‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات عبد الحكيم حيدر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات عبد الحكيم حيدر. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 5 يونيو 2024

نرجوكم أريحونا من الوطنيّة سنتَين

 

نرجوكم أريحونا من الوطنيّة سنتَين


720CD981-79E7-4B4F-BF12-57B05DEFBBB6
عبد الحكيم حيدر

كاتب وروائي


باب الوطنيّة من صلب اختصاصنا وحدنا، ومفاتيحه معنا وحدنا، ولا يشاركنا فيه أحد. نحن، أيضاً، في حاجة لدفع ثمن الدّخان والدجاج، ونحن، أيضاً، في بداية موسم جمع القمح، وسعر الأقماح، كما تقول المُؤشّرات كلّها سوف يرتفع جدّاً، خصوصاً أنّ الحرب الروسية الأوكرانية اشتد لهيبها ودخلت مراحلها الحرجة، وقد بدأ النووي يخرج من سراديبه، كما أنّنا في أول الصيف نحتاج المزيد من الأوكسجين للمستشفيات ودور الرعاية للمسنّين، فهل نغلق المستشفيات من أجل الوطنيّة وشغل العيال، أو نُؤخّر واردات "اللانشون" في الموانئ، أم نلتفت إلى موسم الحج، وبذلك تُحرَم الجماهير من إطلالة أحمد موسى وهو يلهج بالتكبيرات من فوق جبل عرفات؟

نحن نربّي الوطنيّة في منادرنا منذ نعومة أظفارنا، وعيوننا، أيضاً، مُصوّبة على أزمة الدولار، ومياه النيل أيضاً، وما زال الإنتاج السينمائي في حالة غير جيّدة، وبيننا وبينكم مسلسلات رمضان ومحمد رمضان، وكفاكم لعب بالنار والشال الفلسطيني في الملاعب، لأنّ تلك هي الألعاب التي نعرفها جيداً، وقد حفظناها عن ظهر قلب. كما أنّ حجر رشيد هو حجرنا وحدنا، ولا نُفكّر، أبداً، في بيع أبي الهول، ولا مبنى الحزب الوطني، لأنّه ببساطة من ثوابتنا الوطنيّة.

أغلقوا كلّ أبواب الوطنيّة، ولو مُؤقّتاً، وقد نعود إليها، قريباً، وهي في أبهى صورها، فالعالم عيونه كلّها علينا، ولا نَملّ أن نقولها مراراً: "نحن وطن مُستهدَف، والجميع يريد أن يُدمّر تجربتنا الفريدة في الحكم"، فكلّ العلماء الأجلّاء في الفقه في حالة حلّ وترحال، من حضرموت حتّى الأندلس، وفي حالة تنقيب وبحث وانتقاء، كي تكون العلوم صافية كالعسل، ويسيرة، كما يفعل سعد الهلالي، والمخطوطات المُيسّرة في طريقها إلى الوصول إلى الأعمار كافّة، وخالد الجندي يسانده كتفاً بكتف، من دون أن يهتمّ بالحكّام أو الأثرياء الجدد، ولكلّ مقولة ملبس ومزاج، والشيلان عديدة الألوان موجودة في الدواليب بعدد وافر، والحمد لله! وخاصّة عائلة الأخضر والبنفسجي على أكتاف الشيخ علي جمعة، فهل من تيسير، بعد ذلك، ودول بالقرب منا لا تجد حتّى ثمن الدّخان، وعلى الجميع أن يحمد الله.

الوطنيّة ملكنا ولا ينازعنا فيها أحد، فالمقتول ولدنا، ومن قتله نحن؛ الأحق بمحاسبته وفقاً لبرتوكولات معمول بها، والأمور كلّها عادية وتحدث في أكبر العائلات الدولية، وواحد من هنا وواحد من هناك، كما يقال دواليك، ولا حاجة لتقليب فطائر الدم على الناس، والناس لا تجد ثمن الدّخّان من الأصل، أما عدونا الخائن فهو الأولى بالمحاربة، حتّى وإن كان يسكن بهتيم أو الشيخ تلاتة.

الوطنيّة نحن؛ من نصب لها "عروق الخشب" في الميادين وساحات البلاد، ورسمنا على كلّ لوحة علم فلسطين وهو يُرفْرف، ونحن من لدينا أكبر علم وأكبر سارية علم وأكبر مسيرة ذاهبة إلى الصحراء لزراعة القمح، ولا أحد يزايد علينا في مثل هذه الأمور، أبداً، لأنّ هذه ملاعبنا من آلاف السنين.

نرجوكم أغلقوا بلكونات الوطنيّة في هذه السنة على الأقلّ، كي ننتهي من باقي مشاريعنا المُلحّة ونعبر بسلام إلى الشاطئ الآمن من ركب التقدّم، ونشتري كفايتنا من الشعير والذرة، والأسلحة أيضاً، فالوطنية كنّا "نداعب" بها الدولة الدينية التي اختطفتنا، أما نحن الآن فدولتنا، تلك، هي دينية ووطنيّة، وأيضاً، مدنيّة حتّى النُخاع، وناصرية، أيضاً، بـ"الميراث"، وساداتية بـ"البركة"، واشتراكية حتّى النُخاع، ورأسمالية، وفرعونية، وقبطية، وأزهرية، وكنسيّة، وصوفيّة، أيضاً، فلدينا كلّ طعوم الوطنيّة، ولا حاجة لنا إلى أيّ برلمان من برلمانات العالم أجمع، ولا إلبِ أيّ تماحكات حقوق الإنسان، فنحن نبني القصور بيدٍ ونزرع القمح بأخرى، ونستورد الأسلحة في الحاويات، ونحيّي العلم حتّى في المستشفيات، والعصافير في كلّ بلد تموت، والجنودُ أيضاً، وفي كلّ بلد تغرق العوامات وتهدم الجسور وتفتح المزلقانات لأيّ سبب، والقطارات وحوادث الطرق تحصد أرواح الملايين، وقد سقطت طائرة الرئيس الإيراني في غابة صغيرة، فدعونا نوفّر ثمن الرغيف والدّخان للفقير، ونحن في أيام امتحانات الثانوية أيضاً، والطلّاب يلزمهم كثير من الهدوء لصفاء الذهن.

السبت، 23 سبتمبر 2023

الإنسان... ذلك المسكين فوق ظهر الأرض

 الإنسان... ذلك المسكين فوق ظهر الأرض

عبد الحكيم حيدر

تبجّح الساسة بقوة مساكنهم وحججهم ومدافعهم وصواريخهم ومواقفهم التي لا تلين أبدا، وغرورهم، من داخل طائراتهم التي لم تُسدّد ديونها المتراكمة، أو من داخل قواعدهم الحربية، وأقفال أحزابهم العامرة بقلةٍ معروفةٍ من المنتفعين، سواء بطرابيشهم أو بناطيلهم، وخارج بوابات أحزابهم ترى المصفحات والطبنجات، والموانئ هناك مكدّسة بالقمح ومحطّات الدفاع الجوي، حيث لا عصافير ولا يمام، إلا في الأفلام الوثائقية فقط بجوار مسوّدات مشاريعهم الإقليمية التي لم تنفذ أبدا إلا ضد ضعفاء شعوبهم، ذلك كله أمام انهيار سدودهم التي يكلف الواحد منها كصيانة مقدار ثمن نصف دبابة أو صاروخ أو جناح طائرة رافال أو مقاتلة يتم تخزينها فوق الرمال، وتتدارى حياءً من الشمس والحسد، لأن هناك ذلك المواطن الذي ليس له من سعر في أجنداتهم، طالما النفط يخرُج من جحوره والدبابات تُشترى والأسلحة مكدّسة في المخازن وصناديق الذخيرة عامرة.

ذلك الإنسان الذي تراه وقد انهار بالآلاف موتا أو فقدا أو غرقا أو تحت الركام المنهار والمنازل القديمة المتداعية من سنوات لا يُعرف عددها، هل لأن الخطّة الخمسية لم تلحقه هو، وقد تصيب أحفاده أو أحفاد أحفاده في القريب العاجل، حفاظا بالطبع على أمنه القومي، أو أمنه الداخلي الذى هو أغلى من كل ذهب الأرض وبنوك العالم، ذلك الإنسان المسكين الذي يُرى منهارا وباكيا أمام السيول في درنة أو غير درنة أو زلزال الحوز في المغرب، سواء كان ذلك الإنسان جنرالا يُشار له بالبنان يوما من فوق دبابته، أو وهو يدرس بلندن أو روما، وكبر في قصره المنيف بعدما اشترى طقم أسنانه من سويسرا وصبغة شعره السوداء كي يتخطّى آثار سنواته الماضيات، فجرفت السيول معها كل صوره ونياشينه إلى عمق البحر، فهل ذلك كله يقنع البقية أمام بوابة الحزب بكراتينهم بأنهم أعدّوا الخطة الإعلامية جيدا للاستمرار في الحكم حتى آخر ساعة سويسرية أو آخر طقم أسنان محترم من قلب روما، ودحر الخصوم والاستعانة ولو حتي بهيفاء وموتوسيكلات سناء وسوسن وعباءات حمدية وكوافيراتها في إمبابة أو أم درمان لدخول الانتخابات التمهيدية والفوز بها عن بكرة أمها وخالها وعمّها بشفافيةٍ يحسدهم عليها طاقم المراسلين الأجانب الذي عمّر في مكانه نصف قرن، ويأكل أيضا ساندوتشات الفول والطعمية مثل جموع الناس.

ولا مانع أيضا من حضور اللاعب ميسّي كي يرى التجربة من فوق حشيش الملاعب أو من فوق قمة الهرم الأكبر، حتى وإن جاءت معه شبيهة الممثلة إليزابيث تايلور أو حفيدتها إن كان لها حفيدات، كي يتمتّع الوفد الزائر برقصة سرب الطائرات الرافال، قبل أن تدخل في إنتاج المسلسل الضخم الذي يعد لرمضان المقبل، وقد اشتركت في كتابة السيناريو له لجنة حيادية من الخبراء وحقوق الإنسان، ومعهم جبرائيل نفسه بموسوعاته البريطانية جدا، كي يصير الخصم ذليلا ويعرف قيمة نفسه في الشارع، وكي لا يجري ثانية بسيّارته أمام السيول في المدن الجديدة ويكتفي برفع العلم، فسوف تخجل السيول وترتدّ إلى منابعها الأولى بقدرة الله وفضله، لأنه معنا ويعرفنا حقّ المعرفة، وغير ذلك من كيد، فسوف يرتد إلى نحورهم، ولن يرهبنا أي سد آخر، ولو كان في حجم سد النهضة نفسه.

قلناها وقالتها الطبيعة نفسها في درنة، وليس بيدنا ولا حتى بيد عمرو، ولكن بيد الطبيعة، والطبيعة معنا وفي صالحنا والسنوات معنا والحقّ معنا والله معنا والمفاوضات عمرُها طويل جدا، وعلى المواطن الصبر والثقة التامة في قيادته وفي الكوارث أيضا. أما كل المزايدات فقد سمعناها مرارا منذ انطلاق المسيرة، ونحن نعمر ولا نخرب، علاوة على أن وزير الخارجية قبل انهيار السدود بيوم، وتلك لمحة عبقرية لن نكشف أسرارها الآن، قد طمأن الناس على ثبات حصّة مصر من مياه النيل، فهل هناك لغة غامضة ما بين السدود اكتشفتها خارجيتنا؟

نحن على كل حال نهتم بالإنسان في أزماته الداخلية وحقائب التلاميذ والزمزميات وصحة المواطن، ولكل حدث حديث، كما أن العرّافة موجودة هناك في المحطة الفضائية، واسألوها أو في الفندق الفلاني ومعها الودع، والطائرات على أهبة الاستعداد لرمي كوبونات الغسّالات والثلاجات والكراتين، ليس لأننا أمام استحقاق انتخابي، لا قدّر الله، ولكن لأن تلك الشفافية نعرضها للعالم وأمام عيون العالم ابتداء من المساعدات لأهالينا في درنة، مرورا بمفاوضات سدّ النهضة، حتى وقوف اللاعب ميسّي أمام هامة الهرم الأكبر.

الخميس، 9 يونيو 2022

النيل حينما يسكت

النيل حينما يسكت

عبد الحكيم حيدر

أن تجلس بجوار النيل وأنت لا تحب الساسة، وتعرف الهدف من كرة القدم، ولا تعرف جيداً من يسند من الخلف قيس سعيّد ويجعله بذلك الجبروت، وتعرف أيضاً أن كلام الساسة في المؤتمرات غير كلامهم في رفع الجنيه الجمركي "أول مؤتمر من تلك المؤتمرات كان عائد الاستثمارات فيه حوالى 200 مليار بالبنط العريض". 

ورحم الله سمير رجب وصحافة زمان بالبنط الأحمر، وهو القائل: "سياسة السيسي أصابت كورونا بالفزع وأجبرته على الرحيل". 

وذلك كله يحدُث وأنت تعرف جيداً أن الطبيعة الخضراء والغنّاء في مدن رجال الأعمال مساءً، وفقاً لإعلاناتهم، غير الطبيعة في تلك البلاد التي نعيش فيها، ونتجوّل فيها كل صباح ومساء وظهيرة أمام دكاكين باعة الطعمية والفول المدمس والكشري، وأن المناظر التي يفتح فيها الممثلون والممثلات المصريات شبابيك فيلاتهم، لأخذ اللقطة الإعلانية الجديدة، غير بيوت المساكين في بلادنا، التي تطفح أسفل حوائطها المجاري طول السنة، وأن النيل جميلٌ جداً أمام نوادي القضاء وشجر الورد هناك يسبح للماء الجاري، مع أن النيل نفسه يكاد يبكي من الإهمال أمام قرى معامل الطوب الأحمر في الجيزة وبني سويف ومطاي، وأن البنت التي تدفع مصاريف الجامعة الأميركية بالدولار، سواء من فلوس المخدّرات التي توزّعها أمام النوادي ليلاً، أو من بيع الأراضي التي أخذها السيد الوالد من الحكومة بقروش، غير البنت التي تتعلّم في الجامعات المصرية، كي تحصل على وظيفة متواضعة في التعليم، أو طبيبة تموت على الأسفلت في ميكروباص، بعدما باع والدها قيراطين من "التين الشوكي" تحت الجسر، كي تتعلم، رغم أنها من المتفوّقات على مستوى الجمهورية في الثانوية العامة.

وبينما الأولى تصير رئيسة لمجلس إدارة شركة بعد شهرين، أو ممثلة مشهورة، إن لم تكن صاحبة حظ، يشار إليها بالبنان، وتذهب مع الفريق القومي بالأمر المباشر إلى تونس والمغرب بالتيشيرت والعلم، و"كل برغوت على قدّ دمه"، وإن كان العطلان عن العمل من الشعب، فعليه حمل البيادة فوق أم رأسه، والرقص بها، وينسى تماماً موضوع الحساسية أمام الكاميرا، لأنه في مهمة وطنية حتى نحرّر البلاد من أنصار حسن البنا، وإن شعر بشيءٍ من الخجل أو الكسوف، فعليه العودة إلى صفوف الشعب في ميدان التحرير، ويترك رايته لآخر "وفين أيامك يا توفيق عكاشة وجماهيرك المليونية بجوار قبر الجندي المجهول؟". 

أما إن كان من أولاد مبارك، فلن يخاف على نفسه أبداً، لأن العيديات من الجدّ والجدّة ستحوله إلى ملياردير في بنوك سويسرا، وليس عليه سوى حمل المصحف والظهور بمظهر أهل الدين، ويضرب كل آن "بوست"، لإبراهيم عيسى، من تحت الحملات، كي تعتدل موازين الملك في طول البلاد وعرضها.

أما لو أحبّ عبد الحليم قنديل أن يتكلم في الديمقراطية وتحرير فلسطين شبراً شبراً، فما عليه سوى قناة إكسترا، ولا بد أن يجهز كيلتين من الشتائم لحسن البنا وأحفاده، ولا ينسى أبداً الـ500 جنيه من المخابرات البريطانية "التي لهفها الإخوان"، وهي التميمة المادّية الخطيرة التي ابتنى بها الإخوان أساطيل من الذهب في جزر البهاما وغيرها من الجزر المتناثرة في المحيطات، بشرط ألا يقترب من مياه النيل لا من قريب، ولا من بعيد، لأن أبي أحمد سيسلسل بالحديد قريباً من مقرّ الحكومة بأديس بابا، وقد يصير فرجةً للعامة في سوق الجمعة بالإمام الشافعي، وعلى الدعاة والأئمة ووزارة الأوقاف أن يقوموا بواجبهم الشرعي في عدم التفريط بنقطةٍ واحدةٍ من الثروة المائية، حتى وإن اضطرّ فضيلة الشيخ خالد الجندي إلى أن ينسخ لنا عدد الأحاديث والأحداث التي استغنى فيها الصحابة عن الماء الجاري في القنوات وفضلوا، احتراما للظرف الطارئ، التيمم على الوضوء، وفي جعبة الشيخ علي جمعة استشهادات كثيرة على ذلك. 

أما لو أراد لئيم أن يتأمل النيل ليلاً، فعليه أن يتأمل القناطر الخيرية وقناطر إسنا، ويرى المراكب وهي راكنة على شواطئ المحروسة محملةً بالجميلات والعملات من كل قطر أجنبي، علاوة على التفافهم بأعلام مصر حتى في غرف نومهم، وإن لم يكفه ذلك، فعليه أن يذهب إلى العوينات ويحدّق في ملايين الأفدنة من مزارع القمح، التي من خططنا المؤكّدة، خلال سنوات قليلة، أن نصدّر إلى أوكرانيا الفائض بعدما امتلأت الصوامع كما ذكر أحمد موسى من أسبوع. المهم أن يصلّي على الحبيب المصطفى وهو يتأمل ملايين الأفدنة من القمح، من أجل أن يطيب قلبه على رأي المرحوم الشيخ عبد الحميد كشك.

الخميس، 28 أبريل 2022

المحاسبة على مشاريب قديمة

 المحاسبة على مشاريب قديمة

عبد الحكيم حيدر

حينما كان يحلو صفاء الضحك في مقهى مع الخطّاط الراحل حامد العويضي، ويطيب السمر، وتدخل أطراف الحكايات في أمر "الناس المشاكل" بعدما سمعنا أنّ رجلاً صعيدياً كان مبسوطاً في مطعم "الخمس قطط" قد شقّ بخاتمه صدغ شاعر، حينما رمى الكلام عليهم غامزاً، بأنّهم من حلاليف المقاولين، سكت الصعيدي وضحك، وقال له: "أحنا في ليلة سعيدة وبلاش الغلط يا رجّالة"، إلّا أنّ الشاعر زاد انبساطه فرقص وهزّ مؤخرته في مقابل "ترابيزة الصعيدي" فضحك الصعيدي ورمى "النقوط" أدباً لقعدة الشاعر المبسوط، وقال له: "أحنا في أيام حلوة وما ينفعش نعكّر على الناس الفرحة" ولمّ العباءة حول نفسه، وأرسل أيضاً باقةً من الورد للناس الطيبة، إلّا أنّ الشاعر، كما قيل، أحبّ أن يجعل الليلة كلها له، فنال عقابه في آخر الليل، قلت لحامد: "بس العقاب شوية صعب يا أبو صلاح" ضحك حامد وذكر لي حكاياتٍ عن "العيّال الصيّع"، الذين يشربون الشاي أو القهوة، ثم يفرّون من المقهى كاللصوص من دون دفع الحساب، وقد اعتبروا ذلك سكّة مبكرة من سكك الفتونة، رغم أنّ القهوجي البسيط الذي يراهم في تلك الحالة غالباً ما يضحك ويتسامر مع المقرّبين منه حتى آخر الليل في أمر هؤلاء الذين فرّوا من دفع الحساب، رغم أنّهم من مظهرهم يبدو عليهم أنّهم من أولاد الناس، ويصعب عليه حال الدنيا، بعدما تبدّلت الأحوال، وجاء بأمر شباب يفرّون جرياً من دفع الحساب، فيسمع الكلام كفيفٌ يلازم المقهى بزيّه الأزهري، ويقول للقهوجي: "المرّة الجاية إن مسكتهم نعلقهم في الفلكة في القهوة وأنا اللي أدّيهم الطريحة بنفسي" فيسكت القهوجي، ويقول: "ولا طريحة ولا يحزنون مش يمكن يكونوا مفلسين يا سيدنا". يضحك سيدنا ويأتي على ذكر فتىً من قديم الزمان كان اسمه "عكشة" ترك الأزهر صبياً، وكان قد تعوّد مثل هذه الأفعال في المقاهي، والآن صار ابن طريقة، وعمامته في حجم بلاصين، وقد صار شيخاً كما قيل بعدما أخذ، علقة موت، عندما ضُبط في مقهى بالإمام الشافعي.

يضحك حامد قائلاً: "يا حكيم، أنت زعلان دي مشاريب قديمة العيال دي هاربة من دفعها زي عكشة كده؟". 

يأخذنا السمر بعد ذلك مع حامد العويضي الحكّاء إلى بواكي شارع محمد على، وإلى صنايعية الأفراح والعيدان، وأنه كان يسكن في بيت قديم بالسيدة زينب من بابه، يصول حامد العويضي ويجول في ليل القاهرة أيام كانت هادئةً من السيدة زينب، وهو طالب هندسة في أواسط السبعينيات، حتى يصل بنا إلى "لوكاندات" سيدنا الحسين. 

يحكي حامد عن قيمة العمل وشرفه، وكيف كان يسهر في ورشةٍ كي يكتب كلمات الميداليات: "أنت عمري"، و"يا مسهرني"، وكيف أشترى في ليلة عيد خروفاً في السيدة زينب، من أجل الأقارب الصعايدة، حينما امتلأ البيت بهم في موسم عيد، وكيف أرسل إليه صاحب محل عطارة "مخلصان حق" شوالين من البهارت الحرّاقة، بعدما كتب له إعلاناً جميلاً ما زال يضيء بجوار سيدنا الحسين بالكهارب، فشال الصعايدة البهارات إلى قراهم، وظلّ هو يضحك كلما مرّ سنوات على الدكّان بعدما مات صاحبه.

يحكي حامد عن قيمة العمل وعن النحل وعن العسل، وعن الشغالات في "لوكاندات" سيدنا الحسين، وكيف يكافحن لتربية بناتهن وأولادهن بعد موت الزوج، ولا تستطيع أن تكلّمها بكلمة سوء أبداً، ويحكي عن الشعر حينما لا يصدّقه، والغريب أنّ الكذبة يكتبونه بهمة عكشة نفسها، وهروبه من دفع المشاريب، حتى صار بعضهم أقرب إلى اللصوص. يتكلم حامد العويضي عن الأثر الروحي للكتابة، ويقول تلك هي خارج الصنعة والبهلوانية واختراق "التابو" وهذا الكلام الهلس وخارج حتى العروض، لكنّ الكتابة تسبيحات من الروح بكلمات، ليست هائمة في الفراغ أو العدم، وإذا بالشيخ أحمد برين يدخل الحكاية، حكاية حامد العويضي، فيقول لي حامد: "تعرف، يا حكيم، أنا بحب الشيخ أحمد ليه؟ مش لأنّه منشد، ولا كفيف، ولا صوته حزين، ولا حاجة من ده كله، أنا بيدهشني فيه الشاعر النائم داخله، ولا يستيقظ بشكل فطري إلّا مع صهللة السامر والإنشاد، هذا ما يدهشني، كيف يدخل إلى جوهر الشعر من دون أن يقصد ذلك وبكلّ أريحية وبساطة"، ثم يضحك حامد ويقول: "ينقصنا الكثير حتى نفرح بالشعر" ويشير إلى القهوجي وهو يضحك كي يدفع الحساب، وإلّا فسنهرب مثل عكشة.

الثلاثاء، 5 أبريل 2022

تعاسة من يبدأ الناس بالأذى

 تعاسة من يبدأ الناس بالأذى
 

عبد الحكيم حيدر

كل التعساء هكذا. هم من بدأ العالم بالأذى، ابتداءً من قابيل وهابيل، مروراً بهذه القرون الغابرات حتى هذا الأسبوع الذي نشاهد أحداثه المؤسفة بأم أعيننا في عالمٍ ظننا وهماً أننا وصلنا فيه إلى قمة التحضر والشفافية والإنسانية وحقوق الإنسان والحيوان أيضاً، وإذا بنا نرى النار وقد خرجت من قمقم الأذى، معلنة في شكلٍ يمثل قمة البجاحة، حتى في معالجة الأذى أو الحوار فيه مع الآخر المصاب، حتى بعد حدوثه بالتحاور أو المفاوضات. 

وإذا بمصنع الأذى وطابخه يعلن في بجاحةٍ نادرة تحتاج من علماء النفس جميعاً إلى تفسيرٍ حول شخصية قائلها، وما وصلت به ذاته التي تقول: "لن نتحاور إلا بعد الموافقة على كامل شروطنا".

تأملت هذه العبارة وضحكت، وقلت لذاتي أيضاً: "وما فائدة الحوار أصلاً، أو الغاية منه، طالما أنت في كامل تمسّكك بكامل شروطك، وماذا سيستفيد الآخر، ركوب الطائرة مثلاً وشرب الشاي؟". هل وصل بوتين إلى كامل قراره بتجريب الأذى حتى آخر المشوار، مهما طالت الحرب ودفع في كل يوم الثمن من اللحم الحيّ لاقتصاده ودولته، وقد أتمّ التخطيط لذلك مسبقاً، بشكل مدروس، رغماً عن العالم وفي مواجهته، أم أن الشخصية التي تجرّب الأذى، طوال عمرها لن تستطيع أن تنطق أو تسلك أو تعيش، إلا بإتمام الأذى حتى آخر الشوط، مهما كانت التكلفة قاسية وموحشة؟ أم أن الشخصية التي اعتادت الأذى فأدمنته سياسياً أو عسكرياً، أذى لنفسها وللعالم، هي هكذا في لحظات الخطر الذي تراه جيداً، تتماسك وتناطح في ضعفها، والعالم مهما كانت التكلفة، فتظهر للعالم هكذا في كامل قسوتها وحرفيتها في إدارة صراع الخراب، ومتنقلةً في غابة الموت بكل الطرق والصور والأشكال، متنقلةً من شكلٍ إلى آخر، كي تضمن الذات كل الحيل المحببة حتى خارج صندوق الذات للشخصية نفسها (لاحظ صور بوتين وسط حسان روسيا من الشابات صغيرات السن). هي رسالة لا تقول الحياة أبداً، لأنه يقتلها في بلاد جارةٍ هناك، ولكن الصور تقول ارتباك الشخصية بوضوح، حتى وإن سعى صاحبها ناحية جمال الحياة المتمثل بوجوده وسط حسناوات روسيات يمثلن الأمل في الحياة، إلا أنه يقتل الحياة هناك، وتلك معضلةٌ تحتاج إلى تفسير أيضاً داخل شخصية مصدر الأذى ومنتِجه في العالم.

محاولة إيجاد صورة أخرى للعالم عن الذات أو الشخصية، صورة تعلن شخصيةً أخرى، هل تلك مراوغة أم رسالةٌ لتبديل التوجه وفتح صفحة جديدة في الصراع من وراء بابٍ موارب، الشخصية الدموية تقدّم كل تجلياتها ومرادها للمشهد، كي يصدّق العالم نبل المقصد وحلاوة الآتي. "ما قصدنا أن نؤذي أوكرانيا أبداً". 

هكذا يدخل حصة التعبير المدرسي، كي يخفّف من جلافة القسوة، كي يقدّم شهادة مخاتلة على نبل مقصد الحرب، أو نبل مقصد الأذى، محاولة للخروج بكامل دسم الكذب، لأن الطائرات ما زالت تقصف هناك، ولكن صاحب الأذى يخفّف الدماء بجمال المشهد، وخصوصاً عيون الحسان، حينما تقترب منها الكاميرا، وترسم البنات على شفاههن السرور، والهيبة أيضاً. ولعلّ تلك رسالة أخرى من خلال هذه المشاهد التي يحاول صاحب الأذى أن يخفّف بها من آلام المشهد، ومن آلام مدينةٍ تهدم على رجاله وبناتها في أقرب جارةٍ له، بها خليط دماء وأنساب وعلاقات وتاريخ وعقيدة أيضاً، تلك معضلةٌ تحتاج، هي الأخرى، إلى مزيد من التفسير لتلك الشخصية، ومن خيبة ذلك المشهد شبه المصنوع وسذاجته في محو عار الدماء والقتل. نحن أمام مراوغة لا تصدّق أبداً، ومفضوحة أيضاً، كمشاهد الدعاية والإعلان عن الورد والياسمين والفيلات السعيدة بالموسيقى "في مسلسلات الشرق السعيد"، بعد زراعة القنابل في الميادين، مهما كانت استيكة البروباغاندا وجمال البنات والفيلات والقصور وحرفية المسلسلات السعيدة.

زراعة الصور المربكة في المشهد محاولة شرقية جداً وقديمة أيضاً، محاولة زراعة الورد حول القصور الجمهورية بجوار المدافع المنصوبة، محاولة احتضان أطفال مرضى في مستشفيات معقّمة بعد طحن سيناء بالدبابات كما يحدُث في بلادنا، أو توزيع الكرّاسات على أطفال الحضانات بعد طحن الجماجم في "رابعة"، أو محاولة إلباس أطفال أبناء الضباط ملابس الضباط بعد أي مقتلة، كلها جهود شرقية لمحو العار بأي شكل. 

المهم أن يأخذ خالق الأذى وصانعه، قبلة المشهد أمام الكاميرا، كلها مشاهد مصنوعة لتبرير الدم، أو احتلال الجار، أو خراب البلدان، كي تظلّ الشخصية ابنة الساعة والأمل والحياة أيضاً، مهما كان ثمن القتل هناك.

الأربعاء، 30 مارس 2022

القاهرة في أيام سعاداتنا الأولى

القاهرة في أيام سعاداتنا الأولى

عبد الحكيم حيدر

كانت "حنونةً" علينا في اللقاء، وكأنّها قرانا وقد فرشت لنا سبائط النخيل والحصر والأعراس في ميادينها ومقاهيها، وكنا نحن على قدر استحمال لوْعتها وقسوتها على الغرباء، وكم كانت رحيمةً بنا، بالناس والأصدقاء والغرف الضيقة التي كانت تتسع لنا وكأنّها "منادرنا"، رغم حيّزها الضيق، وضيق حتى الشوارع في أطرافها التي نمت فجأة، غربها وشرقها وشمالها وجنوبها، حتى سطوح عماراتها كانت مرحبة بنا، رغم استغراب سكّانها القدماء قدومنا أو خروجنا ضاحكين، نحن الغرباء عنهم، وفي أيدينا بعض الكتب، ونتشاكس في كلام غريب عنهم، بعدما باتت الدنيا للناس جميعاً هي المأكل والملبس والجنيه والسفر إلى الخارج، وماركات السيارات والبناء والتعمير وإعلانات القيشاني والمطابخ والحمّامات. 

كنّا كمن جاء إليهم من هناك، وبكلام من هناك، وقد صاحبنا الكتب والضحكات وبعض الصخب ليلاً، وكان هذا أكثر ما يضايقهم منا.

كنا قد كبرنا بلا زواج، ولا شقق. وبعضنا دخل في زيجات وانتهت بالفشل مع الإصرار على تكرار المحاولة بالفشل السابق نفسه وتكراره. ذلك كله مع نفورنا من الأحزاب ورجال السياسة بعدما ضاقت الهوّة كثيراً ما بينهم وبين السلطة، وتطوّعت السلطة بتعيين فتيات تلك الأحزاب في جرائد الدولة المتخصصة وقنواتها، والقنوات الفضائية، مخرجين ومعدّين ومصورين، فغابوا عنا في وضعهم الجديد، بعدما صرنا أغياراً في الملبس والسكن والهيئة وانتقاء الأصحاب وأماكن السهر. 

قسمونا إلى فئتين، وفئة ثالثة اختارت الخارج طوعاً، وصاروا كنواة لمترجمين أو دكاترة للأدب في الغرب، وصنعوا حواجزهم أيضاً مع القاهرة، وصاروا أقرب إلى التهكّم عليها كمستشرقين منا استوطنوا الغرب معيشة وكتابة وصمتاً أيضاً، أو حياداً لا ينمّ عن أنهم كانوا هنا معنا .. 

غريب ما تفعله القاهرة بالناس، محبةً كانت أم قاسية. والأغرب منها هم الناس حينما تختبرهم الأيام. 

كنا نمشي في القاهرة وكأنّنا نطير، ونتعارك وكأنّنا نهوّن عن أنفسنا الضجر أو لؤم الأحلام التي كانت عصيّة، ونفرح وكأنّها مدينتنا وحدنا من دون سائر أصحابها، ونسهر وكأنّنا أصحاب مغانم أثقل من جبل المقطّم، كنّا نصعد جبال رقّة الحال وكأننا أغنياء.

كانت بنوكنا عامرة بالصبر وفارغة من المال، والميادين تتّسع لضحكاتنا وكأنّنا أحفاد أثرياء قدماء. كانت القاهرة تعطينا كلّ شيء تقريباً: الكسرة والحب والقلق والصبر والكتابة، ولم يكن معنا أيّ شيءٍ كي نخسره، إلّا كرامتنا، وتلك كنا متشبثين بها إلى غاية أكبر مدى، بل ونربطها بجوارنا فوق كراسي المقاهي الفقيرة وأماكن أعمالنا البسيطة التي كانت شبه طاردةٍ لنا، ولولا الصبر على عيالنا وخوفنا عليهم لكنا تركناها.

كانت القاهرة وحدها هي المدينة التي تطبطب علينا بعد كلّ يوم طويل من الخسائر، إلّا الكتابة وحدها هي التي كانت تجود، وتلك غرابة أخرى ليس مكانها هنا. 

كنا نجري وراء أوهامنا سعداء بخطواتنا القليلة نحو أمجادنا البسيطة التي نحلم بها في المقاهي. كنا نحسّ أنّ القاهرة تعرفنا أكثر من سكّانها وأصحابها وملّاك أبراجها العالية وبنوكها ومكاتب صرافاتها والأثرياء هناك.

كنا سعداء بشيءٍ غامض ما فيها، شيء كأنه الكتابة، بل أكبر من الكتابة، شيء كأنّه الحلم، لكنّه حلم ممسوكٌ ويمشي معنا في الشوارع المليئة باليافطات في مواسم الانتخابات التي لم نكن نتابعها أو نهتم بها أو نراها أصلا، كالأحزاب التي كانت دائماً متكوّرة في حياء خلف عجيزة السلطة، أو رديفة لها، في خجل ولؤم معاً وبجاحة كذلك، ونمرّ على الحروب التي تحدُث، وكأننا نمرّ على تمثيلياتٍ تلفزيونيةٍ بشكلٍ ما، تمثيلياتٍ يقودها الملوك والرؤساء.

كنا سعداء في القاهرة بشيءٍ غامض نلمسه أو نمسكه أحياناً، أو يلمسنا ويمسكنا من دون أن ننتبه لأهميتنا .. هل بعدت القاهرة عن القاهرة نفسها، هل اختلفت، هل ضحكت علينا بأوهامنا عنها، هل خدعتنا؟ هي فقط فطمتنا منها، ولم تترك لنا، للأمانة، أيّ جراح منها، سواء ما تعمّدنا نحن أن نُحدِثه في جلودنا أو ترسّب داخلنا من دون أن نشعر بألمه.

كنا ننسى ونتناسى، فيداري كلّ نسيان ما سبقه من نسيان، ونمشي فيها إلى الأمام من دون أن ننتبه أو نلتفت حولنا حتى وصلنا إلى الستين، وتركناها خلف ظهورنا إلى قرانا، فهل خنّاها وهي في ضعفها؟ خصوصاً بعدما كثرت الكاميرات في كلّ مقاهيها وميادينها وأزقتها وتركناها، وعدنا إلى قرانا نتأمل الحمام بعدما هدموا أيضاً أبراج الحمام في قرانا أيضاً، وارتفعت الأبراج الخرسانية مكان النخيل وغيطان العنب ورحل أصدقاء الشباب أو كثرت عليهم أحزانهم أكثر منا بكثير.

الأربعاء، 16 فبراير 2022

البحث عن شعبٍ يليق بمقام الضباط

 البحث عن شعبٍ يليق بمقام الضباط

عبد الحكيم حيدر

شعبٌ مرفوع الرأس، ويضع فوق رأسه فخراً بيادة، ويليق به أن يُصلّى على رموز أمواته في مسجد المشير، كي يرضى عنه الله والوطن، ولا يكون من أهل الشر، شعبٌ لا يعرف الجان ولا العفاريت ولا خنق القطط السوداء ولا يعذّب الكلاب، ولا يضرب أصحاب الاحتياجات الخاصة في قلب الشوارع، شعبٌ مهذّبٌ يليق بحكّامه، ولا يعرف التسول أبداً ولا يكشف عورات احتياجاته أمام الأجانب أو وكالات الأنباء العالمية، ولا حتى مدامع ظلمه حتى في أقسام الشرطة، هكذا يجب أن يكون أحفاد عرابي، وسامي البارودي، وسعد وناصر.

شعبٌ يستمتع فقط بمشاهدة مباريات كرة القدم في المنازل في كامل الأدب، ويبوس أصابع يديه ورجليه حمداً، لأنّنا وفرنا الكاميرات، وكانوا سوف يسرقونها في "الأسمرات" مع موبايل اللاعب والمذيع خالد الغندور، لولا يقظة الأمن، فجاء تلفون اللاعب خالد الغندور في ساعتين، وما زلنا نذيع المباريات. وتأملوا حال الأخوة حولنا في تونس وسورية وليبيا والسودان وغيرهم كي تعرفوا الفارق، علاوة بالطبع على جهودنا في ضبط وإحكام "كاميرات الفار" التي لا تفوّت صغيرة ولا كبيرة في الملعب.

شعبٌ يسمع كلام المذيعين مساء، خصوصاً اجتهادات أحمد موسى وإبراهيم عيسى، بعد تشفيتها من الدهون والإطنابات المملة في متشابهات الألفاظ نكاية في اللغة والوقت والعدّاد وبهاء طلته أمام الكاميرا. ولا تُنسى أبداً ريبورتاجات حمدي رزق المهمة، خصوصاً من خطوط إنتاج الفراولة والمانغو والبطاطس والطرق الممهدة التي تشبه الحرير. ولا يَنسى أبداً أن يأخذ بقية بركاته من خفة دم ورشاقة مواضيع الساعة من كاميرات عمرو أديب، لأنّها هي الساخنة والمفضلة في الشتاء.

شعب يتبرّع لنظامه في أسبوع واحد بمبلغ 68 مليار جنيه "منعرفش جابها من تحت أيّ بلاطة" مع العلم أنّنا فقراء جدّاً جدّاً جدّاً، لكنّ ذلك كلّه يهون أمام رفع الروح المعنوية للشعب. فقط لا نريد منه أيّ شيء بعد ذلك سوى أن يصبّح على حبيبته مصر بمكالمة بجنيه، أو يترك لها "الفكّة".

شعبٌ ملأنا له الشوارع والمدارس والجامعات بنوعية "تعليم عالى الجودة" تحسدُنا عليه السويد وسويسرا ولقاحات ومتنزهات وشواطئ بحار مفتوحة للجميع في شرم الشيخ ودهب والساحل الشمالي، وكبائن الإسكندرية المعروفة، بجنيهات بسيطة للنخبة، ويشهد على ذلك عدلي منصور والممثلة شمس البارودي التي قالت للرئيس: "إلّا الكباين يا ريّس" فترك لنا الكباين كما هي، ونرى منها المراكب والسفائن العائمة وأسماك البحر والنجوم والقمر، وسوف تعود شمس نفسها إلى التمثيل لو وجدنا لها سيناريو يليق بذلك العطاء.

شعبٌ يليق بأحمس وطريق الكباش والمتحف الكبير وأكبر مسجد وأكبر كنيسة وأطول علم، شعبٌ يأخذنا من ضيق أفق المشايخ والثورة ويناير والتشنجات، إلى نجوم "حمّالات إبراهيم عيسى" وفلسفات إسلام بحيري "الما بعد حداثية" وتفوّقت على تنظيرات رولان بارت ابن الفرنسية نفسه، شعب كريم معنا بالفؤاد، ويكون معنا وأمامنا في الحرب وخلفنا في السلم، ولا يتساءل عن أمر النيل أو المياه أو منسوبها ولا عطش الأرض، لأنّ الحسبة كلّها في يد الله لا في يد منسوب النيل أو أطماع الحبشة، حتى وإن كانت مشروعة، فنحن أهل إنصاف وعدل وحياء من قديم الزمان، والزمان نفسه يعرف وشاهد، والكتب تقول.

شعبٌ لا يسأل أبداً عن ديون مصر الداخلية أو الخارجية، فالداخلية من خير بنوكنا، وبنوكنا شهرتها عالمية، أما الخارجية فسنداتنا تكفي خير قارّتين، ويكفي الذهب المركون بآلاف الأطنان في باطن منجم السكري، ويكفي الغاز الذي تتعطش إليه أوروبا، لقرنين، كما يقول الخبراء. أما دكتور فاروق الباز، وهو عالم الفضاء، فقد رأى من كبسولاته الفضائية أنّها تكفي أوروبا خمسة قرون، والبحر المتوسط كلّه لنا والأحمر لنا وتيران وصنافير حتى خيرها لنا. أما عن الرمل والحلفاء والزلط، والقواقع الفارغة وأشجار الشوك، فالشعوب الكريمة لا تذكرها أبداً، خصوصاً ما بين الأخوة الذين وقفوا معنا في مواجهة قنابل ودبابات ومدافع أهل الشر... وإن كان الشعب هذا الكريم يريد أن "نطلّع له أهل الشر من السجون؟" فأهلاً وسهلاً، لكن تحمّلوا النتائج.

نريد بحق شعباً لا يستخف دمه، أمام الأمور الجليلة التي نخوض غمارها في المنطقة أمام أطماع اسرائيل وخونة الخارج والداخل أيضاً، نريد شعباً خلفنا في الملمّات بعدما كثرت، واضطرب المناخ، ونحن قادة نعرف الله منذ نعومة أظافرنا، ونقدّم أرواحنا سخية، ويدنا دائماً على الزناد.

الأربعاء، 17 نوفمبر 2021

مواسم الخرباوي وهواجسه الليلية

مواسم الخرباوي وهواجسه الليلية

عبد الحكيم حيدر

لثروت الخرباوي خروجاتٌ محسوبة، أو مزعومة، في كل مصيبةٍ تحدُث على أرض الواقع أو في خياله أو في معمله التاريخي الكيمائي المليء بالأكاسيد، كثاني أوكسيد المنغنيز والكربون. 

ولكل مصيبة للخرباوي، نصيب من التعليق وصبّ البنزين والسولار والقار المولوتوف قدر ما يستطيع على أي حدثٍ كان، وذلك ابتداء من كرة القدم ومحمد أبو تريكة حتى أسراب النمل التي نخرت عصاة النبي سليمان، وأن من غير المستبعد أن تكون أسراب النمل التي فعلت ذلك بالنبي سليمان، كتحريض وخطة محكمة من "إخوان اليمن"، في فجر التاريخ.

يمتلك الرجل خيالا خصبا، وقد أضاع على نفسه فرصةً كي ينافس ماركيز، فهو مثلا يرى من سنوات أن "الإخوان" هم من اغتال السيدة الراحلة المطربة، أسمهان، وكأنهم كانوا أصلا من جبل الدروز، وبينهم وبين عائلة أسمهان "تار بايت"، أو كانوا يجهزون مثلا فتاة من فتياتهم لأخذ مكانتها في دنيا الطرب. 

دائما يكون خصمه هم "الإخوان"، حتى وإن كان ذلك هو لاعب كرة قدم يشهد له الجميع بالخلق والأدب داخل الملاعب وخارجها وابن أناس بسطاء يعملون "بالطوب"، في قرية فقيرة ببولاق الدكرور، وليس له أحد سافر إلى جزر البهاما، ولا له أخوال كان لهم زعامة في "الإخوان"، مثل محمد أبو تريكة، وكأن الرجل يعادي أي اعتدالٍ في أي شخص له صلاح في الدنيا، وهذه تستحقّ وحدها العلاج.

عند الرجل ما زال أبو العلا ماضي وعبد المنعم أبو الفتوح وغيرهما "إخوان"، على الرغم من أنه كان لكل منهما حزب بخلفية إسلامية، وأنا نفسي أعطيت صوتي لعبد المنعم أبو الفتوح قبل الإعادة، وإن كنت ندمت بعد ذلك في 30/ 6، فهل مثلا كان لـ"الإخوان" في الأوتار والألحان، كي يقتلوا أسمهان، وهل كنا نحن لا نرى وأبو الفتوح يخرج متقدّما حزبه في 30/ 6؟

الرجل أبدا لا يفكر بما رأيناه، ولكن فقط يتبع هواجسه فقط، بأي شكل وبأي أسلوب وبأي طريقة. 

ومن هواجس الخرباوي الليلية أيضا، والتي لا تعدّ ولا تُحصى، أن "هناك تنظيما سرّياً للإخوان في تونس"، وأن السيدة زينب الغزالي أخبرته في "ساعة صفا" أن "الإخوان" قاموا بتخطيط "19 اغتيالا" للرئيس الراحل جمال عبد الناصر، ولا أعرف لماذا توقف "الإخوان" عند الرقم 19 ولم يكملوا "العشرين" بالمرّة.

ومن مزحاته العالية أيضا أن "الإخوان" أنفقوا نصف مليار دولار لاستهداف الروح المعنوية المصرية. 

أما ما يشير إلى أن الخرباوي يلبس "طاقية الإخفاء، ويتجوّل حتى في أروقة السجون والزنازين" فهو قد أعلن أن خيرت الشاطر وحسن مالك "ضربوا بعض في السجن". وبالطبع، لم يقل عدد الغرز التي لحقت بوجهي الخصمين، وأن الدكتورة هالة زايد، شفاها الله وأخرجها من محنتها غانمة سالمة، جابت للإخوان "هسهس"، وأن دعاء عبد الفتاح السيسي لمصر في مواجهة كورونا أصاب "الإخوان" بآلام كثيرة.

أما مربط الفرس في كل ما "تهجّس"، به وألفه وتخيله ليلا، فهو القشّة التي قصمت ظهر البعير في معلومات الخرباوي ومصادرها له، فقد ذكر "بعضمة لسانه"، في اليوم السابع في 20 فبراير/ شباط 2019 أنه سلّم لعصام الأمير، رئيس الإذاعة والتلفزيون في حينه، قائمة لـ"ألفي إخواني في ماسبيرو". 

تأملت كلام الرجل واندهشت، فكيف لشخصٍ واحدٍ يعمل بالمحاماة ليل نهار ويسافر مع السلطة إلى روسيا الاتحادية، ويشتري من هناك "زنطا سيبيريا"، وكان الغرض من الزيارة تغيير مصادر السلاح ساعتها، ثم يعود ويرقد في استديوهات الفضائيات المصرية ليل نهار، كيف لرجلٍ يقوم بذلك كله، وفي الوقت نفسه، يقوم بمهمة جهازي مخابرات وأكثر، بأن يبحث في خلفيات "44 ألف موظف في ماسبيرو"، ويدرسهم وينقب عن نياتهم الأيديولوجية والفكرية، حتى يجهز لعصام الأمير كشفا بألفي إخواني في ماسبيرو؟ 

بالطبع، هذا جهد وطني خطير. وأزف إليه بشرى سارّة طالما هو يقوم بمثل تلك الأعمال الوطنية "على الآخر"، أن لاعبي الفريق القومي، يوم الجمعة الماضي، وفوق رقعة النجيل الأخصر داخل الملعب، قد صلوا صلاة العشاء "تما"، وكان يتقدّمهم بالطبع محمد النني، وبالطبع محمد صلاح، وهو يعرف أن محمد صلاح على علاقة طيبة بمحمد أبو تريكة، فلماذا لا يكون من فعل كل هذا الملعوب هو أبو تريكة

وبناء على ما تم ذكره، عليه أن ينبّه من الآن دكتور عماد جاد، ويقول له إن الأمر "لم يعد سجدة بعد كل هدف"، بل صار صلاة جماعية فوق النجيل الأخضر، وأمام كاميرات العالم كله. وبالتالي، عليه أن يكلم إبراهيم عيسي في الموضوع كله، بعد ما صار الأمر كارثيا وجللا.

الأربعاء، 10 نوفمبر 2021

ترقيع الثورات المضادّة وتطريزها

 ترقيع الثورات المضادّة وتطريزها


عبد الحكيم حيدر

مرّت سنواتٌ تقترب من ثمانٍ، تشابهت فيها الشعارات وتناسخت وتناسلت، من ليبيا إلى تونس إلى مصر إلى السودان إلى اليمن إلى سورية، نعيش جميعا في كوابيس متشابهة، ودساتير تكتب تحت السلاح، ثم تداس أو يتم تغييرها، وكلنا في انتظار حياةٍ مؤجّلة، ودساتير مؤجّلة وديمقراطية تم خنقها وثورات تم قتلها، كي تتم الموافقة جبرا على بدائل الثورة، بثورةٍ مضادّة، من صنعهم، من الألف إلى الياء، لأننا ما زلنا لا نعرف أسرار الحكم كما كنا نتصوّر كمدنيين، لأن نظرتنا قاصرة كما قالوا، والجيوش هي التي ترى أكثر.

سنوات ثمان، والأيام متشابهة، والآمال متوقفة، والأسلحة فقط لم ينم لها أي سوقٍ على الإطلاق، وعلى المواطنين انتظار النتائج، لأن الجنرال هو الذي يعرف أكثر ويرى أكثر، وله الحق أن "يحدث انقلابا تجريبيا"، من أسبوعين، كما فعل عبد الفتاح البرهان، ثم يؤكّده بالثاني بعد أكثر من أسبوع، بات للانقلابات صدر وعجيزة، وكله في الوقت المعلوم.

باتت الانقلابات العمل السياسي الوحيد والمتاح خلال هذه السنوات، وعلى المعترض الذهاب إلى البحر، أو يبحث له عن بلد آخر أو "يدينا عرض قفاه". على المواطن أن يتوجه إلى الصندوق كي يدلي بصوته، وصوتُه في يد أمينة، فقط نحن نغير الدستور ولا نظلم صوته، وإنْ لم يعجبنا الدستور أو "الوثيقة"، فالانقلاب جاهزٌ في الليل أو "في الدرج"، أشياء عجيبة تتم في عالمنا العربي والعالم من بعيد يشاهد ويضحك منتظرا كامل صيده "انقلاب أول قطفة وقطفة ثانية، وتعالوا نتفق على حل الأزمة"، ولا حل للأزمة، أي أزمة، سوى بالسمع والطاعة لكل ما يريده العسكر، ففي يد العسكر غلق موانئ بورتسودان متى شاءوا، ثم فتحها بلا عنت أيضا. وتلك هي السياسة المتاحة ليلا، وإن جاع الملايين في الخرطوم، وصارت الشوارع بلا خبز، أو أغلق البلطجية وعيال الشوارع الفنادق في مصر وهاجموا المقيمين، ثم يعود الهدوء، والبواخر تعود ولا ترى أطفال الشوارع، والبلطجية يتركون الميدان للجيش، ولا يبقى هناك سوى "ماسحي الأحذية" في فتحات المترو.

نعيش أياما متشابهة في الحيل واللف والدوران وأحكام القضاء وتحايلات المحامين والاعتقالات وسحب جوازات السفر من المعارضين وسحب الجنسيات، كما حدث للرئيس التونسي السابق منصف المرزوقي، وكما حدث في مصر وكما سيحدث في السودان أو ليبيا أو أي بلد عربي آخر. نحن أمام سيناريوهات متشابهة إلى حد كبير، وأحمد أبو الغيط يذهب بوفد للتهدئة، والوفد لا يقول أي جديد.

مسرحيات باردة متشابهة، وطبخات بايتة ويملك الطباخون التبجّح أمام الكاميرات بدسامة دستوريتها، وكلنا نتفرّج، وصاحب الدبابة يشغّل القاضي والإعلامي والحزب المغلق تحت اسم الوطن أو الأمة، مكيدة لسحب جواز السفر أو الجنسية من الخصوم، أو ضم أموالهم إلى خزينة الدولة أو سجنهم في سجون مليئة بالبط والحمام، ويغنّي لها المطربون بألحان جميلة تشبه "تسلم الأيادي"، والكل جالس ينتظر في بيته النهاية "الملحن وأستاذ الجامعة والكاتب والحزب والمفكر والمترجم والممثل والسينما والمسرح". كل الناس تنتظر رمضان ومسلسلاته، أو قوانين قيس سعيّد، أو تغيير الدستور في مصر كي يتماشى مع مستجدّات العصر، أو قرارات أقرّها البرهان وما زالت في الدرج، بعد ما "فركش" الشريك الدستوري المدني وأودع الوزراء في السجن، وكل يوم يخرج ما يشاء ويفاوض على تمام الاستسلام التام. والمجلس النيابي الليبي هناك يأخذ المشورة القانونية من مصر والجنرال حفتر معه السلاح وسيف الإسلام يتأهب للرئاسة، والبرهان يتكلم عن تجاوز الأزمة ولا يتجاوز "الباريه"، وقيس سعيّد هناك يلقى الخطب، بعد ما أمتلأ قصر قرطاج بالسلام والحمام وفصوص الحكم.

تفطن باريس لألاعيب البرهان فتهدّد بإعادة الديون على السودان. يلبس أبو الغيط البدلة ويذهب إلى البرهان، كي يذكره بالمخاطر "مخاطر الفلوس"، فالفلوس مهمة لشراء السلاح ومهمة كمرتبات ومكافآت للقضاء، فاذا بقيس سعيّد يكتشف "نفقا تحت السفارة الفرنسية"، كي يعدل ماكرون دماغه، ويرسل إليه المرزوقي في قفّة كما تهدّد مصر كل المعارضين في إسطنبول "هنجييبكم يعني هنجيبكم".

كابوس مسرحي نعيش فيه من سنوات، ولا أمل أو حتى بداية أمل، والعسكر يدهم على السلاح، لأنهم يرون أفضل، فما زلت تنقصنا التربية والعلم والمعرفة، وهذا لا يتأتى إلا لضابط يقرأ ذلك كله وهو في التاسعة من عمره إلى الآن، يعني "ستون سنة منه ضاعت في هذه الأمل"، وتأتي أنت كي تأخذه بثورة. طيب يا برنس سنصنع لك ثورات مضادّة على كل لون، وتحمل النتائج والمذابح، وعددها على أصابع يديك ورجليك، وإن لم تصل إلى العدد الكامل فاتصل بجورج قرداحي وصديقه.

الخميس، 4 نوفمبر 2021

بذكر المحبوب يعتدل سرب الحمام

 بذكر المحبوب يعتدل سرب الحمام

عبد الحكيم حيدر

ما الذي جعل لمجرّد ذكر اسم المحبوب، ولو لماماً، كل هذا الأثر الجميل في الروح والحديث وفتح أبواب الكلام إلى تلك الأماكن المركونة في غرفات الشجن الغامضة، فإذا بالبعيد يمتلك أطراف الحديث، وإذا بالنائم يصحو فجأةً من عثرات الكلام، وينقر طائرٌ في سلك شباك، فتحسّ أنه قد جاء مستمتعا بحرير الكلام.

ذكر السيرة، سيرة المحبوب أو اسمه، كتحايلٍ على الوقت، وتحايلٌ على قسوة النسيان، وللمحبوب حضورُه، حتى وإن كان خاطفا وحتى في حضرة العزول، يطوف المحبّ في الحكي، أو في حيّز المقهى، ويقف عند هالة الاسم، لاسم المحبوب هالة، "عفراء مثلا"، وكيف كانت أصابعها حينما لمت القمر في الكيس مع التمر ليلا، حينما كانت الجِمال تهمّ بالرحيل بعد التجارة في بادية العراق أو الشام أو نجد أو بئر بنات شعيب أو "موردة صغيرة"، كان يتم فيها غسل القمح فوق مياه شواطئ الترع، أيام كانت هناك مياه صافية وترع وموردة وبنات يخرجن في عزّ شمس الظهيرة لغسيل القمح، وسمك يغمز هناك بالسنانير. 

يظلّ الاسم، حتى وإن ذهب صاحب الاسم إلى حرب اليمن، أو تزوجت في بنغازي في أواخر الستينيات، وصار لها أولاد كبروا في السن، يظل الاسم كنجمةٍ جاءت ووضعت نفسها في الشباك، كي تغازل الذكرى مع صديق جاء كي يسلم ويرى الحمام، ويراك وفي يده عصاته بعدما كبر وصارت النظّارة صديقته لتكبير الكلمات، والنجمة هناك تحكي والاسم يأتي، فيضحك بهدوء أول مرّة، فتظهر الضحكة جزءا صغيرا من الروح التي طالها المشيب أيضا، ويطلب كبريتا كي يولع سيجارة، فتحضر له الكبريت وتطلّ حمامة، فيقول ضاحكا: "تعرف الحمام عفريت وأنت مربّي غرفتين عفاريت". 

يأتي الشاي ويزداد بهاء الاسم حضورا في الجلسة، فيسألك عما يتبقى في الاسم بعد ما يغادرك صاحبه؟، فلا أتعجّل الإجابة لأن السؤال كان مباغتا ومن شخصٍ عادة يمشي على ألمه لمصالحة من دون أن يقف أمام تلك المواضيع.

اندهشت أمام السؤال، وقلت له نشرب أولاً الشاي ونستمتع بذكرى الاسم، ولا أنت خايف من وجع الاسم؟ 

قال لي: "والله أنت الخايف"، ضحكت وجئت له ببسكويت العيد، فقال لي: "ياه يخرب بيتك أنت الليلة عاوز تموتني؟"، وحكى أن أمه حينما فكّرت بعمل البسكويت أول مرة، قالت لي هات ماكينة البسكويت من بيت فلان، فوقفت أمام العتبة حتى خرجت هي بالماكينة ملفوفة في قماشة، ضحك وقال: "عليّ الطلاق بالثلاتة ريحة القماشة ال كانت ملفوفة فيها ماكينة البسكويت لسّه في مناخيري، ده أنت ليلتك طين أنت وحمامك". اعتدل الكلام ورحنا معا "للموردة"، قال "يا عفريت، ما تنسنيش سؤالي"، قلت له "سنرجع وأنت ما تهربش من نسيم الموردة".

كان الحمام قد هدأ تماماً في الغرفتين، وسرب حمام هناك يحلّق قبل زوال النور من السطوح. قال: حينما سافرت إلى البصرة وعملت في محل للأدوات الكهربائية، كان صاحب المحل له ابنة اسمها وعود، كانت تحبّ الحمام، حكى لي ذلك والدها، والغريب أنني كنت أرى في عينيها حمامتين. فجأةً، قال لي والدها، إن وعود ستتزوّج من ابن خالتها خلال شهرين، فلم أعد أرى الحمامتين وحتى الاسم، إلا أنك حينما دعوتني، من يومين، كي نرى الحمام حلمت أمس بوعود، وهي تعود إلى المحل حزينة، وتسألني عن مكان والدها، لأن الأسرة باتت من شهور لا تعرف مكانه، فظللتُ مهموما، فلماذا تأخرت في الإجابة عن سؤالي يا عفريت؟ كي تجرجرني؟

قلت له لا والله، فأنا أحبّك تحكي، والإجابة قد تأتي في ساعةٍ أخرى ولا أنت عاوز تقطع المودّة؟ فسكت طويلا، وأنا سألته عن فلان كي أمدّ حبل الكلام، قال: "ما شفتوش من عشرين سنة بعد ما رجع من ليبيا ونص عياله هناك، وسمعت إنه بيتعالج بس مش كوّيس، بس أولاده حلوين وهو بيقعد بالعافية في المكتبة بعد الست مراته ما اتوفت من قريب، وحب يجوز والعيال زعله منه وخاصموه"، ثم أكمل: "عشان أنت مش عاوز تجاوبني، يا عفريت، على سؤالي، أنا هقوم أمشي وأسيبك بس ما تنساش تسأل عليّ، لأني أنا بشتاق عليك".


الخميس، 28 أكتوبر 2021

قيس سعيّد .. اسمعني أنا فقط أتكلم

 قيس سعيّد .. اسمعني أنا فقط أتكلم

عبد الحكيم حيدر

تخمة الكلام ووفرته، حتى وإن صار بلا معنى، أو بمعنى عفا عليه كليةً الزمان والكرسي والحكم وأدبيات السماع والإنصات ومحادثة الناس، ذلك كله يمثل قناعاً نفسياً للتغطية على الجرم الأصلي، وهو اختطاف الكرسي والانفراد به وتحويل الرعية، كل الرعية، إلى مجرّد أشباح تنتظر الفرمانات من دون أي سند من مصداقية. وما الكلام ووفرته من طرف واحد في حقيقته للأسف، طرف قيس بالطبع وحده، إلا محاولةٌ عبثية ومضحكة، لإسكات الخصوم وتحويلهم، جميعاً، إلى تلاميذ صغار في "كتّاب القرية"، وليس عليهم سوى الإنصات الجيد لما يقوله "سيدنا". بالطبع، يرى قيس نفسه جيداً بعد كلّ "خطبةٍ من فوق جبله" ويحسّ بأنّه كلما مرّت الأيام يزداد رسوخاً، إلّا أنّ الخارج الذي انتهى من هذه الحيل منذ قرون، يردّ عليه بسطرين فقط، كالاتحاد الأوروبي، بالأمس، وقراره بالأغلبية بعودة الحياة الديمقراطية إلى سابق عهدها، فيزداد "سيدنا" تهوّراً وترتعش جمله ويأخذُه لسانه إلى ما لا تُحمد عقباه، وتضيع منه البلاغة ويسيل قناع الشمع من التهتهة.

أناسٌ كانت كلماتهم قليلة أو قاموسية أو "هرتلة عامية مشفرة"، لزوم الزغزغة والإعلان عن وفرة قوة بدلالة اللفظ والحركة مثل "كده"، أو "ما حدّش يقدر ياكل لقمة العفي"، كلها حيلٌ لغويةٌ لأناسٍ ليس لهم في حبل الكلام، من مصداقية أمام الكاميرا، سوى زغزغة المشاعر، أمام فقر قاموس المصداقية وعدم نضج الرؤية في الحكم.

أناسٌ فجأة واجهتهم الكاميرا، فأحبّوها، وأكثرهم يعرف مسبقاً أنّ شرط الثبات والتحكّم أن يصمت الجميع بتاتاً في حضرته، وحتى وإن فتح نافذةً صغيرةً لبعض الكلام، يرد منفعلاً: "أصل أنتوا ما تعرفوش" أو: "لازم ال يتكلم يكون ملم بالموضوع أولا، وعارف هيعالج المشكلة كيف" أو حينما تبلغ الهرتلة قمّتها يقول: "ما تسمعوش حد غيري" كلها دعامات وأسانيد، للإخراس التام، كي يحلو له وحده الكلام، وينفرد ببهجة الحديث أمام الكاميرا، وعلى المحكومين الإنصات، وإلّا عليهم أن يتذكّروا ما كان: "رابعة والنهضة والحرس الجمهوري... إلخ" كي ينبّه من تسوّل له نفسه أنّ ثمن عدم الإنصات للحكم والدرر واتباع النهج هو القتل، وعلى المواطن أن يحسب حسبته.

هنا يتحوّل الكلام إلى رصاصة، والكرسي، مصر، إلى "ستّ جميلة بهية" وهو وحده المكلف بحمايتها من فوق الكرسي، ومن تسوّل له نفسه الاقتراب من الكرسي: "هشيله من على وشّ الأرض". هكذا تفعل الكاميرا في الناس، وهكذا يبوح راكب الكرسي بعصارة فكره وكتبه التي قرأها خلال ستين سنة كاملة بلا نقصان.

أما لو جاء السند خارجياً من فقيهٍ مفوّه وعالمٍ تفيض عليه العبارة تماماً بالغرض والمقصود، ويقول له، في صيغة أمرٍ لأول مرة في تاريخ الفقه مع السلاطين: "اضرب في المليان". نحن أمام مشكلة، عربية بامتياز، بعدما صارت الوليمة في حجورهم والكاميرا قريبة منهم، وهم فوق الكرسي في محاولةٍ لاستجلاب الكلام، وعلى الحاضرين، الإنصات في وقارٍ ومهابة.

الاستحواذ على مائدة الكلام كلها في كل أطراف البلاد والتلفزيونات والنت ومصادرة المواقع، وحتى متابعة المقاهي في وجود الكاميرات في كل ركن، كلها حيلٌ لاستعراض القوة والمنعة، وشدّة الوجه وجعله بلاستيكياً أو شمعياً، كلها حيل للدخول إلى مسرح مصادرة كل الكلام لصاحب القعدة حتى كلام "ربّات البيوت"، وأسواق الخضار وملاعب الكرة والألتراس، وحتى أفلام السينما التي تنهش في سمعة مصر، كلها محاولاتٌ لتأمين الكلام، كلام الحاكم، كي لا تتكرّر المأساة التي تشيل الكراسي وتخرّب البلاد وتفقر العباد، على حد تعبيراتهم.

نحن أمام مصادرة للكلام تحت تهديد السلاح، والمقابل هناك، سجونٌ مفتوحة تصل "لسبع نجوم"، على حد تعبير أحدهم، وقد تصل لثمانٍ في "النوع الأميركي المعاصر، مجمع السجون". وأنا أزداد عجباً حينما أقرأ أنّ خلفاء بني العباس كانوا يحرصون على الإتيان بالفقهاء لتعليم الأمراء الكلام، والأدب، والفقه، والشعر. وكان حمّاد عجرد يتنافس تنافس الملهوف من أجل الفوز بتربية الأمين، لكنّ هارون الرشيد كان قد وعي مبكّراً، إلى بعض "تهتك في سيرة الرجل"، فأوكل تثقيف الأمين إلى قطرب النحوي. هكذا نقرأ ما يخجلنا، وفي الصباح نجد أنفسنا أمام الحاج قيس سعيّد، وهو يرسل "بارود الكلام" إلى أوروبا جمعاء، فلا يجد المرء من سبيل سوى الأسى على ما كنّاه وما نكونه.

السبت، 9 أكتوبر 2021

الكتابة في سيرة العربي باطما

 الكتابة في سيرة العربي باطما


كانت أجمل هدية تركها لي الكاتب العُماني الراحل، على المعمري، بعد عودته من المغرب من عشرين سنة، كتاب العربي باطما "الرحيل"، المليء بالشجن ورؤية الموت الذي اقترب وصار من صاحبه على قيد شبر، ومليء أيضاً بالتمسّك بالحياة وحبال الذكرى في بداوتها الأولى، أعمار مليئة بالفرح، رغم قصر العمر واتساع الحلم والموسيقى، بعدما اكتشف العربي باطما أنه ليس له في العراك كأقرانه أقوياء البنية وأصحاب الحيل في ضرب الخصوم.

بعد سنوات تقترب من العشرين، وجدت روحي تحتاج إعادة قراءة هذا البدوي الذي ساق الموسيقى إلى عذاب الإنسان وشجونه وشكواه. كانت روحي تحتاج ثانية إلى الإنصات لكلمات هذا البدوي، وهو على بعد خطوةٍ من نزعه الأخير، وفيها تكون الروح أكثر ليونةً وتسامحاً. 

وتذكّرت على الفور قصيدة أمل دنقل "الطيور" في ديوانه "أوراق الغرفة رقم 8". لكن العربي باطما ليس كاتباً، بل عازف وموسيقي، يزيح عن صدره ما تراكم عليه من عذابات طفولته ورجولته بالكتابة، ولا يراهن على حظوة لدى القارئ، ولا يراهن على قيمةٍ أدبيةٍ كرأسمال رمزي يبقى من بعده، لكنّه ببساطة الكتابة وصل إلى ما يصل إليه أهل الاحتراف، هل البساطة بلا غرض أدبي تجعلك تصيب الهدف بسهولة؟ هل قتل البلاغة الأدبية لشخصٍ لا يدّعي احترافاً تجعل الكتابة في قلب الاحتراف، حتى وإن لم يشعر كاتبها بذلك؟

سهولة في الرصد، واستجلاب سهل للذاكرة بلا شعور بالخجل أو الرقابة، والقفز، بلا منطق من منطقة سردٍ إلى منطقة أخرى بلا رابط وبلا سبب، وكأنها طفولةٌ تبحث عن نجومها وفرحها وقرودها وفراشاتها وخيولها في غابةٍ فقيرةٍ ساحرةٍ مليئةٍ بالعذاب والخبرة. 

هل الخبرة حينما تصادف قلباً تطوي على الذاكرة كحرير، يأتيه وقت عذابه ويصير ثوباً جميلاً وبسيطاً، كما كان كتاب "الرحيل"، للعربي باطما؟ هل الكتب تحتاج أرواحنا، أم أن أرواحنا هي التي تحتاج الكتب؟ وفي كل وقت، يكون التأثير مختلفاً وغريباً. أرواحنا أحياناً، بحكم مشاغلها، لا تنصت جيداً للإمكانات الخفية للكتب، وأحياناً تنال جزءاً وتدّخر لنا البقية لبقية عذاباتنا المؤجّلة.

حاولت جاهداً أن أقف، في الخريطة، على نهر "أم الربيع"، لكن الخرائط تخون حتى من مشى فوق ضفاف الأنهار طفلاً، فما بالك بكاتبٍ يبحث عن أماكن الشجن حول ضفة نهر اسمه نهر "أم الربيع" مشى فوق ضفافه طفلاً بدوياً ينتظر الجمال والطير والحظ في البادية المغربية في أثناء الاستعمار، ثم أصابه المرض اللعين، فجلس بالقرب من ضفة الموت ينتظر حبيبة، أو صديقة، أو أغنية، أو عفواً من الله، حتى غلبه الألم، أو علّه وصل إلى ذلك اليقين المؤلم بالرحيل فهتف كمودّع: "الموت جايّا كسحابة بيضا/ تبقاو بسلامة يا أهل المعروف".

الموت يعني الوداع وطلب السلامة من أهل المعروف، وهذا حال البدويّ حينما يلامس درج آخر محطة للحضور، بعد اكتمال التعب وأخذ نصيبه من المحبة.

رأيت صورته في القراءة الأولى كغجري، فإذا بي أعرف، في القراءة الثانية، أنه بدوي من الشاوية، جاء جدّه من قريةٍ بعيدة، وسكن غابة زعلاناً من أهله بسبب الإرث. أكلُّ رحلة تبدأ زعلاً لسبب الدنيا ومتاعها؟ كي يبنى الأمل في الوحشة والقطيعة للذرّية الآتية، وكل رحلةٍ تنتهي أيضاً بترك الدنيا كما يقول العربي باطما: "الموت جايّا كسحابة بيضا... تبقاو بسلامة يا أهل المعروف". 

وكأن الكتابة هي تلك الموسيقى الخفية للكون، والتي تبدأ بالغضب والارتحال، وتنتهي بالشجن الجميل والدعاء لأهل المعروف فيها بالسلامة للقاء الموت، كي تكتمل دائرة الوجود باكتمال المحبّة والوداع الجميل بلا ضغينة، مهما كان ألم المرض وزهو الحياة هناك، سواء في غابة، أو على ضفاف نهر أم الربيع أو في ساعات محبّة "فتاة بلهاء"، وأخرى جميلة من الأهل في بدايات الصبا.

كتابة العربي باطما مؤنسةٌ للخيال، رغم أنها لا تخوض إلا في رمال الواقع وجفوته وخشونته. 

مع ذلك، تجعلك دائماً كبدوي ابن خيال، ينتظر هناك من المعرفة أن تعطيه الموسيقى شيئاً من كبد سرها، ثم ترميه بالمرض، فيكتُب المرضُ في آخر الرحلة، فتكون الكتابة رحلة ألمٍ ومتعة وخيال وصفاء من دون ميوعةٍ أو أخيلةٍ شبعنا منها أزمنة.

الأحد، 3 أكتوبر 2021

كسّر حمامك وعدّل دستورك وعليك بالمناخ

 كسّر حمامك وعدّل دستورك وعليك بالمناخ

عبد الحكيم حيدر

وعلى رأي أم اللمبي، حينما أوصت اللمبي في آخر فصوص حكمتها الشهيرة من فوق الجبل: " وخل مطوتك معاك"... 

هل يختلف الحال في سلطات عالمنا العربي بعد ثورات الربيع عن حال أم اللمبي؟ 

ففي ليبيا ترى في الصورة "حفتر ومعه المطواة بالوكالة"، وخلف كتفه سيف الإسلام القذافي، من دون أن تتأكد أو تتيقن، إن كانت كتف خليفة حفتر مجرّد تمهيد وفاتح شهية سيف الإسلام القذافي، أم كتف سيف الإسلام مجرّد تخويف، وتمهيد أيضا لحفتر، أم أن الكتفين معا "إشارة واضحة ومعلنة" أنهما هما الورثة لتركة القذافي غير المعلنة، داخل بركة جهنمية تحرسها القاهرة وعساكرها وبرلمان ليبي يمرح فيه عقيلة صالح "بأوامر مرسومة ومخطّط لها"، ما بين السلوم وبني غازي، وخلف الأكمة بالطبع أحمد قذاف الدم في القاهرة يباشر عمله في القنوات الفضائية مع مصطفي بكري مساء "حينما تتعقّد الخيوط"، والسودان هناك يتعثّر في "مونتاج فيلمه الشبيه"، والذي لا يختلف كثيرا عن "الفيلم القصير" لقيس سعيّد، وغير المصروف عليه من المنتج جيدا، علاوة بالطبع على الإخراج السيئ جدا، ولا حرم الله، السودان وقيس سعيّد من لمسات المخرج المصري خالد يوسف أبدا، بكاميراته من فوق الجموع والحشود الخارجة بعد المغارب.

الأغراض كلها متشابهة في تكسير الحمام وتعديل الدستور، أو وقف العمل به، أو انتهاء العمل به، أو ركنه بشكل مؤقّت، سواء بانقلاب قيس سعيّد "الناعم"، أو "بـ 30/ 6"، أو "بانقلاب مصنوع ليلا بغير حرفية في السودان"، في يوم التصويت في برلمان ليبيا على "ركن الحكومة"، فسبحان الله، على من جمع "كتفين غير قانونيتين"، في ليلة واحدة في كل من ليبيا والسودان، وبادر قيس سعيّد، بالإعلان عن تغيير الدستور أيضا بسرعة شديدة.

أفراح جماعية متسارعة ومتّفق عليها. هناك مقاول شاطر جدا، في الخلفية، والسيراميك موجود، والعمالة متوافرة، والأسمنت متوافر، وأكوام الرمال تملأ الصحراء ما بين تلك البلدان، والإعلام جاهز و"دكاترة" القانون الدستوري طوع البنان، والإشارة. 

نحن نشاهد مسرحيات شبه صبيانية، يعوزها الصبر في الإخراج. أما الديكورات فهي سريعة جدا، وبدائية كملاءات الأسرة وبعض كراسي المقاهي الرخيصة، والإضاءة غالبا تعتمد على الكشّافات البدائية واللمبات المضحكة، وجمهور قليل يضحك كمدا، أو سخرية، أو نكاية، أو من افتقار الحكايات كلها للخيال، بعد ما استهلك كل تلك المشاهد خلال أكثر من تسع سنوات، لم يتغّير فيها أي شيء أبدا.

هذا عن أمر الداخل، لا يختلف في قليل أو كثير عن حكمة أم اللمبي "خل مطوتك معاك". 

أما أمر الخارج، فسهلٌ وجميل، شركات دعاية أجنبيّة، شراء سلاح، أزياء عصرية جديدة، إعلان تقشّف، ديون خارجية، خطب رائعة مكتوبة عن كيفية التعامل مع المناخ، والتضافر الإنساني، لمواجهة الخطر والتعامل الصالح مع البيئة، والتحذيرات من أخطار حروب المياه، والخوف من المجاعات القادمة، ومشاريع تنموية لإنقاذ أطفال الشوارع... إلخ. 

أما الإرهاب وخطره وتخويف أوروبا من الهجرات ومراكب الموت والبحر وخطورتها على الحضارة، فحدّث ولا حرج، فهذا هو ملعبك الوحيد، حتى وإن أغلقت كل ملاعبك بالضبّة والمفتاح أمام الجماهير. 

المهم ألا تنسى أن تسقي نجيل الملاعب كل يوم، كي تكون الملاعب جاهزة "للدموع وضيوف قواتك المسلحة كي يصفقوا أو يصمتوا حينما تقول أدعية رمضانية تنافس فيها الشيخ النقشبندي نفسه"، حتى وإن لم يصدّق الغرب ذلك وأنت في زيّك العصري في الفنادق تتسوّل لقاء مع قناة مهمة، وأنت في أشد الحيرة أمام ثقافتك المحدودة، فتعود تكرارا ومرارا، أن تلوك في كل مناسبةٍ لبانة الإرهاب تلك، ولا تملها أبدا، فهي أكثر جدوى من مطواة اللمبي نفسه، ومع توضيح خطرها عليهم أولا بالطبع وعلى الزرع والأسماك والبحر والورد والطفولة والصحة والعصافير والقمري واليمام.

بالطبع، سيظهر هناك، في الغرب، من هم على دراية بما يحدُث في بلادك، سواء من حوادث الاختفاء القسري، أو بناء السجون، أو الآلاف داخل السجون، وخصوصا من "جماعات حقوق الإنسان" هناك، وهذا كله أمرُه سهل وبسيط. المهم أن تبتسم وأنت تجيب، وتقول له مازحاً: "طيب أنت معزوم عندنا في سجن العقرب شديد الخطورة كما تقول، وستأكل من بط سجون المزارع هناك، وتأخذ أيضا معك للمدام إن رغبت". 

ثم تضحك ضحكة عريضة جدا، وتأخذ تصفيقة طويلة من بعض الموجودين معك فيما بين الصفوف هناك، ثم تمسح عرقك وتقول: "الديمقراطية يلزمها أولا تقليب التربة، حتى يجود المحصول على الجميع بالبركة حاكما ومحكوما"، وإن أسعفتك البديهة بآيةٍ كريمةٍ فقلها تخدم المنطق والموضوع، وإن لم تجد في الأوراق التي كتبت لك، فاضحك، كي تظهر طيبا وجميلا، وإن أردت الموقف يزداد سخونة، فقدّم للسائل وردة، واضحك ضحكة تهز القاعة هزّا وقل له مبتهجا: "هي والله من ورد الشيخ المبروك مبروك عطية أرسلها إلي مع الإعلامي شريف عامر".

الخميس، 23 سبتمبر 2021

حفيدا الطهطاوي وسويف .. ونخنوخ

حفيدا الطهطاوي وسويف .. ونخنوخ

عبد الحكيم حيدر

هل تدري، الآن، باريس أن عالما أزهريا مصريا، أتى من الشرق، على رأس بعثة علمية، إليها في سنة 1826، وهل نبّه مستشارو ماكرون الرئاسة في ظل الخسارات الفادحة لضياع صفقة الغواصات وبيعها إلى أستراليا، أم أن ماكرون بحسبة "رأس المال المعولم" التي أتت به لم يفق من الصدمة بعد؟ 

وهل قالوا لماكرون، وهو في قصر الإليزيه يعد العدّة لاستقبال رئيس مصر، أو محمد بن زايد، أو غينيا، أو النيجر، أو مالي، أو الجن الأزرق، أن هناك كتابا مهما في الأرشيف، اسمه "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"، كتبه عالم أزهري مستنير، اسمه رفاعة رافع الطهطاوي، وبفضل هذا الكتاب كانت مصر قد دخلت إلى الاستنارة.

 جاء العالم الأزهري من غرف الدرس بأروقته. 

هل قال أولئك الموظفون في قصر الإليزيه هذا، أم أنهم ساعتها كانوا مشغولين، وفي سرعةٍ من أمرهم، للتوقيع على بيع الرافال بالمليارات إلى مصر؟

العالم الغربي بعدما صار "شركة متنافسة"، لبيع فائض أسلحة المصانع وتشغيل عمالته لتحسين الأجور والمعاشات هناك، هل هو في فسحةٍ من أمره للتفتيش في أرشيفه، في من دخل إلى باريس في 1826، وألّف كتابا مهما، اعتمدت عليه النخبة وصنّاع الدساتير في إقامة دولتهم في مصر، كي تصير منارة ما بين الأمم؟ 

وهل ماكرون ينتظر فلوسا من مصر بعد ما امتلأت بالأسلحة والسجون، حتى بدأ يفكر رئيسها في بناء "مجمّع سجون"، ينافس "المجمّعات" في أميركا ويناطحها في الشكيمة، وليس مجمّعا للألومنيوم، أو الحديد، أو الذهب، وهل "النخب في مصر" تبحث عن باريز ودساتيرها وتنويرها بعد ما بصَمت بالعشرة على تغييره، بل ووضعه فوق الرفّ، إلى حين أن ينتهي الرئيس من "تكسير عظام الإخوان أو إعدام قادتهم مع الثّوار أيضا"، حتى وإن ابتنى خمسين مجمّعا للسجون ووزعها حتي على الكفور والعزب، وقد كانت السلطات من شهرين صرحت "بضابط لكل كفر أو عزبة".

أما لو أراد أحد، أي أحد مستنير، أن يدخل إلى الإليزيه، وفكّر في أن يقترب من أذن ماكرون، في ظل هذه الطعنة التي أصابته في الخاصرة من أستراليا، وقال له: "إن صاحب الكتاب رفاعة رافع الطهطاوي له أيضا أكبر حفيد كان يعمل سفيرا بالخارجية المصرية سنوات، وكان ناجحا. وهو الآن داخل سجون الرئيس المصري من حوالي ثماني سنوات بقضية نقل وثائق إلى قطر"، فحتما سوف يفطس ماكرون من الضحك، وقد يقول للقائل: "هذا شأن مصري داخلي"، وخصوصا إذا كان "الرافال" مطلوبا بشدة في بلاد العرب. 

أما لو كان قد دخل إلى الإليزيه مثقفٌ نزيه، وقال له إن عالما مصريا في علم النفس، اسمه دكتور مصطفى سويف، أفنى من عمره حوالي سبعين سنة داخل "معمل علم النفس جامعة القاهرة"، وعلى يديه تخرّج آلاف من الطلبة، والأساتذة، كالدكتور عبدالسلام الشيخ، وشاكر عبد الحميد الذي صار وزيرا للثقافة بمصر، وتوفي من شهور، وأن له ابنة هي الكاتبة، أهداف سويف، صاحبة رواية "خرائط الحب"، يعني "مش إخوان"، وأختها دكتورة ليلى سويف وزوجها المحامي الحقوقي، أحمد سيف الإسلام عبدالفتاح، رحمة الله عليه، وابنهما علاء عبدالفتاح، ناشط سياسي، ما زال قابعا في سجون الرئيس المصري من ثماني سنوات، وله أختان "شبه ضيوف على أوقات" في السجون أيضا، فقد يكتفي ماكرون بأن يسجّل له أحد المستشارين كل هذا الكلام مع التنبيه لإرساله إلى موظف بوزارة الخارجية الفرنسية، قد ينسى الورقة وما فيها أصلا على مائدة عشاء الإليزيه، وكان في زيارة محمد بن زايد الأخيرة قد وعده بشراء الغوّاصات، وخصوصا إذا انهمرت دموع ماكرون حزنا على ضياع صفقة الغواصات، كما حدث لوزير دفاعه بالأمس الذي أقرّ "بألم الطعنة الأسترالية".

أما لو كان الوسيط خفيف الدم وله علاقة بأضواء شارع الهرم والكازينوهات والليل والرقص الشرقي، وبه مسحة من خفّة ظل وموضوعية فرنسية، ضاعت في "مراكب الأسلحة وصفقاتها"، وأخذ في جعبته صورا وفديوهات "لبلطجي مصري شهير اسمه صبري نخنوج ومعه صور النمور والأسود في حديقة قصره ليلة القبض عليه بواسطة أمن الإسكندرية"، وقال لماكرون، هذا بلطجي معروف، وقد حكم عليه القضاء المصري بـ 26 سنة، ولكن الرئيس المصري، أخرجه من السجن، بعفو صحّي، وتزوج بعد شهرين من لبنانية، فقد يبتسم ماكرون ويقول له: "عموما أرسل بوكيه ورد إلى نخنوخ"، حتى وإن كان متأخرا. وعموما العفو الصحي في سلطة الرئيس وحده، وهذا أمر داخلي يخص أمور بلاده، حتى وإن ربّى أسدا، أو لبؤة، أو جملا، فهذه بلادهم، "وإحنا ال فينا مكفينا" ... وقوس النصر أهم لدينا من الشرق كله.


عبد الحكيم حيدر

23 سبتمبر 2021