‏إظهار الرسائل ذات التسميات روائع رسائل. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات روائع رسائل. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 20 نوفمبر 2023

قصة قاسم أمين بطل تحرير المرأة

قصة قاسم أمين بطل تحرير المرأة 

يرويها محمد قطب..!

محمد قطب إبراهيم 
عالم معروف ، له مؤلفات قيمة ومواقف مشرفة


"بطل" هذه القصة هو قاسم أمين!

شاب نشأ في أسرة تركية مصرية أي محافظة فيه ذكاء غير عادي حصل علي ليسانس الحقوق الفرنسية من القاهرة وهو في سن العشرين بينما كان هناك في عصره من يحصل علي الشهادة الابتدائية في سن الخامسة والعشرين

ومن هناك التقطه الذين يبحثون عن الكفاءات النادرة والعبقريات الفذة ليفسدوها، ويفسدوا الأمة من ورائها، التقطوه وابتعثوه إلى فرنسا.. لأمر يراد.

أطلع قبل ذهابه إلي فرنسا علي رسالة لمستشرق يتهم الإسلام باحتقار المرأة وعدم الاعتراف بكيانها الإنساني وغلى الدم في عروقه، كما يصف في مذكراته وقرر أن يرد علي هذا المستشرق ويفند افتراءاته علي الإسلام.

ولكن عاد بوجه غير الذي ذهب به

لقد أثرت رحلته إلي فرنسا في هذه السن الباكرة تأثيرا بالغا في كيانه كله، فعاد إلي مصر بفكر جديد وعقل جديد ووجه جديد.

عاد يدعو إلي "تعليم المرأة وتحريرها" على ذات المنهج الذي وضعه المبشرون وهم يخططون لهدم الإسلام

يقول في مذكراته إنه التقى هناك بفتاة فرنسية أصبحت "صديقة" حميمة له، وإنه نشأ بينه وبينها علاقة عاطفية عميقة، ولكنها "بريئة" وإنها كانت تصحبه إلى بيوت الأسر الفرنسية والنوادي والصالونات الفرنسية فتفتح في وجهه البيوت والنوادي والصالونات ويكون فيها موضع الترحيب... وسواء كان هو الذي "التقى بها" أم كانت موضوعة في طريقة عمدا ليلتقي بها، فقد لعبت هذه الفتاة بعقله كما لعبت بقلبه، وغيرت مجري حياته، وجعلته صالحا للعب الدور المطلوب، الذي قررت مؤتمرات التبشير أنه لابد منه لهدم الإسلام

ونحن نميل إلي تصديقه في قوله إن العلاقة بينه وبينها كانت "بريئة" لا بالمعني الإسلامي للبراءة بطبيعة الحال، ولكن بمعني عدم وصول هذه العلاقة إلي درجة الفاحشة فإنها علي هذه الصورة تكون أقدر علي تغيير أفكاره من العلاقة المبتذلة التي تؤدي إلي الفاحشة،لأن الفتاة ستكون حينئذ ساقطة في حسه غير جديرة بالاحترام، وغير جديرة بأن تكون مصدر "إلهام"!

وسواء كانت الفتاة قد "مثلت" الدور بإتقان، لتظل العلاقة بينه وبينها "روحية" و "فكرية" لتستطيع التأثير عليه، أم كانت تربيته المحافظة في الأسرة المنحدرة من أصل تركي هي التي وقفت بهذه العلاقة عند الحد الذي يصفها بالبراءة فالنتيجة النهائية كانت انقلابا كاملا في كل كيانه

ولنحاول أن نتصور كيف حدث التغيير ..

هذا شاب عبقري، نعم، ولكنه قادم من بلاد محتلة، تحتلها إحدى الدول الأوروبية وهو قادم إلى أوروبا تلك التي يتحدث قومه عنها بانبهار المأخوذ، وتمثل في حسهم العملاق الضخم الذي يتضاءل الشرق أمامه ويتوارى، فنستطيع عندئذ أن نتوقع أنه قادم إلى أوروبا وهو منخنس داخل نفسه، يحس بالضآلة والقزامة، ويتوجس أن يزدري في بلاد العمالية لأنه قزم قادم من بلاد الأقزام، وأقصى ما يتمناه قلبه أن يجد الطمأنينة النفسية والعقلية في تلك البلاد الغربية التي لا يكاد يستوعبها الخيال.

وبينما هو كذلك منكمش متوجس – إذا هذه الفتاة تبرز له في الطريق فتؤنس وحشته بادئ ذي بدء، فيزول عنه انكماشه وتوجسه، ويذهب عنه توتر أعصابه ويشعر بالطمأنينة في المهجر!

ثم إن هذه الفتاة تبادله عواطفه – كما قص في مذكراته – فيشعر فوق الطمأنينة بالسعادة والغبطة ويزداد استقرار نفسه فلا يعود يشعر بالغربة النفسية الداخلية، وإن بقيت الغربة بالنسبة للمجتمع الخارجية الذي لم يحتك به بعد.

غير أن الفتاة تنتقل معه – فتنقله – خطوة أخري.. فهي تصحبه إلى الأسر الفرنسية فتفتح له تلك الأسر أبوابها وترحب به، وتصحبه إلي النوادي والصالونات فترحب به كذلك وهنا تزول الغربة نهائيا، سواء بالنسبة لمشاعره الخاصة أو بالنسبة للمجتمع الخارجي، وينطلق في المجتمع الجديد واثقا من خطواته.

كيف تصير الأمور الآن في نفسه؟

كيف ينظر إلي العلاقة بينه وبين هذه الفتاة؟


وكيف ينظر إلي التقاليد التي تم عن طريقها كل ما تم في نفسه من تغيير؟

علاقة "بريئة" أي لم تصل إلى الفاحشة نمت من خلالها نفسه نموا هائلا، فخرجت من انكماشها وعزلتها، واكتسبت إيجابية وفاعلية، مع نمو في الثقافة وسعة في الأفق، ونشاط وحيوية!

ما عيب هذه التقاليد إذن؟ وما المانع أن تكون تقاليدنا نحن على هذا النحو "البرئ"؟

هناك بلا شك – مهما احسنّا الظنّ مجموعة من المغالطات في هذا المنطق.

المغالطة الأولي:هي دعواه "ببراءة" هذه العلاقة على اعتبار خلوها من الفاحشة المبينة فحتى لو صدقناه ونحن أميل إلي تصديقه كما قلنا فهي ليست "بريئة " في الميزان الإسلامي الذي يقيس به المسلم أمور حياته كلها فهي تشتمل على "خلوة" محرمة في ذاتها سواء أدت إلى الفاحشة أم لم تؤد إليها وهي محرمة في دين الله لحكمة واضحة، لأنها تؤدي في النهاية إلى الفاحشة، إن لم يكن في أول مرة ولا حتى في أول جيل فإنه ما من مرة أباحت البشرية لنفسها هذه الخلوة إلا وصلت إلى الفاحشة في نهاية المطاف لم تشذ عن ذلك أمة في التاريخ!

والمغالطة الثانية: هي تجاهله ما هو واقع بالفعل في المجتمع الفرنسي من آثار مثل هذه العلاقة، وقد علم يقينا بلا شك أن ذلك المجتمع يعج بألوان من العلاقات الأخرى "غير البريئة" ويسمح بها بلا رادع. فلم يكن ذلك سرا مخفيا عن أحد ممن يعيش في ذلك المجتمع، سواء من أهله أو من الوافدين عليه فحتى لو صدقناه في أن علاقته هو الخاصة لم تصل إلي ما يصل إليه مثلها في ذلك المجتمع لظروف خاصة مانعة في نفسه أو في نفسها فليس ذلك حجة لإباحة تلك العلاقات، أو الدعوة إلى مثلها وهو يرى بنفسه نتائجها الواقعية حين يبيحها المجتمع!

والمغالطة الثالثة: هي زعمه في كتابه الأول "تحرير المرأة" أن هذا التحرير لن ينتج عنه إلا الخير ولن تنشأ عنه العلاقات الدنسة التي رآها بعينه في المجتمع الفرنسي إنما سينشأ عنه تقوية أواصر المجتمع وربطها برباط متين!

وأيا كان الأمر فقد عاد قاسم أمين من فرنسا داعيا لتحرير المرأة.. داعيا إلى السفور ونزع الحجاب!

نفس الدعوة التي دعا بها رفاعة الطهطاوي من قبل عند عودته من فرنسا مع فارق رئيسي.. لا في الدعوة ذاتها، ولكن في المدعوين فإن أكثر من نصف قرن من الغزو الفكري المستمر كانت قد فعلت فعلها في نفوس الناس، فلم تقابل دعوة قاسم أمين بالاستنكار البات الذي قوبلت به دعوة رفاعة الطهطاوي، ولم توءد في مهدها كما وئدت الدعوة الأخرى من قبل!

ومع ذلك فلم يكن الأمر سهلا فقد أثار كتاب "تحرير المرأة " معارضة عنيفة جعلت قاسم أمين ينزوي في بيته خوفا أو يأسا، ويعزم علي نفض يده من الموضوع كله.

ولكن سعد زغلول شجعه وقال له: أمض في طريقك وسوف أحميك!

عندئذ قرر أن يعود، وأن يسفر عن وجهه تماما فلئن كان في الكتاب الأول قد تمحك في الإسلام، وقال إنه يريد للمرأة المسلمة ما أعطاها الإسلام من حقوق وفي مقدمتها التعليم فقد أسقط الإسلام في كتابه الثاني "المرأة الجديدة" ولم يعد يذكره إنما صار يعلن إن المرأة المصرية ينبغي أن تصنع كما صنعت أختها الفرنسية، لكي تتقدم وتتحرر، ويتقدم المجتمع كله ويتحرر! وهكذا سقط الحاجز المميز للمرأة المسلمة، وصارت هي والمشركة أختين بلا افتراق!

(محمد قطب - واقعنا المعاصر).


الأحد، 4 يونيو 2023

قوة العرب المعطلة

 قوة العرب المعطلة

محب الدين الخطيب

ما ذلَّ الشرق، وانقطعت صلته بينبوع قوته، ومادة حياته، إلَّا يوم جهل الناطقون بالضاد قدر أنفسهم، ونسوا رسالتهم العُلويةَ، التي كانوا بها ملح الأرض؛ فرفعوا يدهم عن دفة السفينة، وتعطلت ألبابهم عن هداية القافلة؛ وهنالك استعجم الإسلام.

ولا تعود إلى الشرق قوتُه وحياته إلَّا إذا عاد إلى اغتراف إيمانه المحمدي من ينبوعه الأول، من بين الصخور التي انفجرت عن معينه، وصفَّق عليها برحيقه السَّلْسل.

ولا يكون ذلك إلا إذا اشتركت في حمل مشعله سواعدُ العرب، وسُمع في حُداء صوت أبناء العرب.

 

بالإسلام يلمُّ الشرق شَعثه، ويستعيد قوته، وتنمو فيه أخلاق الرجولة، ويتأهل لمشاركة الأمم في حمل عبء الحضارة، واحتلال المحلِّ الشريف من صفِّ القيادة.

وإذا دبَّت في الإسلام روح الحياة، فعاد إلى ما كان عليه من صفاء وبهاء، وصراحة في عصر السعادة وفي أيام التابعين- فستجد فيه الإنسانية دواءها من أوصابها، وسيتَّقي به البشر طغيان القوميات، الذي يتمخَّض بمذبحة جهنمية تحترق بها الأرض.

وإذا بقيت منها بقية بعد الحرب المقبلة فستستعدُّ لشرٍّ منها.

وإذا أبطأ على الناس شرُّ القوميات وملاحمها، فسيكتسحهم وباء الشيوعية، الذي يتغلغل في أحشاء الأُمم، وتقاومه الأُمم بالعصبيات الحقودة الباغية.

وهكذا يستشفي الناس من داء بداء، ما لم يهتدوا إلى الإسلام، ويستشفوا به.

وكيف يهتدون إلى الإسلام، والمسلمون واقفون في طريقه، يصدُّون الأُمم عنه بمخازيهم، وجرائمهم،وضعفهم، ونفاقهم، وشحهم، وحسدهم، وشحنائهم، وكذبهم على الإسلام بأنهم أهله ودعاته؟!

 

تجربة جرَّبها آباؤنا مرة يوم باعوا نفوسهم للهداية المحمدية، ووقفوا عليها مداركهم، وأفئدتهم، وسواعدهم، ونقودهم، وأسلحتهم، وسَرَوْا على ضوئها إلى مقاصدهم، ورجعوا إلى ميزانها في تقدير الأمور، فنجحت تلك التجربة النجاح كلَّه، وما لبثوا أن رأوا النفوس التي باعوها لله، وكانت نفوس رجال من عامة الناس، عادت إليهم وهي نفوس ملوك، ورأوا مداركهم التي وقفوها في سبيل الله، صارت من أغزر ينابيع الحكمة، وأفئدتهم التي عمروها بالإيمان بالله، أهَّلتهم لاقتحام العقبات، واختراق الآفاق، وسواعدهم التي حملوا بها ألوية الإسلام إلى أُمم الأرض، تقدمت أُمم الأرض لمصافحتها ومسالمتها، ونقودهم التي بذلوها لإعلاء كلمة الحقِّ عوَّضهم الله منها كنوز كسرى وقيصر، وأسلحتهم التي جردوها لنصرة اليقين، غدت ملاذ العزِّ، وعنوان الفوز، ونقمة الله على الظالمين.

 

وقف الحكيم الفرنسي غوستاف لوبون يراقب بعض ما استطاع أن يراقبه من تصرفاتهم في أدوار التاريخ، فهتف بملء فيه يقول: ما عرفت الإنسانيةُ فاتحاً أحكم ولا أعدل من العرب.

تركوا وراءهم في آفاق الأندلس من بدائع الفن، وآيات العمران، وآثار الحضارة ما يشهد لهم بأنهم أدقُّ الأمم حسًّا، وألطفهم ذوقًا، وأبعدهم نظرًا، وأقلهم غطرسةً ودعوى.

تركوا وراءهم في مكتبة الإنسانية معارف في كلِّ ضرب من ضروب الحكمة، والتفكير، والعلم، عجزت جهالة أعدائهم من التتار والصليبيين والأسبانيين عن تبديدها في مياه دجلة، ونيران طرابلس، والقدس، ومحاكم التفتيش؛ فبقيت من بقاياها أثارة، لا تزال مطابع المستشرقين في أوربا، وهِمم الشرقيين في الهند، وإيران، وبلاد الغرب، تجدُّ في نشر الألوف منها في أكثر من مائة عام، وكلُّ ما نُشر منها لا يساوي قطرةً من بحر علم العرب، الذي لا يزال مطويًّا في مخطوطات دور الكتب الشرقية والغربية، مما عرفه الناس، ومما لم يسمعوا به.

وتركوا وراءهم هداية لو تجرَّد الغرب من تعصُّبه الأعمى للكنيسة، وأخذ بهداية الإسلام- لشفاه الله من كلِّ أمراضه، ولتمتع بالسعادة التي يبحث عنها في الظلام، ولا يجدها.

بل لو تجرَّدنا- نحن أحفاد العرب- من جهالتنا الكسيحة، ووطَّنَّا النفوس على العمل بقواعدها، وعملنا على إحياء تكاليفها الاجتماعية، التي لا تكون الأُمَّة أُمَّة إلا بها- لظهرت حقيقة الإسلام في سيرتنا وسريرتنا، وتجلَّت محاسنه في أعمالنا ومعاملاتنا.

ويومئذ نكون حجة للإسلام لا عليه، ومبشرين به لا منفرين عنه، وقبل أن ينتفع الإسلام بنا ذيوعًا وانتشارًا، ننتفع به نحن تقدمًا واعتلاء.

 

هنالك تعرف الأُممُ الإسلامَ بنا، وتعرِّفنا بالإسلام، وهنالك تُقبل شعوب الأرض على الإيمان به أُمَّة بعد أُمَّة؛ كما يقبل الأفراد الآن على الدخول فيه واحدًا بعد واحد.

في أعناقنا- نحن العرب- جريمةُ إعراضِ أُممِ الأرض عن معرفة هداية الإسلام، وفي أعناقنا- نحن العرب- جريمة خذلاننا وضعفنا واستخذائنا لكثير من أمم الأرض، حتى اليهود.

 

وما دام ناشئ الفتيان منا ينشأ على حب الشهوات، والظنِّ بأنَّ الإسلام دين لا فائدة له في سعادة الدنيا، ويجهل نفسه بأنَّه من سلالة أمة اختصَّها الله بالرسالة إلى الإنسانية، لو أهَّلت نفسها لأدائها لتغيَّرت الأرض بذلك غير الأرض؛ ما دام ناشئ الفتيان منا ينشأ على ذلك- فبطن الأرض أولى له من ظهرها.

 

نحن العرب نصلح لأن نكون خير الأمم أو شرَّ الأمم، أما التوسط بين ذاك وهذا فلم يقع في دور من أدوار التاريخ.

 

نكون في سبات عميق، وفي غفلة تأخذ علينا السبل؛ فإذا استيقظنا قفزنا قفزتنا من سَمْت القدم إلى سمت الرأس، وأصبحنا ملح الأرض، وتاج الإنسانية، وقادة الدنيا.

ولكن كيف نستيقظ؟

ومن الذي يوقظنا؟


الدرر السنية: www.dorar.net

المصدر: كتاب (الحديقة) لمحب الدين الخطيب، 

اعتنى به: سليمان الخراشي، 

الناشر: المكتبة السلفية، القاهرة. 

دار العاصمة، الرياض. (ص: 1428) بتصرف.

باطل مشرق

 باطل مشرق

محمود محمد شاكر

نُشر عام 1372هـ-  1953م

 

لم أكد أفرغ لنفسي، وأنفض عن فكري مثاقل الهمِّ الفادح الذي أتحمله إذا كتبت في شأن هذه الأمم المسلمة- حتى دخلت في خلوتى أيام وليالي، تعلمني أن الباطل المشرق، صنو الباطل المظلم البهيم. بل إن الباطل المشرق أضرى وأفتك بالبشر من صنوه وأخيه المظلم. للباطل المظلم ردة، كرَدَّة الوجه القبيح، يزوى لها الناظر ما بين عينيه، ويردُّ بصره معرضًا عما يرى فيه من قبح. أما الباطل المشرق المضيء، فله فتنة تنادي، كفتنة وجه الحسناء الخبيثة المنبت، تأخذ بعين الناظر، فيقبل عليها ملقيًا بنفسه في مهالك هذا الجمال الآسر، وإذا المنبت الخبيث درَّة مستهلكة في هذا التيار المترقرق من فتن الحسن والهوى.

 

وهذه الرقعة المتراحبة من حدود الصين إلى المغرب الأقصى – والتي تسكنها أمم ورثت اسم الإسلام، فنُسبت إليه، ووُصفت به – تعيش اليوم في بريق متلالئ من هذا الباطل المشرق. فمنذ أكثر من مائتي سنة، ضربها الغازي الصليبي المستعمر ضربة رابية، حتى خرَّت عاجزة، ثم ظلَّ يضربها حتى همدت أو كادت. وفي خلال ذلك كان الغازي يستحييها بحياة غريبة عنها، حتى يأتي يوم تتبدل فيه من حياة كانت إلى حياة سوف تكون. وكذلك يقضي قضاء ساحقًا على أسباب الحياة الأولى، الحياة التي كانت تُعرف بالحياة الإسلامية.

ثم جاء اليوم الذي ظنَّ فيه هذا العالم أنه ارتد إلى الحياة مرة أخرى. ونعم، إنه ارتد إلى حياة مرة أخرى، ولكن أي حياة! ما على الآلاف المؤلفة التي تدبُّ في أرجاء هذا العالم من مثل هذا السؤال؟

إنَّ حبَّ البقاء في الحي الفرد، أقوى من العقل، أقوى من حب المعرفة، أقوى من حب المال. فإذا ظفر بالبقاء على أمه الأرض، فقلما يبالي بشيء غير هذا البقاء. ولكن الحياة الإنسانية مجتمعة لا تستقيم بحب البقاء وحده. فالاجتماع الذي يضم هؤلاء الأحياء المتشبثين بالبقاء، يحدث لهم ضروبًا جديدة من الأماني والآمال والمطامح، تغلب هذا الحب الخفي للبقاء المجرد في الفرد، وتنشئ فيهم حبًّا لبقاء آخر: هو بقاء حياة الجماعة، من حياة أنشأها الإلف والتعوُّد، وحياة تنشئها الأماني، في حياة أتم وأكمل وأمجد.

والنزاع بين حياة الإلف والتعود، وحياة الأماني في الكمال والمجد، نزاع عنيف، وهو على عنفه أمر غامض في نفوس عامة أفراد المجتمع؛ لأنه يقوم على أماني مبهمة دائمًا في أول أمرها. ولا تستبين هذه الأماني إلا في فئة قليلة، تملك من القدرة على النظر، وعلى التأمل، وعلى البيان عن نظرها وتأملها، قسطًا يتيح لها أن تحاول التعبير عن هذه الأماني، تعبيرًا يخرجها من حيز الأمر المبهم إلى حيز الأمر البيِّن.

فمن هذا المدخل يدخل على الجماهير أحد رجلين: إما رجل عاقل صادق، يحسن النظر والتأمل والبيان، وإما رجل ذكي قادر، يموِّه عليهم بالنظر والتأمل والبيان. أحدهما عارف، يصدُق الناس ولا يبالي، والآخر دجَّال يلعب بالناس ولا يبالي. أحدهما لا يأخذهم إلا بالوسائل التي تقوم على الصدق والعدل والحقِّ، والآخر يأخذهم بكلِّ وسيلة لا يعبأ بصدق ولا عدل ولا حقٍّ. أحدهما يعلِّم الناس معنى هذه الأماني المبهمة في أنفسهم، كما ينبغي لكلِّ تعلُّم؛ من جهد ومشقة وحذر وبصر. والآخر يعلِّمهم معنى هذه الأماني المبهمة في أنفسهم، بما يستثيره فيهم، وما يستغلُّه من نزوعهم وتلهفهم، لا يأبه لشيء إلَّا لما يستخفهم إلى اتباعه وطاعته وتمجيده.

فالحرية- مثلًا- سوق تهوى إليه نفوس المستعبدين، كلمة مبهمة تعيش في سرِّ نفوسهم كالقبس المكفوف، لو كشف غطاؤه لأضاء. فالرجل الصادق يعلِّم النفوس معنى الحرية، ويُكسبها من وسائل تعلُّمها ما لابد لها منه من صدق وعزيمة وجد ومشقة وبصر، حتى تتهاوى الجدران التي تحول بينها وبين الانطلاق، وتنفض الأغلال الثقيلة الغليظة التي تعوق الحيَّ عن إدراك حريته. أما الدجَّال، فهو لا يزال يصرخ فيهم باسم الحرية، ثم لا يمنح الناس من وسائلها إلا كلُّ وسيلة لا تغني شيئًا في كفاح الجدران والأغلال، بل ربما زادت الجدران صفاقة وقوة، والأغلال ثقلًا وغلظًا وفداحة. فهذا هو الباطل المشرق؛ لأنَّه يأتي الناس من حيث تهوى أفئدتهم معنى مبهمًا غامضًا كريمًا، فيموِّه هذا المعنى بما شاء من تمويه؛ ليسير الناس وراءه كما هم عميًا صمًّا، لا ليعلم الناس حقًّا يطلبونه، ويحرصون عليه، ويزدادون معه على الأيام بصرًا وإدراكًا.

وهذا العالم الإسلامي الذي يموج اليوم موجه، ينبح في نواحيه هذا الباطل المشرق ينبح في السياسة، وفي العلم، وفي الأدب، وفي الفنِّ، وفي الأخلاق، وفي جماع ذلك كلِّه: في الدين. هو عالم مستغلُّ، يستخفُّه الدعاة والدجاجلة، يهتبلون غفلته في هذه الحياة التي ظنَّ أنَّه ارتدَّ إليها بعد همود، ويختلسون نفضة هذا الشوق المضطرم إلى أمانٍ مبهمة غامضة. ويتولَّى قيادته في كلِّ شأنه ألسنة لا تبالي، تستفزُّه إلى المغامرة في سبيل الحياة الماجدة الطيبة التي تجيش فيه. تستفزُّه بالنداء الصارخ باسم هذه المعاني المبهمة في ضميره، وتعطيه وسائل وأساليب يظنُّها معينة له على إدراك ما يشتاق إليه، وهي في الحقيقة مفضية به إلى التمرغ في حمأة الجهالة، والعبودية، والغرور الكاذب، إلى أن يقضي الله في الناس بأمره وقضائه.

وأخطر هذه الألسنة التي تستفزُّ هذا العالم، هي الألسنة التي اتخذت كلمة الإسلام لغوًا على عذباتها [أطراف الألسنة]، لا لأنَّها أعظم شأنًا وأعزُّ سلطانًا من الألسنة الأخرى، ألسنة المموِّهين باسم الحرية، واسم العلم، واسم الفنِّ، واسم الأخلاق، بل لأنَّها تعمد إلى كتاب أنزله الله بلاغًا للناس، وحكمة أوحيت إلى رسوله لتكون نبراسًا للمهتدين، فتحيلهما إلى معان من أهواء النفوس، التي لا تعرف الحقَّ إلا في إطار من ضلالاتها وأوهامها. ثم يتبعهم التابعون الجاهلون اتباعًا، هو سمعٌ وطاعة، لكن لغير الله ورسوله، بل للزُّور المدلَّس على كتاب الله وسنة رسوله. وإذا هؤلاء المتبعون يعدُّون هذه الضلالة دينًا، ويظنُّون هذا الدين الجديد إحياء للإسلام. وإذا هم يأخذون دينهم من حيث نهوا أن يأخذوا. يأخذونه عن مبتدع في الدين برأيه، محيل لنصوصه بفساد نشأته، مبدِّل لكلماته بهوى في نفسه، محرِّف للكلم عن مواضعه بما يشتهي وما يحبُّ، مختلس لعواطف الناس بما فيه من حبِّ اتباعهم له، خادع لعقولهم برفعة الإسلام، ومجد الإسلام، وهو لا يبغي الرفعة ولا المجد إلا لنفسه.

 

ولقد أنبأنا معاذ بن جبل رضي الله عنه بصفة ما نحن فيه، إذ قال يوما لأصحابه: ( إنَّ من ورائكم فتنًا يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن، حتى يأخذه المؤمن والمنافق، والرجل والمرأة، والصغير والكبير، والعبد والحر، فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن؟ ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره. فإياكم وما ابتدع، فإن ما ابتدع ضلالة. وأحذِّركم زيغة الحكيم، فإنَّ الشيطان قد يقول كلمة الضلال على لسان الحكيم. وقد يقول المنافق كلمة الحق. قال له يزيد بن عميرة- أحد أصحابه- : ما يدريني- رحمك الله- أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأن المنافق قد يقول كلمة الحق؟ قال معاذ: بلى! اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال لها: ما هذه؟ ولا يثنينَّك ذلك عنه، فإنَّه لعله يراجع. وتلقَّ الحقَّ إذا سمعته، فإنَّ على الحقِّ نورًا).

وقد فتح القرآن، فأخذته الألسنة كلُّها من مؤمن ومنافق، ومن صغير وكبير، وكلٌّ يقول برأيه لا يختشي، ولا يرهب، ولا يتقي. وظهر في كلِّ أرض من يقول لنفسه: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن؟ ثم يعود من نحسه وشؤمه، يجمع كلَّ خسيسة من البدع التي تميل إليها نفوس الجاهلين الغافلين، وتهوى إليها أفئدة الذاهلين، المفتونين بالحبِّ لكلِّ جديد مبتدع. وهو في كلِّ ذلك يعلم أنَّ المبتدع في كلِّ شيء له لذة الجِدَّة، ويعلم أنَّ الناس يشتاقون إلى أمر مبهم في نفوسهم، هو استعادة مجد دينهم، ونشر كلمته في الأرض، فلا يبالي أن يشرع لهم من الدين ما لم يأذن به الله، فيؤتيهم ما يطابق ما يراه من أشواقهم، ويزيِّن لهم أنَّ بلاغ ما يشتاقون إليه قريب، إذا هم اتبعوه إلى الغاية. وأنَّ شرط بلاغه أن يعطوه السمع والطاعة له ولمن يصطفيهم من شيعته ودعائه. فإذا تمَّ أن تجتمع عليه طائفة من الناس، وظهر بهم أمره، وظنوا أنهم بلغوا بعض ما منَّاهم لسانه ولسان شيعته ودعاته، قالوا: إنَّ الإسلام هو هذا الذي ندعو إليه، وإنَّ طريق الحقِّ طريقنا وحده، وإنَّ الإسلام في غير الإطار الجديد الذي وضعناه فيه ليس من الحق في شيء، وإنَّ هذا الفهم الجديد للإسلام هو خلاص المسلمين من هذه الذلة التي ضربها عليهم الغازي الصليبي. ثم تنشق ردغة هذا الخبال؟ عن صنوف مختلفة من الفساد المهلك، تجعل تاريخ الماضي كله ضربًا من الحياة الفاسدة، لا ينبغي لأحد من الناس أن يتلفت إليه إلا تلفت المزدري المستنكف. وعندئذ يصبح الدين في أذهان الجماهير المتبعة رسالة جديدة، لها رسولها وحواريوها ودعاتها وشهداؤها. وإلى بيان هذه الرسالة تعود الجماهير، لا إلى كتاب الله ولا إلى سنة رسوله، نعم، بل إلى تفسير هذا الكتاب وهذه السنة، كما يراها لهم طواغيتهم من كهوف التبديل، والتحريف، والتأويل بالهوى والضلالة. وعندئذ يتمُّ تبديل معنى الإسلام في الناس، ويتمُّ للدجال أن يبتدع بهواه إلى طب في أهوائهم كتابًا غير كتاب الله. ولولا أنَّ الله قد ضمن لنا حفظ نصِّ كتابه، وحفظ نصِّ البيان عنه في سنة رسوله- لفعل هذا وأشياعه ما فعل أسلافهم ممن بدَّلوا كتب الله وحرَّفوها، ومحوا منها وأثبتوا، ونقصوا فيها وزادوا.

لولا هذا الذي نخافه، بل هذا الذي كان مما نخافه، لما عددت هؤلاء أشد خطرًا من الألسنة التي تموِّه على الجماهير الجاهلة الغافلة باسم الحرية، واسم العلم، واسم الفن، واسم الأخلاق. فطريقهما في الحقيقة واحد، ومنشؤهما واحد، ونتائجهما واحدة، وفي التغرير بالناس، والعبث بعقولهم، والإفساد لفطرتهم، واللعب بعواطفهم، وإيهامهم أن نجاتهم من عبودية الغزاة أمر قريب لا يكلِّفهم إلا أن يسمعوا لمن يقول لهم: كونوا أحرارًا، فإذا هم سادة أحرار، كما ولدتهم أمهاتهم!

 

اللهم إني أبرأ إليك مما نحن فيه. اللهم إني أخوف الناس مما خوَّفهم منه عبدك ورسولك، إذ يقول: ( أخوف ما أخاف على أمتى كل منافق عليم اللسان). اللهم إني أقول كما قال صاحب رسولك؛ معاذ بن جبل: ( الله حكم قسط، هلك المرتابون!).

 

موقع الدرر السنية : www.dorar.net

 

المصدر: كتاب (جمهرة مقالات الأستاذ محمود محمد شاكر، مكتبة الخانجي بالقاهرة، ط1، 2003م، (1/593)

الاثنين، 27 مارس 2023

عبادة الأحرار

 عبادة الأحرار



محمود محمد شاكر



سألتني أن أكتب لك شيئًا عن هذه الكلمة المعذبة: (الصيام) فقد ضرب عليها الناس من الحكم، وصبوا عليها من الفوائد ما لو تأملته لم يَعْدُ أن يكون عرضًا طفيفًا من أعراض التجارب التي تمرُّ بالصائم، ولرأيتهم يبنون فوائدهم وحكمهم على غير منطق، كالذي يزعمونه من أن الغنيَّ إذا جاع في صيامه أحسَّ، بل عرف كيف تكون لذعة الجوع على جوف الفقير، فهو عندئذ أسرع شيء إلى الجود بماله وبطعامه.

ثم يزعمون أن الفقير الصائم إذا عرف أنه استوى هو والغني في الجوع قنع واطمأنت نفسه، لا أدري أمِن شماتته بالغني حين جاع كجوعه وظمئ كظمئه، أم من حبه للمساواة في أي شيء كانت، وعلى أي صورة جاءت! ولا تزال تسمع مثل هذه الحكم، حتى كأنَّ ربك لم يكتب هذه العبادة إلا ليعيش الفقير، وليعيش الغني، كلاهما في سلطان معدته جائعًا وشبعان..!

ومنذ ابتلي المسلمون بسوء التفسير لمعاني عباداتهم، ومنذ أدخلوا عليها ما ليس منها، ساء أمرهم ودخل عليهم عدوهم من أنفسهم ومن غير أنفسهم، وجعل بأسهم بينهم، وتتابعوا في الخطأ بعد الخطأ، حتى تراهم كما تراهم اليوم: ألوف مؤلفة ما بين الصين ومراكش، تستبدُّ بهم الطغاة، بل تهاجمهم في عقر دارهم شرذمة من قدماء الأفاقين، ومن أبناء الذل والمسكنة، فتمزق أبناء دينهم ولغتهم من الأرض المقدسة شرَّ ممزَّق.

وكل نكيرهم أصوات تضجُ، ثم عودة إلى موائد الشهوات ولذات النفوس ومضاجع الراحة والترف والنعيم: حرصوا على الحياة وأسباب الحياة، فذلُّوا حتى أماتهم الذلُّ، ولو حرصوا على الموت وأسباب الموت، لعزُّوا به في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

ولقد كتب علينا الصيام لينقذنا من مثل هذا البلاء، ولكنا نسينا الله فأنسانا أنفسنا، حتى صرفنا أعظم عبادة كتبت علينا إلى معنى الطعام نتخفف منه لتصحَّ أبداننا، ونبذله لنواسي فقيرنا، ونجتمع عليه لتأتلف قلوبنا، ونصوم شهر رمضان فلا تصحُّ لنا أبدان، ولا يواسى فقير، ولا تأتلف قلوب وإذا تمَّ بعض ذلك فسرعان ما يزول بزوال الشهر، وتنتهي آثاره في النفس وفي البدن وفي المجتمع.

ولو أنصفنا هذه الكلمة المظلومة المعذبة لرأينا الصيام كما كتب على أهل هذا الدين طاعة خالصة بين العبد وربه، يأتيها الفقير الهالك ابتغاء رضوان الله، ويأيتها الغني الواجد ابتغاء رضوان الله، ويأتيانها جميعًا في شهر رمضان، ويأتيانها فرادى في غير شهر رمضان، لا ليعيشا في معاني المعدة بالبذل أو بالحرمان، بل ليخرجا معا سواء عن سلطان الطعام والشراب، وليخرجا معا سواء من سلطان الشهوات، بل ليخرجا معًا سواء من سلطان كل نقيصة: من سلطان الخوف، فلا يخاف أحدهما إلا الله، ومن سلطان الرياء، فلا يعمل إلا لله.

وليس بين الصائم وبين ربِّه أحد، ولا يحول بينه وبين الاستجابة لربه شيء من أشياء الدنيا، أو حاجات البدن، أو داعيات الغرائز أو نزوات العقول.

فتأمَّل معنى الصيام من حيث نظرت إليه: هو عتق النفس الإنسانية من كل رقٍّ: من رقِّ الحياة ومطالبها ومن رقِّ الأبدان وحاجاتها في مآكلها ومشاربها، من رقِّ النفس وشهواتها، ومن رقِّ العقول ونوازعها، ومن رقِّ المخاوف حاضرها وغائبها، حتى تشعر بالحرية الخالصة، حرية الوجود، وحرية الإرادة، وحرية العمل.
فتحرير النفس المسلمة هو غاية الصيام الذي كتب عليها فرضًا وتأتيه تطوعًا، ولتعلم هذه النفس الحرة أن الله الذي استخلفها في الأرض لتقيم فيها الحق، ولتقضي فيها بالحق، ولتعمل فيها بالحق، لا يرضى لها أن تذلَّ لأعظم حاجات البدن؛ لأنها أقوى منها، ولا لأعتى مطالب الحياة؛ لأنها أسمى منها، ولا لأطغى قوى الأرض؛ لأنها أعزُّ سلطانًا منها.

وأراد الله أن يكرِّم هذه العبادات فأوحى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يخبر الناس عن ربه إذ قال: «الصوم لي» (البخاري: 7492)، فلا رياء فيه؛ لأنه جُرِّد لله فلا يراد به إلا وجه الله، فاستأثر به الله دون سائر العبادات، فهو الذي يقبله عن عبده، وهو الذي يجزي به كما يشاء.

وقد دلَّنا الله سبحانه على طرف من هذا المعنى إذ جعل الصيام معادلًا لتحرير الرقبة في ثلاثة أحكام من كتابه:
إذ جعل على من قتل مؤمنًا خطأ تحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلمة إلى أهله {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ} [النساء: 92].

وجعل على الذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا تحرير رقبة من قبل أن يتماسا {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} [المجادلة: 4].

وجعل كفارة اليمين تحرير رقبة {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ} [البقرة: 196].

فانظر لِمَ كتب الله على من ارتكب شيئًا من هذه الخطايا الثلاث: أن يحرر رقبة مؤمنة من رقِّ الاستعباد، فإن لم يجدها فعليه أن يعمل على تحرير نفسه من رقِّ مطالب الحياة، ورقِّ ضرورات البدن، ورقِّ شهوات النفس، فالصيام كما ترى هو عبادة الأحرار، وهو تهذيب الأحرار وهو ثقافة الأحرار.
ولو حرص كل مسلم على أن يستوعب بالصيام معاني الحرية، وأسباب الحرية، ومقاليد الحرية، وأنف لدينه ولنفسه أن تكون حكمة صيامه متعلقة بالأحشاء والأمعاء والبطون في بذل طعام أو حرمان من طعام- لرأينا الأرض المسلمة لا يكاد يستقرُّ فيها ظلم؛ لأن للنفوس المسلمة بطشًا هو أكبر من الظلم، بطش النفوس التي لا تخشى إلا الله، ولا يملك رقَّها إلا خالق السموات والأرض وما بينهما. ولرأينا الأرض المسلمة لا يستولى عليها الاستعمار؛ لأن النفوس المسلمة تستطيع أن تهجر كل لذة، وتخرج من كل سلطان، وتستطيع أن تجوع وتعرَى، وأن تتألم وتتوجع صابرة صادقة مهاجرة في سبيل الحقِّ الأعلى، وفي سبيل الحرية التي ثقفها بها صيامها، وفي سبيل إعتاق الملايين المستعبدة في الأرض بغير حق وبغير سلطان.

واستطاع كل مسلم أن يكون صرخة في الأرض تلهب القلوب، وتدعوها إلى خلع كل شرك يقود إليه الخوف من الظلم، ويفضل إليه حب الحياة وحب الترف وحب النعمة، وهي أعوان الاستعمار على الناس.
ويوم يعرف المسلمون صيامهم حق معرفته، ويوم يجعلونه مدرسة لتحرير نفوسهم من كل ضرورة وكل نقيصة، فحقٌّ على الله يومئذ أن ينصر هذه الفئة الصائمة عن حاجات أبدانها وشهوات نفوسها، الطالبة لما عند ربها من كرامته، التي كرَّم بها بني آدم، إذ خلقهم في الدنيا سواء أحرار، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى وفعل الخيرات.
ويومئذ ينصرهم على عدوهم، ويستخلفهم في الأرض مرة أخرى لينظر كيف يعملون.

المصدر: كتاب (جمهرة مقالات الأستاذ محمود محمد شاكر، مكتبة الخانجي بالقاهرة، ط1، 2003م، (2/937)).


قلوب جديدة



 

الاثنين، 2 يناير 2023

فتيان صنعوا التاريخ - 4 - الزبير بن العوام ”أول من سلّ سيفة في الدفاع عن الإسلام”

فتيان صنعوا التاريخ - 4 -

الزبير بن العوام

(حواري رسول الله ﷺ ) 15 سنة :

أول من سلّ سيفة في الدفاع عن الإسلام





هو فتى أسلم في الخامسة عشر من عمره، وصاحب أول سيف شھر في الإسلام، ففي الأيام الأولى للإسلام، والمسلمون يومئذ قلة يستخفون في دار الأرقم.. سرت اشاعة ذات يوم أن الرسول قتل، فما كان من الزبير إلا أن استل سيفه وامتشقه، وسار في شوارع مكة، كالإعصار..، ليتبين صحة الخبر، معتزما ان ما ألفاه صحيحا أن يعمل سيفه في رقاب قريش كلھا حتى يظفر بھم أو يظفروا به، وفي أعلى مكة لقيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله ماذا به....؟ فأنھى إليه الزبير النبأ.. فصلى عليه الرسول، ودعا له بالخير، ولسيفه بالغلب.

وعلى الرغم من شرف الزبير في قومه فقد لقي حظه من اضطھاد قريش وعذابھا. وكان الذي تولى تعذيبه عمه، حيث كان يلفه في حصير، ويدخن عليه بالنار كي تزھق أنفاسه، ويناديه وھو تحت وطأة العذاب:" أكفر برب محمد، أدرأ عنك العذاب". فيجيبه الزبير الذي لم يكن يوم ذاك أكثر من فتى ناشئ، غض العظام.. يجيب عمه في ّ تحد رھيب: " لا والله لا أعود لكفر أبدا"

. ويھاجر الزبير إلى الحبشة، الھجرتين الأولى والثانية، ثم يعود ليشھد المشاھد كلھا مع رسول الله لا تفتقده غزوة ولا معركة.

وما أكثر الطعنات التي تلقاھا جسده واحتفظ بھا بعد اندمال جراحاتھا، أوسمة تحكي بطولة الزبير وأمجاده.

ولنصغ لواحد من الصحابة رأى تلك الأوسمة التي تزدحم على جسده، يحدثنا عنھا فيقول: " صحبت الزبير بن العوام في بعض أسفاره ورأيت جسده، فرأيته مجذعا بالسيوف، وإن في صدره لأمثال العيون الغائرة من الطعن والرمي. فقلت له: والله لقد شھدت بجسمك ما لم أره بأحد قط. فقال لي: أما والله ما منھا جرح إلا مع رسول الله وفي سبيل الله".

ويوم اليرموك كان الزبير جيشا وحده.. فحين رأى أكثر المقاتلين الذين كان على رأسھم يتقھقرون أمام جبال الروم الزاحفة، صاح ھو" الله أكبر".. واخترق تلك الجبال الزاحفة وحده، ضاربا بسيفه، ثم قفل راجعا وسط الصفوف الرھيبة ذاتھا، وسيفه يتوھج في يمينه لا يكبو، ولا يحبو.

وكان رضي الله عنه شديد الولع بالشھادة، عظيم الغرام بالموت في سبيل الله. وكان يقول: " ان طلحة بن عبيد الله يسمي بنيه بأسماء الأنبياء، وقد علم ألا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلّم، وإني لأسمي ّ بني ". بأسماء الشھداء لعلھم يستشھدون".

وھكذا راح يختار لأبنائه أسماء الشھداء راجيا أن يكونوا يوم تأتيھم آجالھم شھداء

ولقد قيل في تاريخه: " أنه ما ولي إمارة قط، ولا جباية، ولا خراجا ولا شيئا إلا الغزو في سبيل الله".

وحين طال حصار بني قريظة دون أن يستسلموا أرسله الرسول صلى الله عليه وسلم مع علي بن أبي طالب، فوقف أمام الحصن المنيع يردد مع علي قوله: " والله لنذوقن ما ذاق حمزة، أو لنفتحن عليھم حصنھم".. ثم ألقيا بنفسيھما وحيدين داخل الحصن، وبقوة أعصاب مذھلة، أحكما إنزال الرعب في أفئدة المتحصنين داخله وفتحا أبوابه للمسلمين..!!

ويوم حنين أبصر مالك بن عوف زعيم ھوزان وقائد جيش الشرك في تلك الغزوة.. أبصره بعد ھزيمتھم في حنين واقفا وسط فيلق من أصحابه، وبقايا جيشه المنھزم، فاقتحم حشدھم وحده، وشتت شملھم وحده، وأزاحھم عن المكمن الذي كانوا يتربصون فيه ببعض زعماء المسلمين، العائدين من المعركة..!! **

ولقد كان حظه من حب الرسول وتقديره عظيما.. وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يباھي به ويقول: " إن لكل نبي حواريا وحواريي الزبير بن العوام".. ذلك أنه لم يكن ابن عمته وحسب، ولا زوج أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين، بل كان ذلك الوفي القوي، والشجاع الأبي : ، والجواد السّخي، والبائع نفسه وماله لرب العالمين ولقد أجاد حسان بن ثابت وصفه حين قال:

أَقامَ عَلى عَهدِ النَبِيِّ وَهَديِهِ حَوارِيُّهُ وَالقَولُ بِالفِعلِ يُعدَلُ

أَقامَ عَلى مِنهاجِهِ وَطَريقِهِ يُوالي وَلِيَّ الحَقِّ وَالحَقُّ أَعدَلُ

هُوَ الفارِسُ المَشهورُ وَالبَطَلُ الَّذي يَصولُ إِذا ما كانَ يَومٌ مُحَجَّلُ

إِذا كَشَفَت عَن ساقِها الحَربُ حَشَّها بِأَبيَضَ سَبّاقٍ إِلى المَوتِ يَرفُلُ

وَإِنَّ اِمرَأً كانَت صَفِيَّةُ أُمُّهُ وَمِن أَسَدٍ في بَيتِها لَمُرَفَّلُ

لَهُ مِن رَسولِ اللَهِ قُربى قَريبَةٌ وَمِن نُصرَةِ الإِسلامِ مَجدٌ مُؤَثَّلُ

فَكَم كُربَةٍ جَلّى الزُبَيرُ بِنَفسِهِ عَنِ المُصطَفى وَاللَهُ يُعطي فَيُجزِلُ

فَلا مِثلُهُ فيهِم وَلا كانَ قَبلَهُ وَلَيسَ يَكونُ الدَهرَ ما دامَ يَذبُلُ

ثَناؤُكَ خَيرٌ مِن فَعالِ مَعاشِرٍ وَفِعلُكَ يا اِبنَ الهاشِمِيَّةِ أَفضَلُ

وكان رفيع الخصال، عظيم الشمائل.. وكانت شجاعته وسخاؤه كفرسي رھان..!! فلقد كان يدير تجارة رابحة ناجحة، وكان ثراؤه عريضا، ولكنه أنفقه في الإسلام حتى مات مدينا..!!

وكان توكله على الله منطلق جوده، ومنطلق شجاعته وفدائيته.. حتى وھو يجود بروحه، ويوصي ولده عبدالله بقضاء ديونه قال له: " إذا أعجزك دين، فاستعن بمولاي".. وسأل عبدالله: أي مولى تعني..؟ فأجابه: الله، نعم المولى ونعم النصير

يقول عبدالله فيما بعد: " فوالله ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت: يا مولى الزبير اقضي دينه، فيقضيه".

فاللهم يا مولى الزبير، افتح أعين شباب أمتنا ليروا ما كان يفعل أجدادهم، وابعث فينا من شبابنا أمثال الزبير ليذودوا عن محارم المسلمين واكتب لنا النصر على أيديهم.. 
اللهم آمين.





الخميس، 8 ديسمبر 2022

فتيان صنعوا التاريخ ( 3 )

 

فتيان صنعوا التاريخ ( 3 )
( 3 )

طلحة بن عبيد الله

قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: ( " من سرّه أن ينظر إلى رجل يمشي على الأرض، وقد قضى نحبه، فلينظر إلى طلحة"..!!).

لقد اطمأن إذا إلى عاقبة أمره ومصير حياته.. فسيحيا، ويموت، وهو واحد من الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه ولن تناله فتنة، ولن يدركه لغوب..

ولقد بشّره الرسول بالجنة، فماذا كانت حياة هذا المبشّر الكريم..؟؟

وماذا فعل هذا الفتى ابن السادسة عشر من عمره ليستحق هذا اللقب؟

هو أحد الثمانية الأوائل الذين سبقوا للإسلام، وقصته كما يرويها هو، قال : حضرتُ سوقَ بُصْرى فإذا راهبٌ في صومعته يقول: سَلوا أهل هذا الموسم أفيهم أحدٌ من أهل الحَرَم؟ قال طلحة: فقلتُ نعم أنا، فقال: هل ظَهَرَ أحْمَدُ بعدُ؟ قال قلتُ: ومَنْ أحمد؟ قال: ابن عبد الله بن عبد المطّلب، هذا شهره الذي يخرج فيه وهو آخر الأنبياء ومخرجه من الحرم ومُهاجَرُه إلى نَخْلٍ وحَرّةٍ وسِباخٍ، فإيّاكَ أنْ تُسْبَقَ إليه، قال طلحة: فوقع في قلبي ما قال فخرجتُ سريعًا حتّى قدمتُ مكّة فقلتُ: هل كان مِنْ حَدَثٍ؟ قالوا: نعم محمّد بن عبد الله الأمين تنبّأ وقد تبعه ابن أبي قُحافة، قال فخرجتُ حتّى دخلتُ على أبي بكر فقلت: أتَبِعْتَ هذا الرّجل؟ قال: نعم فانطلقْ إليه فادخل عليه فاتْبَعْه فإنّه يدعو إلى الحقّ. فأخبَرَه طلحة بما قال الرّاهب فخرج أبو بكر بطلحة فدخل به على رسول الله ﷺ، فأسْلَم طلحة وأخبر رسول الله بما قال الرّاهب فسُرّ رسول الله ﷺ، بذلك فلمّا أسلَم أبو بكر وطلحة بن عُبيد الله أخذهما نَوفل بن خُويلد بن العَدَويّة فشَدّهما في حبلٍ واحدٍ ولم يمنعهما بنو تيم، وكان نَوفل بن خُويلد يُدْعى أسدَ قريش فلذلك سُمّي أبو بكر وطلحة القَرينَين.

هاجر إلى المدينة و شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، عدا غزوة بدر، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كان قد ندبه ومعه سعيد بن زيد لمهمة خارج المدينة.

ولما أنجزاها ورجعا قافلين إلى المدينة، كان النبي وصحبه عائدين من غزوة بدر، فآلم نفسيهما أن يفوتهما أجر مشاركة الرسول صلى الله عليه وسلم بالجهاد في أولى غزواته..

بيد أن الرسول أهدى إليهما طمأنينة سابغة، حين أنبأهما أن لهما من المثوبة والأجر مثل ما للمقاتلين تماما، بل وقسم لهما من غنائم المعركة مثل من شهدوها..

وشهد يوم أحد، وكان ممن ثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم حين ولّى النّاس، وبايعه على الموت،ـ ودافع عنه حتى شُلَّت يده، فلما ولى الناس كان مع النبي محمد اثنى عشر رجلًا، وكان منهم طلحة، فأدركهم مجموعة من جيش قريش تريد قتل النبي ﷺ ، فقال النبي من للقوم؟» قال طلحة: «أنا»، فرفض النبي أن يخرج لهم طلحة وقال له: «كما أنت»، فقال رجل: «أنا»، قال: «أنت»، فقاتل حتى قتل، ثم قال: «من لهم؟» قال طلحة: «أنا»، قال: «كما أنت»، فقال، رجل من الأنصار: «أنا»، قال: «أنت»، فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى لم يبق مع النبي محمد إلا طلحة، فقال: «من للقوم؟» قال طلحة: «أنا»، يقول جابر بن عبد الله: «فقاتل طلحة قتال الأحد عشر حتى قطعت أصابعه، فقال: حس، فقال رسول الله ﷺ: لو قلت باسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون. ثم رد الله المشركين.

وأثناء دفاع طلحة عن النبي ﷺ ، رمى مالك بن زهير سهمًا فاتّقى طلحة السهم بيده فأصاب يده فَشُلّت، وأُصيب في رأسه، ضَرَبهُ رجلٌ من قريش ضَرْبَتَينِ، ضَرْبَةً وهو مقبل وضربة وهو مُعْرِض عنه، فنزِفَ منها الدمُ، فكان ضرار بن الخطاب بن مرداس الفهري يقول: «أنا والله ضربتُه يومئذٍ، وأُصيب أنفُ النّبيّ ورَباعيّتُه، وضرب طلحة ضربات عديدة حتى قيل أنها حوالي خمسٍ وسبعين أو سبعٍ وثلاثين ضربةً، فعن موسى بن طلحة: «رجع طلحة يومئذٍ بخمسٍ وسبعين أو سبعٍ وثلاثين ضربةً، رُبّعَ فيها جبينه، وقُطعَ نَساه، وشَلّت إصبعه التي تلي الإبهام.» وأراد النبي صلّى الله عليه وسلّم الصعود على صخرة، وكان ظاهرَ بين دِرْعين فلم يستطع النّهوض، فحمله طلحة على ظهره إلى الصخرة، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أَوْجَبَ طلحةُ» وبعدما انتهت المعركة، كان طلحة قد أُغمَى عليه وأصابه الغَشي، فأمر النبي أبا بكر الصديق وأبا عبيدة بن الجراح بإصلاح شأن طلحة وتطييب جراحه، فيقول أبو بكر الصديق: كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَاءَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولِأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، قَالَ: «عَلَيْكُمَا صَاحِبُكُمَا» يُرِيدُ طَلْحَةَ، وَقَدْ نَزَفَ فَأَصْلَحْنَا مِنْ شَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ أَتَيْنَا طَلْحَةَ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْجِفَارِ، فَإِذَا بِهِ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ بَيْنَ طَعْنَةٍ وَرَمْيَةٍ، وَضَرْبَةٍ، وَإِذَا إِصْبَعُهُ قُطِعَتْ فَأَصْلَحْنَا مِنْ شَأْنِهِ.

 

وكَانَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه إِذَا ذُكِرَ يَوْمُ أُحُدٍ قَالَ: ذَلِكَ يَوْمٌ كُلُّهُ لِطَلْحَة.

وفي جميع المشاهد والغزوات، كان طلحة في مقدّمة الصفوف يبتغي وجه الله، ويفتدي راية رسوله ﷺ .

ويعيش طلحة وسط الجماعة المسلمة، يعبد الله مع العابدين، ويجاهد في سبيله مع المجاهدين، ويرسي بساعديه مع سواعد إخوانه قواعد الدين الجديد الذي جاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور..

فإذا قضى حق ربه، راح يضرب في الأرض، ويبتغي من فضل الله منمّيا تجارته الرابحة، وأعماله الناجحة، فقد كان طلحة رضي الله عنه من أكثر المسلمين ثراء، وأنماهم ثروة..

وكانت ثروته كلها في خدمة الدين الذي حمل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رايته ...

كان ينفق منها بغير حساب..

وكان الله ينمّيها له بغير حساب!

لقد لقّبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بـ طلحة الخير، وطلحة الجود، وطلحة الفيّاض اطراء لجوده المفيض.

وما أكثر ما كان يخرج من ثروته مرة واحدة، فإذا الله الكريم يردها إليه مضاعفة.

تُحدّثنا زوجته سعدى بنت عوف فتقول:

" دخلت على طلحة يوما فرأيته مهموما، فسألته ما شانك..؟

فقال المال الذي عندي.. قد كثُر حتى أهمّني وأكربني..

وقلت له ما عليك.. اقسمه..

فقام ودعا الناس، واخذ يقسمه عليهم حتى ما بقي منه درهم" ...

ومرّة أخرى باع أرضا له بثمن مرتفع، ونظر إلى كومة المال ففاضت عيناه من الدمع ثم قال:

" إن رجلا تبيت هذه الأموال في بيته لا يدري ما يطرق من أمر، لمغرور بالله" ...

ثم دعا بعض أصحابه وحمل معهم أمواله هذه، ومضى في شوارع المدينة وبيوتها يوزعها، حتى أسحر وما عنده منها درهم..!!

ويصف جابر بن عبد الله جود طلحة فيقول:

" ما رأيت أحد اعطى لجزيل مال من غير مسألة، من طلحة بن عبيد الله". وكان أكثر الناس برّا بأهله وبأقربائه، فكان يعولهم جميعا على كثرتهم..

وقد قيل عنه في ذلك:

".. كان لا يدع أحدا من بني تيم عائلا إلا كفاه مؤنته، ومؤنة عياله..

وكان يزوج أيامهم، ويخدم عائلهم، ويقضي دين غارمهم"..

ويقول السائب بن زيد:

" صحبت طلحة بن عبيد الله في السفر والحضر فما وجدت أحدا، أعمّ سخاء على الدرهم، والثوب والطعام من طلحة"..!!

رحم الله طلحة، وأبدل أمتنا مثله أوخيرا منه من شبابنا الذين تمسّكوا بدينهم وجاهدوا وأنفقوا ونصروا هذا الدين ولم يروا النبي صلّى الله عليه وسلّم، ولكنهم فقط سمعوا عن ما كان من سيرة جدّهم طلحة، فساروا على طريقته فأصبحوا مثله.




الجمعة، 2 ديسمبر 2022

فتيان صنعوا التاريخ (2/ 1 )

 فتيان صنعوا التاريخ ( 1 )

أبطال لا نعرفهم، فتيان عظماء شاركوا في إثراء الحياة الإنسانية لا نعرف عنهم بالكاد إلا أسماءهم، نحاول معا كشف اللثام عنهم، لنرفع القدوة لشبابنا كي لا تخدعهم أكذوبة المراهقة وصغر السن.

( 1 ) الأرقم بن أبي الأرقم

( 16 سنة )

صاحب المقر الأول للدعوة

شاب مرفه من أثرياء مكّة، ومن أفضل شبابها حسبا ونسبا، في السادسة عشر من عمره،

من أوائل من اعتنقوا الإسلام ملبيا دعوة رسول الله ﷺ، لتتحوّل داره إلى المقر الأول لدعوة الإسلام، وتصبح أشهر دار في الإسلام، وأهم مراكز الدعوة الإسلامية في مرحلتيها السرية والعلنية، والتي شهدت إسلام عدد من الصحابة وفي مقدمتهم فاروق الأمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه .

ولأن صاحب هذه الدار صغير السن ومن أثرياء مكّة، لم يتخيل كفار قريش أن يكون الأرقم قد أسلم، أو أن يغامر بثرائه ووضعه الاجتماعي في سبيل دعوته، وأن تكون داره هي مقر الدعوة، ولأنه من بني مخزوم التي تحمل لواء الحرب والتنافس ضد بني هاشم، ومن المستبعد أن يختفي رسول الله صلى الله عليه وسلم في قلب العدو، لذلك اختار الرسول ﷺ هذه الدار لتكون المقر الأول للدعوة،.

شهد الغزوات كلها مع رسول الله ﷺ ولم يتخلف عنه يوما، ومنحه النبي ﷺ سيفًا من غنائم غزوة بدر، كما أسند إليه النبي ﷺ أمر الصدقات.

ولما اشتاق يوما للصلاة في المسجد الأقصى، تجهز يومًا وأعدّ العُدة، فلما فرغ من التجهيز والإعداد، جاء إلى النبي يودّعه، فخاطبه النبي ﷺ بالقول: ما يخرجك يا أبا عبد الله، أحاجة أم تجارة ؟" فرد الصحابي : يا رسول الله بأبي أنت وأمي، غير أني أريد الصلاة في بيت المقدس، فقال له الرسول ﷺ: "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام" فجلس الأرقم، وعاد إلى داره مطيعًا للنبي ومنفذًا لأوامره .

هاجر الأرقم إلى يثرب، وعاصر الخلفاء الأربعة أبا بكر وعمر وعثمان وعليا رضي الله عنهم وماتوا وهم راضون عنه وعاش كذلك سنوات من حكم معاوية بن أبي سفيان بمدينة رسول الله وقد جاوز الثمانين عاما ، لا يبخل بماله ولا نفسه ولا وقته حتى جاءه مرض الموت، ولما أحس -رضي الله عنه- بدنو أجله عام 53هجرية في عهد معاوية، أوصي أن يصلي عليه الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص، خال رسول الله ﷺ، صلاة الجنازة .

بعث الله هذه الروح في أمتنا، ورزقنا فتيانا مثل الأرقم، وفي مثل سنّه، يأخذون الدين بقوة كما أخذه رضي الله عنه، وجمعنا به يوم القيامة، بصحبة الحبيب صلّى الله عليه وسلّم.



( 2 ) ذو البجادين

( 16 سنة )

هـو فتى حفر النبي ﷺ قبره بيده ورفض أن يشاركه أحد فى حفر القبر ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القبر واضّجع فيه بجسده الشريف ليكون القبر رحمة عليه، فبم استحق هذه المكرُمة؟

هو فتى باع دنياه بآخرته، وترك الغنى والمتعة والترف لأجل لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ.

كان اسمه قبل أن يُسلِم عبد العُزىٰ المُزني نسبةً لمدينته مُزينه

أسلم وعمره ١٦ عاماً وتُوفي وعمره ٢٣ عاما وكان شاباً غنياً ومُنعماً جداً فى حياته توفت أمه وأبوه وهو صغير فرباه عمه ..

*كان شاباً مُميزاً جداً بين الشباب بملابسه الغالية والجميلة والتي يؤتىٰ بها من الشام خصيصاً من أجله وكان الشاب الوحيد الذي يملك فرسا في وقت كان فيه أفضل شابٍ في مُزينة يملك بغلة صغيرة وكان عمه من سادة مُزينة..

*قصة إسلامه من أجمل قصص إسلام الصحابه وأغربها .. *

فحين تم عبد الله ١٦ عاماً كان ذلك الوقت الذى يُهاجر فيه الصحابة من مكة إلى المدينة*

وكانوا يمرُّون على مُزينة فى طريق هجرتهم ويمرُّون مسرعين جداً لأن كفار قريش يلحقون بهم..

فقابله يوماً أحد الصحابة فى أثناء هجرته وعرض عليه الإسلام فأسلم فوراً وبعد أن أسلم طلب منهم أن يُعلموه شيئاً من القرآن فقالوا .*

لن نستطيع أن نظل معك لأن قريش تلحق بنا ولكن إن شئت فإلحق بنا فى الطريق لتتعلم القرآن فكان يسير خلفهم مشياً على الأقدام يقرأؤن القرآن وهو يقرأ وراءهم مسافة ١٥ كيلو فى الصحراء ثم يرجع إلى مُزينة ويعود فى اليوم التالي يقف على حدود مُزينة ينتظر أن يمر صحابي فى طريق هجرته فيقول له علمني من القرآن ويقرأ عليه ما حفظه فى اليوم السابق حتى تعلَّم أكثر من سورة من القرآن ..

فجاءه يوماً أحد الصحابة فقال له ولمَ لاتُهاجر معنا إلى رسول الله فقال له لا أُهاجر قبل أن يُسلم عمي فهو من رباني ولن أُهاجر قبل أن آخذ بيده للإسلام..

فظل فى مُزينة ثلاث سنوات يُخفي إسلامه وظل يتحين أي فرصة للحديث مع عمه ليُخبره عما وصل إليه من هذا الدين الجديد الذى جاء به محمد وذلك كل يوم وكان عمه يرفض رفضاً شديداً أن يستمع لما سيقول وكان إن أراد أن يُصلي ذهب بعيداً فى الصحراء حتى لايراه أحد وبعد أن مرت ثلاث سنوات على هذا الحال ذهب إلى عمه وقال لقد تأخرت علي فأخرتني عن رسول الله ياعمي وما عُدت أُطيق فراق النبي ﷺ وإنني أريد أن أُخبرك بأني منذ ثلاث سنوات وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإنني الآن مهاجر إلى رسول الله وأُحب أن تكون معي فإن أبيت فلن يردني عن الهجرة إليه شيء فغضب عمه غضباً شديداً وقال لئن أبيت إلا الإسلام جرّدتك من كل ما تملك ..

فقال ياعمي افعل ماشئت فما أنا بالذي يختار على الله ورسوله شيئاً فقال إن أصررت جردتك حتى من ملابسك التي عليك وقام فمزق له ملابسه التي كان يرتديها فقال عبد الله والله ياعمي لأُهاجرن إلى رسول الله مهما فعلت بي ..

وبدأ هجرته وهو شبه عاري فى الصحراء حتى وجد بجادٍ وهو الشوال من الصوف فأخذه وشقه نصفين وربط نصفه على وسطه ونصفه الآخر وضعه على كتفه حتى وصل المدينة فدخل على رسول الله فقال له النبي من أنت فقال أنا عبد العزى فقال النبي ولم تلبس هكذا فقال لقد أسلمت فجردني عمي من كل ما أملك حتى ملابسي ولم أجد فى طريقي إلا هاذين البجادين فأتيتك بهما، فقال النبيﷺ أوفعلت ؟!

فقال نعم فقام النبي وقال من اليوم أنت عبدالله ذي البجادين ولست عبدالعزى فقد أبدلك الله عن هاذين البجادين رداءً فى الجنة تلبس منه حيث تشاء..

ومن شدة فقره سكن فى مساكن أهل الصُّفة وهي مساكن للفقراء خلف بيت النبي وتأتي غزوة تبوك وعُمره ٢٣ عاماً فيخرج إلى الغزوة مع النبي ثم يقول يارسول الله ادعوا الله لي أن أموت شهيداً فيرفع النبي يده ويقول اللهم حرم دمه على سيوف الكفار .*

فيقول عبدالله ما هذا بالذي أردتُ يا رسول الله فقال النبي ﷺ : يا عبد الله إن من عباد الله من يخرج فى سبيل الله فتصيبه الحمّى فيموت فيكون شهيداً وإن من عباد الله من يخرج فى سبيل الله فيسقط عن فرسه فيموت فيكون شهيداً ولعلك تصيبك حمّى فتموت فتكون شهيداً..

ويشهد عبد الله غزوة تبوك مع النبي وينتصر المسلمون وفي طريق عودتهم بالفعل ُتصيب عبد الله حمّى شديدة ويبدأ يتألم آلام الموت

فيحكي لنا عبد الله بن مسعود قصة موت عبد الله ذي البجادين فيقول كنت نائماً فى ليله شديدة البرد شديدة الظلام وبينما أنا نائم سمعت خارج خيمتي صوت حفر فعجبت من يحفر فى هذا البرد والظلام فاستيقظت وبحثت عن النبي ﷺ وعن أبي بكر وعمر فى خيمتهم فلم أجدهم فتعجبت أين ذهبوا فخرجت من خيمتى فإذا أبو بكر وعمر يُمسكان سراجاً والنبي يحفر قبراً فذهبت إليه وهو يحفر فقلت ما بك يارسول الله؟ فرفع وجهه الشريف إليّ فإذا عيناه تذرفان الدموع وقال : مات أخوك ذو البجادين فنظرت إلى أبي بكر وقلت أتترك رسول الله يحفر وتقف أنت بالسراج فقال أبىٰ النبي إلا أن يحفر له قبره بنفسه فحفر النبي بيديه قبر ذي البجادين ثم نزل إلى القبر وإضّجع فيه بجسده الشريف ليكون القبر رحمة لذي البجادين ثم قام ورفع يديه إلى أبي بكر وعمر وقال أدنيا إليّ أخاكما ورفقاً به إنه والله كان يحب الله ورسوله..

*و يقول عبد الله بن مسعود: فرأيت النبي يحتضن الجثمان بشدة ودموعه تسقط على الكفن وكبر أربع تكبيرات و قال :

رحمك الله يا عبد الله كنت أوّاباً ، تالياً للقرآن ، ثم رفع رأسه إلى السماء وقال :

اللهم إنني اشهدك أنني أمسيت راضياً عن ذي البجادين فارض عنه.

يقول عبد الله بن مسعود: والله لقد تمنيت يومها أن أكون أنا صاحب الحفرة من كثرة الرحمات التي ستتنزل عليه فى هذه الليلة.