الجمعة، 25 أكتوبر 2013

أقسى ما كان


أقسى ما كان

د محمد عباس

أي وصف لما كان لا يعبر عن قسوته..
تقف الكلمات عاجزة عجز من يحاول نزح ماء البحر بكوب أو نقل جبل المقطم من مكانه!!
كل شيء كان قاسيا ورهيبا..
دعنا الآن من رابعة والمنصة والساجدين..
دعنا من رمسيس..
دعنا من الطائرة التي دفعنا فيها دم قلوبنا.. والباب مفتوح.. والسلم مدلي.. مربوط فيه أشاوسنا.. يطلقون علينا النار..
لو نزفت دمي كله دموعا ما نفس عن ألمي..
لو نزفت الدم الذي جرى في عروقي منذ ولدت وحتى أموت دموعا ما قلل ذلك من قهري..
دعنا من ذلك..
ودعنا مما هو أكبر:
الخطر الذي يتهدد المشروع الإسلامي..
دعنا من هذا الذي لا أستطيع الكتابة عن قسوته والذي يخيل إليّ أنني لو عشت ألف عام سيظل ألمه في قلبي لا جمرات نار بل حمما منصهرة لبركان تسير في عروقي وقلبي وكبدي بدل الدم..
دعنا من ذلك الذي لا أستطيع التعبير عنه إلى ما أستطيع التعبير عنه..
فقد كان من أقسى ما كان: هو اكتشافي لخسة الكثيرين..
فئات كاملة.. وهيئات كاملة.. وأجهزة كاملة..
كنت أعلم أن الفساد فيها قد وصل إلى النخاع..
لكنني لم أكن أعلم أن العفن لم يترك فردا سليما فيها..
كل هذه الخسة..
كل هذه الوحشية..
كل هذا الكذب..
...
يمكن أن تعرف عن امرأة أنها عاهرة.. ستحتقرها وتشمئز منها..
لكن هذا ليس نهاية المدى..
بل قد تفاجأ بما يجعلك تحترم العاهرات..
كأن تكتشف على سبيل المثال أنها من آكلات لحوم البشر..
في هذه اللحظة تتخيل أن العهر من صغار الذنوب التي لا يؤبه بها إزاء ما اكتشفت ..أنه كمخالفة مرور إزاء جريمة قتل.. أكل لحوم البشر وذبح البشر والاغتباط بموت البشر والتفويض لقتل البشر..
تتصور أن العاهرة التي تكتفي بالعهر فقط هي إنسانة فاضلة..
في مسرحية جان بول سارتر:"المومس الفاضلة" ترفض المومس المال والغواية والتهديد لدفعها لاتهام بريء بجريمة قتل..
فكم من نخبنا بالله عليكم يتمتعون بأخلاق هذه المومس..
على هذا النحو كانت صدمتي في خسة الكثيرين..
كانوا بالنسبة لي عاهرات أحتقرهن وأشمئز منهن..
وظننت أنهم بلغوا قاعا لا قاع دونه وأنني أحتقرهم احتقارا لا مزيد عليه..
ظننت ذلك..
كنت كمن يصيبه الرعب من قطة فيجد التنين أمامه..
أو من يخشى الذئب فيتلقفه الغول..
أو كمن يخاف من ابتلال ملابسه في المطر فيفاجأ بتسونامي خلفه..
ظننت ذلك.. أنهم بلغوا من الفحش غايته وأنني اعطيتهم من الاحتقار نهايته..
حتى اكتشفت أنهم من آكلي لحوم البشر..
وكان المروع أنهم ليسوا آحادا.. ولا ألوفا.. بل هم بالملايين..
...
أتوق إلى يوم القيامة.. والحساب..
أدعو الله ألا يقبل لهم توبة..
أدعوه أن يعاملهم بجبروته وأن يعاملنا برحموته..
نعم.. أتمنى أن يموتوا دون أن يتوبوا
أتوق لأن أرى مقعدهم من النار..
لكنني أرى بقلبي بشائر ربي..
في الدنيا قبل الآخرة..
وقريبا جدا إن شاء الله..
أحصر ديونهم واجبة السداد:
ستة آلاف شهيد..
عشرون ألف جريح..
عشرون ألف أسير..
ملايين القلوب الممزقة..
وما لا نهاية من الألم..
وشرع الله وشريعته..
نعم..
أرى القصاص..
والمشانق..
والدم..
بالعدل ..
والصدق..
والرحمة..
لا بالظلم والكذب والفجر والادعاء والجبروت..
أراه..
قريبا جدا..
قريبا جدا..
قريبا جدا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق