الاثنين، 4 مايو 2026

سَلُوا اللهَ العافية!

 نقطة نظام

سَلُوا اللهَ العافية!

أدهم شرقاوي


روى ابن كثير في البداية والنهاية، وابن عساكر في تاريخ دمشق،وابن الجوزي في صفة الصفوة:

إنَّ عبد الوهاب بن سعيد قال: حجَّ الحَجَّاجُ فنزلَ بين مكة والمدينة، ودعا بالغداء،

وقال لحاجبه: انظرْ من يتغدى معي، وأسألهُ عن بعض الأمر!

فنظر نحو الجبل، فرأى أعرابياً، فذهبَ إليه، وقال له: إئْتِ الأمير.

فأتاه، فقال له الحجاج: اغسِلْ يديكَ وتغدَّ معي.

فقال: إنه قد دعاني من هو خير منكَ فأجبته!

قال: من هو؟

قال: الله تعالى، دعاني إلى صوم النافلة، فأجبته!

فقال له: في الحرَّ الشديد؟

فقال: صمتُ ليومٍ هو أشدُّ حراً من هذا اليوم!

فقال له: فأفطِرْ اليوم، وصُمْ غداً!

فقال: إن ضمنتَ لي البقاء إلى غد!

فقال له: ليس ذلكَ إليَّ.

فقال: فكيف تسألني عاجلاً بآجلٍ لا تقدِرُ عليه؟

فقال له الحجاج: إنه طعامٌ طيِّب!

فقال الأعرابي: لم تُطيبه أنتَ ولا الطباخ، ولكن طيبَه العافية!

تأملوها بعمق: ولكن طيَّبَه العافية!

إن قيمة النعم تكمن في القدرة على الاستمتاع بها، وليس بمج رد امتلاكها فقط!

فكم من صاحب نعمة ينظرُ الناسُ إليه بعضهم بالغبطة، وبعضهم بالحسد،

وهو في الحقيقة محرومٌ!

كثير من الأغنياء يملكون مالاً يستطيعون به شراء طعام يكفي مدينةً،

ولكن أحدهم لمرضٍ نزلَ به لا يستطيع أن يأكل ما هو قادر على أن يشتريه!

كنتُ أستمع مرةً إلى محاضرة للدكتور محمد النابلسي،

وروى فيها عن غنيٍّ يعرفه، أنه لا يستطيع أن يأكل إلا الخضار المسلوقة،

ولو أكل شيئاً آخر لمات!

ما طابت لهذا ولأمثاله الدنيا وهي بين أيديهم، إلا لأنهم حُرموا العافية في البدن!

وكم من قصر منيف، ينظرُ إليه الناس من بعيد، ويتمنون أن يكونوا من أهله،

وما هو في الحقيقة إلا قبر دُفن فيه الأحياء،

فيه زوجة مهملة كأنها أثاث،

وأولاد شغلت آباءهم التجارة والدنيا عنهم،

حياة فيها ترف المظاهر وقسوة الواقع،

كجثة هامدة لامرأة حسناء، ينظرُ إليها الرائي ويحسبها نائمة فيتمنى أنها له،

فإذا عرف أنها ميتة انصرف بكله عنها!

ذاك أنه بيت نُزعت منه عافية المودة والرحمة!

فإذا سألتم الله تعالى شيئاً فاسألوه أن يعطيكم إياه مع العافية،

فإنها متى نُزعتْ من شيء صار لا قيمة له!


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق