‏إظهار الرسائل ذات التسميات د. خليل العناني. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات د. خليل العناني. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 18 أغسطس 2026

سنوات من دعم ترامب انهارت خلال 15 دقيقة

 سنوات من دعم ترامب انهارت خلال 15 دقيقة

د. خليل العناني 

قصة لافتة نشرتها صحيفة نيويورك تايمز 17 أغسطس 2026 تكشف ان الانسان يصبح عدواً لنفسه عندما يتواطأ مع القبح والظلم…

برنت جيندرا، أمريكي يعمل في قطاع التكنولوجيا، صوّت لترامب ثلاث مرات، وكان يعتبر نفسه من أنصار MAGA، ومؤيدًا بقوة لسياسات ترامب المتشددة تجاه الهجرة. لكنه لم يتخيل أن يدفع ثمن هذه السياسات المجحفة!

 

ايه الحكاية؟

اخونا برنت تزوج قبل كام شهر من شابة روسية اسمها غالينا بوبرينيفا، تبلغ 40 عاما، سافروا يقضوا عطلة زوجية في شهر يوليو الماضي وعند عودتهم في احدى مطارات كاليفورنيا أوقفهما عنصر أمني تابع لسلطات الهجرة الأمريكية، التي نشرها حبيبه ترامب في المطارات للمرازية والعكننة على خلق الله.

تم استجواب العروس الروسية لمدة 15 دقيقة بعدها تم اقتيادها مكبلة اليدين إلى سيارة لا تحمل أي علامات رسمية، وتم وضعها في مركز احتجاز للمهاجرين بدعوى تجاوز مدة تأشيرتها…

قضت العروس 16 يوما على أرضية زنزانة احتجاز في قبو وسط لوس أنجلوس، ثم أسبوعين في مركز احتجاز بصحراء موهافي وفي النهاية، أُفرج عنها بكفالة قدرها 35 ألف دولار، مع تثبيت جهاز مراقبة إلكتروني حول كاحلها. وهي الآن تخوض معركة للبقاء في الولايات المتحدة، في مواجهة اتهامات فيدرالية بتجاوز مدة تأشيرتها.

اللافت ان العروس دخلت أمريكا بشكل قانوني بتأشيرة سياحية عام 2021، ثم تقدمت بطلب لجوء، وبعد زواجها من جيندرا تقدم الأخير بطلب للحصول لها على الغرين كارد، وكان الطلب قيد النظر بالفعل. كما انه ليس لديها أي سجل جنائي.

أما زوجها، الذي صوّت لترامب ثلاث مرات، فيقول الآن:

«هي لم تقفز فوق جدار، ولم تسبح عبر نهر… لقد دخلت من باب ترامب الأمامي الكبير والجميل».

الزوج الاحمق الذي صوّت لترامب ثلاث مرات من أجل تشديد الهجرة، احتاج إلى 15 دقيقة فقط كي يرى الوجه الآخر للسياسة التي ظل يؤيدها لسنوات والان يذوق من نفس الكأس الذي ظل يدافع عنه وبسببه وصل العجل الأصفر للبيت الأبيض.

#علم_نافع

الخميس، 28 مايو 2026

أمريكا لم تعد قوة عظمى

 أمريكا لم تعد قوة عظمى

د. خليل العناني 


في عقد التسعينات، كانت أكثر شخصيتين تأثيرا في الساحة الفكرية والسياسية الأمريكية هما فرانسيس فوكوياما وصمويل هنتنغتون، وكلاهما من أبرز أساتذة العلوم السياسية في الولايات المتحدة الاول في جامعة ستانفورد والثاني في جامعة هارفارد.

 فرانسيس فوكوياما.

فوكوياما أمريكي من أصل ياباني، وُلد في شيكاغو عام 1952، لعائلة هاجرت من اليابان إلى الولايات المتحدة في بدايات القرن العشرين. وصل جده الساحل الغربي الاميركي فاراً من الحرب الروسية اليابانية وتم اعتقاله أثناء الحرب العالمية الثانية مع آلاف اليابانيين الذي كان يُشك في ولاءهم.

والده، يوشيو فوكوياما، كان عالم اجتماع وأستاذا للدراسات الدينية، وقد تلقى في بداياته تدريبا ليصبح رجل دين قبل أن يتجه إلى العمل الأكاديمي. نشأ فوكوياما في بيئة تجمع بين الانضباط الأكاديمي الصارم والهوية المهاجرة، وهو ما ترك اثرا واضحا على تكوينه الفكري. لكنه أيضا كان أمريكي العقل والفكر ولم يتعلم اليابانية في صغره.

في عام 1992، نشر فوكوياما — الشاب وقتها — كتابه الشهير “نهاية التاريخ والرجل الأخير”، الذي أحدث فرقعة إعلامية وفكرية ضخمة بسبب عنوانه الجريء وأطروحته الأكثر جرأة: 

أن النموذج الأمريكي، سياسيا وايديولوجيا واقتصاديا، انتصر نهائياً على بقية النماذج، وأن الديمقراطية الليبرالية مع اقتصاد السوق هي المحطة الأخيرة للتطور السياسي للبشرية.

أطروحة فوكوياما انتشرت كالنار في الهشيم، وتحول الكتاب إلى أحد أهم كتب تلك المرحلة وتصدر قائمة الكثر الكتب مبيعا في تلك الفترة، بوصفه التعبير الأكثر ثقة وتعبيرا عن لحظة الغرور الأمريكي بعد نهاية الحرب الباردة.

ببساطة، كان فوكوياما يقول إن المعركة الكبرى بين الأيديولوجيات قد حُسمت: الفاشية سقطت، الشيوعية انهارت، ولم يبقَ سوى الليبرالية الغربية بوصفها النموذج النهائي. 

أما “الرجل الأخير”، فكان ذلك الإنسان المطمئن، المستهلك، الباحث عن الرفاه والأمان، لا البطولة ولا المعارك الكبرى.

وما هي سنوات قليلة حتى وقعت أحداث سبتمبر 2001 وتلتها حروب أمريكا الكارثية في أفغانستان والعراق، ثم الأزمة المالية العالمية، ثم صعود الصين، وعودة روسيا، وانكشاف هشاشة الديمقراطية الأمريكية نفسها من الداخل.

————-

قبل أيام نشر فوكوياما -السبعيني- مقطعا مصوراً من حديقة منزله لأقل من 8 دقائق حول دلالات زيارة ترامب للصين جاء فيه:

(أمريكا لم تعد قوة عظمى. وما حدث في بكين لم يكن مجرد لقاء سياسي، بل مشهد إهانة مدروس لرئيس الولايات المتحدة. لم يستقبله شي جين بينغ في المطار. جلس في القمة بطريقة جعلته يبدو أصغر وأضعف بصرياً. عاد بلا إنجازات حقيقية، فقط وعود اقتصادية ضبابية، بينما كان يوزّع المديح والتملق على مضيفه كما لو كان يسعى إلى نيل رضاه.

الإهانة لم تكن بروتوكولية فقط، بل سياسية ورمزية؛ رئيس القوة الأعظم ظهر كمن يطلب المساعدة لا كمن يفرض الشروط، وكمن يبحث عن مخرج من أزماته لا كمن يقود النظام الدولي.

ذهب ترامب إلى الصين وهو يبحث عن مخرج من الفخ الإيراني الذي صنعه بنفسه؛ حرب استنزفت الهيبة الأمريكية، وهددت شريان الطاقة العالمي، وكشفت حدود القوة الأمريكية في فرض إرادتها.

شي جين بينغ فهم ذلك جيداً. رئيس أمريكي يحتاج إلى مساعدة لاحتواء أزمة هرمز ليس في موقع القوة، بل في موقع الطالب.

المفارقة أن ترامب الذي قدّم نفسه دائماً كرجل قوة و«فن الصفقة»، وجد نفسه يتفاوض من موقع الضعف، بينما تمسك إيران بأوراق ضغطها، وتراقب الصين مشهد التراجع الأمريكي بهدوء.)

الأحد، 12 أبريل 2026

هل تلاعب ترامب بإيران مجددا؟!

 هل تلاعب ترامب بإيران مجددا؟!

د. خليل العناني 


واضح أن النية الأمريكية لم تكن تتجه أصلا نحو التوصل إلى اتفاق حقيقي لإنهاء الحرب مع إيران، بل إن مسار الأحداث خلال الأيام الماضية يكشف عن توجه معاكس تماما، ويمكن تلخيص ذلك في عدة مؤشرات:

▪️ أولا: تراجع ترامب عن موافقته السابقة على المقترح الإيراني، وهو ما يعكس غياب الجدية في المفاوضات منذ البداية.

▪️ ثانيا: ذهاب واشنطن إلى طاولة التفاوض بنفس الشروط التي سبقت الحرب، وكأن شيئًا لم يتغير ميدانيا أو سياسيا، وهو طرح غير منطقي في سياق صراع شهد تحولات كبيرة.

▪️ ثالثا: إرسال قوات أمريكية إضافية إلى المنطقة خلال اليومين الماضيين، في خطوة تحمل دلالات تصعيدية واضحة، لا تنسجم مع مسار تهدئة أو تسوية.

▪️ رابعا: استمرار الكيان في ضرب لبنان منذ بدء الهدنة، في ظل صمت — بل وضوء أخضر — أمريكي، ما يقوض أي حديث عن وقف فعلي للتصعيد.

▪️ خامسا: إرسال كوشنير وويتكوف ضمن وفد التفاوض رغم أنهما السبب في فشل الجولات السابقة ورغم رفض إيران لوجودهما من الأساس.

◾️سادسا: تسريبات شبكة CNN حول استعداد الصين لتزويد إيران بأنظمة دفاع جوي، وهي تسريبات تبدو وكأنها تُستخدم لتهيئة الرأي العام لعودة التصعيد وتبرير انهيار التهدئة.

الخلاصة أننا أمام مسار تفاوضي شكلي، يُستخدم كغطاء للتحضير لمزيد من التصعيد لا لإنهائه.

الشياطين مصرين على إحراق المنطقة.

لننتظر ونرى.

الاثنين، 6 أبريل 2026

ليست حربا.. هي انهيار منظومة عسكرية واستراتيجية

 ليست حربا.. هي انهيار منظومة عسكرية واستراتيجية

د. خليل العناني


في ظل تسارع الأحداث وتلاحقها خلال الأيام الماضية، كثيرون ينشغلون بالتفاصيل اليومية لما يجري، لكن ما لا يلتفت إليه كثيرون هو أن ما يحدث ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل تحول استراتيجي عميق يعيد تشكيل طبيعة الصراع نفسه ويقلب موازين المنطقة رأسا على عقب. وهذه بعض الملاحظات الأولية على التطورات العسكرية والاستراتيجية خلال الأيام الماضية:

◾️ استهداف وإسقاط الطائرات المقاتلة الأمريكية يمثل نقطة تحول استراتيجية، لأنه يضرب في صميم فكرة التفوق الجوي المطلق، ويكشف أن المجال الجوي لم يعد بيئة آمنة حتى لأكثر المنصات تقدما، كما أنه يفرض على الولايات المتحدة إعادة حسابات المخاطرة والانخراط، ويبعث برسالة ردعية واضحة مفادها أن كلفة التدخل لم تعد منخفضة، وهو ما قد ينعكس مباشرة ليس فقط على قرارات التصعيد ومستقبل الانخراط في هذه الحرب ولكن على هيبة وصورة أمريكا باعتبارها اكثر الدول تقدما في سلاح الجو.

◾️للمرة الأولى في تاريخ إسرائيل، يتعرض العمق الإسرائيلي لهذا الكم وهذا الكيف من الهجمات الصاروخية والمسيرات التي وصلت إلى أهداف حساسة سيادية وعسكرية، وهو ما يعني ببساطة كسر أحد أهم مرتكزات العقيدة الأمنية الإسرائيلية: نقل المعركة إلى أرض الخصم ومنع انتقالها إلى الداخل. ما جرى ليس تطورا ميدانيا فقط، بل كسر واضح لقواعد الاشتباك وإعادة رسم لحدود الردع.

◾️هذه الحرب أثبتت أن فكرة التفوق المطلق الإسرائيلي ليست سوى تصور مبالغ فيه، وأن هذا التفوق، رغم حقيقته النسبية، قابل للتآكل تحت ضغط الاستنزاف، خصوصا أمام خصم مستعد لتحمل الكلفة ويعتمد على التراكم لا الحسم السريع.

◾️ما نراه اليوم هو انتقال واضح في طبيعة الردع: من ردع يقوم على المنع الكامل، إلى ردع يقوم على احتواء الضربات وإدارة آثارها. وهذا تحول خطير، لأنه يعني أن إسرائيل لم تعد تمنع الهجوم، بل تتعايش معه.

◾️منظومات الدفاع الجوي، بكل طبقاتها وتعقيدها، ظهرت حدودها بوضوح. تكتيكات مثل الإغراق والهجمات السربية والتشويش لم تكسر هذه المنظومات فقط، بل أجبرتها على العمل تحت ضغط دائم، وفتحت فجوات زمنية لا يمكن سدها بالكامل.

◾️نحن أمام معادلة استنزاف واضحة: تكلفة الدفاع أعلى بكثير من تكلفة الهجوم. كل صاروخ اعتراضي يستهلك موارد ضخمة، في حين أن الهجوم يعتمد على أدوات أقل تكلفة وأكثر عددا، وهذه معادلة لا يمكن تحملها على المدى الطويل.

◾️الضربات الأخيرة كشفت أن العمق الإسرائيلي لم يعد بعيدا عن الخطر، وأن فكرة الأمن الداخلي لم تعد كما كانت. الملاجئ تقلل الخسائر، لكنها لا تمنع الإحساس بالتهديد، ولا تعيد الهيبة التي تآكلت.

◾️الحرب أكدت مرة أخرى أن إسرائيل لا تقاتل وحدها، بل تعتمد بشكل بنيوي على دعم أمريكي عسكري واستخباراتي وسياسي. لكن في المقابل، أظهرت هذه الحرب أن هذا الدعم، رغم ضخامته، له حدود ولا يستطيع أن يمنع كل الاختراقات.

◾️أكدت الحرب تآكل الهيبة الصهيونية هنا ليس مسألة نفسية فقط، بل متغير استراتيجي حقيقي. عندما يُختبر الردع ولا ينجح بالكامل، فإن ذلك يفتح الباب أمام مزيد من الاختبار من أطراف أخرى.

◾️كشفت الحرب أن الكيان غير مؤهل لخوض حرب لا متماثلة، حيث لا يعتمد الطرف الأضعف على مواجهة مباشرة، بل على المرونة، والتوزيع، وتعدد الأدوات، واستنزاف الخصم على المدى الطويل.

◾️كشفت الحرب إيران لعبت بذكاء على عنصر الغموض التكنولوجي، فلم تكشف كل أوراقها، ونجحت في إرباك التقديرات الإسرائيلية والأمريكية فيما يخص قدراتها الصاروخية والمسيرات، وهو عنصر حاسم في أي صراع من هذا النوع.

◾️هذه الحرب تعيد تعريف معنى الحسم. لم يعد الحسم هو تدمير الخصم بالكامل، بل القدرة على الاستمرار وفرض كلفة مستمرة عليه. أي أننا أمام نموذج حروب طويلة مفتوحة، وليس حروبا قصيرة حاسمة.

◾️كشفت الحرب عن انهيار النموذج الأمني الخليجي الذي قام لعقود على معادلة بسيطة: الدفع مقابل الحماية الخارجية.

هذا النموذج سقط عمليا مع أول اختبار حقيقي، حيث ظهرت فشل وانهيار المظلة الأمريكية وعجزها عن توفير أمن كامل، في الوقت الذي وجدت فيه هذه الدول نفسها في قلب الخطر دون قدرة ذاتية على الردع أو التأثير. ما يحدث اليوم يكشف خلل بنيوي عميق: دول تملك الموارد لكنها لا تملك أدوات الحماية، وتعتمد على قوة خارجية لا تضمن أمنها بقدر ما تدير مصالحها.

◾️كشفت الحرب الأهمية الحاسمة للجغرافيا السياسية، خصوصا في نقاط الاختناق مثل مضيق هرمز، الذي يمثل شريان طاقة عالمي. مجرد التهديد بإغلاقه كفيل بإرباك الأسواق ورفع الأسعار عالميا. كما يمنح موقعه إيران ورقة ضغط استراتيجية كبيرة دون الحاجة إلى مواجهة مباشرة.

◾️وأخيرا، كشفت الحرب أن هزيمة الكيان سياسيا واستراتيجيا أمر ممكن إذا توافرت إرادة سياسية حقيقية.

الأحد، 5 أبريل 2026

كيف حاصر ترامب نفسه في إيران؟

 كيف حاصر ترامب نفسه في إيران؟

د. خليل العناني
كاتب وباحث مصري في العلوم السياسية


تحليل اخباري في نيويورك تايمز حول ورطة ترامب في حربه على إيران والتي تحدثنا عنها مرارا وهذه ترجمته:

بعد أكثر من شهر على حربٍ يؤكد أنها ستنتهي خلال أسبوعين أو ثلاثة، يبدو أن الرئيس دونالد ترامب قد وضع نفسه داخل مأزق استراتيجي يصعب الخروج منه.

المحادثات مع إيران بشأن اتفاق لإنهاء الصراع، إن كانت جادة أصلًا، لم تُظهر حتى الآن أي بوادر واعدة. أما مؤشرات النجاح التي طرحها ترامب في أوقات مختلفة -مثل منع إيران من امتلاك الوقود النووي اللازم لصنع سلاح، ومساعدة الشعب الإيراني على إسقاط نظامه، وإعادة فتح مضيق هرمز- فما تزال بعيدة المنال في أفضل الأحوال.

كما أن قدرة إيران على تحمل الضربات تبدو أعلى بكثير مما توقعه ترامب. وعلى الرغم من الخسائر الكبيرة التي لحقت بترسانتها، فإنها ما تزال قادرة على ضرب إسرائيل بالصواريخ، وقد فعلت ذلك حتى أثناء خطاب ترامب مساء الأربعاء.

كان الهدف من ذلك الخطاب المتلفز في وقت الذروة طمأنة الأمريكيين بأن كلفة الحرب مؤقتة، وأن نهايتها وعودة الحياة الاقتصادية إلى طبيعتها باتتا وشيكتين. لكن الأسواق استقبلت كلمته بتشكيك واضح.

قفزت أسعار النفط بنسبة 8% خلال ساعات من خطابه الذي استمر 19 دقيقة، ويرجع ذلك إلى أنه لم يقدّم أي خطة لإنهاء ما يشبه “أزمة احتجاز ناقلات النفط” في مضيق هرمز، وهي أزمة بدأت تهز الاقتصاد العالمي. وقد أكد أن المضيق “سيفتح بشكل طبيعي” بمجرد انتهاء الحرب.

في هذه المرحلة، يبدو أن ترامب يطرح مسارات متناقضة أحيانًا، ويواجه احتمالًا حقيقيًا بأن تنتهي المهلة التي حددها بنفسه (أسبوعان إلى ثلاثة) دون أن يتغير شيء يُذكر. كما أن تهديده بإعادة إيران إلى “العصور الحجرية” إذا لم تقبل شروطه — التي لم يحددها — يعني تصعيد الحرب لا إنهاءها.

ترامب ليس غريبًا عن التناقضات؛ فهو بارع في طرح الأفكار والتخلي عنها حسب اللحظة. ففي بداية الحرب دعا الإيرانيين إلى إسقاط نظامهم، ثم تراجع عن ذلك لاحقًا، معتبرًا أن هذا قد يؤدي إلى “مذبحة” للمتظاهرين.

وفي خطابه الأخير قال إن “تغيير النظام ليس هدفنا”، رغم أنه دعا إليه بعد الضربة الأولى في 28 فبراير. وهو الآن يزعم أن “تغيير النظام حدث بالفعل بسبب مقتل القادة الأصليين”، وكأن تغيير الأشخاص يعني تغيير النظام، وهو أمر لم يحدث حتى بعد وفاة روح الله الخميني عام 1989.

واقع مختلف عن صفقات العقارات

في تنقله بين المواقف، يعتمد ترامب على أساليب صقلها في عالم العقارات في نيويورك، حيث كان قادرًا على خلق واقع خاص به. لكن الحرب مختلفة؛ فالعدو أيضًا يشكل الواقع.

ويبدو أن الإيرانيين يدركون أنهم قادرون على انتظار ترامب حتى ينسحب. ورغم قلة حلفاء إيران -حتى الصين، أكبر مشترٍ لنفطها، تبتعد نسبيًا- فإن قادتها يراهنون على أن تراجع الأسواق وارتفاع أسعار النفط سيدفع ترامب إلى الخروج من الحرب.

وبالتالي، سواء انسحبت القوات الأمريكية خلال أسبوعين أو ثلاثة كما وعد، أو تصاعد القتال وعلقت واشنطن فيه، فهناك تحديات تبدو بعيدة عن الحل.

«قريبًا جدًا»

هكذا وصف ترامب الوقت اللازم «لإنجاز جميع الأهداف العسكرية الأمريكية». لكنه في لحظات أخرى تحدث عن مهام قد تستغرق شهورًا أو سنوات.

بل وتحدث عن إمكانية “السيطرة” على جزيرة خرج، التي تصدر منها إيران 90% من نفطها. وقال: “يمكننا أخذها بسهولة”. لكن الاحتفاظ بها أمر مختلف تمامًا، إذ تبعد فقط 16 ميلاً عن الساحل الإيراني، ويمكن استهداف خطوطها بسهولة.

ولا يحتاج ترامب فقط إلى فتح مضيق هرمز، بل إلى إبقائه مفتوحًا — وهو أمر قد يتطلب وجودًا عسكريًا طويل الأمد.

غضب أوروبي وتصدع الحلفاء

الدول الأوروبية غاضبة من ترامب بسبب عدم التشاور معها قبل بدء الحرب، ولأنها تعتبرها غير قانونية. بل إن قادة أوروبيين يجتمعون الآن دون الولايات المتحدة. وقال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر: «هذه ليست حربنا ولن نُسحب إليها».

هذا الموقف أثار غضب ترامب، الذي هدد بالانسحاب من الناتو. ومع ذلك، اعترف ضمنيًا بحاجة الولايات المتحدة إلى دعم الحلفاء، رغم سخريته من اتصالاته مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. ويقر مساعدوه بأن تأمين المضيق قد يستغرق سنوات.

«العودة إلى العصر الحجري»

يحب ترامب هذا التعبير، الذي يرتبط تاريخيًا بالجنرال كيرتس لوماي، الذي دعا إلى تدمير شامل للبنية التحتية في فيتنام. وقد تبناه وزير الدفاع بيت هيغسيث، الذي كتب: “العودة إلى العصر الحجري”. لكن الخطاب كان يفتقر إلى رؤية سياسية: لم يتحدث ترامب عن مستقبل إيران، أو عن حوافز دبلوماسية واقتصادية مثل رفع العقوبات أو الاستثمار الغربي مقابل تنازلات نووية.

باختصار، كان الخطاب مليئًا بـ«المطارق» دون أي «جزرات».

تناقض خطير في الهدف النووي

قبل أسابيع فقط، أكد ترامب أن هدفه الأساسي هو منع إيران من امتلاك قدرة نووية. وهو هدف تبنته الإدارات الأمريكية السابقة. وقد عملت الولايات المتحدة على تعطيل البرنامج النووي الإيراني خلال إدارات باراك أوباما وجورج بوش الابن، كما وقع أوباما اتفاقًا خفّض مخزون إيران من اليورانيوم بنسبة 97%. لكن ترامب انسحب من الاتفاق في ولايته الأولى، مما سمح لإيران بتوسيع مخزونها.

ومع بداية الحرب، بررها بوجود يورانيوم مخصب بنسبة 60%. لكن المفاجأة أنه قال في مقابلة مع رويترز إنه «لا يهتم» بهذا المخزون لأنه «مدفون عميقًا». هذا التصريح يثير تساؤلات حول ما إذا كان قد بالغ أصلًا في تصوير التهديد النووي.

احتمالات التصعيد

قد يكون ذلك مجرد تكتيك. فهناك احتمال أن تحاول القوات الأمريكية تنفيذ عملية للسيطرة على نحو 970 رطلاً من اليورانيوم في مواقع تحت الأرض — وهو خيار شديد الخطورة.

لكن هذا لن يكون خروجا من الحرب، بل تصعيدا كبيرا لها.

الخلاصة

يواجه ترامب معضلة استراتيجية واضحة:

♦ لا يستطيع تحقيق أهدافه بسرعة

♦ لا يملك خطة خروج واضحة

♦ يتبنى مواقف متناقضة

♦ يواجه مقاومة إيرانية وصبرًا استراتيجيًا

♦ ويعاني من عزلة نسبية عن الحلفاء

والنتيجة:

قد تنتهي المهلة التي حددها بنفسه… دون أي إنجاز حقيقي.