الخميس، 7 يونيو 2018

حصار قطر.. نكسة يونيو الثالثة

حصار قطر.. نكسة يونيو الثالثة

 وائل قنديل
بعد عام من الثلاثين من يونيو/ حزيران في مصر، خرج بنيامين نتنياهو، رئيس حكومة الاحتلال الصهيوني، معلناً في أغسطس/ آب 2014، عن "حلفٍ إقليمي جديد" يجمع إسرائيل ودولاً عربية باتت تُعرف بأنها "معسكر الاعتدال".

وبعد أقل من عام على الحصار الرباعي على قطر  في يونيو 2017، غرد نتنياهو قائلاً "نظرا لتصاعد الخطر الإيراني المتزايد باستمرار، أعتقد أن كل الدول العربية تقريبا لم تعد تعتبر إسرائيل عدوا لها، بل حليفا محوريا".
انتكس العرب ثلاث مرات في يونيو/ حزيران على مدار خمسين عاماً، اثنتان منهما وقعتا في يوم واحد (الخامس من يونيو)، والثالثة وقعت في الثلاثين منه، وبالضرورة، مع كل نكسةٍ، يخرج العدو بمكاسب لا تحصى، يستمر تأثيرها المدمر عقوداً طويلة.

في النكسة الأولى، انهزموا أمام إسرائيل، وفي الأخريين حاربوا وهزموا أنفسهم من أجل إسرائيل.
 لم تفعل "النكسة الأم"، في العام السابع والستين من القرن الماضي، بالعرب ما فعلته الأخريان، وهما 30 يونيو 2013، ثم الخامس من يونيو 2017.
انكسر العرب عسكرياً، وجرحوا سياسياً ومعنوياً في نكسة 67، لكنهم لم ينهزموا في إنسانيتهم وعقيدتهم وثقافتهم، بقوا عرباً، وإن كانوا مثخنين بالجراح والطعنات، ولم يفقدوا بوصلتهم الإنسانية والحضارية، ولم يكرهوا بعضهم بعضا، أو يحاربوا بعضهم بعضا.
صحيح أنه اندلعت بعض مظاهر العدمية في مصر، بعد النكسة مباشرة، إلا أن الإرادة لم تنكسر، وسريعاً جاءت مرحلة النهوض، واستئناف المقاومة، والتهيؤ للحرب، وصولاً إلى لحظة أكتوبر/ تشرين أول 1973.
وبعد نحو نصف قرن من نكسة يونيو الأولى، جاءت نكستان في الشهر نفسه، أو قل هي نكسة واحدة امتدت من الثلاثين من يونيو  2013، حيث نجح محور كارهي الثورة والمقاومة في قتل بدايات ربيع عربي، يحمل مشروع تحوّل ديمقراطي في مصر، إلى أن وصلنا إلى الخامس من يونيو 2017، حيث قرّر المحور ذاته إعلان الحرب على قطر، من خلال حصار اقتصادي وإنساني، لوّحوا فيه بالحرب، لتعصف هذه الحالة من الجنون بما تبقى لدى الإنسان العربي من يقين بقيم وثوابت كنا نظنّها راسخةً في الوجدان، عن وحدة الدم والمصير واللغة والعقيدة والثقافة والحلم والوجع.
دعني أعيد عليك سؤالاً طرحته سابقاً: بعد مرور خمس سنوات على انتكاسة حلم الثورة المصرية، ماذا أخذ المواطن المصري، وماذا أخذ الرباعي (الرياض ومعها المنامة، أبو ظبيـ تل أبيب، واشنطن) من 30 يونيو؟

السعودية أخذت جزيرتي تيران وصنافير، مشاركة مع إسرائيل. والإمارات وضعت يدها على مصر كلها، بعد أن كان منتهى حلمها تدمير فكرة مشروع خليج السويس الذي بدأه الرئيس محمد مرسي. وصارت تل أبيب خجلى من عطايا عبد الفتاح السيسي، ورعاته، حتى تكاد تشعر بتخمةٍ تطبيعيةٍ، تستوجب إنشاء إدارة تتولى المفاضلة والاختيار بين أفضل عروض الليكودين العرب، لإقامة علاقات تعاون وتحالف معها، وأميركا ترامب عادت تحلب نفط الخليج، بكمياتٍ أكبر مما سبق.
في المقابل، هل حصل المواطن المصري على شيء؟ نعم، حصل على كمياتٍ هائلةٍ من المهانة والعار، والانهيار الشامل، الممتد من السياسة والاقتصاد إلى الحالة الاجتماعية والأخلاقية ، في إطار حالة ردةٍ  حضارية عنيفة، وانسلاخ من قيم تجسد الحد الأدنى من الفطرة الإنسانية السوية، مصنوعةٍ بعنايةٍ وحسابات دقيقة، لإنتاج مواطن مهزوم وجودياً، في وطنٍ منهزم حضارياً.
ووصلنا إلى لحظة إطلاق سراح بلطجي بعفو رئاسي، واعتداء همجي على أستاذ طب، كان منسقاً للجمعية الوطنية للتغيير، وعضواً في حملة السيسي الرئاسية، وعمره 84 عاماً، هو الدكتور عبد الجليل مصطفى، عقاباً له على تلبية دعوة إفطار رمضاني مع شخصياتٍ حزبيةٍ وسياسيةٍ في مكان عام.
 ماذا عن الخامس من يونيو 2017 لحظة إعلان محور"عرب ترامب وإسرائيل" الحرب على قطر؟ 
تحضر هنا "صفقة القرن"، وقتل الربيع العربي(ليس أكثر تعبيراً عن ذلك من تغريدة لإعلامي سعودي عن المزج بين حصار اعتصامرابعة العدوية وحصار الشعب القطري) والمخططات الخاصة بالشرق الأوسط، وتصفية القضية الفلسطينية وتهويد القدس، نتائج مباشرة لحصاد عام من حربٍ غير أخلاقيةٍ ضد قطر، يشنها عرب الانقلابات والهرولة نحو الكيان الصهيوني.
غير أن الأكثر كارثيةً هو النزيف الإنساني والتصدّع الأخلاقي، في تلك الحرب الفاشلة التي أسقطت كل ما سطّره كتاب التاريخ العربي عن الرجولة والنخوة والشهامة والعدل والإنصاف.

هل ما زال الربيع العربي حيا يرزق في الأردن؟

هل ما زال الربيع العربي حيا يرزق في الأردن؟



ديفيد هيرست

يجدر بكل شخص أن يتجاوب مع الأصوات القادمة من الأردن، فينتبه إليها، وينصت لها. 
 
تقول المحامية هالة عاهد: "نحن الشعب مصدر السلطة، ونريد أن نستعيد القدرة على إحداث التغيير خاصة بوجود مؤسسات هزيلة مثل البرلمان والأحزاب السياسية".
 
أما ديما خرابشة، التي ظلت تتظاهر خارج مكتب رئيس الوزراء، فتقول: "الشعب هو الذي أسقط الحكومة، ولم تقدم استقالتها طواعية".
 
ولك أن تسمع إلى ما يقوله هذا الرجل: "تعلمت من والدي أن عليّ أن أكون مع أبنائي وبناتي، مواطني الأردن".
هذا القول الأخير هو للملك عبد الله الثاني. 

 
إذا بدا ذلك شبيها بانطلاقة الربيع العربي في عام 2011، فإنه في الواقع لا، ليس كذلك. بل هو أكبر من ذلك، وأكبر من الاحتجاجات التي اجتاحت البلاد في عام 1989 أو في عام 1996، وذلك أن احتجاجات هذين التاريخين كانت تقف وراءها العشائر في محافظات المناطق الريفية النائية. 
 
هذه هي الاحتجاجات الحاشدة الأولى من نوعها التي تجري في تاريخ المملكة الحديث، حيث انطلقت المظاهرات في 46 منطقة في مختلف أرجاء البلاد، وكان الإضراب العام حدثا وطنيا شاملا بكل ما تعنيه الكلمة. 
 
ليس هذا فحسب، ما يحدث بعد أيام قليلة من مغادرة بعثة صندوق النقد الدولي الأردن بعد إجراء مراجعتها الثانية للبرنامج التصحيحي لاقتصاد البلاد. 
 
هذا ما يحدث لشعب سئم الأسعار المرتفعة إلى عنان السماء، وسئم اقتصاد المقاولات، وحكومة المحسوبيات، والانتخابات الباطلة، والأحزاب المزورة، وكل ترسانة الأمراض التي ابتليت بها الدولة العربية الحديثة. 
 
ما من حاكم مستبد يراقب هذه الأحداث من الخارج، خاصة عبر الحدود السعودية، إلا ويقلقه المشهد، بل ويقض مضجعه. 
 
من قال إن الشباب والنساء الذين يشكلون 18.2 في المائة من مجموع سكان الأردن، قد تخلوا عن الشارع؟ ومن قال إن الاحتجاج السلمي سيشعل نيران الفوضى والقلاقل؟

يقدم الأردن اليوم دليلا حيا على أن القوى التي غذت انتفاضات عام 2011 ما زالت حية ومفعمة بالنشاط. 
 
ولكن أين الضمانة بأن ألسنة اللهب التي تحتدم اليوم في الأردن يمكن احتواؤها (ومنعها من الانتشار عبر الحدود)؟
 
بذور الأزمة 
ثمة مفارقة ساخرة واضحة في أحداث الأردن. فالبلد الذي حافظ على ملكه وتفاخر بأنه تمكن من النأي بنفسه عن الربيع العربي في عام 2011، ها هو يجد نفسه الآن في بؤرة موجة جديدة من السخط الشعبي. 
 
ولا يلومن (النظام في الأردن) إلا نفسه، عن كل ما يجري الآن. 
 
فكما يعرف كل مواطن، هناك ثلاثة مراكز قوة تحكم البلد، أو تسيء حكمه، ألا وهي: الديوان الملكي، والمخابرات، والحكومة.

إلا أن أكثر هذه المراكز وضوحا وظهورا وعرضة للمساءلة، هو أقلها سلطة، وأدناها صلاحية، وأبعدها عن صناعة القرار. فكل وزير له ظل أو قرين يتخذ القرارات له أو باسمه. 
 
لا تتمتع هذه السلطات الثلاث دوماً بنفس القوة، بل لقد تعاظمت مع مرور الزمن سلطات المخابرات والديوان الملكي على حساب الحكومة. 
 
إلا أن الملك والمخابرات عمدا مؤخرا إلى تبادل الرسائل فيما بينهما في العلن. 
 
عندما لاحت تباشير الحراك الاحتجاجي الحالي في مدينة الكرك في شهر شباط/ فبراير، خرجت الصحف اليومية المحلية بعناوين تتحدث بشكل رئيس عن مؤامرة تستهدف الملك، وكيف أن هذا المخطط تم إفشاله قبل ثلاثة شهور. وكانت تلك هي وسيلة المخابرات في إخبار الملك بأن الوقت لم يحن بعد لإجراء إصلاحات. 
 
وتوالت الرسائل منذ ذلك الحين. مباشرة بعد أن تحدث الملك عبد الله للطلاب في الجامعة الأردنية عن الحاجة للاندماج السياسي، قررت مجموعة من النشطاء السياسيين اختبار مدى صدقية ما ذهب إليه. 
 
دفعوا مجموعة من الشبان نحو تدشين حزب جديد أطلقوا عليه اسم "التحالف المدني"، وتعمدوا عن قصد اختيار وجوه غير معروفة، وأشخاص بلا أي تاريخ سياسي. 
 
وبعد الإعلان عن الحزب مباشرة، استدعي كل واحد من أعضائه للاستجواب من دائرة المخابرات. 
 
فمن ذا الذي ينبغي أن يصدقه المرء؟ الملك الذي يحض على الاندماج السياسي والمشاركة، أم ذلك الصوت الخافت، ولكن الملح، الذي ينبعث عبر سماعة الهاتف سعيا لإسكاته؟ 
 
قال لي مسؤول كبير سابق في الحكومة: "في كثير من الأوقات ما يريده الملك وما تريده المخابرات هو نفس الشيء، ولكن إذا ما فعل أشياء لا تعجبهم.. أقصد هذا ما رأيته بنفسي، فيمكن أن يلجأوا إلى تعطيل العملية، وقطع الطريق عليه، دون أن يصرحوا له بأنهم يفعلون ذلك".
 
وبذلك، تخبط الأردن من أزمة إلى أخرى، ونحن هنا نتكلم عن دولة هشة مليئة باللاجئين، دولة تعودت على استخدام هشاشتها لمد اليد للمانحين الأجانب، والحصول على مساعدات خارجية. 
 
لامبالاة سلمان 
ما الذي طرأ حتى تتعرقل عربة التفاح فجأة إذن؟ لمعرفة الجواب على هذا السؤال، فأنت بحاجة لأن تمد بصرك إلى ما هو أبعد من حدود الأردن.

أفضى وصول سلمان إلى الحكم إلى تغيير علاقة المملكة العربية السعودية بجارها الأدنى والأفقر. 
 
لا يبدي سلمان وابنه محمد مشاعر مودة تجاه الهاشميين، كتلك التي كان يبديها من سبقهم من ملوك (السعودية السابقين).

بالنسبة لسلمان، كل ما يهمه أن يقرر الأردن ما إذا كان يقف معه أو ضده. لم يبق من حبائل المودة شيء، وإذا لم يكن الأردن مستعدا للانخراط بشكل تام مع المخطط الجنوني الذي يجري رسمه في الرياض، فليذهب الأردن وليشنق نفسه. 
 
لم يستلم الأردن فلسا واحدا من المملكة العربية السعودية منذ عامين، بينما كان قبل ذلك يصله منها ما بين مليار ومليار ونصف المليار دولار سنويا، على شكل نقد ونفط. 
 
إضافة إلى ذلك، هناك رسائل أخرى، من أهمها أن السعوديين والإماراتيين والإسرائيليين يتعمدون الضغط على الملك عبد الله، حتى يقبل بخططهم التي تستهدف وضع نهاية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي. 
 
كل من هذه الأطراف له دوافعه. أما الرياض وأبو ظبي فتريدان تجاوز عمان كبوابة عربية نحو إسرائيل. ولا يجد السعوديون والإماراتيون حرجا في الخضوع لرغبة الإسرائيليين في توحيد القدس، بل ولديهم الاستعداد للتخلي عن القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية.

ولا يعني كثيرا بالنسبة لهم حق العودة الفلسطيني. ولم يترددوا في مناسبات عدة في التعبير عن أن صبرهم على القضية الفلسطينية قد نفد. 
 
في لقاء له في شهر آذار/ مارس مع الزعماء اليهود في نيويورك، قال لهم محمد بن سلمان: "آن الوقت لأن يقبل الفلسطينيون بما هو معروض عليهم، وأن يوافقوا على القدوم إلى طاولة المفاوضات، وإلا فعليهم أن يخرسوا ويتوقفوا عن الشكوى".

 
جل ذلك تم من أجل الضغط على الأردن، إلا أن المناورة فشلت، لأن الضغط أفضى إلى عكس ما كان يراد منه.

انطلقت احتجاجات في الأردن ضد الرسوم التي فرضتها الشركات السعودية على الحجاج والمعتمرين. ولا يحظى حكام السعودية بشعبية في الشارع الأردني. 
 
أن يتخبط الرئيس الأمريكي الجديد في الشرق الأوسط وينطح كما لو كان ثورا هائجا داخل معرض للخزف الصيني شيء (يروى أن دونالد ترامب سأل الملك عبد الله ذات مرة في مكالمة هاتفية معه: "لماذا لا يستلم الأردن الضفة الغربية؟") وشيء آخر تماما أن يهدد أحد من آل سعود أحدا من الهاشميين. مثل هذا الأمر يضرب على وتر أعمق وذي مغزى. 
 
خطاب الملك 
على الملك عبد الله الآن أن يختار إلى أين يتجه. بإمكانه أن يخضع لرغبات الصبي الجديد في الحارة، ولي العهد محمد بن سلمان، ويقبل بأن يصبح الأردن تابعا آخر من توابع آل سعود. 
 
وبإمكانه أن يبرم صفقة تمكنه من الاحتفاظ بالرعاية الهاشمية على الأقصى، ولكن مقابل التخلي عن القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية. 
 
في هذه الحالة، سيُستأنف ضخ النفط السعودي مرة أخرى، وستُستأنف كذلك حركة الصادرات والواردات عبر الحدود بين البلدين. وعندها قد تخف الأزمة المستفحلة والعاجلة في ميزان المدفوعات.

وسيتم إيجاد بديل لمحمود عباس، وتعود الأمور سريعا إلى ما كانت عليه، وستحل مشاكل الأردن مرة أخرى من خلال مد يديه للمانحين. 
 
أو بإمكان عبد الله أن يدرك ما أدرك والده الملك حسين قبل سنوات عديدة، ألا وهو أنك حتى تكون زعيما، فلا بد أن تقف بالمرصاد لمن يتنمرون عليك، ولم يكن عبثا أن حظي الملك حسين بوصف "أسد الأردن". 
 
ولكن لم يتوقف حسين أبدا عن كونه ملكا مطلقا. وإذا ما أراد ابنه أن يوحد الأردن، وأن يجمع شعبه ليكونوا من ورائه على قلب رجل واحد، فهذا يتطلب التحرك باتجاه الملكية الدستورية، وتمكين الشعب من تمثيل سياسي حقيقي. 
 
وسيعني ذلك في نهاية المطاف تحمل المسؤولية عن الخلل الوظيفي، وإدراك أن زمن الدولة الريعية قد ولى. والأمر يتطلب أكثر من مجرد إيماءة بالرأس أو رمشة بالعين باتجاه الإصلاح السياسي. 
 
بالنسبة للملك، لا يعدو رؤساء الوزراء كونهم محارم ورقية، كما عبر عن ذلك أحدهم ذات مرة. وكلما احتاج إلى محرمة جديدة تخلص من القديمة. ولذلك، رجاء يجب التوقف عن هذه العادة السيئة. 
 
ماذا سيختار عبد الله؟ 
أخبر الملك عبد الله الصحفيين يوم الاثنين بما يلي: "في المرحلة السابقة، فرض علي أن أقوم بعمل الحكومة، وهذا ليس دوري. إنما دوري هو أن أكون ضامنا للدستور، وضامنا للتوازن بين السلطات. وكل سلطة وكل مسؤول عليه أن يتحمل مسؤوليته، وكل من لا يستطيع القيام بعمله فعليه أن يذهب ويترك المجال لمن هو أقدر منه".          

 
إذا كان عبد الله مخلصا فعلا في ما يقول، فإن بإمكانه أن يقلب الطاولة على أولئك القابعين في العواصم الثلاث، الرياض وأبو ظبي وتل أبيب، الذين سعوا لتجويع الأردن حتى يركع. 
 
إن آخر ما يرغبون في رؤيته هو جار عربي سني مستقل، وقادر على القيام بوظائفه، بقيادة زعيم يحظى بدعم شعبه. 

إذا كانت تلك فعلا هي النتيجة التي ستفضي إليها الأزمة، فهذا يعني أن عبدالله سيستحق عن جدارة لقب الملك، ليس فقط في الأردن، بل وفي كل أرجاء المنطقة. 

عن صحيفة "ميدل إيست آي" البريطانية، 

















برفقة القرآن: تفاصيل رحلة «محمد الراوي» في مقاومة الظلم

برفقة القرآن: تفاصيل رحلة «محمد الراوي» في مقاومة الظلم
الشيخ الراحل محمد الراوي

"ما وصلنا إليه يوجب أن نراجع أنفسنا في صدق لا رياء فيه ولا نفاق؛ وأن نقول لأنفسنا جميعًا من لا يستطيع أن  يقوم بالأمانة في أي مكان فلينصرف؛ سواء كان حاكمًا أو محكومًا، لأن الأمر لا يحتمل إلا الجد ولا يتحمل إلا          بصدق"                                                              
بتلك الكلمات انتقد الشيخ الدكتور محمد الراوي حال الأمة
اشتهر الدكتور «محمد الراوي»، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، بقول كلمة الحق والصدع بها في وجه الحكام والمحكومين، وبدفاعه عن الأزهر واتباعه المنهج الوسطي الذي لا يُشدد على الناس ولا يتهاون في حقوقهم، حيث نادى دومًا وأبدًا بقوته المعهودة بضرورة إقامة العدل في الناس.

حياة الراوي من ريفا إلى الدعوة الإسلامية

ولد محمد الراوي في قرية «ريفا» بمحافظة أسيوط أول فبراير 1928م. درس وتخرج الراوي في جامعة الأزهر الشريف، حيث حفظ القرآن في سن مبكرة بالقرية في الوقت الذي كانت فيه المعاهد الأزهرية لا تقبل الطالب في السنة الأولى إلا بحفظ القرآن الكريم كله؛ وبعد الانتهاء من الدارسة في معهد أسيوط تقدم إلى كلية أصول الدين بالقاهرة، وحصل منها على الشهادة العالية، ومن ثم الشهادة العالمية مع تخصص التدريس من كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر عام 1956م.
عمل بعد تخرجه بقسم الدعوة في وزارة الأوقاف – ثم أصبح مفتشًا عامًّا في مراقبة الشئون الدينية، بعدها نُقل إلى مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة وعمل بالمكتب الفني بالمجمع. وابتعث الراوي من قبل الأزهر الشريف إلى نيجيريا لتدريس اللغة العربية وعلوم القرآن.
طُلب لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، وانتقل إليها بداية من العام الدراسي 1390-1391هـ، واستمر بها مدة تزيد على خمس وعشرين سنة عمل خلالها في كلية اللغة العربية مدرسًا للتفسير والحديث، وفي كلية العلوم الاجتماعية. كما ساهم في قيام كلية أصول الدين، وعمل بها أستاذًا للقرآن وعلومه ورئيسًا لقسم القرآن أكثر من ثلاثة عشر عامًا، وساهم في إنشاء المعهد العالي للدعوة الإسلامية.
وتوفي الراوي عن عمر ناهز 89 عامًا في 2 يونيو 2017، وسط حزن طلابه وزملائه من الأزهر ومن كان يؤمن بأفكاره ويسعى في تطبيقها، ونعاه الأزهر في بيان قائلًا: «التاريخ سيظل يذكر فقيد الأزهر والأمة بعلمه وفكره الوسطي في بيان سماحة الإسلام، وجهوده الدعوية على كل المستويات، ومصنفاته ومحاضراته التي أفاد منها طلاب العلم».

مواقفه من الدولة والحكام


ان الراوي من القلة التي انتقدت الحكام علنًا بغير مهابة ولا خوف، فيأتي موقفه من عبدالناصر وشهادته لما رآه في السجن الحربي كشهاة على واقع الظلم الذي عاناه المصريون في تلك الحقبة الزمنية، حيث  اُعْتُقِل بشكل عشوائي بعد تخرجه في الجامعة بعام واحد عندما كان يقيم مع خاله أحد قادة جماعة الإخوان المسلمين.
ويروي الراوي وقوف اللواء حمزة البسيوني، أحد الضباط الأحرار، أمام الكل في السجن الحربي، وتكويمه أوراق المصحف وحرقها حتى يتوقفوا عن «الزن»، حسب ما أشار الراوي.
كما انتقد النظام في حقبة حكم مبارك وطالب العلماء في وقته أن:
تخاطب الناس والمتجبرين بدينها وبما أنزل الله وأن نبلغ ديننا بالحكمة.
كما انتقد ضياع مدخرات الأمة وذهابها للعدو لكي نرضيه على حساب الوطن.
وساند الراوي الثورة ودافع عن الدماء التي سفكت، واعتبر أن تلك حدود الله التي لا تقبل مجاملة أو مداهنة، واعتبر الثورة فعلًا نقيًا نديًا عظيمًا، وأن شبابها لم يقتلوا أحدًا ولم يسيئوا لأحد. ونصح من يريد أن يتوب من القتل بأن يجود بنفسه في سبيل التوبة. كما وصف الإنسانية بأنها تعاني من ظلم والتفرقة في شتى بقاع الأرض وغياب العدالة، وأن الإنسانية تنتظر منا أنه عندما تستجير بنا فتجدنا نحن أمة الإسلام.
كما كان الراوي دائم انتقاد غياب العدل في كل بقاع الأرض، خاصة بلاد المسلمين، كذلك أحكام مجلس الأمن باعتبارها نتاج من يملك القوة، فاهتم بالحديث الدائم عن ضرورة تعليم الناس حقائق الأمور التي ترسخ مبادئ الإنسانية لإقامة العدل بين الناس.

1. ربط الراوي القرآن الكريم بالواقع المعاصر

اهتم الشيخ بالقرآن الكريم واعتنى به عناية خاصة، فكان له حال فريدة معه ليصبح القرآن المرتكز الأول لأفكاره، فعمل أستاذًا للتفسير، وكان شديد الربط بين آيات الله وبين الواقع، وضرورة تطبيقه.
كما عمل مقدمة للمصحف الوثائقي الذي جمعته إذاعة القرآن الكريم بالقاهرة، فجمع بين القراء القدامى ووصل بينهم في مصحف متكامل بلا انقطاع، واعتاد إلقاء المحاضرات العامة في بيان هداية القرآن الكريم ومقاصده لمدة خمس سنوات في نيجيريا، فحمل على عاتقه مهمة إيصال آيات الله ومقاصدها الحقة إلى كل المسلمين، محاولًا دمجها مع الحياة اليومية.
وخلال إقامته في نيجيريا قال:
لقد كنت أسمع صوت الإنجيل يدوي من وسائل الإعلام في أفريقيا. فهل من غيور على الإسلام يُسمع الناس جميعًا صوت القرآن؟
فما كانت إلا أيام قلائل، حيث قام الملك فيصل بإنشاء إذاعة للقرآن الكريم التي امتد نفعها في كل مكان، ولم تنقطع صلة الشيخ بها خلال فترة إقامته في المملكة العربية السعودية.
فكانت جهوده الدعوية تهدف لخدمة كتاب الله فهمًا وتفسيرًا وبيانًا، فحفظ القرآن في سن مبكرة جدًّا، ودعا المسلمين للعناية به تلاوةً وحفظًا، والتمسك بالقرآن كمنهج علمًا وعملًا. ومن خلال فهمه العميق للقرآن وارتباطه به وتوثيق عراه في قلبه تكون المرتكز الثاني لأفكار الراوي وهو مقاومة الظلم.

2. مقاومته الظلم والصدع بالحق

فكان ينصر الأمة أينما حلت بها نازلة، فينكر على حكامها، ويدعو عموم الأمة لنصرة قضاياها، كما كان دائم الذكر أن على الأمة أن تتمسك بوحدتها، وأن عليها أن تتحد، وأن على الحكام أن يحققوا العدل في رعاياهم كما أمرهم الإسلام، وكان هذا ديدنه لا يمل منه ما دام الظلم واقعًا على هذه الأمة.
فكانت القضية الرئيسة التي تشغل بال الأمة في رأيه؛ قضية تفرق الأمة وضعفها، مما أدى إلى ضياع فلسطين والاعتداء الأثيم المستمر عليها أمام سمع وبصر العالم، ولم يتحرك ساكن لرد العدوان في الوقت التي صمتت فيه الألسن وصمت الآذان، فلا تسمع صراخ أطفال غزة والصواريخ تهوي عليهم كالأمطار.
وفي وقت صمت فيه علماء الأزهر صمتًا مشينًا في تلك الحرب على غزة كمجاراة للسياسات العامة للدولة، وحفاظًا على مناصبهم التي قد يفقدونها بسبب مواقفهم المناهضة لسياسة الدولة، علا صوت الشيخ الراوي بدعم المقاومة وحث العلماء على مساندتها.
وقال إن:
المقاومة شرف الأمة وما حدث في غزة يؤكد أن الأمة أصيبت بالغُثَائية والفشل وذهاب الرأي، وأن واقع المسلمين في تفرقهم وتفريطهم هو سبب هزائمهم، مطالبًا الأمة بضرورة التوحد والوحدة، ورص الصفوف لتكون على قلب رجل واحد، لنكون أهلًا لأن يمدنا الله بنصره وتأييده

3. ما يجب على الأمة حتى تنهض

جاء المرتكز الثالث الذي تُبنى عليه أفكار الشيخ محمد الراوي ليكون نهضة الأمة، فخاطب العلماء والحكام والأمة بأكملها، ووضح لكل منهم الدور الذي ينبغي عليه. فكان يرى أن:
على جميع العلماء أن يروا في مقدمة الصفوف جهادًا وصدق كلمة ووفاءً لله في نجدة المظلوم والأخذ على يد الظالم، وألا تكون الفتاوى الجزئية في أمور فرعية يتسع المجال فيها لخلاف الآراء، بل يجب أن تكون الفتاوى متوجهة بعزم أكيد إلى جمع الكلمة للجهاد الواسع في كل ميدان دون تردد، حتى نرفع ما أريد لتصوير الجهاد بالإرهاب، مع أنه لمصلحة الإنسان حيث كان.
فنحن مع المظلوم ولو كان من غيرنا ونحن على الظالم ولو كان منا، عملًا بقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا فقال رجل: يا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنصره إذا كان مظلوما، أفرأيت إذا كان ظالمًا كيف أنصره؟! قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره».
بينما خاطب الأمة بأهمية أن تكون في توادها وتعاطفها كمثل الجسد الواحد، قائلًا: «وإن الأمر الواقع يحتاج لتغير وتغيير، تغير بالأنفس وتغيير ما يجب تغييره لإصلاح هذه الأمة، ولابد أن يطول هذا التغيير الأفراد والمؤسسات».
وكان يرى أن: «سنن الله، ونحن جميعًا نعلمها وندركها، لا تتجاهل أحدًا ولا تتبدل ولا تتحول، وتطالب الجميع بالتغيير حتى يغير الله حالنا من الهزيمة إلى النصر بإذن الله». وخاطب الحكام قائلًا:
وأقول لحكام الأمة لابد من الإسراع إلى التعاون والتضافر والتماسك، وكفانا أن نقدم للعدو نصرًا بفشلنا، أرجوكم جميعًا، تناسوا خلافاتكم ومشاكلكم، ودعوا التمزق الذي يمنحهم نصرًا سهلًا.
هكذا ارتكز وتشكل فكر الدكتور محمد الراوي -رحمه الله- بفضل القرآن وبفضل تعمقه فيه تلاوة وتفسيرًا ودعوة له، ومن أشهر مؤلفاته «الدعوة الإسلامية دعوة عالمية» و«القرآن والإنسان» و«منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله».
فكان القرآن رفيقًا للراوي الذي شهد جنازته الآلاف من الناس، وكان من أشد الناس غيرة عندما تُنتهك حرمات الله، وأول الصادعين بالحق عندما يحل الظلم بالأمة ويتجبر حكامها، وإذا ما حلت بالأمة نازلة كان أول الباحثين عن حل لتلك النازلة بما يتوافق مع كتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وسلم).

الأربعاء، 6 يونيو 2018

مع الشيخ الراحل محمد الراوي


مع الشيخ الراحل محمد الراوي














للمزيد اضغط  هنا

الخلاف داخل العائلة يتخذ شكلا عنيفا: نجا ابن سلمان من محاولة الاغتيال لكنه أصيب برعب شديد يؤثر في قراراته وحياته



الخلاف داخل العائلة يتخذ شكلا عنيفا: نجا ابن سلمان من محاولة الاغتيال لكنه أصيب برعب شديد يؤثر في قراراته وحياته

الخلاف داخل العائلة يتخذ شكلا عنيفا: نجا ابن سلمان من محاولة الاغتيال لكنه أصيب برعب شديد يؤثر في قراراته وحياته


كتب المؤرخ والخبير الإستراتيجي، غريغوري كوبلي، مقالاً نشره موقع "أويل برايس" تحت عنوان "مملكة النفط في أزمة: الخلاف داخل العائلة السعودية المالكة يتخذ شكلا عنيفا". ورأى أن السعودية أغرقت منطقتها في حالة من عدم اليقين الإستراتيجي. ولا يمكن وصف إطلاق النار الخطر على قصر ملكي في الرياض في 21 أبريل 2018، إلا أنه المحفز للأحداث التي يمكن أن تحدد مصير التاج والمملكة والمنافسة الإقليمية على التأثير، خاصة مع إيران.

ولطالما طرحت حساسية الوضع (في المنطقة) أسئلة خطرة بالنسبة لروسيا والصين والولايات المتحدة، على وجه الخصوص، في صياغة استراتيجياتها، وهذا لأنها أثارت أسئلة خطرة حول إمدادات الطاقة والحرب في اليمن والسيطرة على البحر الأحمر وروابط أوراسيا وأفريقيا على شبكة طريق الحرير في الصين. من الواضح أن الحكومة السعودية، التي يسيطر عليها ولي العهد محمد بن سلمان، كانت حتى أوائل يونيو 2018 غير متأكدة من كيفية تطور الوضع.

وقد لاحظ غريغوري كوبلي، محرر مجموعة "شؤون الدفاع والخارجية"، في 12 ديسمبر 2017، أنه "يبدو أن السعودية قد انتقلت الآن إلى ما هو أبعد من نقطة التعافي، ويمكن أن تنهار، في أي وقت، وتغرق في صراع داخلي أو تصدع". وفي 8 أكتوبر 2015، كتب: "تزايد المخاوف داخل السعودية من أن المملكة تواجه تحديات هيكلية، إذ يمكن أن نرى تفككها في غضون عقد أو اثنين".

ووصلت الأمور إلى ذروتها مساء يوم 21 أبريل 2018، عندما سُمعت نيران الأسلحة الآلية الثقيلة لوقت طويل إلى حد ما، قادمة من مجمع قصر الخزامي بالرياض. وأصدر المسؤولون الحكوميون تقريرا يفيد بأن إطلاق النار كان من جانب حراس القصر، وأطلقوا النار على طائرة من دون طيار كانت قد انحرفت إلى المجال الجوي المحظور فوق القصر. ومع ذلك، يقول الكاتب، كان من الواضح أن بعض إطلاق النار حدث داخل القصر نفسه. وكان بعض الأمراء والمسؤولين الزائرين موجودين في القصر مع حراسهم الشخصيين المسلحين وقت وقوع الحادث.

وذكرت تقارير خاصة أن الملك كان في الرياض في ذلك الوقت، ونُقل بسرعة إلى ملاذ آمن. وأظهر هذا الحادث مدى الغضب الذي شعر به عدد كبير من أفراد العائلة المالكة تجاه سياسات ولي العهد الأمير محمد. ولم يظهر الملك ولا ولي العهد في مواقف علنية مفتوحة من وقت وقوع الحادث حتى أوائل يونيو 2018، وزعمت تقارير أن وليس العهد أصيب في الحادث، ولكن من الواضح أنه لو أصيب ولي العهد في الحادث، فإنها ليست من الإصابات التي تهدد الحياة، رغم أنها تكفي لضمان عدم عرضه على الجمهور بطريقة تهدئ من الشائعات.

وربما كان ولي العهد في وضع مناسب لكي يقابل رئيس الوزراء الأثيوبي دكتور أبي أحمد علي في 18 مايو2018، أي بعد27 يوما من الحادث، مع أنه لا توجد صورة تظهر اللقاء بينهما. وكانت هذه الزيارة مهمة ليس بسبب بعض التوتر بين المملكة وإثيوبيا ولكن لأن ولي العهد يقوم بدور الوسيط بين إثيوبيا وإرتيريا ورأب الصدع المستمر منذ عقود من أجل منع التأثير الإيراني والقطري.

وكان وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، قد زار المملكة في 28 أبريل 2018 بعد اسبوع من حادث إطلاق النار والتقى الملك سلمان ووزير الخارجية عادل الجبير وليس ولي العهد.

وكان الزعيم السياسي العراقي مقتدى الصدر، أكبر الفائزين في الانتخابات البرلمانية العراقية في 12 مايو 2018، قد طلبا زيارة المملكة للقاء ولي العهد محمد بعد زيارته للكويت في 30 مايو 2018، لكن الحكومة السعودية طلبت منه تأجيل زيارته للمملكة ، وهي علامة على وجود صعوبات في البلاد.

ولكن ما كان مهمًا أيضًا، وفقا لتقديرات الكاتب، هو أن ولي العهد الأمير محمد والملك سلمان قد قضيا على ما يبدو الكثير من الأسابيع الخمسة التي تلت الحادث الذي اندلع في قصر رابغ، وهو مجمع عسكري بمرفأ خاص به، في منطقة مكة المكرمة (مكة) على البحر الأحمر. وأشارت بعض التكهنات إلى أن اختيار هذا المجمع جاء لتسهيل الخروج السريع من المملكة إذا تطلبت الظروف الطبية تحركاً أو إذا ساءت الأوضاع الداخلية.

رابط المقال الأصلي: هنــــا
**
وفي السياق ذاته، نقلت تقارير أن "الأمير محمد بن سلمان لم يُصب في الحادث، ولكن أصيب برعب شديد يؤثر في قراراته وحياته الآن"، نقلا عن المطلعين في تعليقه على ما ترتب عن الهجوم الذي استهدف القصر الملكي في الرياض مؤخرا. وأكدوا أيضا وقوع عمل مسلح لأهداف سياسية من دائرة الحكم وليس عملا "إرهابيا" اعتياديا.
ونقلت تقارير أن ولي العهد قد نجا من الهجوم الذي كان من الصعب نجاحه: "لكنه أصيب بذعر كبير، لم يكن يتصور وقوع عملية تستهدف القصر الذي يفترضه أنه المكان الأكثر حراسة في المملكة العربية السعودية، وأن يأتي من جهات عليمة بتحركاته، أي المحيط العام للعائلة والأجهزة الأمنية".

وترتب عن الهجوم تغييرا كاملا في حياة الأمير محمد بن سلمان وتنقلاته واتصالاته. وذكرت مصادر أن جهات غربية قدمت نصيحة إلى ولي العهد محمد بن سلمان، وطالبته بالتقليل من الظهور والتقليل من المبادرات وتجنب القرارات التي ستصنع له مزيدا من الأعداء داخل الأسرة الملكية ومحيطها ووسط الشعب، وأشارت عليه بعدم التصرف مثل الملك الحقيقي للبلاد بل الانتظار حتى يتحول إلى مل

كيف غضب المصريون ضد الغلاء والضرائب على مر التاريخ؟

كيف غضب المصريون ضد الغلاء والضرائب على مر التاريخ؟



واجهت مصر في تاريخها العديد من الأوقات العصيبة التي دفعت الشعب إلى الثورة على الأوضاع، والمطالبة بالإصلاح، واختلفت هذه التحركات بين أسباب سياسية واجتماعية أحياناً، وأسباب اقتصادية تتعلق بالاقتصاد والضرائب أحياناً أخرى، وهو ما سنختص بتتبعه في هذا المقال، وكيف عبر المصريون عن غضبهم ضد ارتفاع الأسعار والضرائب على مدار التاريخ؟
 ففي عام 1695 عانت مصر من غلاء شديد ومجاعة لأسباب تتعلق بسوء إدارة المماليك لحكم البلاد، وتعرضها لأزمة اقتصادية طاحنة، واشتدت الأزمة حتى نزح أهل القرى إلى القاهرة، وامتلأت بهم الأزقة، وأكل الناس الجيف، ومات الكثير من الجوع، وخلت القرى من أصحابها وخطف الفقراء الخبز من الأسواق.
ويصف الجبرتي هذه الحالة فيقول:

(في منتصف المحرم… اجتمع الفقراء والشحاذون، رجالاً، ونساء وصبياناً، وطلعوا إلى القلعة ووقفوا بحوش الديوان وصاحوا من الجوع، فلم يجِبهم أحد فنهبوا حواصل الغلة ووكالة القمح، وحصل بمصر شدة عظيمة وحضر أهالي القرى والأرياف حتى امتلأت منهم الأزقة، وخطف الفقراء الخبز من الأسواق ومن الأفران ومن على رؤوس الخبازين، ويذهب الرجلان والثلاثة مع طبق الخبز يحرسونه من الخطف وبأيديهم العصي حتى يخبزوه بالفرن ثم يعودون به.. وأدى غضب الشعب هذا إلى عزل الوالي الظالم علي باشا خازن دار، وعُين مكانه والٍ آخر فجمع الفقراء والشحاذين ووزعهم على الأمراء والأعيان… واختص هو والأعيان بفريق منهم، وعين لهم ما يكفيهم من الخبز والطعام صباحاً ومساء حتى انقضى الغلاء.

كما ثار الشعب المصري بعد ذلك بسنتين (أبريل/نيسان 1697)؛ إذ طلب من ياسف اليهودي -ملتزم دار صك النقود- بالسفر إلى إسطنبول، وعندما سأله السلطان العثماني عن أحوال مصر وعن إمكانية زيادة الضرائب المفروضة على أهلها، أجاب بأنه من الممكن عمل ذلك، والتزم بتحصيل ذلك، فكتب له السلطان الفرمانات والأوامر السلطانية اللازمة وعاد إلى مصر، فلما نادى رجال الوالي بذلك بين الناس، ويصف الجبرتي موقف المصريين في ذلك فيقول: (فاغتمّ الناس وتوجّه التجار وأعيان البلد إلى الأمراء وتوجهوا إلى الوالي وسألوه أن يسلمهم اليهودي، فامتنع من تسليمه فأغلظوا عليه، وصمموا على أخذه منه فأمر الوالي بوضعه في السجن، إلى أن ينظر في أمره، فقامت الجند على الوالي وطلبوا أن يسلمهم اليهودي المذكور؛ ليقتلوه فامتنع، فمضوا إلى السجن وأخرجوه وقام الشعب بجمع الحطب وحرقه.

وفي يناير/كانون الثاني عام 1786م قام بعض سكان القاهرة بثورة ووجدوا في ذلك تأييداً من علماء مصر، لاسيما من الشيخ "أحمد الدردير" مفتي المالكية، فلقد قام حسين بك (المعروف بشفت أي اليهودي وكان من كبار المماليك) ومعه طائفة من جنوده قاصداً منطقة الحسينية، وهجم على دار رجل يدعى أحمد سالم الجزار، ونهبه حتى مصاغ النساء والفراش، ورجع والناس تنظر إليه)، وفي صباح اليوم التالي ثارت جماعة من أهل الحسينية، وذهبوا إلى الجامع الأزهر ومعهم الطبول، وشكوا أمرهم إلى الشيخ أحمد الدردير فشجعهم، فخرجوا من نواصي الجامع وقفلوا أبوابه، وصعد منهم طائفة على أعلى المنارات يصيحون ويضربون بالطبول… وانتشروا بالأسواق… وأغلقوا الحوانيت، وقال لهم الشيخ الدردير: في الغد نجمع الأهالى وأركب معكم وننهب بيوتهم كما ينهبون بيوتنا، ونموت شهداء أو ينصرنا الله عليهم) فأرسل له إبراهيم بك شيخ البلد وكبير المماليك، وقال للشيخ الدردير: اكتب لنا قائمة بالمنهوبات ونأتي بها من محل ما تكون، واتفقوا على ذلك وقرأوا الفاتحة وانتهت الأزمة).

الثورة ضد مراد بك وإبراهيم بك


في عام 1795 أسرف محمد بك الألفي أحد أمراء المماليك في فرض ضرائب جزافية على سكان إحدى القرى القريبة من بلبيس فاستغاث الناس بالشيخ الشرقاوي شيخ الأزهر، فثارت ثائرة الشيخ الشرقاوي وعزم على القيام بحركة شعبية يهتز لها مركز هؤلاء الأمراء، فذهب إلى الجامع الأزهر، وجمع إليه المشايخ وأمر بإغلاق أبواب الجامع إيذاناً بأن أمراً خطيراً قد وقع، وانطلق المنادون يأمرون بغلق الحوانيت وهجر الأسواق، وفي اليوم التالي كانت جموع الشعب تتجه من كل حدب وصوب إلى الجامع الأزهر، واكتظ المسجد والحي بالحشود الشعبية، وتقدم الشيخ الشرقاوي والمشايخ العلماء المواكب الشعبية الصاخبة، وذهبوا إلى بالقرب من دار إبراهيم بك حتى يرى غضب الشعب على حكومته، وطلبوا منه رفع الظلم والجور وإقامة الشرع وإبطال الحوادث والمكوسات، واجتمع العامة والرعية إلى المشايخ والعلماء وباتو بالجامع الأزهر، فطلب مراد بك وإبراهيم بك مقابلة رؤوس المشايخ والعلماء لتلبية مطالبهم، وحضر الوالي هذا اللقاء، وأرادت الجموع أن تسير وراءهم إلى الاجتماع فمنعهم المشايخ وطلبوا منهم الانتظار في الأزهر، وطالت الجلسة وقرر البكوات في نهايتها أنهم تابوا ورجعوا والتزموا بما شرطه العلماء عليهم.



مراجع:
– د. عمر عبد العزيز عمر، تاريخ مصر الحديث والمعاصر، دار المعرفة الجامعية، 2002.
 – عجائب الآثار في التراجم والأخبار تاريخ الجبرتي، دار الكتب المصرية.


الثلاثاء، 5 يونيو 2018

هل دعا أحمد سعيد إلى اغتيال عبد الناصر؟

 هل دعا أحمد سعيد إلى اغتيال عبد الناصر؟

                أحمد سعيد                   جمال عبد الناصر               


وائل قنديل
مازلت أتذكّر تلك الليلة جيداً، كانت الليلة الأولى في رحلة الحج، في العام 2003، وكان جاري في المخيم عجوزاً يمنياً تجاوز السبعين، ودار بيننا حوار سريع للتعارف، حين أخبرته أني صحافي مصري، أعمل في صحيفة "العربي" الناصرية. اكتسى صوته بالشجن، وحدثني عن جمال عبد الناصر وأحمد سعيد وثورة اليمن.

قال لي إن الراديو في اليمن، في تلك الأيام كان يعني أحمد سعيد و"صوت العرب". 
فقلت له إنني أعرف الأستاذ أحمد سعيد وبيننا صداقة، ويمكن أن أتصل به لتسلم عليه الآن، فاندهش الرجل ولم يصدّق، إلا بعد أن أعطيته الهاتف، وسمع صوت أحمد سعيد على الجانب الآخر، وتحدث معه، والدموع تبلّل صوته.

لم يتعرض أحد من الإعلاميين لظلم، مثل أحمد سعيد الذي كان مذيعاً متحققاً ومعروفاً قبل أن يظهر في الأفق السياسي المصري شخصٌ اسمه جمال عبد الناصر، وقبل وقوع حدث يوليو/ تموز 1952 الذي غير وجه الحياة في مصر والمنطقة العربية.

لم يكن أحمد سعيد صنيعة جمال عبد الناصر، كما لم يكن صانعاً للنكسة التي قصمت ظهر عبد الناصر، وأطاحت أحمد سعيد من"صوت العرب"، وشاءت إرادة الله أن تختار ليلة ذكرى النكسة لتكون موعد وفاة "مذيع النكسة" المفترى عليه.

في نهاية تسعينيات القرن الماضى، روى لي أحمد سعيد قصته مع عبد الناصر والإذاعة والنكسة في حوار طويل في صحيفة "العربي" الصادرة عن الحزب الناصري في ذلك الوقت، وهو الحوار الذي كان محل استهجان من بعض الناصريبن الذين لا يطيقون سماع اسم أحمد سعيد، وكأنه المسؤول عن النكسة، أو كان قائداً للجيوش العربية التي انكسرت.

عن بيانات النكسة، قال لي أحمد سعيد، إنه في حالة الحروب ليس بإمكان المذيع أن يضيف أو ينتقص حرفاً واحداً مما يرد إليه من رئاسة أركان الجيش، حتى لو كان موقناً بأن هذه البيانات كاذبة، وإن القانون الحاكم لهذه المسألة يعاقب من يمتنع عن إذاعة البيانات، أو يبدّل فيها، بالإعدام رمياً بالرصاص.

في أعقاب النكسة، وبعد سقوط الأكاذيب، كان أحمد سعيد يقدّم تعليقاً يومياً على الأحداث، عبر"صوت العرب" التي أسسها وأدارها وتولى رئاستها، حتى بات جهاز الراديو يعرف باسمه واسمها، وكانت لهجته أشدّ وأكبر من قدرة سلطة عبد الناصر على احتمالها، إذ كان يرى في النكسة هزيمة نظام، لا هزيمة جيش، وجاهر بذلك، بصوته، عبر موجات الأثير، حتى أنهم فرضوا عليه رقابةً مشدّدة، بحيث لا يذيع شيئاً من دون مراجعة رأس السلطة.

أما الذي أغضب جمال عبد الناصر في تعليقات أحمد سعيد، وكما روى الأخير بلسانه، أنه لم يتمالك نفسه، حين طرحت مبادرة روجرز، عقب النكسة، ووجد اتجاهاً من جمال عبد الناصر للقبول بها، فتحوّل تعليقه اليومي إلى بركانٍ من الغضب والتحذير من هذه الخطوة الاستسلامية، ووصل الغضب بأحمد سعيد إلى أن قال، موجهاً الحديث إلى عبد الناصر، إنه في حالة الاستسلام لمبادرة روجرز والدخول في مفاوضات مع العدو، ودماء الجنود على رمل سيناء لم تجفّ بعد، فإن الأمة العربية لن تعجز عن أن تقدم "مصطفى شكري عشو" آخر لينقذها من هذا المصير.

كانت تلك العبارات هي القاصمة لعلاقة أحمد سعيد ب "صوت العرب" ونظام عبد الناصر، إذ أن مصطفى شكري عشو هو الفلسطيني الذي نفذ عملية اغتيال الملك عبد الله الأول، ملك الأردن، في ساحة المسجد الأقصى، عام 1951 بعد ذيوع أنباء دخول الملك مع الصهاينة في اتفاقيات تكرس احتلال فلسطين.

وبعد هذا التعليق مباشرة، أرسل وزير الإعلام، محمد فائق، إلى أحمد سعيد من يقول له إنه من الواضح أن أعصابه مرهقة، وعليه أن يستريح في بيته حتى يهدأ، فكانت استقالته، أو بالأحرى إقالته، من "صوت العرب".

خلاصة القول إن عبد الناصر لم يصنع أحمد سعيد، كما أن الأخير لم يصنع زعامة الأول.. ونكسته.