قُبّةُ سليمان… هدوءُ الحجر حين يُصلّي
تنهض هذه القبة في هدوءٍ مهيب شمال المسجد الأقصى، كأنها نقطة تأمّلٍ خارج ضجيج الزمن، تحيط بها أشجار الزيتون إحاطة الحارس الأمين بالذكرى، وتفتح عينيها على السماء بوقار القِدم ورصانة المعنى.
ليست قبةً عالية الصخب، ولا مبهرة اللمعان، لكنها عميقة الدلالة، تنتمي إلى طبقة الأبنية التي تُخاطب القلب قبل البصر.
هي بناءٌ مثمّن، يتوسّطه صخرٌ طبيعي ثابت، صخرٌ لم يُنقل ولم يُشكّل، كأنه شاهدٌ على أن هذا المكان لم يُنشأ ليُغطي الأرض بل ليحفظها.
ومن هنا جاءت تسميتها عند بعض المؤرخين بـ«قبة الصخرة الصغرى»، لا من باب المشابهة المعمارية وحدها، بل من باب المشاركة في المعنى: صخرةٌ تُصان، لا تُستعمل.
تبدو القبة من الخارج كحوارٍ هادئ بين الحجر والفراغ؛ أقواسها تحوّلت إلى نوافذ، والنوافذ إلى فتحات ضوء، كأن المعمار هنا يتخفّف من ثقل الجدران ليمنح الداخلين إحساسًا بالانفتاح والسكينة. ست عشرة نافذة توزّع الضوء باعتدال، لا إسراف فيه ولا حرمان، فتغدو القبة في النهار أقرب إلى فانوسٍ حجريٍّ يتنفس النور.
وفي بساطتها تكمن عظمتها؛ لا زخرف زائد، ولا ارتفاع متكلّف، بل تناسبٌ محسوب، وتوازنٌ يوحي بأن الجمال قد يكون أحيانًا في الاكتفاء. قبة سليمان لا تنافس غيرها من معالم الأقصى، لكنها تكملها، كما تكمل الهمسةُ الصادقةُ نشيدًا طويلًا.
إنها شاهدٌ على تعاقب العصور لا بصخب التحوّل، بل بهدوء الاستمرار؛ قبةٌ تقول إن في الأقصى معالم لا تُعرَف بالكثرة، بل بالثبات، ولا تُقرأ بالعين وحدها، بل بالبصيرة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق