‏إظهار الرسائل ذات التسميات محب الدين الخطيب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات محب الدين الخطيب. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 4 يونيو 2023

قوة العرب المعطلة

 قوة العرب المعطلة

محب الدين الخطيب

ما ذلَّ الشرق، وانقطعت صلته بينبوع قوته، ومادة حياته، إلَّا يوم جهل الناطقون بالضاد قدر أنفسهم، ونسوا رسالتهم العُلويةَ، التي كانوا بها ملح الأرض؛ فرفعوا يدهم عن دفة السفينة، وتعطلت ألبابهم عن هداية القافلة؛ وهنالك استعجم الإسلام.

ولا تعود إلى الشرق قوتُه وحياته إلَّا إذا عاد إلى اغتراف إيمانه المحمدي من ينبوعه الأول، من بين الصخور التي انفجرت عن معينه، وصفَّق عليها برحيقه السَّلْسل.

ولا يكون ذلك إلا إذا اشتركت في حمل مشعله سواعدُ العرب، وسُمع في حُداء صوت أبناء العرب.

 

بالإسلام يلمُّ الشرق شَعثه، ويستعيد قوته، وتنمو فيه أخلاق الرجولة، ويتأهل لمشاركة الأمم في حمل عبء الحضارة، واحتلال المحلِّ الشريف من صفِّ القيادة.

وإذا دبَّت في الإسلام روح الحياة، فعاد إلى ما كان عليه من صفاء وبهاء، وصراحة في عصر السعادة وفي أيام التابعين- فستجد فيه الإنسانية دواءها من أوصابها، وسيتَّقي به البشر طغيان القوميات، الذي يتمخَّض بمذبحة جهنمية تحترق بها الأرض.

وإذا بقيت منها بقية بعد الحرب المقبلة فستستعدُّ لشرٍّ منها.

وإذا أبطأ على الناس شرُّ القوميات وملاحمها، فسيكتسحهم وباء الشيوعية، الذي يتغلغل في أحشاء الأُمم، وتقاومه الأُمم بالعصبيات الحقودة الباغية.

وهكذا يستشفي الناس من داء بداء، ما لم يهتدوا إلى الإسلام، ويستشفوا به.

وكيف يهتدون إلى الإسلام، والمسلمون واقفون في طريقه، يصدُّون الأُمم عنه بمخازيهم، وجرائمهم،وضعفهم، ونفاقهم، وشحهم، وحسدهم، وشحنائهم، وكذبهم على الإسلام بأنهم أهله ودعاته؟!

 

تجربة جرَّبها آباؤنا مرة يوم باعوا نفوسهم للهداية المحمدية، ووقفوا عليها مداركهم، وأفئدتهم، وسواعدهم، ونقودهم، وأسلحتهم، وسَرَوْا على ضوئها إلى مقاصدهم، ورجعوا إلى ميزانها في تقدير الأمور، فنجحت تلك التجربة النجاح كلَّه، وما لبثوا أن رأوا النفوس التي باعوها لله، وكانت نفوس رجال من عامة الناس، عادت إليهم وهي نفوس ملوك، ورأوا مداركهم التي وقفوها في سبيل الله، صارت من أغزر ينابيع الحكمة، وأفئدتهم التي عمروها بالإيمان بالله، أهَّلتهم لاقتحام العقبات، واختراق الآفاق، وسواعدهم التي حملوا بها ألوية الإسلام إلى أُمم الأرض، تقدمت أُمم الأرض لمصافحتها ومسالمتها، ونقودهم التي بذلوها لإعلاء كلمة الحقِّ عوَّضهم الله منها كنوز كسرى وقيصر، وأسلحتهم التي جردوها لنصرة اليقين، غدت ملاذ العزِّ، وعنوان الفوز، ونقمة الله على الظالمين.

 

وقف الحكيم الفرنسي غوستاف لوبون يراقب بعض ما استطاع أن يراقبه من تصرفاتهم في أدوار التاريخ، فهتف بملء فيه يقول: ما عرفت الإنسانيةُ فاتحاً أحكم ولا أعدل من العرب.

تركوا وراءهم في آفاق الأندلس من بدائع الفن، وآيات العمران، وآثار الحضارة ما يشهد لهم بأنهم أدقُّ الأمم حسًّا، وألطفهم ذوقًا، وأبعدهم نظرًا، وأقلهم غطرسةً ودعوى.

تركوا وراءهم في مكتبة الإنسانية معارف في كلِّ ضرب من ضروب الحكمة، والتفكير، والعلم، عجزت جهالة أعدائهم من التتار والصليبيين والأسبانيين عن تبديدها في مياه دجلة، ونيران طرابلس، والقدس، ومحاكم التفتيش؛ فبقيت من بقاياها أثارة، لا تزال مطابع المستشرقين في أوربا، وهِمم الشرقيين في الهند، وإيران، وبلاد الغرب، تجدُّ في نشر الألوف منها في أكثر من مائة عام، وكلُّ ما نُشر منها لا يساوي قطرةً من بحر علم العرب، الذي لا يزال مطويًّا في مخطوطات دور الكتب الشرقية والغربية، مما عرفه الناس، ومما لم يسمعوا به.

وتركوا وراءهم هداية لو تجرَّد الغرب من تعصُّبه الأعمى للكنيسة، وأخذ بهداية الإسلام- لشفاه الله من كلِّ أمراضه، ولتمتع بالسعادة التي يبحث عنها في الظلام، ولا يجدها.

بل لو تجرَّدنا- نحن أحفاد العرب- من جهالتنا الكسيحة، ووطَّنَّا النفوس على العمل بقواعدها، وعملنا على إحياء تكاليفها الاجتماعية، التي لا تكون الأُمَّة أُمَّة إلا بها- لظهرت حقيقة الإسلام في سيرتنا وسريرتنا، وتجلَّت محاسنه في أعمالنا ومعاملاتنا.

ويومئذ نكون حجة للإسلام لا عليه، ومبشرين به لا منفرين عنه، وقبل أن ينتفع الإسلام بنا ذيوعًا وانتشارًا، ننتفع به نحن تقدمًا واعتلاء.

 

هنالك تعرف الأُممُ الإسلامَ بنا، وتعرِّفنا بالإسلام، وهنالك تُقبل شعوب الأرض على الإيمان به أُمَّة بعد أُمَّة؛ كما يقبل الأفراد الآن على الدخول فيه واحدًا بعد واحد.

في أعناقنا- نحن العرب- جريمةُ إعراضِ أُممِ الأرض عن معرفة هداية الإسلام، وفي أعناقنا- نحن العرب- جريمة خذلاننا وضعفنا واستخذائنا لكثير من أمم الأرض، حتى اليهود.

 

وما دام ناشئ الفتيان منا ينشأ على حب الشهوات، والظنِّ بأنَّ الإسلام دين لا فائدة له في سعادة الدنيا، ويجهل نفسه بأنَّه من سلالة أمة اختصَّها الله بالرسالة إلى الإنسانية، لو أهَّلت نفسها لأدائها لتغيَّرت الأرض بذلك غير الأرض؛ ما دام ناشئ الفتيان منا ينشأ على ذلك- فبطن الأرض أولى له من ظهرها.

 

نحن العرب نصلح لأن نكون خير الأمم أو شرَّ الأمم، أما التوسط بين ذاك وهذا فلم يقع في دور من أدوار التاريخ.

 

نكون في سبات عميق، وفي غفلة تأخذ علينا السبل؛ فإذا استيقظنا قفزنا قفزتنا من سَمْت القدم إلى سمت الرأس، وأصبحنا ملح الأرض، وتاج الإنسانية، وقادة الدنيا.

ولكن كيف نستيقظ؟

ومن الذي يوقظنا؟


الدرر السنية: www.dorar.net

المصدر: كتاب (الحديقة) لمحب الدين الخطيب، 

اعتنى به: سليمان الخراشي، 

الناشر: المكتبة السلفية، القاهرة. 

دار العاصمة، الرياض. (ص: 1428) بتصرف.

الثلاثاء، 26 فبراير 2013

الطموح


الطموح

محب الدين الخطيب

خلوت بنفسي ليلة، وحاولت الالتجاء إلى سكينة الماضي؛ لأستريح من ضوضاء الحاضر؛ فتَمَثَّلْتُ أجيال البشر الغابرة، وجماعات الأمم الخالية، كأنها المواكب تجتاز الوهاد والآكام، أو المراكب تمخر في بحار الأيام.
وما من موكب سائر في قفر، أو مركب سائر في بحر، إلا وله عند الأفق مَشْعَل تلوح أنواره من بعيد، وهذا المشعل هو المطمح السياسي العام الذي تتخذه القوميات هدفًا لها في كلِّ أعمالها، فتتجه نحوه الأنظار والألباب، وتتوحد به الجماعات والأحزاب.

إن الارتفاع والانحطاط من شأن هذه المواكب وهي في قفارها، ومن دأب هذه المراكب وهي في بحارها؛ ففي حالتي الاعتدال والارتفاع يكون المشعل باديًا لطالبيه، ومِنْ ثَمَّ يكون السير مستمرًّا على هدى نحو الهدف المعين.

وأما إذا جاء دور الانحطاط فهنالك تغيب أشعة المشعل عن الناظرين إليها، فتختلف الأفكار في تعيين الغاية المنشودة، وبالتالي تتعدد المسالك، ويتشتت شمل سالكيها، ولذلك قال الدكتور غوستاف لوبون:
ليس التاريخ إلا رواية الأحداث والأفعال التي قام بها الناس سعيًا وراء المطمح...
وإن انحطاط الأمة يبتدئ يوم لا يكون للأمة مطمح تحترمه بجملتها، فيجاهد كل فرد منها بنفسه في سبيل حمايته والذود عنه.
وفي اعتقادي أنه ليس هناك كبير خوف على المطمح إذا كانت الأمة تعرفه وتتعلق به، وتلمح أشعته أثناء سيرها في موكب الأيام مع طبقات الأيام.
وإنما الخوف من انحطاط يخفى فيه على الأمة مطمحها؛ فتجهل غايتها العامة، ومقصدها الأسنى.
وحينئذ يظهر في الأمة أناس ممتازون من أهل الطموح فيفنون في أمتهم، ويتنازلون عن شخصياتهم، ويصرفون كل قوتهم في سبيل إنهاض موكبهم إن كانوا في بر، أو مركبهم إن كانوا في بحر، حتى يجعلوه في مستوى معتدل أو مرتفع، فيلوح للأمة حينئذ شُعَاعُ مشْعَلِها؛ فتهتدي إلى طريقها على نور المطمح السياسي العام.

المطمح السياسي لهذه الأمة - في كل أعصارها وأقطارها- هو الحرية والاستقلال، وأهل الطموح هم الذين يأخذون بيد الأمة، وهي سائرة في موكب الأيام، فيرتفعون بها من وَهْدَةٍ إلى أَكَمَةٍ، أو ينتشلون مركبها من هوة إلى رأس لجة، حتى تكون مُبْصرةً مِشْعَلَها المنيرَ في الأفق، فتسير نحوه بأقدام ثابتة، كإقدام الأسود، وبخطوات واسعة، كخطوات المرَدَةِ.
مثل ذوي الطموح في الأمم كمثل العزم النوراني الشفاف المنبث في مواكب الأيام يدفعها نحو مشاعلها المتألقة في الآفاق، أو كالقوة البخارية التي تحرك مراجلَ مراكبِ الأنام؛ لتبلغ بها غاياتها المنشودة.
وكما أن قيمة المواكب تقاس بمبلغ ما فيها من نور العزائم، وقيمة المراكب تقاس بقوة البخار المحرك لمراجلها- فكذلك الأمم ما زالت، ولن تزال تقدر بأقدار أفرادها الممتازين، ورجالها البعيدة مرامي أنظارهم، الذين ندعوهم بذوي الطموح...
هذا هو الطموح الذي جعلته موضوع مقالي، وبه تَهُبُّ الأمة فترتفع من وهدتها حتى يشرف موكبها على منطقة الأفق، فيرى مشعَل المطمح العام، فيأنس به، ويُوَجِّهَ نحوه الأبصار والبصائر.

إنَّ حكمة الله في فوز أهل الطموح دائمًا ظاهرة من هبوط آيات الطموح الملهمة على قلوب أصحاب الحق، والحق من أسماء الله تعالى.
وإن من سنة الله في خلقه أن يقيض للحق أنصارًا من وراء سجف الغيب يؤيد بهم الثابتين على تأييد حقهم، المضحين بأرواحهم في سبيل الوصول إلى مطمح بني قومهم، الفانين في مصالح أوطانهم.

في استطاعة كل رجل من أفراد الأمة أن يكون من أهل الطموح إذا أذاب نفسه في الأمة والوطن، فصار يرى كل شيء فيه منهما ولهما، فإذا شعر بأن الأمة مهددة بخطر ينتاب مطمحها السياسي العام أدرك أنه لا قيمة بعد ذلك لماله وولده ونفسه فينسى كل هذه المقدسات الشخصية.
بمثل هؤلاء نهضت الأمم، وسلِمت الأوطان، وعلى قلوب هؤلاء هبطت ملهمات الفضائل، وعلى أيدي هؤلاء تتم جلائل الأعمال، وكل فرد يستطيع أن يكون منهم، وإن من عادة الأبطال من أهل الطموح أن يولدوا رجالًا كاملين عندما تتمخض بهم المصائب.

والليالي من الزمان حبالى
مُثْقلات يَلِدْنَ كلَّ عجيبة

المصدر: كتاب (الحديقة) لمحب الدين الخطيب، اعتنى به: سليمان الخراشي، الناشر: المكتبة السلفية، القاهرة. دار العاصمة، الرياض. (ص: 775) بتصرف.