الحاج ترامب صاحب الفضيلة
وائل قنديل
آخر شخصٍ في العالم يمكن أن يتحدّث في الصواب والخطأ والعدل والظلم هو دونالد ترامب، لأسباب لا تحتاج شروحات وأدلةً كثيرة. وعلى الرغم من ذلك، يصرّ هذا الرجل على أنّه ميزان القيم في العالم. والأكثر مدعاة للدهشة أنّ هناك صنفًا من الحُكّام، وخصوصاً في الشرق الأوسط العائم فوق بحيرة من الطغيان، يتخذه قدوة ولا يفوّت مناسبة إلّا ويُجدّد فيها الولاء الكامل لسياساته الحكيمة ويعلن أنه وحده صاحب الحل والعقد في قضايا الإقليم، ويفتح خزائنه ليغترف منها "رئيس الكوكب" ما يشاء.
مع الانفجار الأكبر لأنبوب وثائق فضيحة جيفري إبستين وشهاداتها على موقع وزارة العدل الأميركية، ورد اسم الرئيس الأميركي مئات المرات مُرتبطًا بجرائم ارتُكبت في جزيرة الشرور والرذائل بحقّ فتيات لم يكنّ قد غادرن سنّ الطفولة حين افترسهن أوغاد العالم. هذا الحضور الغزير لاسم ترامب في القضية كان من المُفترض أن يدفع الذين اتخذوه قدوة وقائداً لمُراجعة مواقفهم وتهدئة اندفاعهم المجنون خلفه، وهو يقرّر ويُفصّل وحده في قضايانا، على الأقل حتى تنتهي التحقيقات في فضيحة القرن، بل القرون كلّها.
هذا الشخص الذي يُباهي بالقرصنة على ثروات الشعوب والبلطجة على حكّام مُنتخبين لا يصحّ بأيّ معيار أن يكون صاحب الولاية والوصاية على قطاع غزّة وفلسطين والشرق الأوسط كلّه، لا يستقيم عقلًا أو منطقًا، أو بأيّ قياس أخلاقي أو قانوني، أن تصبح خططه وقراراته محلّ تقديس والتزام كامل من قبل الذين يودعون في قيادته وإدارته كلّ أرصدتهم من الثقة في عدالته والتسليم بقدرته على حلّ أعقد القضايا، وهو ما يمنحه القدرة على ادّعاء أنّه "المختار" من السماء لحلّ كلّ مشكلات الأرض، وأن يتصرّف وكأنّه القانون الإنساني والأخلاقي الذي يجب أن ينصاع له العالم.
يستخدم ترامب استراتيجية "القنفذ" كلّما وُجِّه إليه أحد اتهامًا أو سؤالًا لا يتوافق مع فكرته عن نفسه، بوصفه حامي الفضائل والأخلاقيات، إذ يبرز أشواكه ويهجم على السائلين مُحاضرًا لهم في الأخلاق والقيم، وخصوصًا إذا كان السؤال عن ورود اسمه في أوراق قضية إبستين، هنا يتحوّل الشخص الذي لا يخفي ملامح القرصان حين يهدّد دولة ما، إلى "الحاج الزاهد الناسك دونالد ترامب" فينهال تقريعًا واتهامًا على الصحافيين والمراسلين الذين يواجهونه بالأسئلة، على نحو ما فعل مع مراسلة سي أن أن، كايتلان كولينز، التي تجرّأت وسألته عن ملفات إبستين، هنا انفعل "الحاج" وانقضّ على المسكينة بشراسة ليقول لها إنها الأسوأ بين المراسلين وإنها لا تبتسم أبدًا كونها لا تقول الحقيقة.
ردّة الفعل ذاتها أظهرها ترامب في أواخر نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 حين باغته سؤال على متن طائرة الرئاسة، حول الموضوع نفسه، حيث مال ترامب على مراسلة بلومبيرغ نيوز، كاثرين لوسي، التي وجّهت السؤال، وهو يشير بإصبعه ويصيح "اهدئي أيتها الخنزيرة" لأنّها فقط استفسرت منه عن رسالة بريد إلكتروني نُشرت وادّعى فيها إبستين أنّ ترامب "كان على علم بالفتيات".
بعدها بأربع وعشرين ساعة فقط، سألت مراسلة محطّة ABC في البيت الأبيض، ماري بروس، في الموضوع نفسه، عن عدم نشر ترامب للملفات المُتعلّقة بجيفري إبستين، المُدان بالاعتداء الجنسي، فهاج الرئيس الأميركي وماج وانهال بالسُباب على الصحافية والشبكة التي تعمل بها "قناة أخبار كاذبة وواحدة من أسوأ المراسلين الذين غطوا الجناح الغربي للبيت الأبيض". هكذا قرّر الحاج ترامب.
إلحاح ترامب على انتحال صفات ومواقف تُظهره رجل الفضيلة والقيم، يفسّره علم النفس بأنّه محاولة دفاعية طفولية للتحايل على إدراكه حقيقته التي هي معكوس ادّعاءاته، وهي آلية تتخذ شكل الجنون أحيانًا، على طريقته حين سأله صحافيون نهاية إبريل/ نيسان الماضي، إن كان هناك شخص يفضّله أو يرجّحه لخلافة البابا فرنسيس كرأس للكنيسة الكاثوليكية، فأجاب ترامب بمزيج من الجد والمزاح: "أود أن أصبح أنا البابا، سيكون ذلك خياري الأول".

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق