الخميس، 5 فبراير 2026

فضيحة أبستين وسقوط الصنم

 فضيحة أبستين وسقوط الصنم

د. عطية عدلان
باحث ومفكر إسلامي متخصص في العلوم الشرعية


لا عجب ولا غرابة فيما وقع؛ فليس على معدوم الحياء ملامٌ إذا تعرّى وتفسّخ وجاهر بإبداء عورته وإزجاء سوأته، إنّها التربة النَّكِدة التي لا تخرج إلا نَكِدًا، وإنّها النتيجة الطبيعية عندما لا يكون مصدر الأخلاق هو الله تعالى من خلال وحيه وشرعه ودينه، عندما يكون الإنسان المتقلب هو مصدر التشريع وسيد الأرض الذي لا يصح للسماء أن تفرض وصايتها عليه، عندما يكون الإنسان الذي لا يليق به - كما تقول الحداثة - أن يخضع لإله وراء هذا الكون هو الذي يضع المعايير للقيم والأخلاق، عندما يكون الوضع على هذا النحو فلا عجب أن تكون الأخلاق نسبِيَّةً متطورةً خارج دائرة الثوابت، متطورةً لا بالمعنى الصاعد، وإنّما بالمعنى الذي يكون فيه السابق باطلًا واللاحق حقًا بغض النظر عن قيمة أيٍّ منهما!

الفضيحة الكاشفة

تنتشر في هذه الأيام - على نطاق واسع - فضيحةٌ، كشفت للعالم أجمع أنّ الحضارة المعاصرة ليست سوى جاهلية قبيحة، كشفت عن سوأتها في تبجح ووقاحة، وهي فضيحة "إبستين"، نسبة إلى رجل الأعمال الأمريكي الصهيونيّ "جفري إبستين"، الذي حاز المليارات من الاتجار في الجنس والدعارة، ومات في سجنه في ظروف غامضة، وقد كان لذلك المجرم شبكة علاقات واسعة، شملت رجال أعمال وأفرادًا من العائلات المالكة وسياسيين وأكاديميين، بما فيهم دونالد ترمب، والأمير أندرو، وبيل كلينتون، و تُظهر الوثائق التي نشرها التجمع الديمقراطي في مجلس النواب في سبتمبر 2025 علاقاته مع نخب كثيرة من أمثال: بيتر ثيل، وإيلون ماسك، وبيل غيتس، ولورانس سامرز، وستيف بانون، وفي يناير 2026، نشرت المزيد من ملفات إبستين، دلّلت على اتصال واسع النطاق مع إيهود باراك، وستيف تيش، وهوارد لوتنيك، وكاثي روملير وميته ماريت، ولية عهد النرويج، هذه الفضيحة تتمثل في اغتصاب فتيات لم يجاوزوا الرابعة عشرة من عمرهن، وإرغامهن على ممارسة الجنس مع شخصيات من تلك النخب النكدة.

دلالات مأساوية

إنّ "فضيحة إبستين" ليست مجرد قصة عن رجل أعمال منحرف، بل هي مرآة تكشف تداخل المال والسياسة والاستخبارات في شبكات مظلمة، أخطر نتائجها تكمن في أنها فضيحة تتجاوز كونها قضية جنائية لتصبح أزمة بنيوية إنسانية مجتمعية تمس السياسة والقانون والمجتمع والعالم، وأنّها ستؤدي حتمًا إلى تداعيات طويلة الأمد ثقيلة النكد على الثقة الشعبية في الأنظمة القانونية والمؤسسات الدبلوماسية، إنّها فضيحة تذكّر البشرية بأن الحضارات لا تنهار حين تفقد قوتها، بل حين تفقد أخلاقها، وبأنّ العدالة إنْ كانت انتقائية ولم تكن شاملة فهي زائفة، وإن لم تحمِ الضعفاء فهي مجرد دعوى لا أساس لها ولا قرار.

    القضية أظهرت بوضوح أنّ القانون لا يُطبَّق بالتساوي، وأنّ النخب السياسية والمالية والفكرية تمتلك حصانة وإن كانت غير مكتوبة، كيف يحدث هذا بربّ السماء؟! شخصٌ مُدان بالاتجار الجنسي بالأطفال يعيش لعقود بلا محاسبة حقيقية! لا ريب أنّ هذا يهدم أحد الأعمدة الأخلاقية التي تتغنى بها الحداثة الغربية: المساواة أمام القانون، ثم ما التفسير لوجود شبكات استغلال منظمة داخل "قمة الهرم" فإبستين لم يكن ضبعًا وحيدًا منفردًا، بل كان مرتبطًا بمنظومة ضباع من رؤساء دول وأمراء ومليارديرات وأكاديميين وأجهزة استخبارات، وأخطر ما تقوم به هذه الشبكات هو استخدم الابتزاز الجنسي كأداة نفوذ.

ليست الأولى ولن تكون الأخيرة

هذه الفضيحة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، ليست الأولى؛ فقد سبقتها فضائح يندى لها جبين الإنسانية، من أشهرها تلك التي وقعت إبان سقوط جدار برلين، حين نشطت تجارة من شرق أوربا إلى غربها في البضائع البشرية من النساء والأطفال، مما دعا البعض إلى تسميتها بالرقيق الأبيض، تلك الظاهرة أزعجت المنظمات الدولية يومها؛ لذلك أصدرت المنظمة الدولية لمساعدة الطفولة "يونيسف" تقريرًا اشتركت فيه مع المفوضية الدولية لحقوق الإنسان، ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، جاء فيه: "إن تجارة الرقيق الأبيض ازداد نشاطها في الآونة الأخيرة، وإن أغلب الضحايا من النساء والفتيات، ينحدرن من روسيا وأوكرانيا ورومانيا وبلغاريا، وغيرها من دول شرق أوروبا، حيث يتم بيعهن في غرب أوروبا"، وقالت اليونيسيف: "إن تجارة الرقيق الأبيض في أوروبا صارت هي الدجاجة السحرية التي تبيض ذهبًا، وأشار التقرير إلى أن ثمن المرأة خمسة آلاف يورو أما ثمن العذراء فهو ثمانية آلاف يورو".

    كما أنّها لن تكون الأخيرة؛ لأنّ الفساد والإفساد متجذِّرٌ في التربة الفكرية والأخلاقية للمدنية المعاصرة، والحقيقة المؤلمة أنّ الانحطاط لم يكن في الموروث وحسب، بل كان في أغلب "أنبياء النهضة والتنوير!" فعلى الرغم من أنّ فكرهم كان وقودا للثورة والتغيير، لم تجد الشعوب في سلوكياتهم الشخصية ما يتسق مع العطاء الفكري، وقد انتشر ذكر هذه الظاهرة والتعليق عليها في كتب غربية لكتاب غربيين، منها كتاب "إعادة التفكير في الحداثة" وأنقل منه هذا المقطع الذي يعلق فيه على أحد القمم الفكرية في الغرب: "ولقد حدث في منتصف القرن الثامن عشر أن أنتجت نسبة كبيرة من البرجوازيين الأوربيين بقوتهم الاقتصادية الكبرى ثرواتهم وراكموها على أساس الأنشطة التجارية المرتبطة بتجارة العبيد ... ومن أمثالهم (جون لوك) الذي استثمر ماله في مشروعات تجارية تعتمد على الرق لتوليد عائد من تلك الاستثمارات، وفي الوقت ذاته كان مناهضا لتجارة الرقيق!"، وقد تخللت التعليقات من هذا النوع الكثير من الكتب التي تحدثت عن تاريخ الفكر السياسي وتطوره، مثل "سباين" و"شوفالييه" و"دوفرجيه" و"بول جونسون" الذي قال في كتابه "المثقفون": ""مازوكي، محب للمظاهر، نوراستيني مصاب بوسواس مرضيّ، ممارس للعادة السرية، شاذ جنسيا شذوذا كامنا، عاجز عن الحب الأوبويّ، شديد الارتياب في الآخرين، نرجسي، شديد الانطواء، يملؤه الشعور بالذنب، جبان لدرجة مرضية، مريض بالسرقة، صبياني السلوك، سريع الاستثارة، بخيل"، وعن ماركس ولينين وغيرههما، حتى برتراند رسل الحكيم كان له نصيب من القدح الغليظ.

فلترحلي أيتها العجوز الشمطاء

إنّ الانهيار الأخلاقي في ظل الحضارة المعاصرة أحد أهم أسباب أفولها، وإنّها إذا أفَلَتْ فلا بديل عنها إلا الإسلام؛ لأنّ ما تتوق إليه الإنسانية وما تتعطش لا يوجد إلا في الإسلام، فبعد أن أفلست الحضارة المعاصرة من كل ما يمكن أن تقدمه للإنسانية - مما هي في أمسّ الحاجة إليه - لا بديل للبشرية عن الإسلام، فالإسلام هو البديل، بل هو الأصيل، الذي غاب عن الساحة لأسباب داخلية وخارجية، بعضها معلوم للكافّة، وبعضها يجب على العلماء أن يبينوه للناس، لقد آن الأوان لأمتنا أن تبني مشروعها، وأن تتداعى للعمل عليه والالتفاف حوله، بدلًا من إدمان التعلق بحضارة مادّية عرجاء شمطاء قد جمعت حقائبها وآذنت بالرحيل، وقد قضى الله تعالى بأنّ الأيام دول، وبأنّ سنة التداول بين الأمم والحضارات ماضية لا تتخلّف:

(وَتِلْكَ ‌الْأَيَّامُ ‌نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ) (آل عمران: 140)، (وَلَنْ تَجِدَ ‌لِسُنَّةِ ‌اللَّهِ ‌تَبْدِيلاً) (الأحزاب: 62).

صيحة النذير العريان

في ظل التفسخ والانحلال والتردي الأخلاقي الذي هبطت إليه البشرية في واقعها المعاصر؛ يجب على المسلمين أن يصونوا أنفسهم وأن يحفظوا أعراضهم، وأن يقوم كل شخص وكل أسرة وكل مؤسسة بالعمل على حماية مجتمعات المسلمين من الرذيلة، وليعلم المسلمون أجمعون أنّ من أخطر ما خوف منه رسول الله صلى الله عليه وسلم اتباع الأمة الإسلامية لهذه الأمم الضالة في انحرافاتها الفكرية والخلقية، فقال: «‌لَتَتَّبِعُنَّ ‌سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ» متفق عليه، وجحر الضبّ يرمز للنتن والقذارة والظلمة والتعرج والتيه وانطماس المخرج.

    كما يجب على المفكرين المسلمين الذين فتنوا بالنموذج الغربيّ وراحوا يركضون وراء الحداثيين العرب في طريق جرّ الأمة لتدخل تحت سقف هيمنة الجاهلية المعاصرة، تدعوهم جميعًا إلى أن يراجعوا أنفسهم، فقد تواترت الأدلة العملية على تهافت هذا النموذج الجاهليّ، وتهيب بهم وبجميع المهتمين بالدراسات الحضارية أن يحكموا الشرع والعقل لا الهوى والشهوة، وأن يهجروا هذه الدعاوى إلى البحث والتنقيب عن النموذج الإسلاميّ في كل الممجالات وكافّة الميادين، فإنّ الله تعالى أكمل دينه وأتم على الأمة نعمته: 

(الْيَوْمَ ‌أَكْمَلْتُ ‌لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً) (المائدة: 3) ... 

والله المستعان.

المضدر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق