من الولاء المطلق إلى العداء المطلق
كيف ينقلب بعض أبناء الصف؟
من أكثر المشاهد إيلامًا وحيرةً أن ترى رجلًا أفنى سنوات عمره ذائبًا في صفٍ من الصفوف، شديد الحماسة له، مستميتًا في الدفاع عنه، محاربًا لكل من يقترب من نقده أو ينافسه في مساحته، ثم لا تلبث الأيام أن تراه على الضفة الأخرى تمامًا؛ لا مجرد مختلفٍ أو ناقد، بل خصمًا لَدودًا، وعدوًا شرسًا، يوظف طاقته كلها في الهجوم على ما كان بالأمس القريب يراه طريق النجاة ومحل الولاء.
هذا التحول الصادم ليس مجرد حكاية أفراد، بل هو نافذة كاشفة على فهم النفس البشرية حين تختلط فيها معاني الدعوة بأمراض الأنا، وحين يختلط العمل للإسلام بالتعلق المرضي بالموقع، وحين يتحول التنظيم من وسيلة إلى مركز شعوري يعلّق الإنسان عليه معنى ذاته واعتباره.
فالناس كثيرًا ما يظنون أن الولاء الصاخب علامة ثبات، وأن الحماسة الزائدة دليل رسوخ، وأن أكثر الناس ضجيجًا في الدفاع هم أصدقهم انتماءً، بينما تكشف التجارب أن بعض صور الولاء المبالغ فيه لا تكون ولاءً لله والحق بقدر ما تكون تعلقًا بالنفس داخل الجماعة، أو ذوبانًا في الأشخاص، أو شعورًا بالتفوق من خلال الانتماء، أو استمدادًا للقيمة الذاتية من القرب من دوائر التأثير والقرار.
وهذا النوع من الولاء يبدو في ظاهره قوة، لكنه في حقيقته بناء هش؛ لأنه لم يُبنَ على التجرد، بل على احتياجات نفسية خفية.
فالذي يجعل الجماعة ميزان إيمانه الوحيد، أو يجعل قربه من القيادات جزءًا من صورته أمام نفسه، أو يرى حضوره في الصف تعويضًا عن طموحاته الخاصة، يكون قد ربط قلبه بما هو بشري متغير، لا بما هو رباني ثابت.
فإذا جاءت لحظة اصطدام:
قرار لم يرضه، أو موقع لم ينله، أو شخص قُدِّم عليه، أو جرح شعر أنه لم يلقَ إنصافًا فيه، اهتزت البنية كلها دفعة واحدة؛ لأنه لا يشعر أنه خسر رأيًا تنظيميًا فحسب، بل يشعر في أعماقه أنه خسر نفسه.
ومن هنا يبدأ الانقلاب.
لا يظهر أول الأمر على هيئة عداء معلن، بل يبدأ كسؤال مرّ: لماذا فُعل بي هذا؟ ثم يتحول إلى تذمر، ثم إلى مرارة، ثم إلى إعادة قراءة الماضي كله بعين الغضب.
وفجأة لا يعود يرى السنوات التي بذلها سنوات فضل، بل سنوات استغلال، ولا يرى الصحبة القديمة صحبة دعوة، بل شبكة مصالح، ولا يرى القيادات اجتهادًا بشريًا يخطئ ويصيب، بل يتخيلها مصدرًا لكل ما ناله من خيبة.
وعند هذه اللحظة لا يكون قد اختلف مع قرار، بل يكون قد دخل في معركة ثأر نفسي مع ذاكرته كلها.
وهنا يقع أخطر التحولات:
يتحول الحب الأعمى إلى كراهية عمياء. لأن النفس التي لم تتعلم الاعتدال في الولاء لا تعرف الاعتدال في الخصومة. والذي لم يتربَّ على أن الجماعة وسيلة من وسائل نصرة الإسلام، لا الإسلام كله، يسهل عليه حين ينكسر أن يخلع عنها كل خير، وأن ينكر كل فضل، وأن يراها فجأة أصل البلاء كله.
ولهذا رأينا ونرى نماذج لا تخرج من الصف هادئة أو ناقدة، بل تغادره وهي تحمل رغبة محمومة في الهدم.
لا يكفيها أن تقول: اختلفت، بل تريد أن تقول:
كل ما كنت فيه كان باطلًا. ولا يكفيها أن تراجع التجربة، بل تسعى إلى تشويهها.ولا يكفيها أن تنصرف، بل تحتاج إلى أن تنتقم معنويًا من كل من بقي فيها، كأن بقاء الآخرين إدانة مستمرة لاختياراتها.
وهنا تتلقف الخصوم أصحاب الجراح.
فالسلطات المستبدة، والجهات المتربصة، والمنصات المعادية، تعرف جيدًا كيف تصطاد النفوس المثقلة بالمرارة، وتدرك أن الإنسان حين يشعر أن بيئته قد جفته أو لم تُنصفه يصبح أكثر قابلية لسماع صوت المواساة القادمة من الضفة الأخرى، ولو كانت مواساة مسمومة.
وهذا المعنى ليس جديدًا في طبائع البشر؛ فقد وقع ما يشبهه في زمن الصف الأول من هذه الأمة.
حين تخلف كعب بن مالك رضي الله عنه عن غزوة تبوك، وضاقت عليه المدينة بما رحبت، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بمقاطعته، حتى صار يمشي بين الناس فلا يكاد يجد رد سلام، وفي ذروة هذا الانكسار النفسي جاءه كتاب من ملك غسان يقول فيه:
قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك فالحق بنا نواسك. كانت محاولة ماكرة لانتزاع رجل مجروح من صفه وتحويل لحظة ضيقه إلى بوابة استدراج. لكن كعبًا أدرك بفطرته الإيمانية أن الجفاء الداخلي مهما كان مؤلمًا لا يبرر الارتماء في أحضان الخصوم، فقال: وهذا أيضًا من البلاء، ثم مضى فأحرق الرسالة.
ذلك أن النفوس الكبيرة تعرف أن الخطأ الداخلي لا يبرر الخيانة الخارجية، وأن من ضاق بإخوانه لا يحق له أن يفتح قلبه لمن يتربص بدينه وقضيته.
وهنا يظهر الفارق بين من يحمل جرحًا فيصبر حتى يبرأ، ومن يحمل جرحًا فيبيعه لأول مشترٍ.
إن بعض المنقلبين لا يسقطون فقط لأن الجماعة أخطأت معهم، فالأخطاء واقعة في كل عمل بشري، ولكن لأن نفوسهم لم تكن قد تحررت أصلًا من عبودية الذات.
ولذلك حين وجدوا من يفتح لهم الأبواب، ويمنحهم الأضواء، ويصفق لغضبهم، شعروا أنهم وجدوا ساحة جديدة يثأرون فيها لأنفسهم، فتمادوا حتى لم يعودوا يميزون بين النقد والانتقام، ولا بين الشهادة والافتراء، ولا بين كشف الخطأ ومساندة الظلم.
ومع ذلك، فإن تحميل المسؤولية لهذا الفرد وحده ليس إنصافًا كاملًا؛ فبعض البيئات الحركية تسهم بوعي أو بغير وعي في صناعة هذه النهايات المؤلمة.
حين تُربي أبناءها على الولاء للأشخاص أكثر من الولاء للمبادئ، وحين تقدم المطيع الصامت على الناقد البصير، وحين تضيق بالنفس الطموحة دون أن تحسن تهذيبها واحتواءها، وحين تترك الجراح الصغيرة تتقيح في الصدور، فإنها تكون قد وضعت بذور الانفجار وإن تأخر موعده.
غير أن خطأ البيئة مهما عظم لا يرفع عن الإنسان مسؤوليته الأخلاقية. فالخلاف لا يبيح الكذب، والمرارة لا تبرر التحريض على المظلومين، والجراح الشخصية لا تمنح صاحبها رخصة أن ينسف ميزان العدل الذي أمر الله به.
إن الدرس الذي ينبغي أن نتعلمه من هذه التحولات ليس مجرد الحذر من أشخاص بأعيانهم، بل الحذر من الفكرة التي تصنعهم:
فكرة الولاء غير المنضبط، والتعلق المرضي بالموقع، وترك النفس بلا مجاهدة، وترك الصف بلا مراجعة. فالذي يتعلق بالجماعة تعلق عبادة يوشك أن ينقلب عليها انقلاب خصومة إذا خاب، والذي يعمل لنفسه من داخل الدعوة أكثر مما يعمل لله، قد يتحول عند أول انكسار إلى خصم لما كان يرفع شعاره.
ولهذا كان النجاة في أمرين لا ثالث لهما:
أن يبقى الولاء لله والحق فوق كل تنظيم، وأن تبقى النفس تحت المراقبة والمحاسبة فلا تستحيل الطموحات فيها إلى ألغام مؤجلة.
فليس كل من بدا شديد الولاء ثابتًا، وليس كل صوت مرتفع في الدفاع صادق التجرد. وبعض من يصفق لهم الصف اليوم بوصفهم أكثر الناس حماسة قد يكونون إن لم تُصحَّح الموازين وتُهذَّب النفوس أكثر الناس قابلية للانقلاب غدًا. وكذلك الصامتون في زوايا الصف سواء بسواء.
والقلوب بين أصابع الرحمن، والثبات ليس ضجيج شعارات، بل توفيق من الله، وتجرد دائم، وصدق في أن نعمل للإسلام لا لأنفسنا من خلال الإسلام.
نسأل الله السلامة والعافية والثبات.
وللقصة بقية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق