الإنس والجان في سوريا
أحمد عمر
تقول سيرة سيف بن ذي يزن الشعبية، أو أي سيرة شعبية يشارك فيها الإنسُ والجان في المسالك والممالك، إنه ما إن حكّ التاجر الخاتم حتى انتصب أمامه مارد، يداه كالمذاري ورجلاه كالصواري؛ لكن أمجد سوري يشبهنا، ليس ماردا أو عفريتا، فما اقترفه يدفعنا إلى الاستعارة الأدبية لفهم ما حصل، بل قد يراه البعض وسيما، بل لطيفا وصاحب دعابة، وتظهر صفحته التواصلية بعضا من جوانب سيرته العاطفية، وحبه لأهله ولصاحبته، مثله مثل توفيق جركس في فيلم البريء لعاطف الطيب، يعذب المعتقلين ثم يلهو مع الأطفال!
لقد رأينا أمجد يوسف الذي خلق من نار السموم، وهو يقتل "أهله من السوريين"، لكن من الطائفة الأخرى، الطائفة التي خُلقت من طين، قتلا يشبه اللهو في أفلام الرعب الكوميدية أو أفلام المافيا.
هو بشر مثل بقية البشر، ليس ماردا، لكن العصمة القضائية والسلاح والحقد المعتق، والفرادة الدينية، جعلته ماردا، يقتل وهو يبتسم للكاميرا، كان يقتل ضحاياه من السنّة المدنيين معصوبي الأعين، فالتعمية عقوبة إلهية استعارها البشر المتألهون لعقاب خصومهم.
"قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرا"، "وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى" (سورة طه).
إن اعتقال أمجد يوسف كان يشبه صيد القرد العملاق كينغ كونغ، أو صيد الأقزام لجلفر في رحلات جوناثان سويفت، فماذا لو رأينا كبيرهم الذي تعلم السحّر بشار الأسد في القفص غير الذهبي.
يمكن أن نسمي ما رأيناه من عجائب القصاص والتحقيق غير البوليسي، والقبض على أمجد يوسف في قريته الوادعة، باسمه وزيّه، ليس متنكرا في زي شيخ في مسجد، أو راهب في كنيسة نائية في أعماق الصحراء، أو زي فلاحة في أعالي الجبال.
ولم يرَ السوريون مشهدا في محكمة علنية قط، منذ القبض على مجموعة من قادة الإخوان سنة 1978. قال الله تعالى في كتابه الكريم: "ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون"، لكن لأنّ حياتنا خلت من القصاص، بل لأنَّ القصاص كان من الضعفاء دون الشرفاء، انتهت بمقتلة قلّ نظيرها في الأمم، فلم يكن قصاص، وفيه حياة، سوى مشاهد مسموعة من الإذاعة لسلسلة تمثيلية اسمها حكم العدالة، أو مشاهد المذيع كولومبو نظام الأسد السيد الأيوبي، وهو يسأل المجرمين والجناة سؤاله متضمنا الجواب: أين الأموال المسروقة؟ ثم يجيب عنه جوابا حكيما فيقول: صرفتها على ملذاتك الشخصية؟
فالنظام السابق غفِل عن أمر وهو أنَّ العدالة ركن ركين من أركان الدولة، ومضاف إليه أنه جنس أدبي وفني وسينمائي وحياتي، ففاته ففات.
أما عجائب القبض على أول قاتل غير "متسلسل" من مائة ألف أو مائتي ألف قاتل غير متسلسل، فأولها أنه اعتقل في بيت أهله، ومشهد الاعتقال أثار الناس، فالناس يتماهون مع العواطف وصاحب الصورة. وقيل في الاعتقال لدى معارضي الحكم الجديد: إنه ذر للرماد في العيون، لصرف النظر عن فساده، وقيل إنه معتقل منذ زمن، لكن هذا لا يثبت في ميزان أو ينزل في قبان. والعجيبة الثانية هي ردود فعل أهله، أمه وأخواته، الذين ظنّوا أنَّ مرور ثلاث سنوات على قتل 40 ضحية مدني معصوبي الأعين، وحرقهم -والعدد المقتول أكبر بعشرات الأضعاف- سقوط للتهمة بتقادم العهد وتعاور الزمان، فهم من المؤمنين بعقيدة الأبد الأسدي. وقياس الزمن عند الموالين غير الزمن عن المعارضين، فزمنهم زمن نسبي غير إينشتايني، فهو عندهم بريء، كان يطلق النار على المسلحين أو الدواعش، أو يقوم بواجبه الوطني، من غير برهان أو تحقيق.
كان يمكن أن يبقى بطلا في نظر أهله وطائفته ونظامه، وقد يبقى، ربما ينال وساما علنا أو سرا، أو واحدا من حاشية أمير النحل، لكن نزع الله ملكا، وأعزّ جندا.
والثالثة هي الصورة التي بثّها العهد الجديد، والذي يظهر فيها وزير الداخلية، الذي لم يفوّت فرصة الظهور مع كينغ كونغ، فتصدر وجه الكاميرا مع المجرم الذي كان يقوم بواجبه، ويطرح عليه السؤال الذي قد نجد أمثاله في السينما الهندية الواعظة، فلم يفوّت المشهد القصير في تحصيل المجد و"الترند"، أو لمواساة الثكالى والأيتام في تحقيق القصاص والشماتة بالمجرم.
وشكل القفص العجيب الذي حبس فيه المتهم عاطف نجيب ببدلة العيد المخططة، يشبه أقفاص الشرفات السورية، وقد جلس فيه وديعا مثل طفل، حليقا، وهو صاحب الجملة الشهيرة التي قالها القاتل الفحل لذوي معتقلي أطفال درعا: عودوا إلى دياركم وأنجبوا غيرهم، وإن لم تقدروا على ذلك، فسنفعل ذلك.
البدلة الجديدة تدل على رغبة العهد الجديد في مرحلة جديدة، والاتساء بدول العالم التي تعمم زيا واحدا على السجناء، ولا تسجنهم بزيهم المدني. ثم العجب بالفرحة الوطنية والدينية والتاريخية العارمة لدى السوريين باعتقاله، منهم من تذكّر معركة بدر، وتذكر خطاب النبي عليه الصلاة والسلام للقتلى الكفار: إنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعدكم ربكم.. أما هبل، فهرب إلى روسيا.
سنقرأ آلاف التعليقات التي تعيب إجراءات المحاكمة، وتظهر نواقصها، لأنها لا تشبه محاكمات أوروبا. إنّ قضاتنا يلبسون عباءات سوداء، كما في محاكم الغرب، لكنهم لا يضعون باروكات بيضاء كما في فيلم التقرير، وهو زي متخذ في محاكم بريطانيا، لكن الإجراءات مختلفة عنها في أوروبا، وسنرى كثيرين يصفقون لورود اسم بشار بين المطلوبين، فهي وقائع أول زفّة شعبية إلى العدالة الغائبة.
يظهر في الصور والفيديوهات اعتقال أمجد يوسف من بيته، ولحظة اعتقاله وضبطه ودسّه في السيارة، وانعكاس مستطيل للضوء على وجهه، وخلفه جندي في قبعة عسكرية تشبه قبعة الكاوبوي، وعلى وجه المجرم الهارب آثار دماء، كأنها لوحة الإعدام لفرانثيسكو غويا، وقد صورت بكاميرا حيّة. فيما بعد سنرى عاطف نجيب في القفص، والناس حوله يهتفون، كأننا في محاكمة من محاكمات القرون الوسطى من روايات فيكتور هيجو، وسمعت حوارات طريفة تدور بين أهالي ضحاياه وبين المجرم.
إن أكبر أسباب الإلحاد هو أنّ الملحدين يقيسون الله بقدرات البشر وطاقاتهم المحدودة، أما أكبر أسباب النقد الذي يوجه إلى العهد الجديد من الناقدين الأفاضل، في مدن وسائل التواصل الاجتماعي، فهو أنهم يريدون عدالة سويسرية في سوريا.
يروي فيلم 12 رجلا غاضبا، وقائع محاكمة قضية جنائية يتحول فيها المتهم المدان إلى بريء بعد إجلائها وإعادة النظر فيها، ويستطيع محام ماهر حاذق أن يجعلنا نبكي على أمجد يوسف الضابط المسكين، المغرر به، الذي لم يجد سوى القتل لأنه كان بلا عمل؛ المساعد أول في سرايا الدفاع الوطني، الذي نفذ أوامر رؤسائه، وكان يثأر لدم أخيه، ويراسل حبيبته برسائل غرام.. ويستطع محام ماهر أن يدين اقتحام الأمن لبيت أهله وترويع أمه، وإخوته وأبيه، في وضح النهار، وضربه ولكمه وإسالة الدماء من وجهه، من غير إذن النيابة، وقد يحصل على تخفيفات في الحكم، وربما على البراءة.
لنتذكر أنَّ الأنبياء جميعا كانوا صابئة، وأن أبا جهل كان مواطنا صالحا يعذّب الصابئين الذي خرجوا على الوحدة الوطنية في قريش، وشقّوا الصف، وغيروا دين قومهم وآبائهم. ولم يقتل سوى امرأة واحدة في موضع عفتها، وكان يعذب بلالا، من غير أن يعصب عينيه.
المحاكمة على عيوبها الكثيرة، سند من أسانيد الشرعية السياسية، وجنس سينمائي وإعلامي أيضا، وشفاء لصدور قوم مؤمنين.
لو لم يهرب العفريت الأزرق بشار الأسد الذي خُلق من حمأ مسنون، للبثنا في العذاب المهين.
x.com/OmarImaromar

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق