‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات سليم عزوز. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات سليم عزوز. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 21 يونيو 2026

في الملف الديني بمصر

في الملف الديني بمصر

سليم عزوز


 كنت أعتقد أنها الدفعة الأولى للأئمة الجدد، الذين أتموا دبلومة الأكاديمية العسكرية، فاكتشفت أنها الثالثة!


فمن الواضح أنه منذ أن تقرر إلحاق من وقع عليهم الاختيار للتعيين أئمة بوزارة الأوقاف في مصر بالأكاديمية العسكرية، لم تحدث ضجة عبر منصات التواصل، إلا مع هذه الدفعة، فسقطت دفعتان تخرجتا دون اهتمام يُذكر!

والمعارضة المسكونة بالسخرية هذه المرة، تشبه البداية عندما تقرر الأمر دون أن تستوي الفكرة، لدرجة أنه تقرر إلحاق الشباب بالدورة قبل التوصل إلى تسمية لشهادتها، وقد علمت من النشر مع هذه الدفعة أنها "دبلومة"، ويحدونا الأمل في التوصل إلى مقترح آخر لتسمية الشهادة، هو برنامج ما بعد الدكتوراة بالأكاديمية العسكرية بالنسبة للأئمة!

ولعلهم -أي الأئمة- هم أصحاب الشريحة الثانية بعد المعلمين، الذين يوليهم النظام اهتماماً خاصاً، واشترط لتعيينهم اجتياز القبول والدراسة في الأكاديمية، ولا نعرف المواد التي يدرسونها لاستكمال مهاراتهم في الخطابة والدعوة، لكن ما نعرفه هو ما تم إعلانه لنا، وهو تحقيق اللياقة البدنية، وهي شرط في الاختيار، ويبدو أنهم عاشوا فترة تجنيد كاملة في الدبلومة، من حيث الضبط والربط والتمرينات الرياضية، مع ما يلزم ذلك من قواعد، أخصها حلاقة اللحية وتقصير شعر الرأس!

لم تعد تكفي التقارير الأمنية لإثبات البعد عن التنظيمات الدينية أو السياسية المناوئة لنظام الحكم، وإنما يجب أن تتم صناعة هؤلاء على الأعين، فلا يكفي أن يكونوا بلا انتماء سياسي، وإنما ينبغي أن يكونوا رجال النظام، في محاولة لتخليق دولة ليست على القواعد السابقة، والأزمة مع توجه ديني معارض!

وإذا كان هناك من جعلوا من فكرة الحلاقة والتقصير قصة، فلا أرى مشكلة في ذلك؛ وللدقة فليست هي الموضوع، فهؤلاء الشباب مروا بتجربة التجنيد الإجباري، إلا من أُعفي منها قانوناً، وقد خضعوا لكل ما خضعوا له في الدورة، فلا يمثل مشكلة أنهم سيعملون أئمة، فخريجو الأزهر الشريف يسري عليهم ما يسري على غيرهم من الامتثال للتجنيد الإجباري، كشرط من شروط التعيين والالتحاق بأي وظيفة!

والحال كذلك، فقد تضاعفت لهم فترة التجنيد، وإن كانت قد أضيفت إليها المواد النظرية، ليجمعوا بين الحسنيين، النظري والعملي في وقت واحد، وكم سيكون مناسباً لو كانت هذه الدبلومة جزءاً من فترة التجنيد وبديلاً له. وغير ذلك فلا أظن أن الأمر في ظاهره يمثل أزمة، إنما الإشكالية هنا في فلسفة هذا التوجه الجديد!

فلسفة التوجه:

أما أنه جديد، فلأنه غير مسبوق في التاريخ المصري المعاصر، مع أن عمر الحكم العسكري هو 74 سنة، منذ الحركة المباركة لضباط الجيش في يوليو/تموز 1952، مع أن دولة البكباشي جمال عبد الناصر كانت تواجه بإشكالية الإخوان!

فالفلسفة الجديدة هي أن يكون كل ما له صلة بالتعامل مع الناس -أئمة ومعلمون- من قاعدة التوجيه، من اختيار نظام الحكم، فلم تعد تكفي التقارير الأمنية لإثبات البعد عن التنظيمات الدينية أو السياسية المناوئة لنظام الحكم، وإنما يجب أن تتم صناعة هؤلاء على الأعين، فلا يكفي أن يكونوا بلا انتماء سياسي، وإنما ينبغي أن يكونوا رجال النظام، في محاولة لتخليق دولة ليست على القواعد السابقة، والأزمة مع توجه ديني معارض!

وهي فلسفة لا تستهدف الولاء للنظام، وإنما تستهدف صناعة "أبناء" لهذا النظام اصطفاهم وصنعهم على عينه. وقد فعلها الرئيس جمال عبد الناصر بشكل أوسع ووفق أطر مختلفة، من الاتحاد القومي فالاشتراكي، إلى منظمة الشباب، إلى التنظيم الطليعي، لأنه عاصر مرحلة التنظيمات قبل حركته المباركة، لكنه في الحالة الدينية أبعد المنابر عن السياسة، وعن أن تكون ضمن منظومة الدعاية والتوجيه السياسي!

فوضى المنابر:

وكانت أزمة نظام السادات مع بعض المنابر التي خلطت بين الدين والسياسة من قواعد المعارضة، وقد أمكن في عهد مبارك هندسة الحالة الدينية، فقامت الثورة عليه وليس هناك منبر مسجد واحد في طول القُطر المصري وعرضه يمكن أن يمثل امتداداً لمنبر مسجد عين الحياة في حدائق القبة، حيث الشيخ عبد الحميد كشك، أو منبر مسجد سوق الآخرة في ضاحية المعادي، حيث الشيخ يوسف البدري، أو منبر مسجد القائد إبراهيم، حيث الشيخ أحمد المحلاوي!

بيد أن مرحلة ثورة يناير/كانون الثاني 2011 شهدت ما أطلقت عليه "فوضى المنابر"، عندما تحولت إلى التعبير عن تيارات دينية من منطلق حزبي، متجاوزة الخطاب العام الذي كانت تمثله بعض المنابر في عهد السادات، وحتى بداية عهد مبارك في بعض المساجد، مثل منبر صلاح الدين في المنيل، حيث الشيخ عبد الرشيد صقر!

وقد طالبت في مقالات منشورة بوضع حد لهذه الفوضى تنزيهاً للمنابر، لتقتصر على الخطاب الديني، دون جدوى. ولا يمكنني استيعاب أن الإمام السلفي الذي كان يخطب الجمعة في زاوية بجوار منزلي، يلقي خطبة في الفقه الدستوري عن ضرورة التصويت بنعم للتعديلات الدستورية، وهو الذي كانت غزة تتعرض للعدوان الإسرائيلي أكثر من مرة، فلم أسمع له في عهد مبارك حرف إدانة، أو كلمة في السياسة!

وقد تحولت صلاة الجمعة إلى قطعة من العذاب، فمن حق الخطيب أن يلقي خطبته حيث يُفرض على المستمعين الصمت، فمن قال لأخيه والإمام يخطب: اصمت، فقد لغى، ومن لغى فلا جمعة له!

والنظام القائم في مصر الآن هو على أنقاض هذه المرحلة، وهو حبيسها لم يبارحها، لذا فكانت فكرة تأميم المنابر لصالحه، وبأن يكون الخطباء هم أبناؤه، ليس على قواعد الولاء، ولكن وفق ثقافة تصطفي على قواعد معايير الوزن والطول، وكأنهم سيتم اختيارهم للالتحاق بالكليات العسكرية ليكونوا ضباطاً مقاتلين وطيارين!

ويمكن فهم السياسة الجديدة، دون تسخيف أو ازدراء، في ضوء أن صاحبها له منطلقات دينية، ولم يكن هذا ادعاء، وهو على الجبهة الأخرى من أفكار الإسلام السياسي، ويرى أن قناعاته الدينية ينبغي أن تسود، وأنه يملك سلطة التوجيه حتى على الأزهر نفسه، فكان الاتجاه هو صناعة أذرع للدعوة، في مواجهة الإخوان!

منافسة الإخوان في الدعوة والكراتين:

المستقر في الوجدان، أن الإخوان حققوا شعبيتهم بأمرين؛ هما المساعدات الغذائية -كراتين الزيت والسكر- والدعوة، والأولى قام بها حزب مستقبل وطن لسنوات، ولم يحقق حضوراً حقيقياً في الشارع، وكل ما يتحصل عليه في الانتخابات سيتبخر عند التفكير في انتخابات شبه جادة، وهو وغيره ليسوا أحزاباً وازنة في الشارع، وسوف تنتهي كما انتهى الاتحاد الاشتراكي، وحزب مصر، والحزب الوطني!

والمستقر أيضاً أن شعبية الإخوان بسبب الدعوة، إذن لا بد من تأميم المنابر بواسطة الأبناء بالانتقال من مرحلة إبعادها عن السياسة لتكون جزءاً من الدعاية السياسية!

ومصطلح الدعوة عند الإخوان يحتاج إلى إعادة ضبط وتحرير، فالخيال أنهم كانوا يحتلون المنابر، ولهذا تمكنوا من غواية الجماهير، والمتابع للملف الديني في مصر سيكتشف أن الأمر ليس صحيحاً، فلم يكن بينهم خطباء منابر تُشد لهم الرحال، وكان من ينتمون إليهم يُمنعون من الخطابة، وقد بنى الدكتور عصام العريان مسجداً، ومُنع من صعود منبره، وهناك قانون يجرم الخطابة دون ترخيص من وزارة الأوقاف، هو في الحقيقة ترخيص أمني بامتياز!

وقد ظللت ردحاً من الزمن أربط بين فكرة "الدعوة" عند الإخوان والخطابة، تماماً كما قال أحد إعلاميي المرحلة وهو يعدد إنجازات وزير الأوقاف السابق مختار جمعة، والتي تلخصت في قوله: "إنه قطع أرجل الإخوان عن صعود المنابر"، فمن -يا إلهي- كان يصعدها من الإخوان؟ وأمامنا المرشد العام وأعضاء مكتب الإرشاد، فمن كان منهم من الخطباء البارزين في تاريخ الدعوة بمصر؟!

كنت أناقش مسألة التوقف عن ممارسة الإخوان للسياسة، وهناك من يتحدث عن الاكتفاء بالدعوة، فسألت: وأين الدعاة ليحصلوا على هذا الامتياز؟ وما مفهوم الدعوة لديهم؟ ليرد أحدهم وهو يمزح: "إن ما نفعله معك الآن هو الدعوة"!

إنهم ليسوا منافسين حتى للسلفيين في هذا المجال، فمن رموز السلفية من اشتهروا بالخطابة والدعوة بمفهومها الشائع، وليسوا منافسين حتى لجماعة الدعوة والتبليغ التي تسوق الناس إلى المساجد، فهل كان الأمر يحتاج إلى صناعة البديل في الأكاديمية العسكرية؟!

ما تحقق في الملف الديني:

اللافت هنا أن أهل الحكم يهدرون ما تحقق في هذا الملف الديني الحساس، وهي مكاسب حدثت بالتراكم، وبهندسة الحالة الدينية!

وفي هندسة الحالة بذلت دولة مبارك جهداً كبيراً للانتصار لفكرة أن الكلام في الدين هو اختصاص الأزهر ودعاته، وذلك لقطع الطريق على جماعات التشدد من الاعتقاد أنها صاحبة ولاية في أمور الدين، وكونهم غير أزهريين مأخذ عليهم، مما جعلهم يتمترسون خلف الشيخ الأزهري الدكتور عمر عبد الرحمن، لإفساد هذا السلاح في المواجهة الفكرية، وتسرب السلفيون إلى الكليات الأزهرية عندما كانت تسمح بذلك الظروف.

ماذا يمكن أن يضيفوا للنظام إذا انطلقوا بخطبة الجمعة، لتكون امتداداً لفعاليات حزب مستقبل وطن؟ لقد فقدوا الثقة قبل أن ينالوها، فما قيمتهم والحال كذلك؟! إن كثيرين سينظرون إلى صلاة الجمعة على أنها "تأدية واجب" والتزاماً بفريضة السعي إلى ذكر الله، فهل ستظل بوجودهم تعبيراً عن كونها ذكراً لله

والحاصل الآن هو ترك الأمور سداحاً مداحاً لكل من هب ودب، لتمكين بعض الأشخاص من إحداث الإثارة في مقابلاتهم التلفزيونية، عندما يُسمح لفاطمة ناعوت، وإبراهيم عيسى، وخالد منتصر، ومن على شاكلتهم، بتصدر المشهد الديني، ليس بحثاً عن "الشو"، الذي يتحقق بشكل أكبر إذا استضيف أزهري لنسف ترهاتهم، ففي السابق كانت تحدث المناظرات، وكانت تكفي لإثبات خطلهم وضعف ثقافتهم الدينية وتلفيقهم، وهو ما يسهل تمريره عبر مذيعين أميين!

وما استقر أيضاً في المرحلة السابقة -إذا أسقطنا سنتي الثورة- هو نزع سلاح "علماء السلطة" من أيدي الجماعات المناوئة، فقد كان يكفي الاتهام بأن مناظرهم أو خصمهم هذا من علماء السلطة ورجالها، ليكفي هذا للانتصار في أي سجال.

إنني أشاهد بعض حلقات الإفتاء التي كان ضيفها الشيخ عطية صقر، عبر قناة "ماسبيرو زمان"، فأجدني أمام فقيه كبير، لم ينل حظه من الحضور في الصدارة وهو يستحقها، وتذكرت أن السياق السياسي للرجل نال من قيمته العلمية، ومن يشاهدونه الآن معزولاً عن سياق لا يعرفونه، يبدون إعجابهم به!

وهذا السياق أنه كان منتمياً إلى الحزب الوطني، وكان عضواً في مجلس الشعب تمثيلاً له، والرجل أقرب إلى الزهد منه إلى طلب الدنيا، وقد كنت أراه في أتوبيسات هيئة النقل العام، وأراه سيراً على الأقدام لمسافة طويلة في طريقه إلى عمله رئيساً للجنة الإفتاء بالأزهر، وقد يكون موقفه السياسي وليد اقتناع لا ترتيباً لأوضاع وظيفية ومنح سلطانية، وقد كان يحاجج نواب الإخوان في مجلس الشعب، كما كان يحاجج أعضاء الجماعات الإسلامية في السجون وفي البرنامج التلفزيوني "ندوة للرأي"، لكن مجرد تصنيفه بأنه من "علماء السلطة" كان يفقده المصداقية، فيصبح ما يقوم به حرثاً في الماء!

فماذا عن أئمة حصلوا على اللقب قبل صعودهم للمنابر، ودون علم يزكيهم، وماذا يمكن أن يضيفوا للنظام إذا انطلقوا بخطبة الجمعة، لتكون امتداداً لفعاليات حزب مستقبل وطن؟ لقد فقدوا الثقة قبل أن ينالوها، فما قيمتهم والحال كذلك؟!

إن كثيرين سينظرون إلى صلاة الجمعة على أنها "تأدية واجب" والتزاماً بفريضة السعي إلى ذكر الله، فهل ستظل بوجودهم تعبيراً عن كونها ذكراً لله، يستدعي أن يذر المرء البيع إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة، وينطلق إلى هناك؟

لو كان يمكن أن يؤدي الأئمة الجدد مهمة للنظام، لكان الخطيب السلفي أقنعني بالتصويت بنعم للتعديلات الدستورية!

دعهم يجربون!

x.com/selimazouz1

الأربعاء، 3 يونيو 2026

العلمانيون الجدد.. تنظيم عَبَدة العناوين!

 العلمانيون الجدد.. تنظيم عَبَدة العناوين!

سليم عزوز


مشكلتي ليست مع العلمانية، ولكن مع العلمانيين الجدد، فهم ليسوا أكثر من جماعات وظيفية، تؤدي دورها في خدمة الاستبداد ومساندته في شتى الساحات، بما فيها أن يتحولوا إلى أدوات للفرقعة تستهدف سحب الرأي العام بعيدا عن أزماته الحقيقية!

ومن العبث أن كثيرين لديهم فائض طاقة، مع أنه يصب عليهم البلاء صبا، فينشغلون بهذا القول وذاك القائل، باعتبارها الحرب على الإسلام، والخوف من هزيمة الدين على أيدي هؤلاء، وهي حالة تبعث على الكدر؛ ذلك بأن أي نقاش حقيقي مع العلمانيين الجدد من شأنه أن ينتج الدليل الشارح للطبل الأجوف!

العلمانيون الجدد يتعاملون بأسلوب الصدمات الكهربائية، فيكفي أن يقول أحدهم قولا يستغربه البشر، فيكون هذا مدخلا للهجوم بدون نقاش، وهو ما يحقق لهم ما يصبون إليه، وللدقة كل ما يصبون إليه، فلفت الانتباه إليهم، والانشغال بهم، هو غاية المسعى في نجاح الدور الوظيفي للاستبداد. والنقاش من شأنه أن يعريهم، لأنهم يفتقدون الفكرة المتماسكة، ويواجهون مَن زادُهم من الدين هو العاطفة الدينية، فيتحركون لنصرة دينهم مدفوعين بالخوف، وكأنهم يتعاملون مع فكرة بشرية، وليس مع دين تكفل الله ببقائه، بحسبانه الدين الخاتم!

والصدمات الكهربائية لا تمثل فكرا يُستند إليه، ولا يتعامل بها إلا من يعاني الخواء الفكري، وأثرها يزول حتما بالنقاش الحقيقي للفكرة المعلنة. ولقد عشنا مع دعوة "قانون العبادة الموحد"، باعتبارها دعوة علمانية، وبدا الآخرون لا يريدون نقاشا، لأنهم ينطلقون من تصور بليد، يقوم على أن عدد المساجد ومساحتها أكبر عند مقارنتها بعدد السكان، في حين أن ديرا واحدا أكبر مساحة من مساجد القاهرة الكبرى جميعها.

عندما جاء موعد إقرار قانون العبادة، على أنقاض "الخط الهمايوني"، تكلمت الكنائس في قانون عبادة خاص بالمسيحيين، وسكت العلمانيون الجدد، فلم يطالبوا بقانون عبادة موحد لكل أبناء الوطن، لأنهم كانوا يمارسون النصب باسم الدولة المدنية


ومن عجب أن ينطلق بعض الحقوقيين، الذين جعلوا من الطائفية مدخلا لنشاطهم الممول من الخارج، من أن عدم وجود قانون عبادة موحد بين المسلمين والمسيحيين هو لون من ألوان الطائفية المقيتة، والأعجب هو صمت الكنيسة مع مثل هذه الدعوات، فلا تقول إنها لا تريد مثل هذا القانون!

وقد انبريتُ ودعمت فكرة قانون العبادة الموحد، لأن أحدا لا يقول إنه ليس لمصلحة الكنائس، وإذا استبعدنا ملف الأديرة من الموضوع، فإن معايير الدولة المدنية هي أن يسري قانون واحد على كل دور العبادة، فإما أن تكون تابعة جميعها لوزارة الأوقاف، تعين القساوسة كما تعين الأئمة، وإما أن تخلي سبيلها جميعا، فتكون تبعية المساجد، كما تبعية الكنائس، للمؤسسة الدينية، وهي الأزهر، في مقابل الكنيسة. ووزارة الأوقاف ليست هي المعادل الموضوعي في هذه المسألة.

ساعة الجد، وعندما جاء موعد إقرار قانون العبادة، على أنقاض "الخط الهمايوني"، تكلمت الكنائس في قانون عبادة خاص بالمسيحيين، وسكت العلمانيون الجدد، فلم يطالبوا بقانون عبادة موحد لكل أبناء الوطن، لأنهم كانوا يمارسون النصب باسم الدولة المدنية، ولأنهم يدركون أن الصدمات الكهربائية تأخذ البعض للدفاع عما يعتقدون أنها امتيازات لصالح المساجد، مع أنها غير حقيقية!

المعركة مع الأزهر:

وفي هذه الأيام ينشط هؤلاء النفر، الذين لا هم حركة ولا تيار، ونشاطهم هو من باب النضال المجاني، الذي لن يتسبب لهم في مشكلات مع أنظمة القمع، لأنه يخدم أهدافها، دون أن تكون ملزمة بمكافأة هؤلاء الخَدَم، وفي المقابل يضمن هؤلاء حضورا عاما، وشهرة يريدونها، دون أن يكلف أحدهم نفسه صياغة رأيه بشكل مناسب، أو قراءة كتاب واحد. والسلطة بحاجة إلى من يقوم بذلك، وهي تريد أن تمرر قانون الأحوال الشخصية وفق حسابات خارجية، دون المرور على الأزهر الشريف.

لقد جربت السلطة في السابق وسيلة التطاول على شيخ الأزهر، فيقوم مذيع هنا ومذيع هناك بإهانته، وعندما يصدر حكم قضائي بإدانة من أهان الرجل، متجاوزا حدود النقد المباح، تتدخل السلطة وتلغي الحكم! إلى أن حدث ذات مرة أن فعلها واحد من مقدمي برامج التوك شو، وإذا بتحرك الرأي العام عبر منصات التواصل الاجتماعي، في معركة دفاع عن الشيخ، عندئذ أدركوا أن ممارسة أسلوب التطاول لن تمر بسلام، فتطوع العلمانيون الجدد للقيام بالمهمة، لكي يتم تمرير قانون الأحوال الشخصية وفق المقاييس الخارجية!

من قبل قالوا: لا بد من قانون موحد للأحوال الشخصية، ليضع البعض أيديهم على قلوبهم مخافة أن يحدث هذا، وهؤلاء الذين يسارعون في الخوف هم من يكونون سببا في نجاح مهمة المتعاملين بالصدمات الكهربائية، مع أن المنطق هنا هو أن يُطلب منهم موافقة الكنائس الثلاث على ذلك، ولن توافق عليه كنيسة واحدة، وفي مثل هذه الحالات يترك ممثلو الديانات الأخرى العلمانيين الجدد، دون وقفهم بإعلان أنهم لا يوافقون على أن يكون قانون الأحوال الشخصية موحدا، فهم بالكاد، وبعد سنوات طويلة، تمكنوا من إعداد قانون يحوز موافقة الكنائس، وكانت هذه الموافقة مشكلة عويصة تواجه البابا شنودة!

سلطة التشريع.. الأزهر أم البرلمان:

لقد أعدت الكنائس قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، ووضع العلمانيون الجدد أحذيتهم في أفواههم، فلا كلمة عن مدنية الدولة، ولا حديث عن أن هذا من ملامح الدولة الدينية كما يتخيلونها، ولم يقل أحد منهم إن سلطة التشريع في الدولة المدنية للبرلمان، وليس للبطريرك، لكن عندما فوجئنا بقانون للأحوال الشخصية للمسلمين تم سلقه بليل، نفروا خفافا وثقالا، يتحدثون عن أن الدولة المدنية الحديثة لا تبيح دورا لرجال الدين في أي شأن من شؤون الحكم، ومن بينها التشريع الذي هو سلطة البرلمان.

ونقف أمام جهَلة لا يميز أحدهم بين إعداد القانون وإقراره، فاندفعوا يقولون إن التشريع من سلطة مجلس النواب، في حين أن الحديث هنا عن مشروع قانون أعدته لجنة حكومية باطلة، انتهى دورها بموجب قرار تشكيلها، ولكنهم يمارسون التضليل.

العلمانيون الجدد يعبدون عناوين اسمها مؤسسات الدولة، مع افتقاد الشجاعة في أن القيمة ما دامت للمؤسسات، فلا بد من الوقوف ضد العبث بها وتفريغها من المضمون، والأصل أن البرلمان يعبر عن الشعب بانتخابات نزيهة، فهل ضُبط أحدهم متلبسا يوما بإدانة تزوير إرادة المواطنين، وتشكيل مجلس نواب سابق التجهيز؟! ألم يصلهم نبأ ذلك؟!

إن قانون الأحوال الشخصية، في جانب كبير منه، هو دين، والدين شأن للأزهر بنص الدستور، ولا أريد للحوار أن يكون قانونيا، فهم يجهلون القانون، كجهلهم بالعلمانية ونشأتها الأوروبية، التي جاءت للوقوف ضد تسلط الكنيسة وحمايتها للاستبداد، فكانت دعوة إلى الحرية، فأين هؤلاء من معارك الحرية، وهم لا يعرفون إلا موضوعا واحدا، وهو إبعاد الأزهر عن شؤون الدولة والحياة؟ ولا أقول إبعاد الإسلام، لأن الحاصل الآن ليس هو الفصل بين الدين والحكم، ولكن الإشكالية في أن النظام الحاكم هو من يريد احتكار الإسلام، باعتباره أعلم من الجميع به!

ولم تصادف الشجاعة يوما أحدا من هؤلاء، فيقول للحاكم وهو يسعى لاحتكار الفهم الديني: مكانك! وذلك عندما يتحدث حديثا أقرب إلى زمن الحكم بالحق الإلهي، وبما يتنافى مع قيم الدولة الحديثة، عندما يقول إن الله هو من سيحاسبه وليس أحدا غيره، ففي الدولة المدنية الحديثة الشعب هو من يحاسب الحاكم، ويختاره، ويعزله، فلماذا لا يمدون الحبل على استقامته؟!

بل لم ينطق أحدهم بكلمة دفاعا عن قيم العلمانية، في مواجهة ترامب، الذي أوشك أن يدعي أنه "المسيح الحي"، فهذه علمانية انتقائية، فضلا عن أنها ليست العلمانية كما جاءت في نشأتها الأوروبية!

أساس العلمانية الحديثة:

لقد انبعث أشقاها يفرقع "بمب" العيد، فوضع أساس العلمانية، وعلى طريقة الصدمة الكهربائية، فقال إنها حق كل إنسان في اعتناق أي دين، أو تغيير دينه، أو تركه، وممارسة الشعائر الدينية من عدمها حق، ما دام لا ينتهك حقوق الآخرين والقانون، والفصل بين السلطة الدينية والسياسية، وألا تحكم المؤسسة الدينية الدولة مباشرة، فشرعية الحكم تأتي من القانون والمواطن!

إنه يضع من ضمن مبادئ العلمانية أن المؤسسة الدينية لا تحكم الدولة، مع أنها لم تتصد للحكم، ويؤكد أن شرعية الحكم تأتي من القانون والمواطنين، دون أي حديث واضح عن أن سلطة وضع القوانين ينبغي أن تكون منتخبة انتخابا حرا من الشعب، فهل ضُبط أحدهم يوما يندد بتزوير الانتخابات؟!


إنه يدرك أن أحدا لن يناقشه مع الصدمة الأولى الخاصة بالحق في التحول الديني، لتحرك العاطفة الدينية وهي تستدعي حديث الردة، وهو موضوع شرحه يطول، وقد تداخل فيه السياسي والديني، مع أن الواجب أن نؤيد هذا الحق، وعندئذ سيتوقف العلمانيون الجدد تماما عن الكلام فيه؛ لأن آخرين سيرفضون ذلك، فمع كل حالة اعتناق للإسلام، يكون الإعلان أن من فعلت ذلك تم اختطافها!

ولا يتحدث العلمانيون الجدد عن إعادة من تعتنق الإسلام إلى الكنائس، ولم يدافع أحدهم عن حق وفاء قسطنطين مثلا في أن تعيش حياتها كما تريد، هل يجهلون فعلا أنه تم تسليمها للكنيسة بأوامر من زكريا عزمي، لتعيش في الدير، وكأن البطريرك هو رئيس دولة المسيحيين، وبينه وبين القاهرة اتفاقية تسليم مجرمين؟! لماذا لم يطالب أي منهم بلجنة تقصي حقائق للوقوف على الحقيقة، احتراما لقيم العلمانية، والحق في اعتناق أي دين، أو تغيير دينه، أو تركه؟!

ولماذا لا يعلنونها صريحة في مواجهة الموقف والرأي السياسي من المؤسسات الدينية الأخرى، ولا يشغلهم سوى الأزهر، لأنه ليس على "مزاج السلطة"؟!

انتبه، إنه يضع من ضمن مبادئ العلمانية أن المؤسسة الدينية لا تحكم الدولة، مع أنها لم تتصد للحكم، ويؤكد أن شرعية الحكم تأتي من القانون والمواطنين، دون أي حديث واضح عن أن سلطة وضع القوانين ينبغي أن تكون منتخبة انتخابا حرا من الشعب، فهل ضُبط أحدهم يوما يندد بتزوير الانتخابات؟! كما أن الحديث عن أن المواطنين ينبغي أن يكونوا المصدر الثاني للشرعية -بعد القانون- يلزمه الدعوة إلى انتخابات حقيقية، يختار الشعب حاكمه عبرها!

إن جوهر العلمانية هو رفض الاستبداد، وقد ثارت على استبداد الكنيسة، ونسق الحكم بالحق الإلهي التي أوجدها حكم رجال الدين، لكنهم لا يجرؤون على أن تكون الكنيسة جزءا من جملة سلبية!

ولم نشاهد حكم الكنيسة، كما أننا لا نعيش في دولة يحكمها الأزهر، لكن المنطقة موبوءة بالاستبداد العسكري، حتى أصبحت الانقلابات العسكرية في القارة السمراء من المعلوم منها بالضرورة، والعسكر فيها هم حلفاء فرنسا، بلد النور ورعاياها، ولم تمنع العلمانية المتشددة فرنسا من الوقوف وراء هذه الانقلابات، ومن استمرار الحكم العضوض، ولا نجد مدعيا للعلمانية من هؤلاء النفر يدين هذا اللون من الاستبداد لإثبات انتماء أصيل لقيم العلمانية! وهو النصب الذي يمارسه من ليسوا على شيء، في معارك النضال المجاني، وهم يرفعون لافتات لا يمكن أن تصمد أمام أي مناقشة حقيقية!

إنهم تنظيم عَبَدة العناوين!

x.com/selimazouz1

الأحد، 31 مايو 2026

الكتابة بالقلم.. أو بنصف دماغ!

 الكتابة بالقلم.. أو بنصف دماغ!

سليم عزوز


انتَقَلنا في الكتابة من الطقوس إلى النظرية العلمية؛ فباحثة من النرويج توصلت، من خلال دراسة على المخ، إلى الفروق في نشاط الدماغ بين الكتابة اليدوية والكتابة على الكيبورد، فهل أصدقها وأكذب نفسي؟!
أتذكر عندما انتشَرت الكتابة بواسطة الكيبورد، أن من بين الكُتَّاب من كان يقول إن هذا هو المستحيل بعينه، فالإلهام لا يتنزل عليه إلا وهو ممسك بالقلم ليكتب به، وينشط به قريحته، وهو يحك به فروة رأسه محاولًا الإمساك بالفكرة المراوغة، أو بالجملة التالية، وهكذا.
وقبل أربعين عامًا نَشرت صفحة الأدب بجريدة «الأخبار» اليومية تحقيقًا صحفيًا يحمل عنوان «كيف يبدعون؟»، وتحدث فيه عدد من الأدباء الكبار عن طقوسهم في الكتابة ولحظة التجلي أو الإلهام، وكل واحد منهم وطريقته، التي تختلف عن الآخر، فهناك من يكتب صباحًا، ومن يكتب إذا جن الليل وحل السكون، وهناك يوسف إدريس الذي يظل الليل كله يطارد فكرة للإمساك بها وهي تتمنع، حتى الصباح، فينظر من شرفة منزله، ويحسد عامل النظافة الذي وقف يستريح متكئًا على عصا مِقَشَّته!
وكان من فضول القراء معرفة نوع القلم الذي يكتب به الكاتب، ولا أدري لماذا لم تستغلهم مصانع الأقلام في الترويج لمنتجاتها بهذه الطريقة، ولست متأكدًا أن كاتبًا كبيرًا يمكن أن يوافق على استغلاله في الدعاية لمنتج، ولو كان قلمه المفضل!
وكان من عادة الكُتَّاب أن تُلتقط لهم صور للنشر مع إنتاجهم، فقد كان للقلم في هذه الصور نصيب، فهناك من كانوا ينشرون مقالاتهم مع أقلامهم وبأوضاع مختلفة، بشكل لا يظهر نوع القلم أو ماركته، وكان الشائع هذه الصورة التي يضع فيها الكاتب رأسه على راحته، أو يمسك بسماعة التليفون المنزلي أو المكتبي، وقد ظلت مجلة «المصور» تنشر مقال الساخر الكبير محمود السعدني مع صورته بالسماعة، حتى ظهور الهاتف النقال!
وكان البعض يطلب أحيانًا من كاتب أن يهديه قلمه، وكأنه سينتقل إليه بإلهامه، وفي ندوات معرض القاهرة الدولي للكتاب قديمًا، قالت فتاة ليوسف إدريس، بعد محاضرة له، إنها في بداية حياتها الصحفية وتريد منه أن يهديها قلمه، وكتبت هذا في ورقة أرسلتها له عبر جامع الأسئلة من القاعة، وبعد أن قرأها بصوت مسموع، طلب منها أن تأتي لاستلام هديتها، فكشفت عن نفسها!
ويبدو أنها فهلوة الأجيال الجديدة، وكل جيل جديد يظن أنه على درجة من الذكاء، بشكل يجعله يمارس «الشطارة» على الأجيال السابقة لأنهم «دقة قديمة». فلما كان اليوم التالي أرسلت للمنصة نفس الرسالة، ولكنها إلى الكاتب صلاح منتصر، الذي استهان بالسؤال، وأعلن أنه لا قلم ثابتًا له، وأنه يكتب بأي قلم. وقطع عليها الطريق لكي تتحول إلى جامعة أقلام كبار الكُتَّاب، ولم تعد لهذا الأسلوب مع آخرين من كبار الكُتَّاب.
لقد بدأتُ حياتي المهنية مع رحلة البحث عن نوع ملائم من الأقلام، ومن الجاف إلى الحبر، إلى أن اهتديت إلى القلم الاختراع، الذي لا يزال يلازمني إلى الآن، لأدون به ملاحظاتي الجانبية، بعد الانتقال إلى الكيبورد، ولا أعرف إن كان كتابة اسمه من الدعاية المنهي عنها مهنيًا أم لا؟!
وكل كان يختار قلمه حسب طبيعته الخاصة، وكنت بحاجة إلى قلم سيال، بغض النظر عن لونه، فأتنقل بين ألوانه، لكن عندما كنا محررين صغارًا لم نكن نستخدم ألوانًا سوى الأسود والأزرق، وأحيانًا نكتب العناوين الفرعية باللون الأحمر للتمييز، ربما لنعوض حرمانًا من هذا اللون، الذي كان حكرًا على المعلمين، يستخدمونه في تصحيح الاختبارات والواجبات المدرسية!
كنت، كأي عصبي، لا أميل إلى الأقلام الجافة التي أضغط عليها فيرهقني الضغط، ويشعرني بالتعب، كما أنني بحاجة إلى سيولة ليمشي القلم على الورق، لعله يستوعب تدفق الأفكار، ولهذا ولغيره أعتبر الانتقال للكتابة على الكمبيوتر اختراعًا عظيمًا؛ لأنه مهما كان تدفق القلم، فإنه لا يعادل الكيبورد، كما أن القلم، في مسيرته لصياغة الأفكار، ينتج كلمات غير واضحة، وكنت أبذل جهدًا مضاعفًا في فك هذه الرسوم!
وقد بدأت الكتابة على الكمبيوتر قبل سبعة وعشرين عامًا، ومنذ البداية لم أشعر بقصة الإلهام الذي لا يتنزل إلا إذا أمسكنا بالقلم، ورأيي أن الطقوس جميعها هي مسألة اعتياد لا أكثر، بيد أن عالمة الأعصاب النرويجية أودري فان دير مير أكدت أن الكتابة بالقلم أكسب، وأن نشاط الدماغ يكون أكثر من نشاطه عند الكتابة بالكيبورد.
ربما نكتب بنصف دماغ!

الاثنين، 18 مايو 2026

الأحوال الشخصية في مصر.. متى يتكلم شيخ الأزهر؟!

 الأحوال الشخصية في مصر.. متى يتكلم شيخ الأزهر؟!

سليم عزوز

"لن يلتزم الشيخ أحمد الطيب الصمت، إذا خرج مشروع القانون من اللجنة التشريعية إلى المناقشة العامة"- موقع بوابة الأزهر


 انتهيت من عملية جرد لقوانين الأحوال الشخصية في مصر، وطالعت أكثر من أربعين حكما قضائيا في المراحل المختلفة، ولا يجوز لدولة تشريعاتها في هذا المجال قبل أكثر من مئة عام، أن تبدو غارقة في مياه البطيخ كما هو الحال الآن، وكأنها في بداية عملية التعرف على الأشياء، فهذه شجرة، وهذا زواج، وذاك طلاق!


القانون الأول صدر في عهد الملك فؤاد سنة 1920، وقد رفعته الحكومة إليه فأقره، واستند لمذهب المالكية وحدهم، وبعد تسع سنوات اكتشفوا بالتطبيق مشكلات تتعلق بالتحايل على تطبيقه، فكان القانون الجديد، والذي كانت مرجعيته هي المذاهب الفقهية الأربعة!

ويمكن للمرء أن يتصل بالأوضاع السياسية من خلال القوانين، فقد راعني أن القانون الذي أعدته حكومة الوفد في عهد النحاس باشا، وأقره البرلمان سنة 1937، في عهد الملك فاروق هذه المرة، هو قانون خاص في نصوصه بالأجانب، ويعد تطورا لقوانين أخرى خاصة بالجاليات الأجنبية، والقانون الجديد هو ثمرة معاهدة 1936، والتي حققت استقلالا جزئيا لمصر، وألغت المحاكم المختلطة، وصار القضاء مصريا خالصا، ومن ثم كان هذا القانون تعبيرا عن سيادة مصر على قضائها، وإن جعلت من حق الزوجين اختيار قانون بلدهما، أو قانون بلد أيهما إن اختلفت الجنسيات، لتفصل المحكمة المصرية المختصة في الدعوى، وفقا لهذه القوانين إن لم يرتاحوا للتشريع المصري!

الجديد في قانون الأحوال الشخصية، الذي دفعت به الحكومة للبرلمان، هو أنه كشف ضحالة نخبة المرحلة، وعضوات في البرلمان بنسخته الحالية، في مستوى فكري هزيل للغاية، فيقلن كل عجيب، وذلك في وقت اختفت فيه الحكومة، فلا تدافع عن قانونها، بل لا تملك الشجاعة الكافية لعرضه كاملا على الناس

لقد حدث تطور في موضوع النفقة بأنواعها، وفي إجراءات التقاضي، وفي حضانة الأطفال، ولم ينشغل الحكم الناصري بقانون الأحوال الشخصية، فاكتفى بإجراء عدد من التعديلات غير الجوهرية، لعل الجوهري الوحيد هو إلغاؤه للقضاء الشرعي، ومما لا يذكر أن الإلغاء انسحب على "القضاء الملي"، وصار الاختصاص الأصيل للقضاء المدني!

وبعد تسع سنوات من حكمه، وفي سنة 1979، أصدر الرئيس السادات في غيبة البرلمان قانونا للأحوال الشخصية، وإن عرضه عليه في وقت لاحق، وكانت أزمته في المادة 6 مكرر، وهي الخاصة بالإلزام بإعلام الزوجة الأولى عند الزواج بثانية، ونص على عقوبة بالسجن والغرامة، أو بإحدى هاتين العقوبتين، في حال مخالفة الزوج أو الموثق لما اختصهما به القانون (الإفصاح والإعلان)، ولهذا أُطلق عليه قانون جيهان السادات، بالزعم أنها تقف وراء هذه المادة، تماشيا مع تحررها!

ومن المفارقات أن من أسقطته كانت امرأة أيضا، لكنها من الصعيد، عندما طعنت في دستورية القانون، في حياة السادات سنة 1980، بحجة مخالفته للدستور، لتعارضه مع الشريعة الإسلامية في أمور خاصة بالنفقة والحضانة، وليس بمادة الزواج الثاني!

وقد ظلت الدعوى تنظر أمام المحكمة الدستورية العليا أربع سنوات من رفعها، وثلاث سنوات من اغتيال الرئيس السادات، لتعيد المحكمة تكييف الطلبات، وتقر بعدم دستورية القانون، لأنه صدر من الرئيس بدون ضرورة تستدعي التعجيل بصدوره، ولا يتم الانتظار لعودة البرلمان، كما أنه لم يعرض على مجلس الشعب في المواعيد المقررة بعد عودة جلساته للانعقاد.

ولم يتسبب الحكم في فراغ تشريعي، فهذا يعني العودة لقانون 1929، لكن بدت الحكومة جاهزة بقانونها البديل الذي أقره مجلس الشعب بعد شهرين فقط من هذا الحكم، وإن توالت التعديلات في عهد الرئيس مبارك، وكان مما أحدث جدلا واسعا قانون الخلع سنة 2000.

وقد حضر شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي للبرلمان مدافعا عنه، ومؤكدا عدم مخالفته للشريعة الإسلامية، وغاب المفتي نصر فريد واصل، حتى ظن الناس أن في غيابه موقفا مخالفا، وسأل رئيس الكتلة الوفدية ياسين سراج الدين: لماذا لا يحضر المفتي؟ وكان السؤال يحمل اتهاما، وفي وقت كان يظن العامة أن صمت الرجل دليل وقار، وأنه مغلوب على أمره، وليس لطبيعته الشخصية، وهو أكاديمي لا خطيب!

ولعل هذا الوقار الشكلي وتأويلاته هو ما دفع أهل الحكم لتذكره في عهد الرئيس مرسي، فجاء به من العزلة لقلب المشهد، لكنه عندما وقع الانقلاب كان من الذين أيدوه في حدود قدرته، وهو ليس جاهزا بالقول أو متحدثا إذا تبارى الخطباء!

هذه النخبة الضحلة:

والجديد في قانون الأحوال الشخصية، الذي دفعت به الحكومة للبرلمان، هو أنه كشف ضحالة نخبة المرحلة، وعضوات في البرلمان بنسخته الحالية، في مستوى فكري هزيل للغاية، فيقلن كل عجيب، وذلك في وقت اختفت فيه الحكومة، فلا تدافع عن قانونها، بل لا تملك الشجاعة الكافية لعرضه كاملا على الناس، والدفاع عنه، وقامت بتصدير مستشار قال إنه رئيس اللجنة التي أعدت مشروع القانون، دون إعلان أسماء لجنة الأشقياء هذه، وقد قال إن الأزهر وافق على 90 في المئة من المشروع، وأن المفتي عضو في اللجنة!

ولا نعرف ما هي العشرة، أو ما هي التسعون في المئة من المشروع، فنحن إزاء فوضى غير مسبوقة، وعمل من أعمال التنظيمات السرية، وليس الدول!

وجود المفتي في اللجنة لا يعني قيمة إضافية لها، وهو مفتي الحكومة الذي تطلب رأيه الديني كهيئة وليس كفرد، وهذا الفرد مجرد عضو في لجنة، وهو يخص الحكومة ولا يخص الناس، والقوانين التي تقر عبر البرلمان معنية بالشعب وليس بالسلطة، والأصل أن البرلمان يمثل هذا الشعب، لكن سياقه الحالي يجعل الأمور طبيعية، فالبرلمان امتداد للحكومة!

العبث الذي تنطق به النائبات كاشف عن الحالة المزرية التي وصلت إليها مؤسسات الدولة، بسبب طريقة الاختيار، وهي طريقة ستؤلف فيها كتب عندما ينقشع الغبار، والكتب المهمة لن نكتبها نحن، ولكن سيكتبها من هم مقربون من المشهد، ويطالعون ما يجري عن كثب، ولديهم من المعلومات ما لا نملكه! وسيذكرنا هذا بالمؤلفات الكثيرة التي صدرت بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر عن عصره، ولاقت رواجا واسعا أقلق اليسار المصري بتنويعاته.

إن من النائبات من يطلقن مطالب بهدف الظهور الآمن، حتى إذا وقعت أعيننا عليهن سألنا: من هؤلاء النسوة؟ ومن أين جئن؟ وهل يمكن أن يكنّ تعبيرا عن الحياة البرلمانية في أم الدنيا، أو في أي بلد آخر؟!

وقد حدث الخلط بين المشروع السري للحكومة، وبين مطالب نائبات ربما يتقدمن بمقترحاتهن عبر منصات التواصل الاجتماعي، لتعريف الناس بهن، ولم يتقدمن بها لتأخذ مسارها الطبيعي من النقاش في لجان المجلس!

أين شيخ الأزهر؟

وإزاء هذا العبث الحاصل، وهذا الخلط المتعمد، يشعر كثيرون أنه قد أحيط بهم، ومن ثم يطلبون من شيخ الأزهر أن يتصدى للقانون، فأين هو القانون؟!

لن يلتزم الشيخ أحمد الطيب الصمت، إذا خرج مشروع القانون من اللجنة التشريعية إلى المناقشة العامة، فعندئذ ستكون المواجهة مع مشروع واضح الملامح، وليس كل ما ينشر عنه تسريبات، الله يعلم مدى صحتها. وعدم شجاعة الحكومة في عرضه والدفاع عنه يدل على أنها تتهيب من رد الفعل، ربما باعتبارها تنظيما سريا، تسعى لسلق القانون في المناقشات ويصبح واقعا بين عشية وضحاها!

إن شيخ الأزهر، الذي وقف في قضية عدم وقوع الطلاق الشفهي، لن يتأخر عن موقف مطلوب في أمر كهذا، وهو الذي لم تنقصه الشجاعة في إعلان موقفه في مواجهة رئيس الدولة، بل وعقد اجتماعا لهيئة كبار العلماء، لتصدر قرارا بالإجماع برفض المقترح!

وأعتقد أن المواجهة قادمة، ما لم تتراجع الحكومة عن مشروعها، أو تستشعر الأزمة، وأن هذا ليس وقت صدام مع الرأي العام، فهذه ليست من قضايا التجاذبات السياسية، ولكنها تدخل في دين الناس، وقد حاولت الأبواق الإعلامية استدعاء قصة الإخوان في الموضوع، فلم يؤوب الناس معها، فهم أنفسهم ضد القانون!

قوانين الأحوال الشخصية هي دين في الجانب المهم منها، وأنها علم اجتماع في جانب آخر، فظروف المجتمع هي التي ترجح قولا فقهيا على الآخر، ولكن ما نراه الآن هو التعامل مع الغرب على أنه النموذج في حقوق المرأة

وما يؤكد أن النوايا ليست صافية، هي هذه السرية في مشروع القانون، وفي تشكيل اللجنة، ومتى بدأت عملها، وبالمخالفة الصريحة للدستور، فالاختصاص الأصيل في قوانين الأحوال الشخصية هو للأزهر وهيئة كبار العلماء، وهي ليست إشكاليات قانونية ليحلها رجال القانون، وإن احتاج الأمر لضبط قانوني، فالأزهر فيه كلية الشريعة والقانون، يمكنها أن تتولى الصياغة، وفي الأخير فإن المشروعات تحال لمجلس الدولة لصياغتها.

التفرقة بين المسلمين والمسيحيين:

ولا يعقل أن يقر قانونان للأحوال الشخصية، أحدهما للمسلمين والثاني للمسيحيين، في وقت واحد، فيعرض أحدهما على الكنائس إعمالا للدستور، ولا يحصل الثاني على موافقة الأزهر بالمخالفة للدستور، ويغيب ممثلو المذاهب الفقهية، اكتفاء بالمفتي، وهم من كانوا ممثلين في قانون 1929، بعد الانتقال من فقه المالكية وحده في قانون 1920، كما كان الأزهر حاضرا بدون نص دستوري يلزم حضوره، كما هو الحال في الدستور الحالي.

بقي أن يعرف أولو الأمر منا أنهم ليسوا أولياء في أمور الدين، كما أن قوانين الأحوال الشخصية هي دين في الجانب المهم منها، وأنها علم اجتماع في جانب آخر، فظروف المجتمع هي التي ترجح قولا فقهيا على الآخر، ولكن ما نراه الآن هو التعامل مع الغرب على أنه النموذج في حقوق المرأة، وهذه المبالغات في التعامل مع قضايا الأسرة والمجتمع على أنها معادلات كيميائية، نتج عنها ضرب مؤسسة الأسرة هناك، وأن مبدأ الشراكة في الأملاك، كان سببا في العزوف عن الزواج ورفض تحمل أعبائه.

والأمور ليست هناك على ما يرام ليحدث انبهار القروي الساذج الذي أبهرته أضواء المدينة، اللهم إلا إذا صدق ما يشاع بدون رد حكومي، من أن القانون مدفوع الثمن من الجهات الأجنبية، والتي قيل إنها حاضرة في لجنة الأشقياء، التي لم يتم الإعلان عن أعضائها، ومن اختارهم؟!

لقد سبق لمجلس الوزراء أن أطلق منصة للرد على ما ينشر، لكنها الآن لا تنطق، ولا ترد، وكأنها أصيبت بالخرس.

دين المصريين ليس للبيع!

x.com/selimazouz1

الخميس، 29 يناير 2026

غابت الدولة.. وحضر فخامة رئيس المصلحة!

 غابت الدولة.. وحضر فخامة رئيس المصلحة!

سليم عزوز

"ظل المواطن هو من يتحمل فاتورة هذا العبث والشعارات الفارغة من أي مضمون"


يبدو أنه تنازل عن فخامته لرئيس مصلحة الجمارك، حيث غاب النظام المصري، ووجد رئيس المصلحة فراغا تمدد فيه، فصار من يصدر الفرمانات ويؤكد سريانها، ومن لا يعجبه هذا فليشرب من البحر أو يلقي بنفسه فيه!

لقد اشتهر المحامي محمود عطية، ضيف قناة الجزيرة مباشر لسنوات، باللقب، فكان لا ينطق اسم الرئيس إلا مسبوقا أو متبوعا بلقب "فخامته" بصيغة الغائب أو الحاضر، ولأنها معاملة غير مسبوقة في تاريخ الحياة السياسية المصرية، فقد كان هذا من شأنه أن ينزع منا الابتسامات العريضة، ولو مع احتدام المناقشة عندما يشتد الوطيس، ثم جرى التعامل الرسمي باللقب، وفي الاحتفالات الرسمية. وقد جرت التقاليد على أن اسم الرئيس وصفته يسبقهما لقب "السيد"، حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازيّنت، لم يعد "السيد" هو المعادل الموضوعي لشاغل الموقع!

وقد بدا لي أن "الفخامة" تم التنازل عنها لرئيس مصلحة الجمارك، في أزمة الهاتف الجوال، فحضر الرجل وغابت السلطة، وأصدر فرمانه بإلغاء فرمان آخر يخص الدخول بالهاتف من الخارج، وبدا لي أنه يستغل غياب السلطة عن البلاد لحضور مؤتمر دافوس، بما في ذلك الوزير المختص، لفرض إرادته. فالجمارك ليست من الهيئات المستقلة في الدولة المصرية، مثل المجلس الأعلى للقضاء، أو المجلس القومي لحقوق الإنسان، والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، ولكنها مصلحة حكومية تتبع وزير المالية، والوزير كان أيضا في دافوس، "والغائب حجته معه"!

واعتقدت في البداية أن رئيس مصلحة الجمارك استغل هذا الفراغ، وقرر أن يضرب ضربته لصالح صاحب "القسمة والنصيب"، فأصدر قراره التاريخي، حتى إذا عاد الغائب كان قد فرض سياسة الأمر الواقع، وأنه لم يكن يتوقع ردة فعل الرأي العام، حد أن الأذرع الإعلامية نددت بالقرار، وبدا أنها حريصة على نزع فتيل الأزمة، فزفت إلينا بشرى أن أجهزة الدولة تجتمع وتبحث الخروج من الأزمة، وكنا ندرك أنها محاولة منهم للتعامل مع حالة الاحتقان، والموضوع لا يحتاج إلى اجتماع الأجهزة، أو الانشغال بالتفكير والبحث، وما يلزم هو فقط العودة إلى حدود ما قبل قرار صاحب الفخامة رئيس المصلحة!

بيد أن الغائب عاد، ولم يفتح الله على الوزير المختص بكلمة في الموضوع، ومع هذا تمطى رئيس مصلحة الجمارك، وأعلن بثقة مولانا ولي النعم أنه لا عدول عن القرار. والرجل صار فخما، فهل بانتقال الفخامة انتقلت معها صفة التشريع إليه، فجمع بين اختصاصين لصفتين في شخصه الكريم؛ صفة إصدار القرار (سلطة تشريعية)، وصفة تنفيذه (سلطة تنفيذية)؟ ليكون السؤال: لماذا لم يتم نشر القرار في أي من الصحيفتين التي تنشر بهما القوانين والقرارات، وهما "الجريدة الرسمية"، وجريدة "الوقائع المصرية"؟!

التحايل على الدستور والأحكام القضائية:

بداية المشكلة لم تكن مع القرار الأخير، الذي نص على العدول عن قرار سابق، فالمشكلة بدأت مع القرار الذي تم العدول عنه، وهو قرار معيب عندما تم تحديد هاتف جوال واحد كل ثلاث سنوات للعائد من الخارج لا تفرض عليه الضريبة، لكن يبدو أن السكوت على هذا القرار كان سببا في المضي قدما في اتجاه إلغائه، وفرض الضريبة على كل جهاز، وإلا فقد صلاحيته بعد ثلاثة شهور!

وكان الحال قديما هو السماح للعائد من الخارج بهاتف واحد جديد، بجانب جهازه القديم، لكن بعد الصمت على قرار هاتف واحد كل ثلاث سنوات، تحرك رئيس مصلحة الجمارك خطوة للأمام (فقد سكتنا له فدخل بحماره) كما يقول المثل المصري، مع إدغام "له" في ما قبلها لتحقيق السجع عند النطق!

الضريبة المقررة تمثل تحايلا على حكم المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية فرض ضرائب على المصريين العاملين في الخارج. والأصل أن يسري على المنقولات التي يحملونها في عودتهم لمصر ما يسري على أموالهم، وما يحملونه من أجهزة دفعوا ثمنها من الأموال التي اكتسبوها في الخارج، بدون خدمة قدمتها لهم الدولة، والمصري العائد بهاتف محمول لم يضغط على العملة الأجنبية للدولة المصرية، فضلا عن أنه يدفع ثمن الخدمات التي تتولاها السفارات والقنصليات أضعافا مضاعفة، والتي لم يعد لها من دور تؤديه إلا الاتجار في الاستمارات المختلفة، مثل استمارة تجديد جواز السفر، أو استخراج بطاقة الرقم القومي، أو شهادة ميلاد للمواليد الجدد، ونحو ذلك. والضرائب تُفرض مقابل خدمة!

كما أن قرار سلطان زمانه رئيس مصلحة الجمارك يمثل مخالفة للدستور ولأحكام الدستورية العليا، بأن فرض قرارات مرتبطة بجني الأموال لا يكون إلا بقانون، لكن فخامته يتصرف في البلد تصرف المالك فيما يملك، وعندما تحضر السلطة بعد غياب في دافوس، ثم يستمر متمددا في الفراغ، فالمعنى أنه يقوم بمهمة، فلا يعقل أن يكون رئيس المصلحة قد استولى على الحكم في مصر!

غطرسة المسؤول الصغير:

ومثلي يتفهم غطرسة المسؤول الصغير، عندما يكلف الصبي نفسه بمهمة نيابة عن معلمه، الأمر الذي ذكرني عندما تم وقف برنامج حمدي قنديل على التلفزيون المصري، وكان الجنين في بطن أمه يعلم أنه قرار وزير الإعلام صفوت الشريف، وإزاء الهجوم على القرار، إذ انبعث أشقاها ثروت مكي رئيس قطاع الأخبار، وتصرف كصبي محترف لمعلمه ونادى بصوت جهير: أنا منعت برنامج حمدي قنديل، عندئذ طالبت بعدم الالتفات إليه، فمن فعلها هو الوزير، والوزير في حالة رئيس مصلحة الجمارك صامت، صمت صفوت الشريف، وكأن "المصلحة" دولة فوق الدولة!

لا يمكن فهم هذا الاستفزاز إلا في إطاره الطبيعي، ليكون السؤال: لحساب من صدر قرار الحاكم بأمره رئيس مصلحة الجمارك؟!

قد نتفهم سياسة النظام الحالي في فرض المزيد من الرسوم والضرائب، لأنه لم يعد له من إنجازات لجني الأموال إلا الضرائب والاستدانة، فالكباري التي استنزف فيها أموال البلد ليست مشروعات إنتاجية، لكن اللافت هنا أن القرار تضمن أن عدم السماح بدخول ولو هاتف واحد من الخارج بدون دفع "المعلوم" هو نظرا لقيام مصر بإقامة مصنع لصناعته!

وتبحث عن المصنع فلا تجد دليلا واحدا على إنشائه، فمتى أنشئ؟ ومتى تم افتتاحه؟ ومن صاحبه؟ ليطرح هذا سؤالا: وكيف يكون الجهاز بعد تصنيعه في الداخل المصري أغلى سعرا منه في دول الخليج مثلا، وهي التي تقوم باستيراده وليس بتصنيعه على أراضيها؟!

الأمر ليس صحيحا، ولكن في حال صحته، أليس من العبث أن نحمي فشلا لا صناعة، على نحو ذكرنا بفرض ضرائب مهولة على السيارات المستوردة بحجة حماية الصناعة الوطنية، وكان هذا حماية لعملية تجميع، فكل المكونات من الخارج، لصناعة سيارات متواضعة، ورغم مرور أكثر من نصف قرن على ذلك لم تتقدم مصر خطوة للأمام في المجال، وظل المواطن هو من يتحمل فاتورة هذا العبث والشعارات الفارغة من أي مضمون؟!

التصدير لدول الجوار:

لقد دخل رئيس هيئة الاتصالات على الخط، وأعلن أن الدولة تعمل على توطين صناعة الموبايلات في مصر وتصديره لدول الجوار.

وهنا نحن أمام محاولة لإدخال الغش والتدليس على المواطن، فإذا صحت عملية توطين صناعة الموبايلات في مصر، ولا دليل عليها إلى الآن، فكيف يفهم المرء تصديرها للخارج، وهي تباع في مصر بضعف ثمنها إلا قليلا في دول الجوار المستهدف التصدير إليها، ومن هناك جاء فرض فرق القيمة بين الخارج والداخل كرسوم وجمارك؟

هل مصنع الموبايلات في مصر سيكون مملوكا للحكومة أم لسين من الناس؟ فلماذا لم تتم الإجابة بشكل صريح على ذلك؟ إذا كانت النية تتجه فعلا لتوطين صناعته في المحروسة، فلماذا لم تقم الحكومة بما هو أهم، وهو الاتفاق المباشر مع الشركات المنتجة بدون وسطاء، لإقامة مصانع لهم مع تقديم التسهيلات اللازمة، بما يمكنه هذا من توفير للعملة الصعبة، وتوفير فرص عمل، وإحداث حركة في السوق؟ ومما لا شك فيه أن مائة مليون مستهلك يمثلون إغراء كبيرا لهذه الشركات، ولن يكون المصريون العاملون في الخارج بحاجة لحمل تليفون محمول من الخارج لأنفسهم أو هدايا لذويهم، وهل يعد ترفا أن يحمل المصري معه هاتفا لابنه أو زوجته أو صديقه، لكي تتعامل مصلحة الجمارك معه على أنه ترف ينبغي فرض رسوما هائلة عليه؟!

لقد بلغ العبث منتهاه، عندما تم قطع خدمة الاتصالات عن هواتف سائحين، الأصل أنه مقرر لهم السماح لثلاثة شهور، دون أن يحاسب أحد على هذا الإجراء غير المسؤول، ثم يتبين أن الأجنبي سيسري عليه ما يسري على المصري، فإذا كان السائح لن يبقى في البلاد كل هذه الفترة (ثلاثة شهور)، فماذا عن الأجانب من عرب وعجم الذين يعملون أو يدرسون في مصر، ثم تفرض عليهم ضرائب نظير حملهم هواتفهم من بلادهم، فما هي صفة الدولة المصرية لتفرض عليهم الجزية؟!

هذه قضية فساد مكتملة الأركان!


x.com/selimazouz1

الأربعاء، 3 سبتمبر 2025

ما وراء قرار نتنياهو بتعطيل صفقة الغاز مع مصر؟!

ما وراء قرار نتنياهو بتعطيل صفقة الغاز مع مصر؟!
سليم عزوز


تدفع المكايدة السياسية أحيانا إلى تصرّف البعض على قاعدة الذي أراد أن يغيظ زوجته فخصى نفسه!

وأود من الذين قد يتعجلون باتهام الكاتب بالابتذال، فهذا مثل لمعلّم أجنبي، ورد في مذكرات طه حسين "الأيام"، وكان التلاميذ المصريون قد اعترضوا على معلمهم ذات عدوان من بلاده على مصر، وخرجوا من قاعة الدرس احتجاجا، فقال ما قال!

أكتب هذه السطور على وقع قرار الحكومة الإسرائيلية ممثلة في رئيسها نتنياهو، ووزير الطاقة إيلي كوهين، بإعادة فحص صفقة الغاز مع مصر، والتي وُصفت بأنها الأكبر، والتي تمتد حتى عام 2040. والمكايدة تحول دون الموقف الصحيح، والمعارضة هنا ألحن بحجتها من القواعد من الأذرع الإعلامية، الذين لم يوفّقوا في مهمة الشرح والتوضيح للصفقة، والقراءة الصحيحة للموقف، فيبدون في مواضع كثيرة كما لو كانوا قد فوجئوا بالموضوع الذي سيتحدثون فيه، فيعوضون العجز في الإعداد بسبّ الخصوم، فيخسرون القضية بمجرد فتح أفواههم، ليمثلوا عبئا على النظام الذي يدافعون عنه، ويصبحون لضعف مستواهم المهني كالدبّة التي قتلت صاحبها!

أوسمة للجنرال:

بقراره إعادة فحص صفقة الغاز، التي وُصفت بأنها الأكبر، فإن نتنياهو قدّم أوسمة للجنرال المصري، باتهام مصر بأنها انتهكت اتفاقية السلام مع إسرائيل، من خلال بناء أنفاق في سيناء قادرة على تخزين وسائل قتالية، وتمديد مدارج المطارات، وإدخال قوات مشاة ومدرعات بما يتجاوز ما هو مسموح به في ملحق اتفاقية السلام، وبدون موافقة إسرائيل!

بقراره إعادة فحص صفقة الغاز، التي وُصفت بأنها الأكبر، فإن نتنياهو قدّم أوسمة للجنرال المصري، باتهام مصر بأنها انتهكت اتفاقية السلام مع إسرائيل، من خلال بناء أنفاق في سيناء قادرة على تخزين وسائل قتالية، وتمديد مدارج المطارات، وإدخال قوات مشاة ومدرعات بما يتجاوز ما هو مسموح به في ملحق اتفاقية السلام، وبدون موافقة إسرائيل!

قبل ذلك، فإن تصريحات إسرائيلية أفادت بأن زيادة القوات المصرية في سيناء يتم باتفاق مع إسرائيل. ومعلوماتي؛ فإن هذه ليست هي المرة الأولى التي تتم فيها مخالفة الاتفاقية، فقد حدث هذا قبل عشر سنوات، عندما كان المقدّر مواجهة الإرهاب في سيناء، فكانت الزيادة بموافقة الطرفين. لكننا الآن أمام تناقض في الموقف الإسرائيلي، بين القول إن مخالفة الاتفاقية تمت بالتراضي أو بفرض الأمر الواقع!

هذا يقودنا إلى سؤال محوري: وهل مصلحة إسرائيل الآن مع إدخال قوات مشاة ومدرعات بما يتجاوز ما هو مسموح به في الملحق؟!

ما لا تفعله الأذرع الإعلامية:

ما لا تنجح الأذرع الإعلامية في القيام به من مهام، أنها بطريقتها الارتجالية لم توضّح للناس حقيقة صفقة الغاز الأخيرة. فهي ليست فقط امتدادا لاتفاقية سابقة، ولكنها تتجاوز فكرة الاستيراد بهدف الاستهلاك، وهذا من شأنه أن يُدين النظام المصري، وأن يدفع إسرائيل للإمساك بمصر من خناقها بهذا الاحتكار!

فالاستيراد بغرض الاستهلاك كان مع اتفاقية 2016، ثم اتفاقية 2018 التي كانت لعشر سنوات، مع شركات إسرائيلية، وكان بقيمة 15 مليار دولار. وفي 2022 كان الاتفاق ثلاثيا بين الجانبين المصري والإسرائيلي وبدعم الاتحاد الأوروبي، والهدف هو إعادة تسييل الغاز في محطتي إدكو ودمياط، وإعادة تصديره لأوروبا. فقد استفادت مصر من الحرب الروسية الأوكرانية على عكس ما يروّج النظام، حيث كانت سببا في عدم وصول الغاز الروسي إلى الدول الأوروبية، ومثّل الغاز الإسرائيلي بديلا مريحا!

ليست النهاية:

وقرار نتنياهو بفحص صفقة الغاز الجديدة لا يعني النهاية، لأن اتفاق 2022 مستمر لعشر سنوات، وهو الذي يُطلق عليه اتفاقا استراتيجيا ثلاثيا، عكس اتفاق 2018، لأنه صفقة تجارية بين شركة مصرية وشركات إسرائيلية بغطاء حكومي. والصفة التجارية تنسحب كذلك على أول صفقة في 2016 والتي كانت لمدة سبع سنوات، وبقيمة 1.5 مليار دولار!

ولأهمية الصفقة الأخيرة لمصر للجانب التجاري فيها، فإن نتنياهو يبتزها، وقد يوافق في الأخير، لكنه الآن في معركة ليّ ذراع كما تقول صحيفة "إسرائيل اليوم". فهل الفحص فعلا لمخالفة اتفاقية كامب ديفيد؟!

إذا صحت الادعاءات الإسرائيلية من انتهاك مصر لاتفاقية السلام، من خلال بناء أنفاق في سيناء قادرة على تخزين وسائل قتالية، وتمديد مدارج المطارات، وإدخال قوات مشاة ومدرعات إضافية، فهذا كان يستدعي تنديد إسرائيل في العلن. وقد يكون هذا صحيحا لكنه ليس بيت القصيد، ويأتي عدم تنديد إسرائيل به لأنها لا تريد للغضب أن يأخذ مساره الطبيعي وهي تحارب على جبهات عدة!

بيت القصيد:
حتى لو اقتصرت نظرته على ما سيعود على مصر من مغانم إذا قَبِل بالتهجير، وما سيعود على حكمه من حماية إن فعل، فإن هذه المغانم وهذه الحماية تتضاءل بجانب المخاطر التي تهدد مصر كما تهدد النظام، إذا سايرنا الغوغاء في القول: مصر أولا.. وأن فلسطين لا تعنينا في شيء، فالأخذ بمبدأ مصر أولا ومصر أخيرا سيدفع لرفض صفقة التهجير!

بيت القصيد هو الابتزاز، والضغط لقبول مصر بما هو مهم وهو التهجير، الذي لا يزال رغبة إسرائيلية وأمريكية. وإذا صح ما نُقل عن الجانب الإسرائيلي من مخالفة اتفاقية السلام، فهو الاستعداد لفرض التهجير عنوة!

والسيسي ضحّى بعلاقته المتميزة بترامب من حيث كونه "ديكتاتوره المفضل"، ولم تعد علاقته مع إسرائيل على ما يرام بسبب قضية التهجير، والمؤكد أنه خيّب آمال ترامب ونتنياهو العريضة فيه. فكيف يمكن قراءة موافقته على صفقة القرن سابقا وهذه التضحيات الجسام الآن؟!

لم نعرف صفقة القرن إلا من الجنرال وهو يقول لترامب إنه سيكون معه في هذه الصفقة، والتي فسّرت في وقت لاحق بأنها تعني إقامة دولة فلسطينية خارج فلسطين. فماذا جدّ؟!

يبدو لي أنه لم يكن يعتقد أن الوصول لصفقة القرن سيكون بهذه السرعة، فأبدى استعداده لمهمة قد لا تحدث في حياته، تماما كما تطوع وأعلن بدون طلب أن الجيش المصري سيكون لخدمة الأمن القومي لدول الخليج ولـ"مسافة السكة"، لأنه لم يكن يتصور أن الحرب على الأبواب، فلما دقت طبولها لم يرسل جنديا واحدا!

وربما لم يكن يدرك حينئذ المخاطر التي يمكن أن يواجهها الأمن القومي المصري من قضية التهجير، وأن الأمر لا يحتاج سوى لقرار سياسي، كان حينذاك يمكن فرضه ولن يجد اعتراضا من أجهزة الدولة. لكن جرت في القناة مياه كثيرة، وحتى لو اقتصرت نظرته على ما سيعود على مصر من مغانم إذا قَبِل بالتهجير، وما سيعود على حكمه من حماية إن فعل، فإن هذه المغانم وهذه الحماية تتضاءل بجانب المخاطر التي تهدد مصر كما تهدد النظام، إذا سايرنا الغوغاء في القول: مصر أولا.. وأن فلسطين لا تعنينا في شيء، فالأخذ بمبدأ مصر أولا ومصر أخيرا سيدفع لرفض صفقة التهجير!

بيد أن نتنياهو وترامب يعتقدان أنه يمكن بالضغوط التوصل لنتيجة، ومن هنا تأتي مناورة فحص صفقة الغاز، لنكون رضينا بالهم، والهم لم يرض بنا.

يُثاب المرء رغم أنفه.

x.com/selimazouz1