضعيف..
الإسلام كل لا يغنى بعضه عن بعض، والحكومة فيه إفراز طبيعى لأمة مؤمنة، أمة اختارت الأكفأ والأصلح ، وائتمنته على دينها ودنياها، ووضعته تحت رقابتها، ولها حق مطلق فى تنحيته يوم تشاء..!.
الشعوب الطبيعية عرفت ذلك ونفذته جزءا من منطق الفطرة، أعنى منطق الإسلام، وهل الإسلام إلا الفطرة السليمة؟.
إن غيرنا أقرب إلى تعاليم الإسلام فى مجال الحكم، وإن كان بعيدا عنه فى مجال الاعتقاد!.
يعلم الناس أن مستر " تشرشل " هو بطل انجلترا وكاسب النصر لها فى الحرب العالمية الثانية، وحقه على قومه كبير، لكن قومه رأوا غيره أقدر منه فى أيام السلام وأجدر بالوزارة فأبعدوه دون حرج، وذهب الرجل إلى بيته دون ضجة..
وكذلك جنرال " ديغول " الذى مسح العار عن وطنه فى أيام كالحات، وقاد فى المنفى حرب مقاومة انتهت بالنصر! لقد قال له الفرنسيون يوما: جنرال لم ورقك واترك منصبك فكان الرجل أسرع من البرق فى جمع أوراقه والانطلاق إلى قريته.
ولو فكر أحدهما فى الخروج على مشيئة أمته لما وجد خادما يقدم له الطعام، بل ما وجد من يبيعه الخبز، ذاك لو بقى حيا!.
أما فى البلاد التى يعيش فيها مليار عربى ومسلم فللوثنية السياسية منطق آخر.
يقول القائد اليهودى " مردخاى ": " إن النصر الذى تم لنا فى حرب الأيام الستة فاق أشد الأحلام جنونا " وهذا حق، فقد كسب اليهود أرضا ومالا وجاها تتجاوز الخيال دون خسائر تذكر، لم تكن حربا هذه الرواية التى وقعت! إن القادة العرب قدموا جنودهم لجزار لا تكل يداه من الذبح، وعندما تعب من التنكيل بخصمه ساق البقية أسرى!!.
ثم ماذا؟ رجع القادة المدحورون المعصوبون بالخزى يقولون فى وقاحة لم يعرف التاريخ لها نظير: هذه نكسة! المهم أننا نحن بقينا..!.
ثم ماذا أيضا؟ انتظروا من الجماهير أن تهتف بأسمائهم وأن تقدم لذواتهم المصونة الولاء..!.
وتم لهم ما انتظروه! قادة النصر فى الغرب تستبدل بهم شعوبهم من تراه أفضل لها، وقادة الهزيمة هنا يبقون جاثمين على صدر الأمة حتى يوردوها القبور...
ولا أزال أستغرب الصمت الذى يحف قتل عشرات الألوف من المسلمين فى حماة ثم فى طرابلس - لبنان.
لئن كان القتل جريمة شنعاء إن هذا الصمت الجبان جريمة أشنع لكن هذه نتائج الموت الأدبى.. ومازلت أؤكد أن العمل الصعب هو تغيير الشعوب، أما تغيير الحكومات فإنه يقع تلقائيا عندما تريد الشعوب ذلك..!.
إن علل أمتنا غليظة، وإذا لم ينشغل دعاة الإصلاح بعلاجها فبم يشتغلون؟.
هناك تقاليد انحدرت إلينا من ماض طويل، ما أنزل الله بها من سلطان، ثم جاءنا الاستعمار العسكرى والثقافى بتقاليد أخرى هى من مباذل الغرب وهناته، ربما كان محصنا ضدها أو قليل التشكى منها، لكنها لما جاءتنا كانت بالغة الضرر..
هذه التقاليد وتلك، اعوجت بفكرنا وسلوكنا على سواء، وأكاد أقول: إننا بهذا الاعوجاج نشبه بنى إسرائيل قبل أن يعاقبوا بأيام التيه! أو نشبههم عندما تمردوا على الوحى، ولعنوا على لسان داود وعيسى ابن مريم..
وما خلت الأمة على تطاول القرون من مذكر بالحق وداع إلى الخير!
والذى ألفت النظر إليه أن التغيير الحاسم لا يتم ارتجالا، ولا يتم بين عشية وضحاها، ويجب أن يتجرد له رجال لا يخافون فى الله لومة لائم، ولا تخلع قلوبهم رهبة أو رغبة، يمشون فى الطريق الطويل الذى سار فيه الأنبياء، ولا يفكرون فى انقلابات عسكرية أو ثورات مسلحة، إنما يفكرون فى الإصلاح المتأنى، والتغيير الذى جزم القرآن الكريم بنتائجه قال (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).
وهناك من يطلب السلطة لتكون بين يديه أداة التغيير المنشود!. وأكره أن أتهم نية هؤلاء أو نهجهم، فقد عشت معهم ومازلت بينهم، ووجهة هؤلاء الرجال أن الحكم فى أرض الإسلام منحرف من زمان بعيد، وهم يتساءلون: ما الشرعية التى يعتمد عليها هذا الحكم؟ الحكومات المدنية تستند فى مشروعية بقائها على أنها تمثل الشعب، والحكومات الدينية تستند إلى أنها تطبق الدين!.
فإذا لم يكن ثم تمثيل للشعب ولا تحكيم للدين فأين مشروعية البقاء؟ والنزاع الدموى الطويل الذى شجر بين الفريقين يرجع إلى التنافر الحقيقى بين الأمر الواقع وطلاب التغيير!.
وأنا أدعو هنا إلى سياسة جديدة فى خدمة الإسلام، وبناء أمته التى تتواثب حولها شياطين الإنس والجن تكفينها والخلاص منها.
ودعوتى أساسها الاستفادة من التجارب الطويلة، والنظر الدقيق فى الأسلوب الذى سار عليه رسل الله، وخاتمهم العظيم محمد بن عبد الله، الذى دعا إلى الحق، وتنزه عن كل مأرب، وأمن أهل الدنيا على ما بأيديهم (قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله وهو على كل شيء شهيد).
وقد لاحظت فى أثناء الصراع القاسى بين الإسلاميين وغيرهم من الحكام، أن أغلب الذين يملكون الأمور يمضون مع تيار السلطة وينغمسون فى عبابه انغماس السمك فى الماء.
أى أنهم يحسون أن الخروج منه انتقال إلى الموت، فهم يدفعون عن حياتهم، ويرون من يحاول استلاب السلطة منهم قاتلا، يجب الإجهاز عليه قبل أن يجهز عليهم!.
وشىء ثان أن ظنهم سيئ بالإسلاميين، فهم لا يرونهم أصحاب مبادئ بل أصحاب مطامع، وأن مغانم الحكم هى التى تحركهم، فلماذا تترك لهم؟.
والشىء الثالث الخطير أن بعضهم يجهل الإسلام جهلا بسيطا أو مركبا بل لقد رأيت فى سياحاتى بالعالم الإسلامى من يكره الصلاة والعفاف أكثر من كره الشيوعيين والصليبيين لهما..!!.
ويفرض هذا كله على الدعاة التجرد التام وهم يرفعون راية الإسلام، وأن يعلنوا بقوة عزوفهم عن الحكم ورفضهم لمناصبه، وإيثارهم أن يقوم غيرهم بمهمة التطبيق والتنفيذ وتأييدهم القوى لمن يسارع من الحكام إلى العمل بالإسلام..
وليست مهمة الدعاة تلمس الأخطاء وكشف أصحابها، ولا أن نتحول إلى نقاد سياسيين يشغلنا الهجاء عن البناء.
الذى أراه أن نكدح فى الميادين الداخلية لنعيد بناء أمة توشك أن تتحول إلى أنقاض، وما أكثر هذه الميادين وأفقرها إلى العاملين إننا لو انتصرنا فيها ربحنا تسعة أعشار المعركة.
وكل عمل مقرون بالجهل أو الغلو يصيب الإسلام فى مقاتله، ويجعل صاحبه ـ من حيث لا يدرى ـ عونا لخصوم هذا الدين..
قد تقول : إن السلطات القائمة سوف تمنعنا من هذا العمل! فماذا ترى؟.
وأقول : إن الأنبياء منعوا من قبل عن أداء رسالتهم لكنهم مضوا فى الطريق الطويل يتحملون التكذيب والتعويق (ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله) مضوا يبنون ولا يهدمون ويحسنون ولا يسيئون، مضوا فى طريق التوعية والتربية والتبصير بالآخرة والاشراف على الحياة الدنيا من مستواهم العالى، لا يزاحمون عليها، ولا يُظن بهم طمع فيها، حتى تخير الله لهم مكان النصر وزمانه، وكان ما قدر الله!!.
عاش من عاش محققا رسالته، ومات من مات موطدا عند الله مكانته. لقد سمعت شبابا يشكو طول هذا الطريق، ويهز رأسه رافضا، إنه يريد معركة سريعة!.
إن ريبتى شديدة فى قلوب هؤلاء أو فى عقولهم، وأدعو الله أن يقى الإسلام شرهم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق