الخميس، 5 فبراير 2026

قراءة في رواية: الرجل الذي عاش تحت الأرض

قراءة في رواية: الرجل الذي عاش تحت الأرض




المؤلف: ريتشارد رايت

نبذه عن الكتاب


في هذه الرواية القاسية التي ظلت لعقود طي


 النسيان يقدم ريتشارد رايت نصا صادما عن 


العزلة والظلم وانهيار الذات تحت وطأة سلطة 


بوليسية متغولة، الرجل الذي عاش تحت الأرض 


ليست مجرد حكاية رجل أسود يتهم ظلما بل 


شهادة أدبية دامغة عن التجربة الأمريكية 


السوداء، عن القمع حين يصبح الهواء ملوثا 


بالخوف والعدالة مطوقة بالأصفاد..

ليست هذه الرواية مجرد عمل سردي عن رجل مطارد، بل نصٌّ كاشف لبنية المجتمع الحديث حين يتعرّى من شعاراته.

قراءة يسري الخطيب

رواية سبقت عصرها: لماذا أخافت الرجل الذي عاش تحت الأرض ناشريها؟

كتبها ريتشارد رايت عام 1942، لكنها ظلت مؤجلة، مختصرة، مخفية، لأن سؤالها كان أخطر من زمنها:

هل الظلم انحراف في النظام، أم هو جوهره؟

الشخصيات الأساسية ودلالتها

فريد دانيلز

بطل الرواية ومحورها. رجل أسود فقير، يتحول من ضحية تعذيب إلى شاهد على عبث العالم.

شخصيته ليست فردية بقدر ما هي رمزية؛ يمثل الإنسان حين يُجرَّد من اسمه وتاريخه وكرامته، ثم يُلقى خارج المجتمع ليكتشف حقيقته من الهامش.

رجال الشرطة

لا يحملون أسماء واضحة، وكأن رايت يتعمد تذويبهم في كتلة واحدة. إنهم ليسوا أفرادًا، بل مؤسسة.

يمثلون السلطة حين تفقد إنسانيتها، والقانون حين يتحول إلى عنف مشروع.

المجتمع فوق الأرض

وإن بدا غائبًا عن السرد المباشر، إلا أنه الشخصية الأخطر في الرواية. مجتمع صامت، متواطئ، يحتاج دائمًا إلى متهم ليشعر بتوازنه الأخلاقي.

الرواية في ميزان الفكر والفلسفة

حين ينزل فريد إلى العالم تحت الأرض، لا يهرب من الواقع، بل يراه للمرة الأولى بلا رتوش.

هناك، بعيدًا عن اللغة والقانون والمال، يدرك أن القيم التي يحكم بها المجتمع ليست طبيعية ولا أبدية، بل مصطنعة، ومفروضة بالقوة.

هنا تلتقي الرواية مع الفلسفة الوجودية، دون أن تتورط في التنظير.

فالحرية لا تأتي من القانون، بل من الوعي.

والمأساة ليست في القمع وحده، بل في قبول الناس به.

مقارنة فكرية: رايت، كافكا، وسارتر

مع كافكا، تشترك الرواية في فكرة الإنسان المتهم دون جريمة، الملاحَق داخل نظام لا يفهمه ولا يستطيع الدفاع عن نفسه فيه. لكن عالم رايت أكثر واقعية، أقل عبثية رمزية، وأكثر مباشرة في اتهامه للسلطة.

ومع سارتر، تلتقي في فكرة الوعي المؤلم. ففريد، مثل شخصيات سارتر، لا يعاني لأنه جاهل، بل لأنه أصبح واعيًا أكثر مما يحتمل. المعرفة هنا ليست خلاصًا، بل عبئًا.

غير أن رايت يتفوق في نقطة حاسمة:

هو لا يعزل الوجود عن السياسة، ولا الوعي عن العنصرية، بل يضعهما في قلب الصراع.

الرواية والواقع المعاصر

رغم مرور أكثر من ثمانية عقود على كتابتها، تبدو الرواية وكأنها كُتبت اليوم.

العنف الشرطي، العنصرية البنيوية، البحث عن “مذنب جاهز”، شيطنة الضحية، كلها قضايا ما زالت تتكرر في الولايات المتحدة وخارجها.

بل إن فكرة “العيش تحت الأرض” لم تعد مجازًا أدبيًا فقط، بل توصيفًا لحال ملايين البشر الذين يعيشون خارج الضوء، خارج الاعتراف، داخل أنظمة لا تراهم إلا كأرقام أو تهديدات.

الرواية تقول بوضوح:

حين يصبح القانون أداة قهر، فإن الهروب منه لا يكون جريمة، بل محاولة نجاة.

خلاصة فكرية

«الرجل الذي عاش تحت الأرض» ليست رواية عن الهروب، بل عن المواجهة.

وليست إدانة للشرطة فقط، بل للمجتمع الذي يمنحها الشرعية.

وليست دعوة للفوضى، بل فضحٌ لنظام يدّعي النظام وهو قائم على الظلم.

يضعنا رايت أمام سؤال أخلاقي خطير:

هل المشكلة في الخارجين على القانون، أم في القانون نفسه؟

 







ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق