‏إظهار الرسائل ذات التسميات قطب العربي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قطب العربي. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 29 يونيو 2025

30 يونيو: صعوبة الهضم.. وفزاعة الإخوان الدائمة

 30 يونيو: صعوبة الهضم.. وفزاعة الإخوان الدائمة

قطب العربي

12 عاما مرت على حشد 30 يونيو (حزيران) المناهض لأول تجربة ديمقراطية في مصر بعد 60 عاما من الحكم العسكري، والذي انتهى بالانقلاب على أول رئيس مدني.

12 عاما حاولت خلالها السلطة الجديدة تسويق وتسويغ هذا التمرد باعتباره ثورة شعبية لكن الفشل يلاحقها عاما بعد عام، مع انفضاض المزيد ممن شاركوا في ذاك الحشد، بل ولعنهم له ولكل ما ومن أقنعهم به.

في الذكرى الـ12 كانت هناك ترتيبات لاحتفالات ضخمة أفسدتها أو عطلتها الحرب الإسرائيلية الإيرانية، ومنها حفل افتتاح المتحف المصري الجديد، ثم جاءت حادثة مقتل 19 فتاة من إحدى قرى المنوفية في حادث سيارة قبل يومين لتفرض حالة حزن وطني عام لا تصح معه أية احتفالات.

12 عاما من الوعود الكاذبة صعبة الهضم؛ بدأت من استمارة تمرد نفسها، والتي انطلقت من بعض القضايا المعيشية والاجتماعية والأمنية (مطالب ووعود أصبحت محل تندر خلال السنوات الماضية مع مقارنتها بما وصلت إليه الأحوال الآن)، ثم الوعود المتتالية من رأس النظام للمصريين بالصبر معه 6 أشهر، ثم سنة ثم سنتين ليروا مصر "قد الدنيا"، لينتهي كل ذلك بصرخات منه شخصيا أن مصر "شبه دولة"، وأنها "فقيرة قوي"، ثم الإعلان عن جمهورية جديدة تتفوق على جمهورية الضباط الأولى (1952-2011) في مظاهر العسكرة لكل نواحي الحياة، جمهورية أكثر اهتماما بالحجر على حساب البشر، ما أوقعها في شرك ديون خارجية ثقيلة تكبل أعناق الجيل الحالي والأجيال المقبلة.

الفزاعة الجاهزة دوما لتخويف حلف 30 يونيو هي فزاعة الإخوان التي يسهب النظام في استخدامها، رغم ادعاءاته المتكررة بالقضاء عليهم قضاء مبرما، بين قتل وحبس وتشريد وفصل ومطاردة في الداخل والخارج، فحين تعجز كل محاولات لملمة حلف 30 يونيو، يستدعي النظام فزاعة الإخوان لتذكير هذا الحلف بعداوته لهم، ويحذره من انتقام واسع ينتظره حال عودتهم


مع التآكل المتواصل لحلف 30 يونيو، وانفضاض قوى رئيسية منه، وانتقالها إلى مربع المعارضة، يبذل النظام جهودا كبيرة لوقف هذا النزيف قبل أن ينفض عنه الجميع، فتارة يدعو لحوار وطني بين شركاء 30 يونيو، وتارة يشكل لجنة للعفو الرئاسي من رموز هذا المعسكر وبهدف إطلاق سراح بعض النشطاء المعتقلين منه، وتارة يشكل تنسيقية لشباب أحزاب هذا المعسكر كبديل لشباب يناير، وتارة يشكل أحزابا للتعبير عن هذا المعسكر، وحينما تفشل يشكل غيرها، وتارة يجمع مرشحي الأحزاب في قائمة واحدة خشية حدوث منافسة بينها "تقلب بغم"، لكن كل تلك المحاولات لم تفلح لأنها ببساطة لم تكن جادة، ولم يكن النظام حريصا على مشاركة أي قوى مدنية معه في الحكم، هو يريدهم فقط مجرد داعمين له بلا مقابل سوى الرضاء ببقائهم في المشهد العام بلا فعالية، يريدهم مجموعة من "الهتيفة" يستحضرهم عند اللزوم ويصرفهم متى شاء، وهو ما انتبه إليه بعضهم فعلا فلم تعد تنطلي عليه تلك الحيل.

الفزاعة الجاهزة دوما لتخويف حلف 30 يونيو هي فزاعة الإخوان التي يسهب النظام في استخدامها، رغم ادعاءاته المتكررة بالقضاء عليهم قضاء مبرما، بين قتل وحبس وتشريد وفصل ومطاردة في الداخل والخارج، فحين تعجز كل محاولات لملمة حلف 30 يونيو، يستدعي النظام فزاعة الإخوان لتذكير هذا الحلف بعداوته لهم، ويحذره من انتقام واسع ينتظره حال عودتهم، وفي الوقت نفسه يذكر هذا الحلف بفضله عليه، إذ أنقذه من هذا التهديد الذي صنعه بنفسه، وأقنعه به.

حملة إعلامية كبرى تنشغل بها حاليا وبتوجيهات عليا المؤسسات الإعلامية الكبرى والصغرى؛ موضوعها الأساسي الإخوان، وخطورتهم على مصر، وتذكير بسنة حكمهم اليتيمة، واستدعاء الأكاذيب التي تم تشويههم بها، والتي كشفت الأيام كيف تم اختلاقها وإلصاقها بهم، مثل بيع قناة السويس والأهرامات وبرج القاهرة، والقبول بتهجير فلسطينيي غزة إلى سيناء، والتسبب في رفع أسعار الدولار والسلع الأساسية مثل الخبز وأنابيب الغاز والبنزين، حملة تنشر الفزع بين المصريين من احتمالات عودة الإخوان، وكأن الإخوان يقفون على أبواب الاتحادية!!

نحن إذن أمام تصورات متضاربة للسلطة تجاه الإخوان، فهي تدعي انتهاءهم بفضل ضرباتها الأمنية الحازمة، وهي تبرز مجددا قوتهم وخطورتهم، والحال كذلك فإما أن تقر السلطة ومن شايعها مقولة انتهاء الإخوان وبالتالي تتوقف عن استحضار فزاعتهم لتخويف البعض منهم، وإما أن تقر فعلا ببقائهم وفاعليتهم، وبالتالي تبحث عن تسوية معهم تنهي حالة الخوف، وعدم الاستقرار، وتسهم في إنهاء الانقسام المجتمعي، كما تسهم في تحقيق التنمية والازدهار للوطن والشعب.

انقلاب الثالث من تموز/ يوليو 2013 ورغم مرور 12 عاما على وقوعه فإنه لم يقدم مشروعا مفيدا للشعب، ولا يزال يواجه مقاومة تخفت حينا وترتفع حينا، وتكسب أنصارا جددا، في الوقت الذي يخسر النظام تدريجيا أجزاء من داعميه، ولن تنتهي هذه الحالة إلا بحوار وطني حقيقي، يستهدف التوافق على خارطة طريق لاستعادة الحكم المدني، وتحديد دور الجيش في الحياة العامة


أما قوى المعارضة الوطنية في الداخل والخارج فعليها أيضا أن تحسم تقييمها لجماعة الإخوان وحلفائها من بقية التيار الإسلامي، وهل هذه المعارضة الوطنية مقتنعة بروايات النظام، أم لديها تقديراتها الخاصة؟ وهل هي بعد هذه التقديرات ترى نفسها أقرب للنظام الحاكم، فتقبل ما يمليه عليها ثمنا لحمايتها كما يدعي؟ أم أن من مصلحتها ومصلحة الوطن وضع نهاية لتلك العشرية السوداء، والعمل الجاد لاستعادة الحكم المدني الديمقراطي الذي يستوعب الجميع تحت مظلة دستور يكتبه المصريون بكل حرية واستقلال؟

أما الإخوان فإن عليهم كجماعة الارتفاع إلى مستوى التحدي، وذلك عبر تجاوز خلافاتهم التنظيمية غير ذات المعنى، واستعادة لحمتهم، وتقديم مبادرات من ناحيتهم لتغيير المشهد السياسي المتكلس، كما أن على الجمهور الواسع المحسوب عليهم أن يعي تحديات المرحلة، وأن يمد الجسور مع غيره من القوى الوطنية، وأن يتجاوز خطوط الثلاثين من حزيران/ يونيو 2013، فكثير ممن شاركوا وحشدوا لتلك الفتنة تبرأوا منها، وندموا على مشاركتهم فيها، وهو ما ينبغي أن يقابل بتقدير واحترام وليس بالتبكيت والسخرية والشماتة، لأن الأخطاء لم تكن قاصرة على طرف دون طرف، فالجميع أخطأ وإن بدرجات متفاوتة، وعلى الجميع تصحيح أخطائه قبل أن يطالب غيره بذلك.

في معظم تجارب الانقلابات عالميا لا تستمر المقاومة للانقلاب فترات طويلة، حيث يتمكن النظام الجديد من تحقيق إنجازات تدفع الناس للتعامل مع النظام الجديد، حتى لو ظل البعض محتفظا بمعارضته له، وهو ما حدث من قبل مع انقلاب 23 تموز/ يوليو 1952 الذي تبنى مشروعا اجتماعيا واقتصاديا لصالح أغلبية الشعب (التأميم- الإصلاح الزراعي- مجانية التعليم- التوظيف) لكن انقلاب الثالث من تموز/ يوليو 2013 ورغم مرور 12 عاما على وقوعه فإنه لم يقدم مشروعا مفيدا للشعب، ولا يزال يواجه مقاومة تخفت حينا وترتفع حينا، وتكسب أنصارا جددا، في الوقت الذي يخسر النظام تدريجيا أجزاء من داعميه، ولن تنتهي هذه الحالة إلا بحوار وطني حقيقي، يستهدف التوافق على خارطة طريق لاستعادة الحكم المدني، وتحديد دور الجيش في الحياة العامة.

x.com/kotbelaraby


الأحد، 8 يونيو 2025

بين أزمتي "سانت كاترين" و"أيا صوفيا".. هل من علاقة؟

بين أزمتي "سانت كاترين" و"أيا صوفيا".. 

هل من علاقة؟

قطب العربي 


 "أيا صوفيا" و"سانت كاترين" اسمان لقديستين مسيحيتين مصريتين، الأولى من البدرشين جنوب الجيزة، والثانية من الإسكندرية، وكلتا القديستين تحظيان بمكانة دينية عالية لدى المسيحيين في العالم وخاصة الأرثوذكس، نظرا لاستشهادهما في سبيل عقيدتهما، ورفضهما كل الإغراءات والتهديدات لثنيهما عن طريقهما، وهذا ما يفسر الحساسية الخاصة للمسيحيين الأرثوذكس تجاه التعامل مع آثارهما، سواء كنيسة أيا صوفيا في تركيا التي تحولت إلى مسجد، أو دير سانت كاترين في سيناء الذي صدر بشأنه حكم قضائي مصري مؤخرا حول طبيعة ملكية أراضيه وأثار حفيظة رهبانه ومن ورائهم اليونان.


القديسة أيا صوفيا ولدت مع نهاية القرن الأول الميلادي، وكانت تعبد الأوثان، ثم اعتنقت المسيحية، وذاع صيتها، وهو ما استفز الوالي الروماني في مصر كلوديوس، الذي حاكمها وأمرها بالعودة للوثنية فرفضت، فأمر بتعذيبها وقطع لسانها حتى ماتت. وبعد أكثر من قرنين (سنة 325 للميلاد) أمر الإمبراطور الروماني المسيحي قسطنطين العظيم بنقل رفاتها من مصر إلى مقر حكمه في القسطنطينية (إسطنبول الحالية)، وبنى لرفاتها كنيسة باسمها، وبعد تعرضها للاحتراق والتلف قام الإمبراطور جستينيان الأول بإعادة بنائها سنة 537 ميلادية. نلاحظ هنا أن اسم هذا الإمبراطور سيتكرر مرة أخرى مع بناء دير للقديسة المصرية الثانية "سانت كاترين" في سيناء هذه المرة، وهو الذي لا يزال قائما حتى الآن.

الإشكاليات القانونية المرتبطة بطبيعة ملكية دير سانت كاترين لبعض الأراضي المحيطة به، وهي الإشكاليات التي تمس بدورها فكرة السيادة الوطنية، فإن جانبا مهما من أزمة الدير هو خوف رهبانه ومن خلفهم الكنيسة أو الكنائس الأرثوذكسية الشرقية وعلى رأسها كنيسة القدس التي يتبع لها الدير، والكنيسة اليونانية، المظلة الأعلى لها، من تكرار ما حدث مع كنيسة أيا صوفيا

أما القديسة كاترينا السكندرية فقد عاشت في القرن السادس الميلادي، ووفقا للمصادر المسيحية فقد كانت أميرة وباحثة مرموقة أصبحت مسيحية في سن الرابعة عشرة تقريبا، وحولت مئات الأشخاص إلى المسيحية، واستشهدت في سن الثامنة عشرة تقريبا. أمر الإمبراطور ماكسينتيوس بإخضاعها لتعذيب رهيب ثم رميها في السجن، ثم قتلها بعد أن ذاع صيتها. وقد نجحت في إقناع الكثيرين باعتناق المسيحية ومن بينهم فاليريا ماكسيميلا، زوجة الإمبراطور نفسه، وفي القرن السادس بنى الإمبراطور جستينيان الأول ديرا لها في المكان الذي ناجى فيه سيدنا موسى ربه والمعروف بكنيسة التجلي.

تلك هي الخلفية التاريخية لهاتين القديستين المصريتين. ثارت أزمة طويلة بشأن كنيسة الأولى انتهت إلى تحويلها إلى مسجد، وثارت أزمة بشأن دير الثانية؛ استحضرت لدى أطرافها ملابسات أزمة الأولى.

لشرح الأمر، فإلى جانب الإشكاليات القانونية المرتبطة بطبيعة ملكية دير سانت كاترين لبعض الأراضي المحيطة به، وهي الإشكاليات التي تمس بدورها فكرة السيادة الوطنية، فإن جانبا مهما من أزمة الدير هو خوف رهبانه ومن خلفهم الكنيسة أو الكنائس الأرثوذكسية الشرقية وعلى رأسها كنيسة القدس التي يتبع لها الدير، والكنيسة اليونانية، المظلة الأعلى لها، من تكرار ما حدث مع كنيسة أيا صوفيا ولو بطريقة مختلفة؛ تتمثل هذه المرة في هواجس من تخطيط الحكومة المصرية لإغلاق الدير، أو على الأقل طرد الرهبان اليونانيين منه، وهي هواجس غير صحيحة بالمرة، فالنظام المصري الحالي لا يفكر بالطريقة التي فكرت بها حكومة أردوغان في تركيا، كما أن السياق التاريخي والتطورات التي شهدتها مسيرة كنيسة أيا صوفيا في تركيا تختلف كثيرا عن وضع دير سانت كاترين في مصر.


فيما يخص كنيسة أيا صوفيا، فقد حولها السلطان محمد الفاتح إلى مسجد عام 1453 بعد فتح القسطنطينية وفقا لأعراف ذلك الزمان، خاصة أن بعض المصادر التاريخية تشير إلى أنه اشتراها من ماله الخاص، وأصبحت مسجدا لمدة 500 عام، وبعد إنهاء الخلافة العثمانية حولها كمال أتاتورك عام 1934 إلى متحف، وكان ذلك جزءا من سياق تحولات كبرى أدخلها أتاتورك على تركيا، وأغلق بموجبها العديد من المساجد التاريخية المرتبطة في الأذهان بالدولة العثمانية التي أطاح بها، كما حول بعضها إلى متاحف أو حتى إسطبلات خيول. ثم ظهرت المطالبات مجددا بإعادة المتحف إلى مسجد، واتخذت هذه المطالبات أشكالا عديدة منها ما هو تاريخي وثقافي، 
إذا كانت معركة استعادة أيا صوفيا كمسجد في تركيا استندت إلى خلفيات دينية وقومية وبالتالي قادتها أحزاب وجماعات إسلامية وقومية، فإن أزمة دير سانت كاترين لا تستند إلى خلفية دينية، وإن استندت في جانب منها إلى خلفية وطنية تتعلق بإقرار السيادة المصرية على أرض الدير، مع منح تابعي الدير حق الانتفاع بتلك الأرض، والالتزام بالقوانين المصرية الناظمة للمحميات الطبيعية
وحتى تحركات شعبية قادتها بعض المجموعات والجمعيات الإسلامية ودعمها الزعيم الإسلامي التاريخي نجم الدين أربكان، واكتسبت زخما أكبر بدعم الرئيس رجب طيب أردوغان وحزبه العدالة والتنمية، وتدرج الوضع من ترك غرفة داخل المتحف للصلاة، ثم رفع الأذان فقط من مئذنتها دون السماح بالصلاة في صحنها، وصولا إلى صدور حكم قضائي من المحكمة العليا التركية في العام 2020 بعودة المتحف مسجدا، وفتحه للصلوات بشكل منتظم.

هاجت العواصم الغربية ضد هذا الإجراء، ومارست ضغوطا كثيفة على تركيا لثنيها عن قرارها، لكن أردوغان رفض تلك الضغوط، وحرص على إعادة افتتاح المسجد بنفسه كجزء أيضا من سياق تحولات كبرى يقودها لإعادة تركيا إلى هويتها الإسلامية التي غابت عنها في ظل الحقبة الكمالية.

وإذا كانت معركة استعادة أيا صوفيا كمسجد في تركيا استندت إلى خلفيات دينية وقومية وبالتالي قادتها أحزاب وجماعات إسلامية وقومية، فإن أزمة دير سانت كاترين لا تستند إلى خلفية دينية، وإن استندت في جانب منها إلى خلفية وطنية تتعلق بإقرار السيادة المصرية على أرض الدير، مع منح تابعي الدير حق الانتفاع بتلك الأرض، والالتزام بالقوانين المصرية الناظمة للمحميات الطبيعية.. الخ. ومن هنا فإن الأمر بسيط جدا في هذه الأزمة على خلاف ما تدعيه الرواية اليونانية من أن الحكومة المصرية تعتزم إغلاق الدير، وطرد رهبانه اليونانيين، وفي الحد الأدنى تسليمه إلى رهبان مصريين. وقد سارعت السلطات المصرية بدءا برأس النظام ووزير خارجيته وبقية أجهزته لطمأنة الجانب اليوناني على استمرار عمل الدير، واحترام طبيعته، ورهبانه.. الخ، والمطلوب الآن أن تتخلص اليونان فقط من عقدة أيا صوفيا لأنها تختلف بالفعل عن سانت كاترين.

x.com/kotbelaraby

الاثنين، 2 يونيو 2025

أزمة دير سانت كاترين.. السيادة الوطنية والنفوذ الأجنبي

 أزمة دير سانت كاترين.. السيادة الوطنية والنفوذ الأجنبي


دير سانت كاترين الواقع في جنوب سيناء المصرية هو أقدم دير مسيحي مأهول بالسكان بشكل مستمر في العالم، وإن كان هو الدير الثاني تاريخيا في مصر بعد دير الأنبا أنطونيوس مؤسس الرهبنة في مصر والعالم في نهاية القرن الرابع الميلادي تقريبا، وهو لا يتبع الكنيسة المصرية مثل بقية الأديرة المصرية، بل يخضع لوصاية دينية يونانية قديمة، بعد خضوعه من قبلُ لوصاية دينية روسية، ولذا فقد انتفضت الحكومة اليونانية والإعلام اليوناني ضد حكم قضائي أصدرته محكمة مصرية يوم الأربعاء الماضي (محكمة استئناف الإسماعيلية) قضى باعتبار قطع أراض مجاورة للدير ملكية عامة للدولة المصرية، مع تأكيده لحق تابعي الدير في الانتفاع بها، وهو ما رفضه رهبان الدير ومن خلفهم الكنيسة والحكومة اليونانية.

حتى الآن يجري تسويق المشكلة عبر الدعاية اليونانية الرسمية والدينية باعتبارها إغلاقا للدير المقدس، والهدف هو استنفار المشاعر المسيحية في العالم ضد هذا الحكم القضائي، ومحاولة فرض الرواية اليونانية، والحقيقة أن الأزمة تتعلق بقطع أراض مجاورة للدير، قام الرهبان ببناء بعض المنشآت عليها دون موافقات رسمية، وجعلها أمرا واقعا، في تكرار لأزمات أديرة أخرى من قبل.

مخاوف التجلي الأعظم

ربما تكمن الأزمة في مخاوف إدارة الدير ومن يقفون خلفها من مشروع التطوير السياحي للمنطقة الذي تبلغ تكلفته 4 مليارات جنيه (مشروع التجلي الأعظم) وتستهدف منه الحكومة المصرية زيادة السياحة إلى المنطقة، فهذه المخاوف أصبحت سمة عامة لدى المصريين مع إعلان الحكومة عن أي مشروع سياحي أو عقاري كبير، وقد تدخلت رئاسة الدولة لطمأنة اليونانيين بشكل مباشر عدة مرات بدأت بتصريحات علنية للسيسي خلال زيارته اليونان يوم 8 مايو/أيار الماضي، نفى فيها وجود نية سيئة اتجاه الدير مؤكدا أن هناك “التزاما مصريا يونانيا أبديا اتجاه الدير لا يمكن المساس به”.

لكن الحكم القضائي جاء بعد هذا النفي فتجددت الأزمة، وتصاعدت التصريحات الغاضبة من مسؤولي الدير (الرهبان اليونانيين) ومن الحكومة اليونانية وبعض المؤسسات اليونانية الأخرى، فجرت اتصالات عاجلة بين وزيري خارجية البلدين، أعقبتها تصريحات من رئاسة الجمهورية تؤكد استمرار الأوضاع في الدير كما هي، وأن حكم المحكمة هو تأكيد للمكانة المقدسة للدير، وعدم المس بها، ومع ذلك لم تتوقف الأزمة حتى كتابة هذه الكلمات فيما بدا أنه محاولة يونانية لليّ ذراع الحكومة المصرية، وإجبارها على تجاوز الحكم القضائي، والإقرار بملكية الدير لكل الأراضي المجاورة له، ومنها محميات طبيعية، ومناطق أثرية مسجلة في اليونسكو.

ضمن التصعيد اليوناني محاولة الزج باسم الإخوان المسلمين في الأزمة بهدف تسييس القضية، والزعم أن دوافع دينية طائفية خلفها، وهذه المحاولة استفادت من الأجواء المعادية للإخوان في مصر والمنطقة، فرئيس الدير ادعى أن الأزمة بدأت برفع دعوى قضائية ضد الدير عام 2012 إبان ما وصفه بالحكم الإخواني، وأن القاضي الذي أصدر الحكم مؤخرا هو قاض إخواني، والحقيقة أن من رفع تلك الدعوى هو جنرال سابق (اللواء أحمد رجائي عطية مؤسس المجموعة 777)، ودعمته في البداية محافظة جنوب سيناء، لكن القضية لم تتحرك عمليا إلا في عام 2015، وظلت تتنقل في ردهات المحاكم حتى صدور حكم الاستئناف الأخير الذي جاء على خلاف توقعات إدارة الدير، وحسم قضية السيادة على الأرض باعتبارها أملاك دولة وليست أملاكا خاصة للدير أو لليونان.

سياسة الأمر الواقع

محاولة فرض الأمر الواقع في دير سانت كاترين سبقتها محاولات في أديرة أخرى، ومنها أزمة دير “أبو فانا” بمحافظة المنيا في صعيد مصر، التي وقعت عام 2008 حين قام رهبان الدير بتوسيع مساحته دون موافقة رسمية، وأنشؤوا سورا حول هذه الأراضي الجديدة، مما أثار أزمة طائفية في حينه، وتكرر الأمر في دير الأنبا مكاريوس في وادي الريان غربي الجيزة في فبراير/شباط 2011 أي عقب شهر واحد من وقوع الثورة المصرية، واستغلالا لحالة السيولة الأمنية في تلك الفترة، حيث قام المسؤولون عن الدير بالاستيلاء على 13 ألف فدان وضمها إلى حرم الدير وبناء سور حولها، لكن المجلس العسكري تصدى لتلك المحاولة آنذاك. ومن الواضح أن هذه الخلفيات حاضرة في وعي المؤسسة الأمنية المصرية في الأزمة الحالية مع اليونان رغم العلاقة المتميزة التي تجمع البلدين.

أزمة دير سانت كاترين ترتبط بشكل أساسي بالسيادة المصرية على المكان، في حين يعتبره الرهبان محمية يونانية، وقد كان ذلك هو سبب بداية الأزمة، فالجنرال الذي رفع الدعوى عام 2012 أقدم على تلك الخطوة بعد منعه وأسرته من دخول الدير بحجة أنه أرض غير مصرية، والواضح من التصريحات المتتالية لإدارة الدير وللمسؤولين اليونانيين أنها تحمل هذا المعنى، وربما تخشى اليونان فقدان سيطرتها على الدير، وربما لا تريد تكرار ما حدث مع كنيسة أيا صوفيا التركية التي تحولت إلى متحف، وبعد عقود تحولت إلى مسجد.. وهي مخاوف وهمية تماما لأن مصر بغض النظر عن النظام الذي يحكمها تدرك القيمة التاريخية لهذا الدير، وأهمية الحفاظ عليه، وتسويقه عالميا.

رغم أن الأديرة هي بالأساس مكان للعبادة والتنسك والزهد، فإنها أصبحت إمبراطوريات اقتصادية ضخمة، تضم مزارع ومصانع تتجاوز احتياجات رهبانها والعاملين فيها، وتصدر فوائض منتجاتها إلى بقية المجتمع، كما أن بعضها يمثل مزارات مهمة تسهم في تنشيط الحركة السياحية، وربما تسببت المغانم الاقتصادية في حدوث توترات داخلها، وحولها، لذا فمن المهم إصدار قانون لتنظيمها، وإخضاعها للإشراف المالي والإداري لمؤسسات الدولة، ضبطا للأداء الاقتصادي فيها، ولمصادر تمويلها، وتنظيما لمساحاتها وتوسعاتها المستقبلية، منعا للتوترات، وحفظا للأمن والاستقرار.

الأحد، 9 مارس 2025

الدماء والأشلاء في سوريا.. واللطم والنواح في مصر

 الدماء والأشلاء في سوريا.. واللطم والنواح في مصر

قطب العربي

سالت الدماء في سوريا يومي الخميس والجمعة الماضيين فسالت الدموع وتصاعد النواح واللطميات في مصر، ومع الإدانة لقتل أبرياء في سوريا أخذا بالشبهة فإن ذلك لا يلهينا عن حقيقة ما جرى، لقد كانت الثورة السورية قاب قوسين أو أدنى أن من السقوط كسابقاتها في مصر وتونس واليمن، كانت المؤامرة مدبرة بليل للانقضاض على الثورة، واستعادة الحكم الأسدي، وكان بشار الأسد يدير المعركة من منفاه في روسيا، ويساعده في إدارتها شقيقه الهارب أيضا ماهر، وعدد من رجاله سوء داخل سوريا أو خراجها. كان المستهدف إثارة حالة من الفوضى تنتهي إما باقتحام القصر الجمهوري، أو استدعاء تدخل إسرائيلي أو إيراني أو حتى روسي مباشر بدعوى حماية الأقليات.

كانت رصاصات البداية من المتمردين ضد منسوبي القوى الأمنية فقتلت أو أصابت العشرات، وأسرت أضعافهم، ونزعت سلاحهم قبل أن تتحرك القوى الأمنية بشكل منظم ومعها الجيش حديث التكوين لمواجهة هذه المؤامرة، فقتلت بدورها وأسرت العشرات من ضباط وجنود وشبيحة النظام السابق، ونجحت في وأد المؤامرة، لكن المشكلة التي صاحبت ذلك هي قتل آخرين من المدنيين إما بطريقة عشوائية، أو بطريقة متعمدة بناء على هوياتهم الطائفية، وهذا محل استنكار،

نشاهد صورة مغايرة تنتشر في مصر، ويتنافس في نشرها أنصار النظام وبعض القوى السياسية المعارضة، ناهيك عن أصوات طائفية أيضا.. نواح ولطميات حول مجازر مروعة في سوريا، وقتل على الهوية، ومحاولة للإجهاز على طوائف بأكملها وخاصة الطائفة العلوية. صحيح أن المعركة الكبرى كانت ضد متآمرين ينتمون أساسا لهذه الطائفة التي لا تزال ترى أن حكم سوريا حق حصري لها، لكن الصحيح أيضا أن الجسم الأكبر من هذه الطائفة أعلن قبوله للنظام الجديد

 وكان أول من استنكر ذلك رئيس الدولة أحمد الشرع، الذي دعا المجموعات الشعبية المتطوعة لمساندة قوى الأمن والجيش لمغادرة أماكن التوتر، والالتزام بتعليمات القادة العسكريين الميدانيين، ثم شكلت وزارة الدفاع لجان تحقيق لمحاسبة المسئولين عن هذه الجرائم.

حين تعرضت الثورة المضادة للهزيمة في هذه الجولة، تحولت إلى معركة أخرى وهي تضخيم الجرائم التي وقعت، كمّا وكيفا، وتسويقها عالميا بهدف تقليب العالم ضد النظام الجديد، وهي لم تستح خلال المواجهات من إصدار نداءات لروسيا وإسرائيل بالتدخل المسلح لحماية بعض الطوائف، وشاركها في ذلك للأسف بعض زعماء هذه الطوائف الذين فقدوا امتيازاتهم التي خصصها لهم نظام الأسد. إذن المعركة الآن هي معركة إعلامية تستخدم فيها الصور الصحيحة والمفبركة، وتضخيم أعداد القتلى والمصابين، ويتم إعادة نشر بعض التدوينات بطريقة ملفتة بهدف صناعة رأي عام دولي ضد السلطة السورية الجدية بهدف نزع الشرعية عنها..

هذه هي الصورة المجملة لما حدث، لكننا نشاهد صورة مغايرة تنتشر في مصر، ويتنافس في نشرها أنصار النظام وبعض القوى السياسية المعارضة، ناهيك عن أصوات طائفية أيضا.. نواح ولطميات حول مجازر مروعة في سوريا، وقتل على الهوية، ومحاولة للإجهاز على طوائف بأكملها وخاصة الطائفة العلوية. صحيح أن المعركة الكبرى كانت ضد متآمرين ينتمون أساسا لهذه الطائفة التي لا تزال ترى أن حكم سوريا حق حصري لها، لكن الصحيح أيضا أن الجسم الأكبر من هذه الطائفة أعلن قبوله للنظام الجديد، ولو على مضض، بل إن بعض أبنائها كانوا ضمن المعارضين لنظام الأسد، وكان غريبا ومريبا قتل بعض أقاربهم في المواجهات الأخيرة ما يثير شكوكا حول من المستفيد بقتلهم. كما أن التصريحات الرسمية لا تتوقف عن التأكيد على وحدة الشعب السوري بكل طوائفه، وعدم التمييز بينه على أساس طائفي أو عرقي أو جهوي، وقد شارك ممثلون لهذه الطوائف ومنها الطائفة العلوية في مؤتمر الحوار الوطني الذي شهدته سوريا مؤخرا.

المصريون الآن في فسحة من أمرهم، ويمكنهم إنجاز هذا الحوار المجتمعي بعيدا عن السلطة، وسواء داخل الوطن أو خارجه، وسواء عبر الحوار المباشر وجها لوجه، أو الحوار الافتراضي عبر تطبيقات التواصل الالكتروني، يمكن لمجموعة تحضيرية متطوعة وممثلة لأطياف متنوعة، أو حتى مجموعة محايدة لا تنتمي لتيارات سياسية أن تقود هذا الحوار


تنوعت خلفيات النائحين في مصر، فأنصار النظام منزعجون من انتصار الثورة السورية، وسقوط حكم الأسد، ويشعرون أن رياح التغيير ستنتقل إلى مصر، وأنهم سيتعرضون لما تعرض له أنصار النظام السوري، وبعض القوى السياسية المعارضة لديها عداء صريح مع التيار الإسلامي بشكل عام أيا كان، وفي إطار هذا العداء وجدت فرصتها فيما حدث في سوريا لكسب نقاط، وتشويه خصومها الإسلاميين عموما حتى وإن كانوا رافضين للعنف، أو منددين بالقتل على الهوية. والأصوات الطائفية لديها خوف من تكرار ما حدث في سوريا معها خاصة أنها لعبت دورا كبيرا في دعم الانقلاب على حكم الرئيس مرسي رحمه الله.

الموقف الصحيح بدلا من التنابذ، والمكايدة، هو أن يلتقي المصريون من كل الطوائف والتيارات لمناقشة مخاوف كل طرف، فليس صحيحا أن المخاوف تقتصر على طرف واحد بل تطال الجميع، والمواجهة الحقيقية لهذه المخاوف تكون بحوار مجتمعي صريح شفاف، يطرح فيه كل طرف هواجسه ومخاوفه، ومن خلال الحوار سيكتشف كل طرف أن جزءا كبيرا من مخاوفه متوهمة، وسيثبت أن بعضها صحيح، وقابل للعلاج، وهذا العلاج الذي يتم التوافق عليه، يتم تسجيله في وثيقة أساسية فوق دستورية، يلتزم بها الجميع..

المصريون الآن في فسحة من أمرهم، ويمكنهم إنجاز هذا الحوار المجتمعي بعيدا عن السلطة، وسواء داخل الوطن أو خارجه، وسواء عبر الحوار المباشر وجها لوجه، أو الحوار الافتراضي عبر تطبيقات التواصل الالكتروني، يمكن لمجموعة تحضيرية متطوعة وممثلة لأطياف متنوعة، أو حتى مجموعة محايدة لا تنتمي لتيارات سياسية أن تقود هذا الحوار، ويمكن للأزهر الشريف أو بيت العائلة المصرية أن يقود هذا الحوار، ويمكن للنقابات المهنية النشطة مثل الصحفيين والمحامين والمهندسين والأطباء أن تشكل لجنة مشتركة تقود هذا الحوار، فهل من مبادر؟!

x.com/kotbelaraby

الأحد، 2 مارس 2025

حدود التصعيد الإسرائيلي ضد مصر

 حدود التصعيد الإسرائيلي ضد مصر

قطب العربي

حرص رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي هرتسي هاليفي أن يختم رئاسته للأركان بتصعيد جديد ضد مصر، عبر إعلانه عن قلقه تجاه قدرات الجيش المصري، التي وإن لم تمثل تهديدا حاليا إلا أنها تمثل تهديدا محتملا في أي لحظة.

هاليفي الذي كان يحاضر في ضباطه قبل تركه الخدمة مطلع هذا الشهر؛ أوضح أن الجيش المصري يملك منظمات قتالية متطورة وطائرات وغواصات وسفنا حربية ودبابات حديثة، إلى جانب عدد كبير من قوات المشاة، بدون داع، ما اعتبره خطرا كبيرا!!

تصريحات الجنرال هاليفي جاءت بعد تصريحات مندوب تل أبيب الدائم في الأمم المتحدة داني دانون؛ الذي عبر أيضا عن مخاوف كيانه بشأن تسلح الجيش المصري، مدعيا أن مصر ليس لديها أي تهديدات في المنطقة فلماذا تحتاج كل هذه الغواصات والدبابات؟!


كأن الجنرال والدبلوماسي استيقظا فجأة فوجدا الجيش المصري يطور قدراته القتالية، ويمتلك كل هذه المنظومات التسليحيةّ!! رغم أنه يتسلح علنا ومن المصادر ذاتها التي تمد إسرائيل بأحدث الأسلحة، ولن تخفي عنها بالتأكيد صفقاتها المتتالية مع الجيش المصري


كأن الجنرال والدبلوماسي استيقظا فجأة فوجدا الجيش المصري يطور قدراته القتالية، ويمتلك كل هذه المنظومات التسليحيةّ!! رغم أنه يتسلح علنا ومن المصادر ذاتها التي تمد إسرائيل بأحدث الأسلحة، ولن تخفي عنها بالتأكيد صفقاتها المتتالية مع الجيش المصري خلال السنوات الماضية.

الجيش المصري هو أقوى الجيوش العربية، وهو أحد الجيوش الكبرى الرئيسية في المنطقة إلى جانب الجيش الإسرائيلي والتركي والإيراني، ووفقا لمؤشر جلوبال فاير بور؛ احتل الجيش المصري المرتبة التاسعة عالميا في العام 2020 متقدما على الجيشين التركي والإسرائيلي، لكنه تراجع عشر درجات ليصل إلى المرتبة 19 عالميا في العام 2025، وقد لا يكون هذا التراجع لأسباب تخصه، ولكنها تخص جيوشا أخرى قفزت إلى مراكز متقدمة بحكم تطويرها لمنظوماتها التسليحية، وعديد قواتها، وتجهيزاتها، ومنها الجيش الإسرائيلي الذي حل في المرتبة 15 عالميا.

وفقا لتقرير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام "سيبري"، الصادر في آذار/ مارس 2022 كانت مصر ضمن الدول العشر الأولى في العالم الأكثر استيرادا للأسلحة، خلال الفترة ما بين 2017 و2021، حيث احتلت المرتبة الثالثة عالميا بعد الهند والسعودية، لكن مشتريات مصر من السلاح الدولي تراجعت في السنوات التالية، ربما شعورا بالاكتفاء، أو نظرا لعدم توفر السيولة المالية اللازمة.

المخاوف التي عبر عنها عسكريون وساسة إسرائيليون من هذا التسليح المصري هي "تلكيكة" لابتزاز مصر، وفرض مواقف وسياسات صهيونية تتعلق بتهجير أهل غزة إلى مصر، أو إقحام مصر في إدارة القطاع، ونزع سلاح المقاومة، ما يعني الدخول في مواجهة مسلحة مع حماس وغيرها من فصائل المقاومة.

نتنياهو وجنرالاته يحاولون إنقاذ أنفسهم من ملاحقات قضائية وسياسية، ومن السجون واللعنات بسبب فشلهم التاريخي يوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، ولذا يسعون للتحرش بمصر حينا وبلبنان حينا وسوريا حينا، المهم أن تبقى الحالة ملتهبة، ولا تنطفئ نيرانها بعد توقف القتال ولو مؤقتا في غزة انتظارا لمفاوضات المرحلة الثانية.

سعت سلطات الاحتلال وإعلامها خلال الفترة الماضية لتسليط الضوء على تعزيزات عسكرية مصرية في سيناء، وبالذات في المنطقة ج التي لا تسمح اتفاقية السلام لمصر بالاحتفاظ فيها إلا بقوات رمزية من الشرطة وحرس الحدود. والحقيقة أن مصر عززت حضورها في تلك المنطقة بعد ثورة يناير 2011 بهدف مواجهة الجماعات المسلحة هناك، وتطور الأمر كثيرا بعد انقلاب 2013، وقد تم ذلك بتنسيق كامل مع السلطات الإسرائيلية، التي سمحت بوجود تلك القوات الثقيلة.

الآن تدعي السلطات الإسرائيلية أن مصر خرقت اتفاقية السلام، لتغطي على خرقها هي الواضح للاتفاقية ذاتها، فبالإضافة إلى التحرشات المتعددة بنقاط المراقبة المصرية على الحدود، وقتل أو إصابة عدد من الجنود المصريين، تم الإعلان عن بعضهم والتعتيم على آخرين، فإن جيش الاحتلال الإسرائيلي يحتل حاليا محور فيلادلفيا، ويرفض الانسحاب منه، رغم أن هذا الانسحاب كان مقررا أن يتم قبل نهاية المرحلة الأولى من اتفاقية وقف الحرب في غزة وتسليم الرهائن، وهذه المرحلة التي شملت 42 يوما انتهت فعليا يوم أمس السبت. والمعروف أن ممر فيلادلفيا منطقة عازلة منزوعة السلاح وفقا لاتفاقية المعابر للعام 2005 والتي هي جزء مكمل لاتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية.

هي ليست مخاوف إسرائيلية حقيقية، فإسرائيل تدرك أن النظام المصري الحالي لا يرغب في حرب، ولا يرغب في المساس باتفاقية السلام، لكن الإدعاءات الإسرائيلية هدفها اختلاق ذرائع ومبررات لممارسة المزيد من الضغوط على الموقف المصري الرافض لتهجير الفلسطينيين


هي ليست مخاوف إسرائيلية حقيقية، فإسرائيل تدرك أن النظام المصري الحالي لا يرغب في حرب، ولا يرغب في المساس باتفاقية السلام، لكن الإدعاءات الإسرائيلية هدفها اختلاق ذرائع ومبررات لممارسة المزيد من الضغوط على الموقف المصري الرافض لتهجير الفلسطينيين.

ربما الخوف الحقيقي كما عبر عنه رئيس أركان جيش الاحتلال (المنصرف) هرتسي هاليفي هو أن "الجيش المصري قد يجد نفسه في ظل قيادة مختلفة بين ليلة وضحاها"، في إشارة إلى احتمال تغير النظام المصري الحالي.

كما أن جانبا من المخاوف الصحيحة هو في تنامي مشاعر العداء الشعبي المصري ضد الكيان الصهيوني، والمطالب الشعبية المتزايدة بإلغاء، أو في الحد الأدنى تجميد اتفاقية السلام التي بلغ عمرها هذا الشهر 46 عاما.

من الطبيعي أن تتصاعد موجة العداء للصهاينة لدى الشعب المصري الذي يرتبط بروابط عميقة مع أهل غزة، والذي قدم تضحيات كبيرة من أجل القضية الفلسطينية عبر خمس حروب سابقة؛ بدأت بحرب النكبة 1948 مرورا بحرب السويس عام 1956، ثم حرب 1967، ثم حرب الاستنزاف، وخرها حرب أكتوبر 1973، حيث تحتفظ معظم العائلات المصرية بصور شهدائها في تلك الحروب. وحين يشعر المصريون أن العدو لم يكتف بتدمير غزة بل يريد أيضا تهجير أبنائها قسرا إلى مصر أو غيرها؛ فمن الطبيعي أن يتزايد غضبهم، وأن يطالبوا قواتهم المسلحة بمواجهة هذه الغطرسة الإسرائيلية قبل أن تنقل حربها إلى سيناء أو إلى العمق المصري.

x.com/kotbelaraby

الأربعاء، 18 ديسمبر 2024

“مجموعة الثماني الإسلامية”.. حلم أربكان الصامد!

“مجموعة الثماني الإسلامية”.. حلم أربكان الصامد!


في عام حكمه اليتيم (يونيو/حزيران 1996 – يونيو 1997) تمكن رئيس الوزراء التركي نجم الدين أربكان من تحقيق أولى خطوات حلمه الذي راوده كثيرا، والذي تمثل في تأسيس تكتل إسلامي وازن في مجال العلاقات الدولية، يكون قادرا على تأسيس نظام عالمي عادل، بدلا من النظام العالمي الحالي الذي تهيمن عليه سياسيا خمس دول ذات عضوية دائمة، لها حق النقض في مجلس الأمن، كما تهيمن عليه اقتصاديا مجموعة الثماني الاقتصادية الكبرى، وكانت الخطورة الأولى لتحقيق حلم أربكان هي تأسيس مجموعة الثماني الإسلامية الكبرى أيضا.

المجموعة التي تعقد قمتها الدورية غداً الخميس (19 ديسمبر/كانون الأول 2024) في القاهرة انطلقت في منتصف يونيو/حزيران 1997، أي في أسابيع أربكان الأخيرة في الحكم قبل أن يطيحه الجيش بانقلاب عسكري ناعم، أطلق عليه انقلاب المذكرة، وهي المذكرة التي قدمتها قيادة الجيش له متضمنة مطالب تعجيزية دفعته إلى رفضها، وترك السلطة.

أربكان الذي دخل الحياة السياسية التركية منذ أواخر الستينيات عقب عودته من ألمانيا، ترك بصمات كبيرة في المشهد التركي، فهو الأب الروحي للإسلام السياسي في تركيا، الذي أدخل هذا التيار حلبة السياسة التركية بعد عقود من الحكم العلماني الخالص الذي جاء على أنقاض آخر خلافة إسلامية، والذي لم يكن يقبل أي وجود أو مظهر إسلامي، بل يعتبره خطرا على علمانية الدولة، وقد بدأ بتأسيس حزب النظام الوطني عام 1970، الذي تم حله بعد 9 أشهر فقط، فأسس حزبا جديدا باسم السلامة الوطني عام 1972، وتمكن من الحصول على مقاعد برلمانية أهلته للدخول في شراكة سياسية مع حزب الشعب الجمهوري، تولى بمقتضاها موقع نائب رئيس الوزراء، وقد كان صاحب قرار دخول القوات التركية إلى قبرص التركية، وقد تم سجنه بعد انقلاب الجيش عام 1980، وبمجرد خروجه من السجن بعد 3 سنوات أسس حزب الرفاه الذي فاز بأكثرية نيابية عام 1996 فأسس حكومة تشاركية مع حزب الطريق القويم ، تولى بموجبها موقع رئاسة الوزراء مدة عام واحد انتهى بانقلاب الجيش كما ذكرنا.

مات أربكان وبقي الحلم

خلال عام الحكم هذا حرص أربكان على تنفيذ حلمه في تأسيس كيان إسلامي دولي قادر على فرض كلمة المسلمين في النظام الدولي، وكانت الفكرة حاضرة، فاستغل موقعه رئيسًا للوزراء، في الدعوة إلى اجتماعات تحضيرية للمنظمة (الحلم) بدأت في أكتوبر/تشرين الأول 1996، وانتهت بتأسيس مجموعة الدول الثماني الإسلامية في 15 يونيو 1997، التي تم تعديل اسمها لاحقا إلى مجموعة الدول الثماني النامية تجنبًا لوصف “الإسلامية” الذي لم يرق لبعض الأعضاء ومنهم الرئيس المصري السابق حيني مبارك، الذي لم يحضر القمة الأولى للمجموعة في تركيا، وأوفد رئيس وزرائه كمال الجنزوري.

توفي أربكان في فبراير/شباط 2011، لكن حلمه لم يمت، بل إنه وجد طريقه إلى النور في حياته بالإعلان عن تأسيس هذه المجموعة التي اقتصرت على أكبر 8 دول إسلامية من حيث التعداد السكاني، وهي إندونيسيا، وباكستان، وبنغلاديش، وتركيا، وإيران ومصر، ونيجيريا، وماليزيا، ( يبلغ تعداد سكان دول المجموعة مليار و178 مليون نسمة يشكلون نسبة 14.5 في المئة من سكان العالم)، وتهدف المجموعة إلى التعاون في مجالات التنمية والاقتصاد وزيادة حجم التبادل التجاري بين الدول الأعضاء، وتحسين وضع هذه الدول في الاقتصاد العالمي (يبلغ نصيب دول المجموعة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي 4.8 في المئة فقط،).

السياسة تفرض نفسها

لم يكن أربكان يريد مجموعة اقتصادية فقط، بل أرادها أكثر شمولا، لذا عقدت قمتها الأولى بحضوره تحت شعار “السلام والحوار والتعاون والعدالة والمساواة والديمقراطية”، لكن دولا أخرى من المشاركين ارتأت قصر المجموعة على الشأن الاقتصادي حتى لا تثير استفزاز القوى الكبرى، ومع ذلك فإن المجموعة تضطر في أحيان كثيرة إلى اتخاذ مواقف سياسية خاصة اتجاه القضية الفلسطينية التي هي محل توافق بينها مثل دعوتها في العام الماضي إلى وقف الحرب في غزة.

في قمة المجموعة التي ستستضيفها القاهرة اليوم ستفرض السياسة نفسها على الاجتماع، في ظل التغييرات الكبرى التي تشهدها المنطقة الإسلامية بعد طوفان الأقصى وتداعياته، وفي ظل تهديد الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب لمنطقة الشرق الأوسط برمتها، وبعد انتصار الثورة السورية. وسيشارك في القمة رئيسا تركيا وإيران مع غيرهما من رؤساء الدول الثماني، لكن هذين الرئيسين سيلتقيان مباشرة للمرة الأولى عقب إطاحة حكم الأسد صديق إيران وخصم تركيا، وستكون القمة فرصة للتشاور في وضع سوريا الجديدة، إضافة إلى مناقشة القضايا الاقتصادية التقليدية المجدولة سلفا في أعمال القمة.

تطوير المجموعة.. كيف؟

رغم صمودها مدة 27 عاما حتى الآن لم تحقق القمة نتائج ذات قيمة على المستوى الاقتصادي وهو هدفها الرئيسي، والسبب في ذلك هو ارتباط دول المجموعة بشراكات تجارية واقتصادية مع دول أو تكتلات أخرى ذات أولوية على شراكات هذه المجموعة، ومع ذلك تحرص الدول الأعضاء على استمرار عمل المجموعة على أمل تحقيق مكاسب منها ولو كانت قليلة، خاصة أن عضوية المجموعة لا تمثل عبئا ماليا كبيرا عليها، مع تحمل تركيا عبء الأمانة العامة في إسطنبول.

وأعتقد أن من المهم بالنسبة لقمة القاهرة أن تصدر بيانا بما حققته المجموعة من إنجازات خلال السنوات الماضية، وخاصة خريطة الطريق العشرية التي اعتمدتها قمة دكا (الافتراضية) عام 2021، والتي تهدف إلى زيادة قوة المنظمة وتأثيرها في الساحة الدولية، وزيادة التعاون في مجالات التجارة والزراعة والأمن الغذائي والتعاون الصناعي، وقضايا مثل الشركات الصغيرة والمتوسطة والطاقة والنقل والسياحة والصحة.

إذا اعتبرنا أن استمرار المجموعة حتى الآن (27 عاما) يعد نجاحا في حد ذاته، فإن استكمال حلم أربكان يحتاج إلى المزيد من المساعي لتطوير المجموعة، وزيادة فعاليتها عالميا، وهذه مهمة تلميذه أردوغان الذي يؤمن بالفكرة  ذاتها التي حملها أستاذه، وهي إقامة نظام عالمي عادل يكون للمسلمين فيه حضور قوي، وهنا فإن من الممكن ضم دولتين مسلمتين كبيرتين للمجموعة وهما السعودية والجزائر، ليصبح اسمها مجموعة الثماني+، أو يمكن تسميتها مجموعة العشر، فالدولتان المقترحتان تضمان عددا سكانيا كبيرا (37 مليون في السعودية و47 مليون الجزائر) كما أن السعودية تتبوأ المركز الثاني عشر ضمن مجموعة العشرين الأكبر اقتصاديا في العالم، وإضافة إلى ذلك يمكن تطوير أهداف المجموعة لتشمل قضايا سياسية وثقافية واجتماعية أخرى، حتى يمكن تحديد موقف إسلامي موحد اتجاه هذه القضايا في المحافل العالمية.

الأربعاء، 21 أغسطس 2024

لماذا توقفت العمليات الاستشهادية ولماذا تعود؟

 

لماذا توقفت العمليات الاستشهادية ولماذا تعود؟



في الأسبوع الماضي، كتبت هنا مقالا بعنوان “سلاح الاغتيالات بين المقاومة والاحتلال”، تساءلت في نهايته عن احتمالات عودة المقاومة الفلسطينية إلى هذا السلاح الذي برعت فيه من قبل لمواجهة سلسلة الاغتيالات الإسرائيلية لقادتها، كما ألمحتُ فيه أيضا إلى سلاح العمليات الاستشهادية الذي تميزت به حركتا حماس والجهاد منذ منتصف التسعينيات. يوم الأحد الماضي، تبنت الحركتان عملية تل أبيب (تفجير استشهادي فلسطيني لعبوة ناسفة كان يحملها في قلب تل أبيب)، كما أعلنت الحركتان في بيانهما المشترك أن العمليات الاستشهادية في الداخل ستعود إلى سابق عهدها، بفعل استمرار مجازر الاحتلال، وعمليات التهجير وسياسة الاغتيالات.

لم يعد هناك محل للسؤال إذن: هل تعود العمليات الاستشهادية؟ فقد أجابت المقاومة عمليا وبيانيا، ولكن السؤال الذي يدور في الأذهان الآن: لماذا توقفت العمليات الاستشهادية؟ ولماذا تعود بعد هذا التوقف الذي استند إلى حيثيات سياسية وميدانية وفقهية أيضا؟!

تاريخ حافل

لنعد إلى البدايات، فقد كانت العملية الاستشهادية الأولى في 16 إبريل/نيسان 1993، ضد مطعم في غور الأردن يرتاده الجنود الصهاينة بجانب قاعدة عسكرية إسرائيلية، وقد تم تفجيره بشاحنة تحمل لوحات إسرائيلية، ومحملة بـ150 كيلوغراما من المتفجرات استطاعت اجتياز الحواجز الإسرائيلية وصولا إلى الهدف وتفجيره، وقتل عدد كبير من مرتاديه، ثم جرى تطوير أسلوب العمليات الاستشهادية لتكون عبر أحزمة ناسفة لتسهيل الحركة على المقاتلين، والقدرة على اختراق مواقع الاحتلال بسهولة.

ووفقا لبعض الإحصاءات، فخلال المرحلة الأولى من العمليات الاستشهادية منذ عام 1993، وقعت 5 عمليات استشهادية، 4 منها لكتائب القسام، وواحدة لحركة الجهاد الإسلامي. وفي عام 1994، نفذت كتائب القسام 4 عمليات استشهادية، وواحدة لحركة الجهاد الإسلامي، نتج عنها مقتل 40 مستوطنا ونحو 144جريحا. وفي الفترة ما بين 1995 و2000، وقعت 22 عملية استشهادية،11 منها لحركة حماس، و4 لحركة الجهاد، وعمليتان مشتركتان، إضافة إلى 5 عمليات لم يعلن أي فصيل المسؤولية عنها، وأسفرت تلك العمليات عن مقتل 97 مستوطنا وإصابة 844 آخرين بجروح متفاوتة.

مع اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، ردا على اقتحام رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون للمسجد الأقصى، تصاعدت العمليات الاستشهادية كما ونوعا، وتوسعت لتشمل الأراضي المحتلة عام 1948. وفي عام 2001، وقعت 27 عملية ضد أهداف إسرائيلية. ووفقا للإحصاءات، فقد بلغ مجموع العمليات الاستشهادية في السنوات الأربع الأولى من انتفاضة الأقصى 219 عملية، قُتل فيها 650 بين جنود إسرائيليين ومستوطنين، وأصيب جراءها 3277 آخرون (كانت هناك فتوى شرعية تَعُد المستوطنين محاربين مثل جنود جيش الاحتلال تماما لأنهم جزء من قوات الاحتياط، كما أنهم احتلوا أرضا ليست لهم).

لماذا توقفت العمليات؟

توقفت العمليات الاستشهادية منذ عام 2005، وكان لهذا التوقف أسبابه، فعقب تفجيرات برجَي مركز التجارة العالمي تصاعدت حالة “الإسلاموفوبيا”، وتم الربط بين عمليات تنظيم القاعدة والعمليات الاستشهادية الفلسطينية به

5، انعقدت قمة فلسطينية إسرائيلية في شرم الشيخ تم فيها الاتفاق على وقف جميع العمليات العسكرية بين الطرفين، وإطلاق سراح 900 أسير فلسطيني، والانسحاب من مدن الضفة الغربية، التي أعيد احتلالها خلال فترة الانتفاضة. وفي عام 2005، انسحبت قوات الاحتلال الإسرائيلي من غزة بقرار أحادي، وقبل ذلك بنت سلطات الاحتلال السور الواقي ليفصلها عن مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني، مما وضع صعوبات جديدة على العمليات الاستشهادية، وفي المحصلة وصلت المقاومة إلى فرض قواعد اشتباك جديدة، تتضمن وقف الاغتيالات الإسرائيلية لقادتها مقابل وقف المقاومة لعملياتها الاستشهادية، وكان ذلك بالتزامن أيضا مع دخول حماس معترك الانتخابات النيابية الفلسطينية التي خرجت منها بأكثرية برلمانية دفعتها إلى صدارة المشهد وتشكيل حكومة في عام 2006، وبالتالي كان أحد أسباب وقف العمليات لتمكين الحكومة الفلسطينية الجديدة من القيام بمهامها، وتخفيف الضغوط الدولية عليها.

من الناحية الشرعية، كانت العمليات الاستشهادية تستند إلى فتوى شرعية أسَّس لها الراحل الدكتور يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وذلك في مواجهة فتاوى أخرى تعارضها، غالبها من فقهاء السلاطين، إلا ان الدكتور القرضاوي راجع فتواه لاحقا في ضوء بعض المستجدات التي عرضها عليه بعض تلاميذه، لكنه لم يغلق الباب تماما، بل ربطه بتقديرات القادة السياسيين والميدانيين، وما يحقق مصلحة النضال الفلسطيني، وبالتالي فإنه لا توجد عوائق شرعية لدى المقاومة من إعادة استخدام هذا السلاح إذا رأت فيه مصلحة.

نقض قواعد الاشتباك

المعادلة التي كانت المقاومة قد وصلت إليها، وهي وقف عمليات الاغتيال الإسرائيلي لقادتها مقابل وقف المقاومة لعملياتها الاستشهادية تم نقضها من الجانب الإسرائيلي، وكان مظهرها الأبرز اغتيال إسماعيل هنية قائد الحركة ومن قبله نائبه صالح العاروري، كما تم اغتيال عدد من قادة حركة الجهاد، كما أن المخاوف من ربط العمليات الاستشهادية الفلسطينية بعمليات داعش والقاعدة زال تدريجيا مع الوقت، وبالتالي فإن الطريق أصبح مفتوحا أمام المقاومة لاستخدام هذا السلاح بجانب غيره من الأسلحة لصنع معادلة جديدة، وفي حال عودة العمليات الاستشهادية فإن حكومة نتنياهو ستكون هي المسؤولة عن ذلك بفعل سياساتها وحرب الإبادة التي تقودها ضد الشعب الفلسطيني.

المقاومة للاحتلال هي عمل مشروع وفقا للشرائع السماوية، والمواثيق الدولية، وبالتالي فمن حق المقاومة استخدام كل الأساليب العسكرية والسياسية التي تعينها على تحرير أوطانها، ولا يمكن اعتبار ذلك أعمالا إرهابية، فالإرهاب الحقيقي هو ما تمارسه قوات الاحتلال تحت سمع وبصر العالم أجمع.

الأحد، 11 أغسطس 2024

من مذبحة رابعة إلى مذابح غزة.. القاتل واحد

 من مذبحة رابعة إلى مذابح غزة.. القاتل واحد

قطب العربي

مذبحة مدرسة التابعين في غزة والتي استشهد فيها مائة فلسطيني في دقائق بخلاف مئات الجرحى الآخرين؛ ليست الأولى ولن تكون الأخيرة التي يرتكبها العدو الصهيوني بحق إخوتنا في غزة بينما نحن نتفرج، وننتظر المزيد من المجازر لنمصمص شفاهنا، و"نحوقل" و"نحسبن" كالولايا، دون فعل حقيقي لإنقاذ هذه الأرواح، كما أن مذبحة رابعة الأكثر دموية في تاريخ مصر الحديث لم تكن أول ولا آخر مذبحة لنظام السيسي في مصر، وفي الحالتين (مصر وغزة) كان الهدف واحد والقاتل واحد، وإن تنوعت الطرق وتبدلت الوجوه.

لنسأل أنفسنا بعد أن شاهدنا الجثث الممزقة وحتى المتفحمة من قنابل شديدة التفجير، شديدة الحرارة، ماذا فعلنا لمساعدة هؤلاء الضحايا على الحياة في أمان؟ ماذا فعلنا لإنقاذهم من هذه المذابح؟ هل استنفدنا كل الوسائل؟ هل خارت قوانا إلى هذا الحد؟ هل هانوا علينا إلى هذه الدرجة؟!

من مجزرة المعمداني (17 تشرين الأول/ أكتوبر 2023) والتي استشهد فيها 500 شهيد معظمهم من الأطفال والنساء، إلى مجزرة مخيم جباليا (31 تشرين الأول/ أكتوبر) التي استشهد وأصيب فيها 400 فلسطيني، إلى مدرسة الفاخورة (18 تشرين الثاني/ نوفمبر 2023) التي راح ضحيتها 200 شهيد ومصاب، إلى مجزرة دوار النابلسي (29 شباط/ فبراير 2024) التي راح ضحيتها 118 شهيدا، و760 مصابا، إلى مجزرة مستشفى الشفاء التي استمرت أسبوعين (بدءا من 18 آذار/ مارس 2024) وراح ضحيتها 400 شهيد بخلاف مئات المصابين، إلى محرقة الخيام في رفح (26 أيار/ مايو) التي راح ضحيتها 45 شهيدا و249 مصابا، إلى مدرسة النصيرات (6 حزيران/ يونيو 2024)، إلى مذبحة المواصي في خان يونس (13 تموز/ يوليو 2024)، والتي راح ضحيتها 90 شهيدا وأكثر من 300 مصاب، 

مذبحة تسلم أخرى، وفي كل مذبحة استهدف العدو قتل روح المقاومة لدى الشعب الفلسطيني، وإقناعه بقبول الاحتلال، لكن شعب الجبارين يثبت كل مرة أنه أكثر تمسكا بحقه في وطن حر مستقل مهما كلفه ذلك من ثمن

وصولا إلى مذبحة مدرسة التابعين التي جرت فجر السبت الماضي.. مذبحة تسلم أخرى، وفي كل مذبحة استهدف العدو قتل روح المقاومة لدى الشعب الفلسطيني، وإقناعه بقبول الاحتلال، لكن شعب الجبارين يثبت كل مرة أنه أكثر تمسكا بحقه في وطن حر مستقل مهما كلفه ذلك من ثمن.

هل ننتظر حتى يتم تصفية أهل غزة جميعا، ثم نفاخر بتضحياتهم واستشهادهم من أجل قضيتهم؟ هل يطيب لنا العيش بعد رؤية كل هذه الدماء والأشلاء؟ كلا والله، لكنه العجز والوهن الذي أصاب الشعوب العربية والإسلامية، فأصبحت تحب الدنيا وتكره الموت، ولسان حالها: نفسي نفسي، ولا تدري هذه الشعوب أن العدو الصهيوني إذا نجح لا قدر الله في تصفية القضية الفلسطينية، وقتل روح المقاومة الفلسطينية، فإنه سينقل وحشيته وعدوانه إلى الشعوب المجاورة في مصر والأردن ولبنان وسوريا والعراق والسعودية، فهو -رغم حالة التطبيع مع بعض الدول العربية- لم يتراجع عن حلمه في إقامة مملكة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، وهذا لن يكون إلا على أشلاء الشعوب التي تقطن هذه المنطقة.

كانت مذبحة رابعة التي تحل ذكراها الحادية عشرة بعد 3 أيام هي المذبحة الأم التي تشارك فيها -تخطيطا وتحريضا وتنفيذا- حلف الثورة المضادة، والذي يضم الكيان الصهيوني إلى جانب بعض الحكومات العربية، وقد أراد هذه الحلف تسويق تلك المذبحة كتطبيق عملي لاستراتيجية الصدمة والرعب، وقد نجحت تلك الاستراتيجية في تخويف قطاعات كبيرة من الشعب المصري، ودفعته لإيثار السلامة تجنبا للتعرض لمذابح مماثلة. والهدف ذاته تكرر في مذابح غزة التي استهدفت ترويع أهلها، وإقناعهم بالاستسلام، لكن المذابح في الحالتين لم تنجح حتى الآن في تحقيق أهدافها الشريرة، حيث لا تزال المقاومة صامدة في غزة مدعومة بحاضنتها الشعبية، كما أن معارضة السيسي لم تختف تماما، بل تتصاعد يوما بعد يوم.

الكيان الصهيوني برمته الآن متهم أمام محكمة العدل الدولية في القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا وانضمت لها العديد من الدول، والحكومة الإسرائيلية متهمة أمام محكمة الجنايات الدولية، حيث طلب المدعي العام للمحكمة إصدار أوامر اعتقال بحق نتنياهو، ووزير حربه غالانت، وملف مذبحة رابعة لا يزال مفتوحا لم يغلق في المحافل الدولية لكنه ينتظر اللحظة المناسبة، ولا يستطيع أي من المتهمين الأساسيين في المذبحة زيارة بريطانيا بطريقة عادية لأن ملاحقة قضائية تنتظرهم؛ وفرها حكم سابق من المحكمة العليا البريطانية صدر أواخر العام 2014.

لا نعول كثيرا على القضاء الدولي في ملاحقة المجرمين المتهمين في مذابح مصر وغزة، حيث تتدخل السياسة غالبا لإنقاذ المجرمين الكبار، فالرئيس الأمريكي تدخل بنفسه مهددا المحكمة الجنائية الدولية دفاعا عن نتنياهو، والحكومة البريطانية وفرت من قبل حصانة خاصة لرئيس الأركان المصري الأسبق محمود حجازي في 2015، كما وفرت حصانة مؤقتة لوزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة تسيبي ليفني عام 2016؛ بعد أن استدعتها الشرطة البريطانية للتحقيق في جرائمها خلال اجتياح غزة عام 2008،

المجازر التي ارتُكبت في مصر والتي تُرتكب الآن في غزة تحت سمع وبصر العالم يمكن أن تفلت من العقاب القانوني للمجرمين، لكنها لا يمكن أن تسقط من ذاكرة الشعوب، وستظل وقودا لمشاعر الغضب

 ولكن اللجوء إلى المحاكم الدولية هو جزء من معركة كبرى متعددة الجبهات، وهو يستهدف مطاردة المجرمين دوليا، وقض مضاجعهم، وإرباك تحركاتهم في الحد الأدنى.

وإذا كان اللجوء إلى التقاضي الدولي هو جزء من المعركة، إلا أن الجزء الناقص حتى الآن هو انتفاضة الشعوب العربية والإسلامية دعما للأشقاء في غزة في مواجهة حرب الإبادة التي يتعرضون لها، ورغم القمع الذي تتعرض له هذه الشعوب إلا أن ذلك لا يبرر أبدا تقاعسها في وقت تتحرك فيه بقية الشعوب غير العربية أو المسلمة، وفي الوقت نفسه فإن تخاذل الحكومات العربية والإسلامية عن إنقاذ الأشقاء، واستخدام كل الوسائل لوقف العدوان الإسرائيلي عليهم، وقمع شعوبهم التي تريد القيام بواجبها تجاه أشقائها، لن يمر مرور الكرام، والتاريخ يشهد أن نكبة 1948 كانت سببا في تفجير ثورات ضد عدة نظم عربية، وهو ما سيتكرر مجددا.

المجازر التي ارتُكبت في مصر والتي تُرتكب الآن في غزة تحت سمع وبصر العالم يمكن أن تفلت من العقاب القانوني للمجرمين، لكنها لا يمكن أن تسقط من ذاكرة الشعوب، وستظل وقودا لمشاعر الغضب والثأر والانتقام، وهو ما لن يتوقف على المنفذين فقط بل سيطال داعميهم، وساعتها عليهم أن يتوقفوا عن طرح السؤال مجددا.. لماذا يكرهوننا؟

الثلاثاء، 6 أغسطس 2024

ثورة البنغال.. هل تتلافى أخطاء نظيراتها العربية؟

ثورة البنغال.. هل تتلافى أخطاء نظيراتها العربية؟

تتشابه ثورة البنغال ضد حكم حسينة واجد مع ثورات الربيع العربي في بعض الوجوه، فهي من الثورات قصيرة المدة (حوالي شهر- انطلقت مطلع يوليو/ تموز المنصرم)، وهي بذلك تقترب من مدة الثورة التونسية (حوالي شهر أيضا)، بينما استمرت الثورة المصرية ١٨ يوما، كما أنها دفعت رئيسة الحكومة للفرار كما فر قبلها زين العابدين بن علي، وهي تتشابه مع الثورة المصرية في موقف الجيش الذي استغل الثورة للإمساك بالحكم فورا، ودعوة المتظاهرين للعودة إلى بيوتهم، ومنح الفرصة له لتشكيل حكومة جديدة، وتتشابه (جزئيا) في مظهر سلب المحتويات من قصر الحكم في العاصمة دكا، وبعض المقرات الحكومية الأخرى، مع ما حدث في مصر خلال ثورة يناير.

وكما كان الوضع في ثورات تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن فقد تصدر الشباب ثورة البنغال، وقادت الحراك مجموعة “طلاب ضد التمييز” احتجاجا على نظام الحصص الوظيفية (الكوتا) الذي وضعه قبل خمسة عقود مجيب الرحمن والد حسينة واجد،  وبموجبه كانت الحكومة تحجز 56% من الوظائف العامة لأنصارها، ممن يطلق عليهم المحاربون القدامى (الذين شاركوا في حرب الانفصال عن باكستان) وأحفادهم، وبعض الفئات المهمشة (كانت هذه فرصة لكسب بعض الفئات لصالح حزب عوامي الذي تراسه حسينة واجد).
ورغم أن الحكومة ألغت هذه الكوتا مؤخرا مكتفية بحجز حصة قليلة للمحاربين القدامى والفئات المهمشة (7% فقط) ، إلا أن الثورة التي اندلعت مطلع يوليو/تموز الماضي كانت قد رفعت سقف مطالبها أسوة بما حدث من قبل في الثورة المصرية التي كان مطلبها بسيط في البداية بمعاقبة المتورطين بالتعذيب في جهاز الشرطة، وإقالة وزير الداخلية، لكنها تصاعدت إلى المطالبة بإسقاط النظام، وهو ما تكرر بالضبط في بنغلاديش التي رفع المتظاهرون فيها مطالبهم إلى إسقاط حكم حسينة واجد.

ثورة كرامة

هي ثورة كرامة إذن قبل أن تكون ثورة جياع، فنظام الحصص أو الكوتا الوظيفية قسّم البنغاليين إلى شعبين، “انتو شعب واحنا شعب”، أحدهما يحتكر أكثر من نصف الوظائف رغم أنه أقلية (1% فقط)، بينما الأغلبية العظمى تناضل من أجل الحصول على وظيفة. لم يكن هذا التمييز مقتصرا على الوظائف الحديثة بل إنه امتد إلى امتيازات استثنائية أخرى، وإلى المناصب العليا والمهمة التي منحت لتلك الأقلية، وتحصينها ضد المساءلة، مع تجاهل أصحاب الكفاءة والخبرة من عموم الشعب ممن لم يشاركوا هم أو آباؤهم في الحرب ضد باكستان.

لم تكن الانتفاضة الحالية هي الأولى ضد نظام الحصص، بل سبقته انتفاضة أخرى في العام 2018 دفعت الحكومة حينها برئاسة حسينة واجد نفسها إلى إلغاء النظام، لكن منظمة للمحاربين القدامى رفعت دعوى ضد قرار الحكومة فأصدرت المحكمة حكما في 5 يونيو/حزيران الماضي بإعادة نظام الحصص، وهو ما تسبب في عودة الاحتجاجات، ورغم أن المحكمة العليا أسقطت هذا الحكم، إلا أن شرارة الثورة كانت قد اندلعت متجاوزة هذه القضية لما هو أكبر وهو إسقاط الحكومة، واستعادة الحرية والديمقراطية والعدالة بشكل كامل، وقد واجهت حكومة حسينة هذه الاحتجاجات بالقوة الغاشمة من ناحية والسخرية من الطلاب، على طريقة: “خليهم يتسلوا” لأن مظاهراتهم حسب كلامها لا قيمة لها.

القوة الغاشمة

تسببت القوة الغاشمة في سقوط مئات القتلى من المتظاهرين، وحتى بين رجال الأمن، بخلاف 10 آلاف معتقل من المتظاهرين، ولم تكتف الحكومة باستخدام الشرطة في قمع المتظاهرين، بل استعانت أيضا بالبلطجية في صورة ما يسمى شباب حزب عوامي الحاكم، وهو ما أسهم في تصاعد غضب المتظاهرين، واقتحموا أخيرا مكتب حسينة نفسها، واستولوا على بعض محتوياته، من أثاث وأجهزة كهربائية والكترونية، وربما وضعوا أيديهم على الملفات والأوراق الرسمية السرية الخاصة برئيسة الوزراء وهو ما سيظهر لاحقا بعد عودة الإنترنت الذي قطعته الحكومة للتعتيم على المظاهرات، ومنع التواصل بين المتظاهرين (أسوة بما حدث في ثورة يناير المصرية أيضا).

رغم الإصلاحات الاقتصادية التي قادتها حسينة واجد (76 عاما)، وأسهمت في خفض معدلات الفقر، ورفعت معدلات التنمية في بنغلاديش، إلا أنها واكبت ذلك بحكم استبدادي (20 عاما) نافس في قمعه الأنظمة العسكرية الديكتاتورية، وقد سبق لحسينة أن تخلصت من أبرز خصومها السياسيين، وهم بالأساس قادة الجماعة الإسلامية في بنجلاديش (المعادل لجماعة الإخوان المسلمين)، وقد ركبت حسينة موجة الثورة المضادة منذ منتصف العام 2013 وحتى العام 2016 ونفذت مذبحة بحق ألف معارض وفقا لهيومان رايتس ووتش، كما أسست محكمة استثنائية أصدرت أحكاما بالإعدام تم تنفيذها ضد أمير الجماعة الإسلامية مطيع الرحمن نظامي وعدد من قادة الجماعة بسبب موقفهم المناهض لانفصال بنغلاديش عن باكستان عام 1971، وبعض الذين أٌعدموا تولوا مواقع وزارية في الحكومة الائتلافية بين الجماعة الإسلامية وحزب بنغلاديش القومي (خصم حزب عوامي) بين 2001 و2007.

شيطنة المعارضة

لم يقتصر قمع حسينة على الجماعة الإسلامية فحسب، بل شمل كل معارض بما في ذلك أحزاب وقوى علمانية وقومية، إذ اعتقلت 20 ألفا من منتسبي وأنصار الحزب القومي قبيل الانتخابات التي جرت في يناير/ كانون ثاني الماضي ما دفع الحزب لمقاطعة الانتخابات، وحبست غريمتها زعيمة المعارضة ورئيسة الحكومة السابقة خالدة ضياء (أفرج عنها بعد فرار حسينة)، كما استخدمت الجيش والشرطة والقضاء ومجموعات بلطجية في مواجهة معارضيها الذين كانت تتهمهم دائما بتهمة جاهزة “رزكار” أي مؤيدون لباكستان، أي خونة، أو تصنفهم كجماعات إسلامية متطرفة حتى لو كانوا من المعارضين لهذه الجماعات وهو ما أكسبها دعما هنديا وغربيا، وقد طالت ملاحقتها مؤسس بنك الفقراء والحائز على جائزة نوبل الدكتور محمد يونس الذي يواجه العديد من القضايا الزائفة التي يقف وراءها الحزب الحاكم بهدف المس بشعبيته التي تراها حسينة منافسة لشعبية والدها.

الآن أجبر الحراك الشعبي الشيخة حسينة على الفرار، لكنه كنظيره العربي لم يبلور من داخله قيادة تستلم مقاليد الحكم، لتعيد هيكلة الحياة السياسية في بنغلاديش بما يحقق العدالة والديمقراطية الحقيقية، وبالتالي تسلم الجيش السلطة، ودعا الشعب للهدوء، ومنحه الفرصة لترتيب الأوضاع.
لقد حدث هذا السيناريو في تجارب سابقة، والمأمول أن يكون شعب بنغلاديش قد استوعب تلك التجارب، فلا يكرر أخطاءها.

الاثنين، 5 أغسطس 2024

وحدة الساحات.. الاختبار الصعب

 وحدة الساحات.. الاختبار الصعب

قطب العربي


ظهر شعار وحدة الساحات بقوة في معركة سيف القدس (10-21 أيار/ مايو 2021) إثر اقتحام المستوطنين الإسرائيليين ساحة الأقصى، والسعي لطرد أهالي حي الشيخ جراح، كان المعنى هو عدم ترك أهل القدس في مواجهة منفردة مع قوات الاحتلال، ولذلك انطلقت عشرات بل مئات الصواريخ من غزة إلى قلب الكيان، وانتفضت الضفة الغربية، وعرب 48، وكانت الشعوب العربية والإسلامية على الخط؛ تظاهرا، ومقاطعة، وتبرعا لدعم المقاومة.. الخ.

كانت معركة سيف القدس أول معركة تحدد المقاومة موعدها، وتمسك بمجرياتها، وتستخدم خلالها أحدث ما أنتجته محليا من أسلحة، وظهرت خلالها فصائل المقاومة في تناغم كامل من خلال مركز عمليات موحد.

اتسع مفهوم وحدة الساحات لاحقا، وظهر هذا المعنى الأوسع بعد معركة طوفان الأقصى في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، فحين بدأ العدوان الإسرائيلي على غزة، لم تقف حماس بمفردها بل انضمت إليها فصائل فلسطينية أخرى، لكن الأهم هو فتح جبهات قتال من الشمال عبر الحدود اللبنانية حيث حزب الله، وقوات الفجر التابعة للجماعة الإسلامية، ومن الشرق حيث توجد مجموعات عراقية مسلحة داعمة للمقاومة، ومن الجنوب حيث الحوثيين في اليمن، بل وانضمت إيران رسميا في إحدى الجولات بشكل مباشر ردا على عدوان إسرائيلي مباشر ضدها أيضا.. لكن ما مدى المشاركة غير الفلسطينية؟ وهل كانت هي المأمول ممن رفعوا هذا الشعار؟ وهل يمكن أن نشهد مشاركة حقيقية خلال الأيام المقبلة؟

ليس المقصود بالرد هو تلك الرشقات الصاروخية المعتادة والتي انطلق بعضها خلال الساعات الماضية، بل المقصود ضربة غير عادية. لقد تعرضت إيران، وذراعها الأبرز حزب الله لصفعة إسرائيلية قوية، ولن تستعيد هيبتها إلا إذا ردت بالرد المكافئ

يقف العالم الآن على أطراف أصابعه ترقبا لرد مكافئ من إيران على اغتيال قائد حركة حماس الشهيد إسماعيل هنية على أرضها، وفي ضيافتها، وقبله بيوم واحد اغتيال القائد العسكري والرجل الثاني في حزب الله، فؤاد شكر. قد يحدث هذا الرد خلال ساعات أو خلال أيام، وليس المقصود بالرد هو تلك الرشقات الصاروخية المعتادة والتي انطلق بعضها خلال الساعات الماضية، بل المقصود ضربة غير عادية. لقد تعرضت إيران، وذراعها الأبرز حزب الله لصفعة إسرائيلية قوية، ولن تستعيد هيبتها إلا إذا ردت بالرد المكافئ.

وهنا نحن أمام اختبار جديد لوحدة الساحات، حيث تتركز التكهنات على توجيه ضربة للكيان الصهيوني متعددة الاتجاهات، من الشرق والغرب والجنوب والشمال في توقيت متزامن، مما يربك دفاعاته، وقدرته على الرد.

حتى الآن لم تدخل إيران وأذرعها المعركة بثقلها، رغم أنها تعهدت بذلك حال تعرض المقاومة الفلسطينية لخطر حقيقي، والآن لم يقتصر الخطر على الجانب الفلسطيني بل تعداه إلى إيران نفسها؛ التي ضُربت في عقر دارها. طيلة الشهور العشر الماضية استخدمت إيران أذرعها في لبنان (حزب الله)، وفي اليمن (الحوثيين)، وفي العراق (كتائب المقاومة الإسلامية)، ولا يمكن لعاقل أن ينكر دور هذه الأذرع في دعم المقاومة الفلسطينية، وفتح جبهات جديدة تستنزف جزءا من قدرات العدو، لكن الحقيقة أيضا أن هذا الدعم ظل دون المستوى المأمول من حلفاء أصليين ومعلنين، يفاخرون بدعم المقاومة، بل لا نبالغ إذا قلنا إن حماس حين اتخذت قرارها بفتح معركة طوفان الأقصى فقد كان ضمن حساباتها دعما كبيرا من هؤلاء الحلفاء؛ الذين تعرضت الحركة بسببهم لانتقادات كبيرة من قطاعات في حاضنتها السنية الرئيسية، لكنها دافعت عن موقفها، مستندة أيضا إلى أن أيا من دول العالم السني لم تقدم لها من الدعم مثلما قدمت إيران وأذرعها، حتى وإن ظل دون المستوى المأمول.

ملامح الساحات تحددت، وكانت جنازة الشهيد إسماعيل هنية كاشفة لجزء منها، فالحلف الداعم للمقاومة -بدرجات متفاوتة- شارك في مراسم الجنازة التي أقيمت في الدوحة، أو أعلن حدادا، أو جنازات رمزية.. حضرت قطر بأميرها ووالده ووزرائه، وأركان حكمه، حضرت تركيا بنائب رئيسها ورئيس برلمانها ووزير خارجيتها ورئيس مخابراتها، ورؤساء بعض أحزابها، حضرت إيران بنائب رئيسها محمد رضا عارف، وهي التي ودعته في جنازة مهيبة على رأسها المرشد الأعلى وكل قيادات الدولة قبل وصوله إلى الدوحة بيوم واحد، حضرت أفغانستان بوفد حكومي رفيع، أعلنت باكستان الحداد وأقامت صلاة غائب في قلب البرلمان بمشاركة رئيس الحكومة شهباز شريف والوزراء والنواب من الموالاة والمعارضة، لبنان بدوره حاضر فهو ليس ضيفا بل صاحب ثأر. وإلى جانب هذه الدول فإن دولا أخرى لديها أجندات دولية تتشارك في بعضها مع حلف المقاومة ضد الهيمنة الأمريكية.

وفي المقابل، هناك الحلف الصهيوني والذي لا يقتصر على الكيان الصهيوني والولايات المتحدة والدول الأوروبية، بل إنه يضم دولا عربية وإسلامية أيضا. وهذه الدول العربية والإسلامية لم تندد بجريمة اغتيال هنية، أو أصدر بعضها بيانات باهتة لم تذكر اسم الشهيد، مثل مصر، وهو ما دفع رئيس حماس في الخارج خالد مشعل للقول في جنازة الشهيد: "لقد تركتنا دول كنا نظنها كبيرة". وهذه الدول عبرت عن أمنياتها من قبل بأن تجهز قوات الاحتلال على حماس وكل فصائل المقاومة في حرب غزة، وفق لرواية المبعوث الأمريكي السابق إلى الشرق الأوسط دينيس روس، عقب لقاءاته مع بعض القادة العرب. وهذا الحلف الصهيوني بما فيه المكون العربي حدد موقعه من أي حرب إقليمية جديدة، بل هو منغمس بالفعل في معركة تصفية القضية الفلسطينية الجارية حاليا، وهو ذاته الذي يسرع الخطى لإدماج الكيان الغاصب في المنطقة في إطار التطبيع الإبراهيمي.

وإذا كان محور دعم المقاومة قد تأخر في تشكله فإن محور التطبيع مع الكيان قائم منذ فترة، ويربط جيدا بين كل جبهات الداعمة للاحتلال الإسرائيلي من ناحية والاستبداد السياسي العربي من ناحية، ولذا لم يكن غريبا أن هذا المحور رتب 3 ضربات في وقت متزامن تقريبا، نجح في اثنتين منها، وهما اغتيال فؤاد شاكر، ومن بعده بيوم واحد إسماعيل هنية، بينما فشل في قتل رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق البرهان في نفس اليوم، عبر مسيّرة قتلت ضباطا آخرين في حفل تخرج عسكري. كما أنه ليس غريبا أن هذا الحلف يصعد قمعه ضد دعاة الحرية، والديمقراطية.

يزداد حلفاء التطبيع تماسكا، وتشاورا وتنسيقا، وبقي أن يحسن حلف المقاومة (للاحتلال والاستبداد) إدارة معركته على الجبهات المختلفة، والتي تجمعها مواجهة الاحتلال الخارجي والاستبداد الداخلي، وهما وجهان لعملة واحدة

فالنظام المصري الذي امتنع عن حضور جنازة هنية، والذي أصدر بيانا هزيلا لم يذكر فيه اسمه، كما لم يسمح للمساجد الرسمية بإقامة صلاة الغائب، يقوم في الوقت نفسه باعتقال المزيد من النشطاء الرافضين للاستبداد الداخلي، وللعدوان الإسرائيلي أيضا، وكانت أحدث الحالات هو اعتقال المهندس يحيي حسين عبد الهادي، المنسق الأسبق للحركة المدنية الديمقراطية.. والنظام الإماراتي الذي يستخدم فوائضه النفطية في صناعة الفتن في العديد من الدول، ويمول مليشيات التمرد في السودان، وينفق ببذخ لترويج الديانة الإبراهيمية، ينصب في الوقت نفسه محاكمة جديدة لعدد كبير من المعارضين السياسيين (الإصلاحيين)، الذين قضوا سنوات في السجن، وأعاد تقديمهم للمحاكمة من داخل محبسهم بالتهم القديمة ذاتها.. والنظام السعودي يواصل قمعه لكل الأصوات المطالبة بالحرية والديمقراطية، والرافضة للتطبيع مع الكيان الصهيوني، والشيء ذاته في البحرين، وفي الكويت وتونس.. الخ.

يزداد حلفاء التطبيع تماسكا، وتشاورا وتنسيقا، وبقي أن يحسن حلف المقاومة (للاحتلال والاستبداد) إدارة معركته على الجبهات المختلفة، والتي تجمعها مواجهة الاحتلال الخارجي والاستبداد الداخلي، وهما وجهان لعملة واحدة، ويبقى أن يقاوم هذا الحلف أعداءه "كافة" كما يواجهونه "كافة"، ولينتبه هذا الحلف إلى الفتن التي تستهدف تفريقه وتشتيته على أسس طائفية أو قبلية أو جهوية، أو غير ذلك، فهذه هي حيلة الاستعمار والاستبداد دوما (فرق تسد).

x.com/kotbelaraby