‏إظهار الرسائل ذات التسميات د. خليل العناني. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات د. خليل العناني. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 20 سبتمبر 2026

صراع المائة عام كيف تشكّلت حكاية الصراع والسياسة بين السعودية واليمن؟

صراع المائة عام
كيف تشكّلت حكاية الصراع والسياسة بين السعودية واليمن؟

كاتب وباحث في العلوم السياسية


إذا أردت فهم ما يجري اليوم على الحدود الجنوبية للجزيرة العربية، فلا بد أن تعود بالزمن نحو قرن كامل. فالقصة ليست مجرد حرب اندلعت عام 2015، وإنما حكاية طويلة بين جارَين جمعتهما الجغرافيا والتاريخ، وحكمت علاقتهما براغماتية سياسية لا تعرف عداوات دائمة ولا صداقات دائمة، بل مصالح وتحالفات تتغير بتغير موازين القوى.

المشهد الأول: الإمام والملك — حرب 1934

في ثلاثينيات القرن الماضي، كان شمال اليمن خاضعاً لحكم «الإمامة الزيدية» بقيادة الإمام يحيى حميد الدين، بينما كانت المملكة العربية السعودية قد تأسست حديثاً بقيادة الملك عبد العزيز آل سعود. أما جنوب اليمن، فكان واقعاً تحت الاحتلال البريطاني فيما عُرف بـ«محمية عدن».

حاول الإمام يحيى توسيع نفوذه شمالاً في مناطق عسير ونجران وجازان، باعتبارها أراضي يمنية. وفي المقابل، كانت الدولة السعودية الناشئة تعمل على تثبيت حدودها وتوسيع سيطرتها، فتصادم الطرفان وخاضا حرباً قصيرة انتهت بانتصار السعودية.

وفي أعقاب الحرب، وُقّعت «معاهدة الطائف» عام 1934، التي رسمت الحدود بين البلدين وأقرت بتبعية تلك المناطق للسعودية، على أن تُجدّد المعاهدة كل عشرين عاماً.

المشهد الثاني: سقوط الإمام والحرب بالوكالة — 1962–1970

في 26 سبتمبر 1962، أطاح عدد من ضباط الجيش اليمني، الذين عُرفوا باسم «الضباط الأحرار»، بنظام الإمامة وأعلنوا قيام «الجمهورية العربية اليمنية» في الشمال. وبذلك تحوّل اليمن إلى ساحة مواجهة إقليمية مفتوحة.

أرسلت مصر في عهد جمال عبد الناصر عشرات الآلاف من الجنود لدعم الجمهوريين، بينما خشيت السعودية من تمدد المد الناصري الثوري ووصوله إلى حدودها الجنوبية.

وهنا وقع أول التحولات الكبرى في السياسة السعودية تجاه اليمن. فعلى الرغم من حربها السابقة مع الإمام يحيى، سارعت الرياض إلى دعم حفيده الإمام محمد البدر (آخر أئمة المملكة المتوكلية اليمنية). لم يكن ذلك حباً في الإمامة، وإنما محاولة لدرء خطر رأت السعودية أنه أشد تهديداً لها: وجود جيش ثوري ناصري على حدودها.

انتهت الحرب بعد انسحاب القوات المصرية عقب هزيمة يونيو 1967، وصولاً إلى تسوية عام 1970، حين اعترفت السعودية بالجمهورية اليمنية مقابل ضمان أمن حدودها ومصالحها.

المشهد الثالث: صالح ولعبة التوازنات وزلزال الخليج — 1978–2000

مع وصول علي عبد الله صالح إلى الحكم عام 1978، تبنّت السعودية استراتيجية تقوم على «إدارة الفاعلين» داخل اليمن، من خلال بناء شبكات نفوذ وعلاقات مباشرة مع شيوخ القبائل والقوى الدينية والسياسية.

وكان الهدف ضمان النفوذ السعودي ومنع ظهور دولة يمنية قوية يمكن أن تتحول إلى منافس إقليمي أو مصدر تهديد على الحدود الجنوبية للمملكة.

وفي عام 1990، اتحد شطرا اليمن، الشمالي والجنوبي، لتولد «الجمهورية اليمنية» برئاسة علي عبد الله صالح. لكن فرحة الوحدة لم تدم طويلاً، إذ غزا صدام حسين الكويت بعد أسابيع قليلة.

اتخذ صالح موقفاً عُدّ مؤيداً لصدام حسين، ما أثار غضباً سعودياً وخليجياً واسعاً. وردّت السعودية بإنهاء الاستثناءات التي كانت تتمتع بها العمالة اليمنية وترحيل مئات الآلاف من اليمنيين، وهو ما شكّل صدمة اقتصادية واجتماعية وسياسية كبرى لليمن.

لكن السياسة تتبع المصالح، ولذلك عادت العلاقات تدريجياً إلى مسارها، وتُوّجت المصالحة بتوقيع «معاهدة جدة» عام 2000، التي رسمت الحدود البرية والبحرية بصورة نهائية، وأنهت النزاع الحدودي التاريخي بين البلدين.

المشهد الرابع: صعود الحوثيين والانقلاب — 2004–2014

في جبال صعدة شمالي اليمن، كانت حركة دينية وسياسية مسلحة تتشكل تحت اسم «الشباب المؤمن»، قبل أن تُعرف لاحقاً باسم «الحوثيين». تنتمي الحركة إلى البيئة الزيدية، وتتبنى خطاباً معادياً للولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية.

خاضت الدولة اليمنية ضد الحوثيين ست حروب متتالية. وفي الحرب السادسة عام 2009، امتدت المواجهات إلى داخل الحدود السعودية، لتدخل الرياض للمرة الأولى في صدام عسكري مباشر مع الجماعة.

وعندما اندلعت الاحتجاجات الشعبية في اليمن عام 2011، سعت السعودية إلى احتواء الثورة ومنع وصول القوى الإسلامية إلى السلطة، فرعت «المبادرة الخليجية» التي انتهت بتنحي علي عبد الله صالح ونقل السلطة إلى نائبه عبد ربه منصور هادي.

وهنا وقع واحد من أكثر التحولات السياسية إثارة في تاريخ اليمن الحديث: تحالف صالح، الذي خاض ست حروب ضد الحوثيين وكان حليفاً للسعودية في مواجهتهم، مع أعدائه السابقين؛ رغبةً في الانتقام من خصومه السياسيين ومن الرياض التي تخلت عنه.

وفي المقابل، وجدت السعودية نفسها متحالفة مع الإمارات وبعض القوى الإسلامية واليمنية في مواجهة التحالف الجديد بين صالح والحوثيين.

استغل الحوثيون هذا التحالف، واقتحموا العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014، وسيطروا على مؤسسات الدولة ومخازن الأسلحة الثقيلة، لتبدأ مرحلة جديدة تماماً من الصراع.

المشهد الخامس: عاصفة الحزم والتعقيد الميداني — 2015–2026

رأت الرياض في سيطرة جماعة تحظى بدعم من إيران على العاصمة اليمنية، وعلى مساحات واسعة بمحاذاة حدودها الجنوبية، خطراً أمنياً واستراتيجياً مباشراً.

وفي مارس 2015، أطلقت السعودية، على رأس تحالف عربي، «عملية عاصفة الحزم» بهدف الحد من النفوذ الحوثي وإعادة الحكومة المعترف بها دولياً إلى السلطة.

لكن العملية تحولت إلى حرب طويلة ومعقدة وشديدة الكلفة إنسانياً وعسكرياً. أطلق الحوثيون الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه المنشآت الاقتصادية والحيوية داخل السعودية، بينما واصل التحالف شن الغارات الجوية ودعم القوات المناهضة للحوثيين على الأرض.

وبعد سنوات من الحرب، عجزت الرياض عن تحقيق نصر عسكري حاسم أو إحداث تقدم ميداني ينهي سيطرة الحوثيين. وتوقفت الضربات السعودية إلى حد كبير، ودخل الطرفان في هدنة غير معلنة منذ ربيع عام 2022.

استمر هذا الوضع حتى يوليو الماضي، عندما قصفت طائرات سعودية مدرج مطار صنعاء لمنع طائرة إيرانية تقل شخصيات يمنية تابعة للحوثيين من الهبوط، بدعوى أنها انتهكت الحظر المفروض على المطار منذ اندلاع الحرب عام 2015.

وردّ الحوثيون بفرض حصار بحري على السعودية عبر باب المندب، لتنفتح جبهة جديدة في الصراع وتتسع المواجهة من الحدود البرية إلى الممرات البحرية.

 تحاول السعودية، من خلال ما يُعرف بقوات «الحكومة الشرعية» -وهي خليط من القوات النظامية والقبائل والميليشيات المسلحة- تغيير المعادلة الميدانية والضغط على الحوثيين الذين يسعون لترسيخ سيطرتهم ومدها جنوبا إلى باب المندب.

وهكذا تعود العلاقة بين السعودية واليمن إلى دائرتها التاريخية: تحالفات تتبدل، وخصوم يصبحون حلفاء، وحلفاء يتحولون إلى أعداء. فمن الإمام يحيى إلى الحوثيين، ومن الملك عبد العزيز إلى عاصفة الحزم، بقيت القاعدة واحدة: لا عداوة دائمة ولا صداقة دائمة، وإنما صراع مستمر على الحدود والنفوذ والأمن وموازين القوة بينما يدفع اليمنيون ثمنا باهظا له.



الثلاثاء، 18 أغسطس 2026

سنوات من دعم ترامب انهارت خلال 15 دقيقة

 سنوات من دعم ترامب انهارت خلال 15 دقيقة

د. خليل العناني 

قصة لافتة نشرتها صحيفة نيويورك تايمز 17 أغسطس 2026 تكشف ان الانسان يصبح عدواً لنفسه عندما يتواطأ مع القبح والظلم…

برنت جيندرا، أمريكي يعمل في قطاع التكنولوجيا، صوّت لترامب ثلاث مرات، وكان يعتبر نفسه من أنصار MAGA، ومؤيدًا بقوة لسياسات ترامب المتشددة تجاه الهجرة. لكنه لم يتخيل أن يدفع ثمن هذه السياسات المجحفة!

 

ايه الحكاية؟

اخونا برنت تزوج قبل كام شهر من شابة روسية اسمها غالينا بوبرينيفا، تبلغ 40 عاما، سافروا يقضوا عطلة زوجية في شهر يوليو الماضي وعند عودتهم في احدى مطارات كاليفورنيا أوقفهما عنصر أمني تابع لسلطات الهجرة الأمريكية، التي نشرها حبيبه ترامب في المطارات للمرازية والعكننة على خلق الله.

تم استجواب العروس الروسية لمدة 15 دقيقة بعدها تم اقتيادها مكبلة اليدين إلى سيارة لا تحمل أي علامات رسمية، وتم وضعها في مركز احتجاز للمهاجرين بدعوى تجاوز مدة تأشيرتها…

قضت العروس 16 يوما على أرضية زنزانة احتجاز في قبو وسط لوس أنجلوس، ثم أسبوعين في مركز احتجاز بصحراء موهافي وفي النهاية، أُفرج عنها بكفالة قدرها 35 ألف دولار، مع تثبيت جهاز مراقبة إلكتروني حول كاحلها. وهي الآن تخوض معركة للبقاء في الولايات المتحدة، في مواجهة اتهامات فيدرالية بتجاوز مدة تأشيرتها.

اللافت ان العروس دخلت أمريكا بشكل قانوني بتأشيرة سياحية عام 2021، ثم تقدمت بطلب لجوء، وبعد زواجها من جيندرا تقدم الأخير بطلب للحصول لها على الغرين كارد، وكان الطلب قيد النظر بالفعل. كما انه ليس لديها أي سجل جنائي.

أما زوجها، الذي صوّت لترامب ثلاث مرات، فيقول الآن:

«هي لم تقفز فوق جدار، ولم تسبح عبر نهر… لقد دخلت من باب ترامب الأمامي الكبير والجميل».

الزوج الاحمق الذي صوّت لترامب ثلاث مرات من أجل تشديد الهجرة، احتاج إلى 15 دقيقة فقط كي يرى الوجه الآخر للسياسة التي ظل يؤيدها لسنوات والان يذوق من نفس الكأس الذي ظل يدافع عنه وبسببه وصل العجل الأصفر للبيت الأبيض.

#علم_نافع

الخميس، 28 مايو 2026

أمريكا لم تعد قوة عظمى

 أمريكا لم تعد قوة عظمى

د. خليل العناني 


في عقد التسعينات، كانت أكثر شخصيتين تأثيرا في الساحة الفكرية والسياسية الأمريكية هما فرانسيس فوكوياما وصمويل هنتنغتون، وكلاهما من أبرز أساتذة العلوم السياسية في الولايات المتحدة الاول في جامعة ستانفورد والثاني في جامعة هارفارد.

 فرانسيس فوكوياما.

فوكوياما أمريكي من أصل ياباني، وُلد في شيكاغو عام 1952، لعائلة هاجرت من اليابان إلى الولايات المتحدة في بدايات القرن العشرين. وصل جده الساحل الغربي الاميركي فاراً من الحرب الروسية اليابانية وتم اعتقاله أثناء الحرب العالمية الثانية مع آلاف اليابانيين الذي كان يُشك في ولاءهم.

والده، يوشيو فوكوياما، كان عالم اجتماع وأستاذا للدراسات الدينية، وقد تلقى في بداياته تدريبا ليصبح رجل دين قبل أن يتجه إلى العمل الأكاديمي. نشأ فوكوياما في بيئة تجمع بين الانضباط الأكاديمي الصارم والهوية المهاجرة، وهو ما ترك اثرا واضحا على تكوينه الفكري. لكنه أيضا كان أمريكي العقل والفكر ولم يتعلم اليابانية في صغره.

في عام 1992، نشر فوكوياما — الشاب وقتها — كتابه الشهير “نهاية التاريخ والرجل الأخير”، الذي أحدث فرقعة إعلامية وفكرية ضخمة بسبب عنوانه الجريء وأطروحته الأكثر جرأة: 

أن النموذج الأمريكي، سياسيا وايديولوجيا واقتصاديا، انتصر نهائياً على بقية النماذج، وأن الديمقراطية الليبرالية مع اقتصاد السوق هي المحطة الأخيرة للتطور السياسي للبشرية.

أطروحة فوكوياما انتشرت كالنار في الهشيم، وتحول الكتاب إلى أحد أهم كتب تلك المرحلة وتصدر قائمة الكثر الكتب مبيعا في تلك الفترة، بوصفه التعبير الأكثر ثقة وتعبيرا عن لحظة الغرور الأمريكي بعد نهاية الحرب الباردة.

ببساطة، كان فوكوياما يقول إن المعركة الكبرى بين الأيديولوجيات قد حُسمت: الفاشية سقطت، الشيوعية انهارت، ولم يبقَ سوى الليبرالية الغربية بوصفها النموذج النهائي. 

أما “الرجل الأخير”، فكان ذلك الإنسان المطمئن، المستهلك، الباحث عن الرفاه والأمان، لا البطولة ولا المعارك الكبرى.

وما هي سنوات قليلة حتى وقعت أحداث سبتمبر 2001 وتلتها حروب أمريكا الكارثية في أفغانستان والعراق، ثم الأزمة المالية العالمية، ثم صعود الصين، وعودة روسيا، وانكشاف هشاشة الديمقراطية الأمريكية نفسها من الداخل.

————-

قبل أيام نشر فوكوياما -السبعيني- مقطعا مصوراً من حديقة منزله لأقل من 8 دقائق حول دلالات زيارة ترامب للصين جاء فيه:

(أمريكا لم تعد قوة عظمى. وما حدث في بكين لم يكن مجرد لقاء سياسي، بل مشهد إهانة مدروس لرئيس الولايات المتحدة. لم يستقبله شي جين بينغ في المطار. جلس في القمة بطريقة جعلته يبدو أصغر وأضعف بصرياً. عاد بلا إنجازات حقيقية، فقط وعود اقتصادية ضبابية، بينما كان يوزّع المديح والتملق على مضيفه كما لو كان يسعى إلى نيل رضاه.

الإهانة لم تكن بروتوكولية فقط، بل سياسية ورمزية؛ رئيس القوة الأعظم ظهر كمن يطلب المساعدة لا كمن يفرض الشروط، وكمن يبحث عن مخرج من أزماته لا كمن يقود النظام الدولي.

ذهب ترامب إلى الصين وهو يبحث عن مخرج من الفخ الإيراني الذي صنعه بنفسه؛ حرب استنزفت الهيبة الأمريكية، وهددت شريان الطاقة العالمي، وكشفت حدود القوة الأمريكية في فرض إرادتها.

شي جين بينغ فهم ذلك جيداً. رئيس أمريكي يحتاج إلى مساعدة لاحتواء أزمة هرمز ليس في موقع القوة، بل في موقع الطالب.

المفارقة أن ترامب الذي قدّم نفسه دائماً كرجل قوة و«فن الصفقة»، وجد نفسه يتفاوض من موقع الضعف، بينما تمسك إيران بأوراق ضغطها، وتراقب الصين مشهد التراجع الأمريكي بهدوء.)