الثلاثاء، 29 أكتوبر 2013

الدور العربي والإقليمي لمصر في ظل الانقلاب


الدور العربي والإقليمي لمصر في ظل الانقلاب


ياسر الزعاترة

من الواضح أن وضع مصر في ظل الانقلاب لن يختلف كثيرا عن وضعها في العشرية الأخيرة لحكم حسني مبارك بعدما سيطرت عليه قضية التوريث، وكان عليه لكي يمرر ذلك أن يدفع أثمانا للكيان الصهيوني والولايات المتحدة؛ وبالطبع في ظل تلك المعادلة التي تحدث عنها مصطفى الفقي قبل سنوات حين قال: إن رئيس مصر يجب أن يحظى برضا الولايات المتحدة وعدم اعتراض الكيان الصهيوني.
في تلك الأثناء رأينا تنافسا محموما بين جمال مبارك، وبين عمر سليمان، مدير المخابرات والرجل الثاني في الدولة على تقديم نفسيهما (كلا على حدة) للكيان الصهيوني بوصفه الأقدر على حماية مصالح الكيان الصهيوني، ورأينا الأخير يتصرف على نحو مثير في هذا السياق، لاسيَّما حيال مسألة التعاطي مع حركة حماس بعد سيطرتها على قطاع غزة إثر الحسم العسكري منتصف العام 2007.
في العشرية الأخيرة لحسني مبارك رأينا ذلك التراجع المريع للدور العربي والإقليمي لمصر، ورأينا خضوعا غير مسبوق للكيان الصهيوني تمثل في تمرير إجهاض انتفاضة الأقصى، ومن ثم التخلي عن «رجل مصر» في فلسطين (ياسر عرفات)، بل تمرير التخلص منه (بالسم) دون أية ردود فعل، بل وتمرير القيادة إلى الرجل الذي كان في عرفها (بتاع الإسرائيليين)، أعني محمود عباس، ورأيناها قبل ذلك تؤمّن على الموقف السعودي بطرح المبادرة العربية في قمة بيروت حين كانت دبابات شارون تجتاح الضفة الغربية، فيما عرف يومها بعملية السور الواقي.
في ظل حسني مبارك، وفي العشرية الأخيرة رأينا تشكلا ما عرف بمحور الاعتدال الذي كان الأقرب للولايات المتحدة والكيان الصهيوني، والذي منح التسهيلات لغزو العراق، رغم ما كان ينطوي عليه من تهديد لكل المنطقة، عبر وضعها رهنا للمصالح؛ بل للهيمنة الصهيونية، كما كان مخطط المحافظين الجدد لمشروع الغزو، كما لم يكن له أي دور في دعم المواجهة مع ذلك الغزو بعد ذلك، ولا مع وقوع البلد رهينة بيد إيران.
الآن، تستعيد سلطة الانقلاب في مصر ذات المشهد، ربما على نحو أسوأ، وفي حين كان التوريث هو عنوان الخضوع، فإن العنوان هنا هو مساعي الحصول على دعم الولايات المتحدة والكيان الصهيوني لعملية تثبيت سلطة انقلابية بديكور ديمقراطي في حكم مصر، ومن ثم السكوت على سائر السياسات الداخلية البائسة التي ستخططها في سبيل تثبيت هذه المعادلة.
يعلم الجميع أن الانقلابيين لا يفكرون البتة في إنشاء حكم ديمقراطي، أو استعادة ثورة يناير كما زعموا، وأمّن على زعمهم بعض المسكونين بالحقد على الإسلاميين من يساريين وقوميين وعلمانيين، بل يفكرون في إنشاء هيكل ديمقراطي لحكم عسكري، بل لدولة بوليسية في واقع الحال، وحين يحدث ذلك، فمن الطبيعي أن يكون ثمن ذلك من سياسة مصر الخارجية، وهذا هو ما يفسر الموقف الأميركي بوقف بعض المساعدات العسكرية رغم دعم أميركا الصريح للانقلاب، الأمر الذي سيُستخدم في سياق الابتزاز.
ولعل أبرز الأدوار التي ينبغي على مصر أن تلعبها في المستقبل القريب هو دعم التسوية البائسة المتوقعة بين محمود عباس والفلسطينيين، ومنحها الشرعية المطلوبة عربيا، أما الدور الآخر، فيتمثل في دعم الجهود التي تقوم بها دول الثورة المضادة لإجهاض الربيع العربي، وليس بعيدا عن الدور الأول، بل جزء منه استهداف حماس في قطاع غزة بالحصار وأدوات أخرى من أجل إنهاء حكمها هناك، وضم القطاع إلى الضفة في لعبة التسوية المقبلة، أكانت نهائية، أم مؤقتة بحسب ما هو مرجح (دولة مؤقتة في حدود الجدار).
سيقول بعض الموتورين، وفي سياق من التبرير: إن ذلك لا يختلف عن سياسات محمد مرسي، والحقيقة أن مرسي لم يكن الحاكم العملي، فالجيش والأمن لم يكونا معه، وقد أوضح الشيخ رائد صلاح كيف كان مرسي يتصل به لسؤاله عن قضية الأقصى، وكيف أن الأجهزة الأمنية قد منعته مرارا من دخول مصر رغم دعوات موجهة إليه من مؤسسات هناك.
أما الفارق العملي بين توجهاته وتوجهات الحكم المخلوع فيمكن ملاحظته من خلال المقارنة بين الموقف الذي اتخذه مبارك وعمر سليمان عشية الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة نهاية 2008، وبداية 2009، حين ضغط سليمان بشدة على حماس من أجل وقف إطلاق النار لكي تبدو في صورة المهزومة، وبين الموقف الذي اتخذه مرسي إبان عدوان 2012 حين تبنى مطالب المقاومة كاملة في المفاوضات لإنهاء العدوان.
ولا قيمة في السياق لحكاية الرسالة الموجهة لبيريز، والتي يعلم الجميع أنها أرسلت دون علم مرسي، كرسالة بروتوكولية في ذكرى تأسيس الكيان، مع العلم أن الإسرائيليين طالما اشتكوا من أن مرسي لم يتلفظ بكلمة «إسرائيل» طيلة وجوده في الحكم.
أما ملف كامب ديفيد فلم يكن بوسع مرسي أن يطرحه في المرحلة الأولى، هو الذي كان مطاردا في الداخل، ويتحدث الكل عن فترة عابرة لحكمه، وفي ظل عدم سيطرته؛ لا على الجيش ولا على الأمن.
هي مرحلة بائسة لمصر في ظل الانقلاب لا تختلف عن عشرية حسني مبارك الأخيرة، ما يدفعنا إلى القول: إن مصر لن تستعيد دورها العربي والإقليمي من دون أن تستعيد ثورتها المسروقة، وهي ستفعل ذلك إن عاجلا، أم آجلا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق