‏إظهار الرسائل ذات التسميات اليمن. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات اليمن. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 7 أغسطس 2026

إذا دخلتَ ظفار..

 إذا دخلتَ ظفار..


مروان الغفوري

كاتب وروائي وطبيب قلب من اليمن


في لندن، قبل أعوام، التقيتُ بالمهندس عبد الرحمن الحمدي، شقيق الرئيس اليمني الأشهر إبراهيم الحمدي. 

كنّا، كِلانا، مدعويين من قبل مركز قرطبة للمساهمة في ندوة حول اليمن. دار الحديث حول التعقيدات السخيّة للمُعضلة اليمنية. ذهب الحديث إلى ما هو مُعقّد حدّ السخرية المُهلكة. 

قال الحمدي، وهو يتذكّر، إنه ترشّح للبرلمان في أوّل انتخابات جرت بعد الوحدة اليمنية، 1993م. 

ليلة فرز الأصوات تبادلت القبائل، التي أدلت بأصواتها في أكثر من جهة، إطلاق النار إلى ما بعد منتصف الليل. صباح اليوم التالي لم يعثروا على قتيل واحد. سأل كبار السنّ عن الأمر فأجابوه: "بيتناقشوا". أي أنّ كلّ ذلك الرعب لم يكن سوى نقاش. 

انفجرت الحرب بعد ذلك بعام واحد، 1994. انتصر صالح وحلفاؤه ولكن المعركة بقيت مُستعرة حتى الآن. الحرب تلك كانت استمراراً للنقاش اليمني - اليمني الذي تُوّج باتفاقية رعتها الأردن. إذا ذهب اليمنيون إلى النقاش فإنّ الكثير من الدخان سيتصاعد خلف الجبل. 

بعد ست جولات قتال مع الحوثيين قال الرئيس الراحل صالح إنّ كلّ ذلك لم يكن سوى "خلاف إداري". فهو والحوثيون يشتركان في تفاهمات "كُتبت في السماء"، على حدِّ تعبيره. انتهت تفاهمات السماء بمقتله وتهشيم رأسه في مشهد أذهل العالم.

إذا ذهب اليمنيون إلى النقاش فإنّ الكثير من الدخان سيتصاعد خلف الجبل

يُحاول قادة سياسيون من جنوب اليمن فرض معنى واحد للقضية الجنوبية، ثم يختزلون الحلّ في طريق واحد: استقلال الجنوب. اليمني الشريف هو ذلك الذي يرى في تقسيم اليمن حلاً أخلاقياً، بل وتاريخياً. 

"لماذا لا تعترف بالقضية الجنوبية"، يُطرح السؤال على الدوام. 

الإجابة الحذرة تأتي غالباً على هيئة سؤال: وكيف أفعل ذلك؟ 

ينال هذا السؤال الساذج جواباً حاسماً: استقلال الجنوب

التفكيك يُسمّى القضية، انهيار المشروع الوطني التاريخي يُعد حلّاً. المشكلة لا أحد يضع يده عليها، هناك ضجيج عال، ضجيج وحسب. 

في الشمال، حيث الحوثيون، يُقصد باليمن الأرض التي تُدين بالولاء لعبد الملك الحوثي، لإمامته كما ترسمها كتب المذهب الجهادي "الزيدي". 

المرتزقة هم أولئك الذين يُسائلون إمارة عبد الملك أخلاقياً وقانونياً وتاريخياً. 

يُعاد إنتاج النزاع، والنقاش، بالآليات نفسها التي قادت إلى النكسة

يُقال أنّ شيخاً عربيّاً وفد على ملك حِميري في مكان إقامته في ظفار. حيّاه الملك قائلاً "ثب"، فوثب الشيخ وكسر ساقه. هنا قال له الملك "إذا دخلت ظفار فتحمير"، أي تعلّم الحميرية. 

في الحميرية عليك أن تجلس حين يُقال لك ثب! امتداداً لذلك العمق التاريخي المُثير يصبح القتال نقاشاً، تصيرُ الحرب خلافاً إدارياً، ويُمجّد الانقلاب بوصفه تكتيكاً في السياسة. من غير المُستغرب أن يأخذ الجزء الأخير من هذه الملحمة التاريخية صورة مدمّرة عنوانها "المسيرة القرآنية".

كما لو أنّ الحرب ابنة البارحة، النقاش العام لا يمنحك انطباعاً أنّها قد علّمت الناس شيئاً. يُعاد إنتاج النزاع، والنقاش، بالآليات نفسها التي قادت إلى النكسة. تُخاض الضغائن كما لو أنّها اكتشاف جديد، كلّ حديث عن استعادة الدولة يُقصي أوّل ما يُقصي أولئك الذين يريدون بالفعل استعادتها. الضحايا لم ينتظموا بعد على خطّ واحد، لا يزالون يرفضون الاعتراف بالحقائق كلّها. لا يوجد منتصرون ولا مهزومون، هناك تفكّك عظيم، سديم، أمّة كبيرة غادرت التاريخ وتركت خلفها جغرافيا بلا صاحب. 

داخل هذا التفكّك لا يزال عالقاً بمفهوم الحرب شيء من معنى "الخلاف الإداري والنقاش". 

وفقاً لمفوضية اللاجئين، هناك حوالي خمسة ملايين نازح يمني، وحوالي ثلث مليون آخرين مسجلون على قوائم اللجوء. ملايين أخرى تاهت في الأرض، غير مرئية وغير مرصودة.

كلّ حديث عن استعادة الدولة يُقصي أوّل ما يُقصي أولئك الذين يريدون بالفعل استعادتها

اختفى كثيرٌ ممّن بنوا كلّ هذا الجحيم، ماتوا أو قتلوا تاركين خلفهم أجيالاً تتحدّث مثلهم، تحتال مثلهم، تبيع كتفيها مُستأنسة بتاريخهم، وتستعير من شفاههم الميتة كلمات قديمة.

 في بعض جوانب المُعضلة اليمنية يبدو التفكّك قدراً مستداماً، كما لو أنّ الرهان يذهب إلى الإعياء، أن يصاب كلّ الناس بوهن الحروب Kriegsmüdigkeit، ثم ستسقط الجدران والحصون من تلقاء نفسها.

على أنّ اليمن ليس استثناء في التاريخ. 

أمم كثيرة أعادت إنتاج نفسها من رُكام تاريخي مُعقّد ومُتناقض، أخرى وصلت إلى الاستقرار عبر طريق طويل من زعزعة الاستقرار. 

ربّما يكمن الاستثناء اليمني في "ثب" التي تعني اجلس، في النقاش بالبنادق، وتمجيد التفكيك بوصفه حلاً عادلاً. 



الأربعاء، 5 أغسطس 2026

الديانة الحوثية

 الديانة الحوثية

مروان الغفوري

مروان الغفوري

كاتب وروائي وطبيب قلب من اليمن


الدين رؤية شاملة للعالم (Weltanschauung). وغالباً ما تكون تلك الرؤية منقطعة، بصورة شاملة، عن الواقع الثقافي الذي تنشأ فيه.

كيف يرى الناس السياسة؟ وكيف ينظرون إلى العمل؟ وكيف يتخيلون وظيفة المرأة وطبيعتها؟ وما العادل وغير العادل في البناء الاجتماعي الهرمي؟ وما الذي يجوز التفكير فيه؟ ومن هو الآخر، وما الموقف منه؟ وما المقدس وما المدنس؟ وما صورة النبي، وكيف تبدو صورة الشيطان؟ تتراكم الإجابات عن هذه الأسئلة في شكل بناء ثقافي يتخلق عبر التاريخ والتجربة واللغة. وصحيح أن الثقافة، في جوهرها، مركب غير مستقر، إلا أن الاجتماع البشري يتواطأ، في نهاية المطاف، على شكل من أشكال المعرفة الشاملة يتخذ هيئة ديانة. وتكون مهمة هذه الديانة، في المقام الأول، تثبيت المعادلة السياسية تجنباً للفوضى، وتعزيز وضع اجتماعي معين للحفاظ على الديناميكية التي نشأت في سياق تاريخي.

هذا التقديم مهم للولوج إلى الفكرة التي نسوقها أمام القارئ: الحوثية دين جديد، بالمعنى الشامل. وهذا هو سر أزمتها مع المجتمع اليمني: القطيعة الشاملة.

اليمن، كثقافة، سابق على الأديان الكلاسيكية. ففي عمله المثير "ديانة اليمن السرية"، أعاد الباحث اليمني أحمد العرامي إنتاج نظام ديني قديم انطلاقاً من الشفرات الثقافية واللغوية المعاصرة. وتتمتع الثقافة اليمنية، مثل أي ثقافة أصيلة ومركبة، بالاستمرارية والقدرة على التخفي والجريان تحت السطح، لذا يمكن إعادة إنتاجها واستخراجها من رموزها وشفراتها. واليمن الثقافي مختلف جذرياً عن اليمن الحوثي؛ فهما نظامان من "السوفت وير" لا يمكن دمجهما معاً والادعاء أن الناتج مركب مستقر.

     الحوثية ليست ثورة داخل   السياسة، بل انقلاب شامل        على الثقافة، وعلى رؤية            اليمنيين للعالم             

الحوثية ليست ثورة داخل السياسة، بل انقلاب شامل على الثقافة، وعلى رؤية اليمنيين للعالم. وأول ما فعلته الحوثية أنها وضعت سقفاً للتاريخ اليمني، وجمدته عند حدود القرن السابع الميلادي. والتحديد هنا ليس دعائياً، بل معرفي وأكاديمي؛ إذ استُبعد التاريخ اليمني القديم والحديث من كتب التعليم والدراسة الأكاديمية، وأُزيل من مناهج التربية، أي انتُزع من الهوية. وتقول أهزوجة حوثية شهيرة: "على حضارة سبأ نرفع شعار الحسين". وبدلاً من الأساطير والأبطال الذين يشكلون الوقود الأحفوري لأي ثقافة شعبية أصيلة، جاءت الحوثية بأساطيرها وأبطالها. ويحتفل الحوثيون سنوياً بنحو عشرين عيداً وطنياً، لا يعني اليمني الفرد أو اليمني المجموع منها سوى مولد النبي محمد، أما سائر الأعياد فلا تمت إلى وجدانه بصلة. وكما حظروا الاحتفال بعيد الثورة اليمنية، فعلوا الشيء نفسه مع صلاة التراويح. إنه احتلال كامل للنظام الثقافي اليمني، وسعي إلى إبادته.

الحوثية، في جوهرها، حركة عنصرية استعلائية تتناقض مع خيال اليمنيين حول الحق والعدل، ذلك الخيال الذي ورثوه عن دياناتهم السابقة، ثم طوروه داخل الإسلام. ويفتي الشيخ الحوثي عبر الإذاعة بأن رحم الهاشمية محرم على أهل اليمن، وأن ذلك امتياز خص الله به سلالة من الناس. كما تؤكد كتب التربية والتعليم الحوثية أن النقاء الجيني امتياز إلهي لا يمكن تفسيره بشرياً. وشيئاً فشيئاً، صار اليمني هو الإنسان الأدنى. وأصبح مقتنعاً بأن جيناته إشكالية، وأن الجينة الفائقة للحوثية وأخواتها تدبير إلهي يصب في مصلحته، وما عليه سوى الخضوع. ويطلق على هذا الخضوع اسماً مهذباً: الموالاة.

ويُقدَّم النبي محمد بوصفه جد الحوثيين ونبي اليمنيين. ويُطلب من اليمنيين أن يراجعوا إيمانهم بالنبي محمد ليشمل التسليم بإمامة سلالته من بعده، والإمامة هنا بمعنى "استكمال النبوة". وينفذ الحوثيون عملية إصلاح ثقافي عميقة وشاملة، شعارها: "اللهم إنا نواليك، ونوالي من أمرتنا بموالاته، سيدي ومولاي عبد الملك".

ويُقدَّم الحوثي بوصفه تمثيلاً مباشراً للإرادة الإلهية، وتقع على عاتقه مهمتان: الأولى احتكار تأويل الكتاب المقدس، القرآن، والثانية تدبير شأن المعاد. وفهم اليمنيون، بعد وقت قصير، أن المراد من فكرة الموالاة أو الولاية أمران: أن العقل اليمني غير قادر على إدراك مراد الله بمفرده، وأن المجتمع اليمني غير قادر على تدبير شؤونه السياسية استناداً إلى رجاله وثقافته. وهذا الإنسان الأدنى، فرداً وجماعة، بحاجة إلى راعٍ، ولو على رغم أنفه.

وبعد مواجهات عسكرية يائسة، جاء الرد ثقافياً؛ إذ بادر اليمنيون إلى إحياء خطهم القديم، "المسند"، واستخرجوا أبطالهم الشعبيين. ونشطت الثقافة المحلية عبر وسائطها التعبيرية المختلفة، بما في ذلك الشعر الشعبي. ولم تنتج هويتها وحسب، بل جسدت الفاشية الحوثية في صورة ثلاثية الأبعاد، فأمكن معاينتها وتخيلها. وأصبح الناس يدركون، على نحو متزايد، أن الحوثية ديانة غير مسالمة، وأنها لا تعيش إلا على إبادة الآخر ثقافياً.

الحوثية رؤية شاملة للعالم، تتناقض مع رؤية اليمنيين وخيالهم. فقد احتكرت السياسة، والثقافة، والاقتصاد، والطهارة، والنقاء العرقي، وقدمت نفسها بوابةً إجبارية إلى السماء. وحتى ما بدا بسيطاً وعفوياً في تدين اليمنيين، كالإيمان بالله ورسوله، أصبح منقوصاً وغير كافٍ في الرؤية الحوثية. ويتوجب على اليمني أن يستكمل إيمانه المعلق والناقص من خلال الولاء غير المشروط للحوثي. وتربط مناهج المدرسة بين الحوثي والنبي محمد، وتربط مناهج الجامعة بين الحوثي والإله، وتخير الدعاية الثقافية أهل اليمن بين الحوثي والشتات.

 الحوثية، في جوهرها، حركة عنصرية استعلائية تتناقض    مع خيال اليمنيين حول الحق والعدل، ذلك الخيال الذي      ورثوه من دياناتهم السابقة، ثم طوروه داخل الإسلام      

إنه انقلاب شامل؛ ديانة مكتملة الأركان تريد أن تستقر على أنقاض ثقافة عميقة ومعقدة تشكلت داخل اللغة والرموز والتاريخ. وهو ما يعني أن الحوثية ستبقى مركباً غير مستقر، ودالة ثقافية مغلقة، وغير قابلة للامتزاج مع نظام ثقافي أقدم منها، وأكثر تعقيداً وجاذبية.

ومن شروط الولي، في التعريف الحوثي للإمامة، أن يكون قادراً على المبادرة إلى السيف، كما هو قادر على الإمساك بالفتوى. لكن الفتوى، أي الديانة، عجزت، وبقي السيف في يد الحوثي. فمنذ صيف عام 1995، حين أبلغ صالح جنراله السلالي الشهير المتوكل أنه ينوي تأسيس جماعة زيدية مسلحة، والحوثي يمسك بالسيف. ثم اكتشفت الزيدية نفسها، مذهباً وقبيلةً، الخديعة. فالديانة الحوثية بالغة العنصرية والقسوة، وتتطلب استسلاماً شاملاً، وتسليماً لا رجعة فيه. 

وهي حقيقة جعلت الحوثية تبدو غريبة حتى على المذهب نفسه، وعلى خطابه الفكري والفلسفي. ولا نبالغ إذا قلنا إن الزيدية ذاهبة الآن، كردة فعل على الحوثية، إلى تفكيك نفسها مذهباً، لمصلحة إعادة اكتشاف يمنيتها، وهويتها، وحتى ديانتها الأقدم.

الثلاثاء، 17 مارس 2020

"هيجة العبد".. قصة قصيرة من اليمن

"هيجة العبد".. قصة قصيرة من اليمن

ياسر الإرياني
 الثلاثاء، 31 ديسمبر 2019 
كان أمام ناظري، يجري مع الأطفال يلاعبهم "الغماية" أو ما نسميها "الكوروه"، يختبئون منه، جميعا، بإنفعلاتٍ غامرةٍ بالمُتعة والفرح، خلف أشجار "المنجه" و"البرتقال" التي يرفل بها بستاننا الكبير.

اَبتسُمتُ من أعماق قلبي، وقد هيّج لدي ذلك المشهد البهيج أيام الطفولة في هذا البستان الرحيب، الذي يحيط ببيتنا الكبير، البيت الذي استوعبنا يوما ما نحن الإخوة الستة، مع أطفال من قد تزوجوا وأنجبوا.. أقول لأمي، وقد لمحتها في طريقها لأداء صلاة الظهر في غرفتها:

- انظري كيف يزرع إبراهيم السعادة في قلوب أطفالنا!

فتجيبني بتنهيدة طويله:

- إبراهيم؟ وأين إبراهيم؟ وكيف لي أن أرى إبراهيم؟ وا أسفي على إبراهيم.. أشير إلى شجرة البرتقال الأثيرة لديها، والتي تحبُ ثمرتها الحلوة، الوفيرة؛ وفرةً تُتيح لها أن تُهدي الجيران منها.

- هناك خلف شجرتك الحبيبة!

- وأي شجرة بقيت في البستان منذ شُح الماء ياولدي. أجابتني وأكملت طريقها باتجاه سجادة الصلاة.

قلت في نفسي:

- لا بد أنها المياه البيضاء قد أعمتها عن رؤية الأشياء.. على كل حال، لقد وعدها إبراهيم أن يأخذها بسيارته إلى أكبر مستشفيات العيون في العاصمة صنعاء حالما يُنهي هذا الأسبوع جميع التزاماته بنقل بعض البضائع من مدينة "عدن" إلى قريتنا.

وبالرغم من أنه يستطيع أن يأخذها معه في رحلاته إلى عدن أو إلى مدينة "تعز" التي لا تبعد عنا سوى نصف ساعة بالسيارة لإجراء العملية السهلة، إلا أن ما يُلاقيه في عدن من مهانة التفتيش، والابتزاز ودفع الإتاوات، وكذلك في مدينة تعز من أغلب نقاط التفتيش التي تتولى السيطرة عليها قوات متفرقة ومتنوعة في ولاءاتها المناطقية والحزبية ، بل إنه كاد أن يفقد حياته فيها.

- ففي إحدى المرات حينما لم يعطِ إحدى نقاط التفتيش الإتاوة المفروضة، والسبب أنه بالفعل كان لا يمتلك مالا، قام أحد أفرادها بتصويب السلاح في رأسه حين حاول إبراهيم التحرك بالسيارة، لكنه نجا بحياته بوساطة الركاب والمتواجدين.

في هذه اللحظة من التفكير المسترسل دخل إبراهيم إلى المنزل وجلس بجواري.. بدأته الحديث، وسألته عن حياته بعد الزواج الذي لم يمر عليه سوى شهرين، وعن اشتياقه لإنجاب الأطفال. لكنه بدلا من أن يجيب على أسئلتي، قرأ لي رسائل ومواعظ "الجمعة" النصية، التي تعود على كتابتها وإرسالها إلي في كل يوم جمعة، ولكم كانت تعجبني وأنا أقرأها في مهجري في هذا البلد الأوروبي.

وهاهي أمي تنهي صلاتها، ستأتي وتشاهد إبراهيم بنفسها,لكن إبراهيم خرج فجأة إلي البستان ليلبي نداءت الأطفال المُلّحة.

قلت لأمي: ياللحظ كان إبراهيم هنا، وقد عاد الآن إلى البستان، لكنني لا أظنك تقدرين على رؤيته بسبب المياه البيضاء.

وكأنني هيّجت أشجانها، لمعت الدموع من عينيها، وهي تقول متصورةً مشهداً غريبا:

- إبراهيم أخوك حانب في "هيجة العبد"، سيارته تعطلت في أحد المطالع الضيقة الخطيرة، وصاحبه يحاول وضع الحجر خلف العجلات لعله يوقفها..

ثم تقول بقلب حزين ودمعٍ هتون: "يا من رددت يوسف ليعقوب رُد عليّ إبراهيم".

"هيجة العبد" هو الجبل أو المنحدر الشديد الذي يسلكه أخي إبراهيم في طريقه إلى مدينة عدن.

الهيجة، هي من أصعب الطرق وأخطرها، وكان شقه وتعبيده منجزا كبيرا لربط محافظة تعز بلحج وعدن قبل سنين كثيرة.

والهيجة تستدعي هذه الأيام أيضاً دلالة فصيحة أخرى: "تهيّج الأشجان والأحزان"، وذلك بسبب ما يسببه هذا الطريق من أحزان في نفوس الكثيرين، بسبب حوادث السيارات المتزايدة التي تحدث فيه، بعد أن أصبح الشريان الرئيس لإمداد مدينة تعز، والطريق الوحيد لسيارات المسافرين ونقل البضائع، حتى أنك لتتخيله وأنت تراه من أعلى كسوطٍ ملتوٍ يقرع ظهر الجبل المنتصب كعبدٍ آبقٍ بسبب ظلم سيده، فيستحيل ذلك السوطُ ثعباناً ماكراً يلتقم من في طريقه من العابرين..

على أية حال التسمية قديمة، والعبد الذي تنسب إليه هذه الهيجة كان شخصاً يمتلك مُعظم الأراضي والأطيان في هذا الجبل الشاهق.

وإبراهيم أخي مجبر على سلوك هذا الطريق الخطير بعد أن تم قطع طريق "الحوبان" السريع والواسع والآمن، وبالرغم من أن طوله يبلغ مئة كيلو متر وطول الطريق في هيجة العبد مئة كيلومتر، إلا أن الكيلو الواحد في بعض مناطق الهيجة بمئة كيلو من طريق الحوبان، بسبب النصب والتعب والوعورة التي يمثلها. أحياناً كثيرة، تُبذل الوساطات والمبادرات بين أطراف الحرب الأهلية، لفتح الحصار عن هذا الطريق، إلا أنه وفي كل مرة وقبل أن يحين موعد التوقيع على هذا الاتفاق، تتضارب مصالح الأطراف المتصارعة، وحين يجدون أن المواطن فقط سيستفيد من هذا الاتفاق، يختفون جميعاً في اللحظة الأخيرة.

خرجت إلى البستان، وصلت وقد أقام إبراهيم الأطفال صفا واحدا كعادته في جمعهم وقت الصلاة، وما أن رآني حتى ناداني:

- تعال وصلِّ بنا يا أخي.

- بل أنت، فما أحلى الصلاة خلفك. قال:

- بل أنت، فأنت حي ترزق، فلا تُضيع الوقت.

ضحكتُ، فدائماً ما يسمينا إبراهيم نحن إخوته الذين يعيشون خارج البلاد، ويحمل بعضنا جنسيات هذا البلد أو ذاك، بالأحياء المرزوقين، ويضيف:

"أما نحن فالله يُعيننا على حياة العبودية في اليمن، الأقرب للموت مع الفساد والحرب، وفوق ذلك لا نستطيع حتى أن نئن من الظلم حتى لا نرمى في المعتقلات، كما هو حاصل مع كثيرين عبّروا عن رأيهم الناقد الرافض، ولو كان هذا الرأي عبارة عن سطر منشور في صفحة فيسبوك.

إبراهيم هو أصغرنا نحن الإخوة الستة الذين أنا خامسهم، وتفصل بيننا أعوامٌ ثلاثة، وكان إبراهيم الأحب بالنسبه لي: البسمة والهدوء والحكمة والمرح وحب مساعدة الناس، كان كذلك في زمن اليسر كما هو اليوم في زمن هذه الحرب والعسرة لا يتوانى عن مساعدة الناس.

على سبيل المثال، ما زال إبراهيم يعير جيرانه إسطوانة الغاز التي تجاوز سعرها العشرة آلاف ريال، بالضبط كما كان يفعل ذلك بالأمس وسعرها لايتجاوز الألف ريال؛ وما زال يوصل بسيارته بعض العابرين في الطريق ممن لا يملكون المال، اليوم، وسعر اللتر أضعاف أضعاف سعره بالأمس..

قبل ذلك كان إبراهيم الفتى المدلل، لذلك لم يكمل دراسته مثلنا نحن الذين تفرقنا في أصقاع المعمورة للدراسة ثم العمل.

كان لا يهتم إلا بملاحقة أحدث أنواع التلفونات والتهافت على الكماليات وتجربة أنواع السيارات، والتجوال بسيارة والدي الكبيرة، وسيارات أصحاب القرية، بل إنه وصل لمرحلة أنه كان يعرف نوع السيارة وصاحبها من صوت محركها من بعيد.. ظل كذلك إلى أن أثرت الحرب في تجارة والدي وأصابها الكساد.

وهنا جلس معه أخي الأكبر، بعد أن قررنا نحن الذين درسنا في دول الشرق والغرب أن نعود للعمل في الدول التي درسنا فيها بسبب ركود أعمالنا أو إفلاس الشركة التي يعمل بها البعض.. واجهه (بقسوة زائدة) بأنه لا يجب أن يستمر في لعب دور الفتى المدلل، وأن عليه تحمل المسؤولية.. كنت أراقب المشهد وأراقب الدمع ينحدر من عيني إبراهيم خجلا من التقريع.

لكنه بعدها أصبح شخصاً آخر، الذي سيستخدم مهاراته الوحيدة (قيادة السيارات) محولاً سيارة الوالد لسيارة أجرة، ثم ليشتري بعدها سيارة نقل، ليصبح هذا الشخص المسؤول الكريم المحبوب من الأطفال والذي يحس بالآخرين أكثر من أي أحد..

عدت بنظري إلى إبراهيم، لكنه قد اختفى تماما ًمن أمام ناظري. نظرت إلى أمي وهي بجوار شباك المنزل وناديتها: هل دخل عندكم إبراهيم؟

ردت: الله يهديك يا ولدي، ما زال إبراهيم في هيجة العبد، وأشارت إلى الجبل بحزنٍ موجع..

أمي دائما ما تبالغ في الخوف على إبراهيم منذ صغره.. أذكر أنها سابقا كانت تمنعه من ركوب الدراجات الهوائية خوفاً عليه، وكانت ترفض أن نشتري له دراجة، أو حتى لي لأنني كنت تقريباً المسؤول عنه عند خروجنا للعب؛ لكنني في إحدى المرات استأجرت دراجة من جارنا "شكيب"، ويا ليتني لم أفعل، فقد سقط إبراهيم عن الدراجة، وأصيب بجروح عديدة في وجهة الذي نزف كثيراً ثم تورم.. وحين عدنا، وما إن رأتنا أمي حتى أصابها الفزع والهلع، وصاحت من صنع بك هذا يا إبراهيم؟

فأجابها (كما علمّته) شكيب أوقعني من فوق الدراجة، فظلت تحضن إبراهيم، وهي تدعو على شكيب، إلى أن اضطررت إلى الإعتراف بالحقيقة خوفاً على شكيب من دعاء أمي.

عدت ببصري في اتجاه أمي، لكن شيئاً غريباً حدث: لقد اختفت واختفى بيتنا، واختفى البستان الكبير.. وفجأةً وجدتني أُطل على "هيجة العبد"، ولا أدري أي قوة خفية حملتني إلى هناك لأرى المشهد كما وصفته أمي بالضبط: إبراهيم في السياره التي ترفض صعود الجبل وتعود إلى الخلف بسرعة، وصاحبه يضع الحجارة تحت العجلات، وبلا فائدة تنقلب السيارة إلى الأسفل.. أنادي ولا يوقف ندائي وصياحي إلا صوت ارتطام شديد في أسفل الوادي، وبقايا أغنية إبراهيم الأثيرة بصوت أبو بكر سالم: اللقاء قد حان..

مد لي يمناك وأطعمني عسل جردان

شوكة الميزان...

كان فيها عطل واضح تعكس الأوزان

الله لطيف الله.. الله لطيف الله..

أنادي: إبرااااااااااهيم.. إبراااااااهيم.

وفجأةً اصحو من نومي في "برلين" على بكاء طفلي المولود الصغير الذي لم يكمل الأسبوع.. "إبراهيم" على اسم أخي المرحوم، الذي ما زالت قصة وفاته المأساوية تلاحقني في صحوي ومنامي، لكنني أحتضن ابني الصغير وأقول وأنا أرى ابتسامة أخي إبراهيم على محياه، متناسياً لوعة وألم فقدانه المفجع :

- سلام عليك يا إبراهيم، بل أنت حي ترزق، بل أنت حيٌ ترزق يا إبراهيم.

انتهت.

airyani@yahoo.com

الاثنين، 25 نوفمبر 2019

‏‎أحزمة الموت - تحقيق استقصائي


 أحزمة الموت.. 
تحقيق استقصائي يكشف عن انتهاكات الميليشيات
شهادات حصرية ووثائق تكشف جرائم الإمارات في عدن 



 كشف تحقيق الجزيرة "أحزمة الموت" تفاصيل مروعة عن الاغتيالات والسجون السرية بعدن اليمنية، عبر وثائق وشهادات حصرية، أظهرت أن عناصر من تنظيم القاعدة نفذت اغتيالات بتوجيه من ضباط إماراتيين.خلال السنوات الأربع الماضية، أصبح اسم العاصمة اليمنية المؤقتة عدن مقرونا بالموت اغتيالا وبسجون سرية يمارس فيها الكثير من أشكال التعذيب.

وشهد جنوب اليمن بين عامي 2015 و2019 ما يزيد عن 100 عملية اغتيال، حسبما وثقته تقارير أممية. كما تعرض آلاف اليمنيين للاعتقال والاختفاء القسري في سجون سرية تديرها مليشيات تابعة لدولة الإمارات ومرتزقة أجانب.

تحقيق الجزيرة "أحزمة الموت" كشف تفاصيل ملفي الاغتيالات والسجون السرية في عدن اليمنية عبر محاضر تحقيق وشهادات حصرية.

الباحثة المختصة في الشأن اليمني بجامعة أكسفورد البريطانية إليزابيث كندال قالت إن معظم عمليات أو محاولات الاغتيال في عدن نفذها أناس كانوا يقودون دراجات نارية، بينما تم تنفيذ بعضها الآخر بقنابل مزروعة على الطرق، وفي كلتا الحالتين فإن من نفذوا تلك العمليات كانوا على درجة عالية من الاحتراف.

ووفقا لكندال، لم يجر التحقيق بشأن هذه العمليات بصورة صحيحة من قبل القوات الأمنية، ولم يتم تقديم أي من المسلحين إلى العدالة، واكتفت التقارير بالإشارة إليهم دوما بمسلحين مجهولين.

ورغم محاولات دفن الحقيقة والعمل الممنهج على إزالة الآثار خلف مرتكبيها، فإن التحقيق تمكن من الحصول حصريا على محاضر تحقيقات أمنية -تنشر لأول مرة- أجراها البحث الجنائي في عدن مع مجموعة من المتهمين بتنفيذ عمليات اغتيال.

وتقع المحاضر المسربة في 87 صفحة وتشمل إفادات 4 متهمين بالمشاركة في الاغتيالات، وتذكر الأسماء الكاملة للمتهمين الأربعة وكل من يتعامل معهم، كما تضم اعترافات مفصلة باغتيالهم عددا من أئمة عدن.

تعليمات إماراتية

وأكدت محاضر التحقيق أن المسؤول الأول عن عصابة الاغتيالات في عدن كان يعمل مع الإماراتيين وتحديدا مع ضابط إماراتي لقبه "أبو خليفة".

كما توثق المحاضر إفادات المتهمين بأسماء الشخصيات المتورطة وأدوار المنفذين، بالإضافة إلى الجهات التي تمولها وتوجهها، وعلى رأسها قوات الحزام الأمني والاستخبارات الإماراتية.

لكن أخطر ما ورد في محاضر التحقيق التي حصلت عليها الجزيرة، أن عناصر من تنظيم القاعدة نفذت عمليات اغتيال بتوجيه من ضباط إماراتيين.

وتتوافق الاعترافات مع ما ورد في تقرير لفريق من الخبراء البارزين التابع لمجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، أكد أنه رغم اختلاف الخلفيات السياسية والفكرية لضحايا عمليات الاغتيال فإن ما يجمعهم هو تأثيرهم في المجتمع وانتقادهم العلني للإمارات والمليشيات التابعة لها.

دور المرتزقة

ولم يتوقف الأمر عند تجنيد عملاء محليين للإمارات في اليمن، إذ لم يمض 20 يوما على تحرير عدن من الحوثيين حتى بدأ الحديث عن استئجار مرتزقة أجانب لتنفيذ عمليات اغتيال لصالح الإمارات.

وقد حصلت الجزيرة على صورة من عقد لشركة "سبير أوبريشن" الأميركية، حصلت بموجبه على 1.5 مليون دولار، إضافة إلى علاوات عند تنفيذ أي عملية بنجاح.

وكانت أول عملية للمجموعة استهداف العضو البارز في حزب الإصلاح بمدينة عدن "إنصاف علي مايو"، ولكنها فشلت في اغتياله.

ولم يقتصر دور المرتزقة الأجانب على عمليات الاغتيال، فقد استعانت بهم الإمارات في عمليات استجواب وتعذيب السجناء في السجون السرية التابعة لها.

أقبية الموت

وإضافة إلى ملف الاغتيالات، تطرق تحقيق "أحزمة الموت" إلى ما يحدث داخل سجون الإمارات السرية في اليمن، التي يتعرض المعتقلون فيها لشتى أنواع التعذيب النفسي والبدني.

وقال القائد في المقاومة الجنوبية والمعتقل السابق عادل الحسني للجزيرة إنه تعرض شخصيا لتعذيب وحشي في عدد من السجون التي تشرف عليها الإمارات في اليمن.

وأضاف أن الإمارات تشرف على كل السجون السرية، وبعضها يديره جنود يمنيون، بينما بعضها الآخر يديره مرتزقة أميركيون وكولومبيون. ولا تخضع تلك السجون لإشراف من قبل النيابة أو وزارة الداخلية.

أما مروان لطيف -وهو معتقل سويدي سابق في سجون الإمارات بعدن- فقال "اعتقلني ضباط إماراتيون، ثم أخذوني إلى قاعدة عسكرية، وهناك تعرضت لأبشع أنواع التعذيب، وكسر أنفي، وعلقوني في السقف وأحرقوني وفقعوا عيني. وبعد تجربة السجن لم يعد للحياة طعم، فقد فقدت الإحساس بالسعادة".

وروى لطيف كيف قتل 3 ضباط إماراتيون قال إن أسماءهم هي هتلر "واسمه الحقيقي علي مطر"، وسلطان فيروز الملقب بفيروز، وعلي حارث الملقب بأبو علي، رجلا رفض الاعتراف ثم وضعوا جثته في كيس قمامة.

كما كشف أن بعض المعتقلين نقلوا إلى سجن عسكري في مدينة عصب الإريترية، ومنهم رجل الأعمال عوض حبيب وابنه قسام.

الأحد، 18 أغسطس 2019

عين بثينة.. مجازر الأطفال في حرب اليمن

  عين بثينة.. مجازر الأطفال في حرب اليمن
 معاناة الطفلة بثينة اليمنية من القصف إلى الخطف


أطلق التحالف بقيادة السعودية عمليته العسكرية "عاصفة الحزم" في اليمن بهدف معلن هو إنهاء الانقلاب الذي قامت به جماعة الحوثي والرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، ومع تقدم عمليات قصف التحالف بدأت المنظمات الحقوقية تتحدث عن الأخطاء التي يرتكبها طيرانه الحربي باعتبارها عاملا رئيسيا في سقوط المدنيين، مشيرة إلى تنفيذه أكثر من 90 غارة غير قانونية استهدفت المؤسسات المدنية من مستشفيات ومدارس ومساجد، وقتلت 6872 مدنيا كان عدد الأطفال بينهم أكثر من ثلاثة آلاف طفل.
الفيلم الاستقصائي "عين بثينة" –الذي أنتجته الجزيرة وبثته مساء الأحد (2019/8/18)- سلط الضوء على معاناة أطفال اليمن بوصفهم الفئة الأكثر تضررا من "الغارات الخاطئة" التي يشنها التحالف السعودي الإماراتي على أماكن المدنيين، وذلك انطلاقا من حالة الطفلة بثينة منصور الريمي التي كانت الناجية الوحيدة من قصف جوي استهدف منزل أسرتها في صنعاء يوم 26 أغسطس/آب 2017.
فإذا كان أطفال اليمن هم الضحايا الأكثر تعبيرا عن مأساة شعبه -التي وصفتها الأمم المتحدة بأنها أكبر كارثة إنسانية في العالم اليوم- فإن قصة بثينة صارت أيقونة قصص هذه الكارثة الإنسانية على المستوى الإقليمي والدولي، رغم ما قاله التحالف من أن قصفه لمنزل ذويها كان "ناتجا عن خطأ تقني وهو حادث عرضي غير مقصود"، وأعلن إحالة هذه الحادثة إلى "الفريق المشترك لتقييم الحوادث في اليمن" للتحقيق في ملابساتها.
غير أن قصة الطفلة بثينة الريمي لاقت تفاعلا عالميا على كل المستويات عبر هاشتاغ "عين الإنسانية"، وصارت حركة يديها وهي تحاول فتح عينيها أيقونة دولية؛ خاصة أنها كانت في الخامسة من عمرها، وخرجت من تحت الأنقاض بأعجوبة لتكتشف أنها فقدت جميع أفراد أسرتها في هذا القصف.
مهزلة الاختطاف
ولم يتوقف الأمر بالنسبة لبثينة عند حادثة قصف منزل أهلها؛ إذ سرعان ما بدأ الحديث عن "استدراج" أو "اختطاف" عمها علي الريمي وبصحبته عائلته وابنة أخيه بثينة إلى الأراضي السعودية، وتبين لاحقا أن هذا الاستدراج تم من خلال جمعية "مؤسسة سماء للتنمية الإنسانية" التي ترأسها الإعلامية اليمنية سماء أحمد بدعوى مناصرة قضية بثينة وترويجها للعالم.
وقد روى عمها علي للجزيرة تفاصيل عملية الاستدراج التي يصفها بـ"الاختطاف"؛ فقال إنها تمت تحت عنوان تنظيم "رحلة استجمام" لعائلته ولبثينة، انتهت بالوصول إلى عدن ومنها تم ترحيلهم جوا إلى العاصمة السعودية الرياض. وأضاف أنهم استقبلهم المسؤولون السعوديون الذين قدموا له "ظرفا" يحوي مبلغا من المال، لكنه رفض تسلمه منهم لأنه شعر بأنهم يريدون بذلك شراء سكوته على قضية بثينة التي يعتبرها "قضية وطن"، بينما كان الشارع اليمني يعتقد أنه لم "يُختطف" بل ذهب إلى الرياض للمساومة بشان تعويض مالي.
قرر الريمي –وهو في ضيافة السعوديين- أن يتوجه إلى الرأي العام العالمي لشرح عملية "اختطافه"؛ فنشر صوره هو وعائلته وبثينة على فيسبوك بمساعدة أحد اليمنيين في الرياض ومعها مناشدته العالم مساعدتهم في الخلاص من وضعية الاختطاف. وبعدها طُلب منه المسؤولون السعوديون الذهاب إلى جدة لملاقاة ولي العهد محمد بن سلمان، وحين رفض المساومة "أجبـِر" هو وعائلته على الإقامة في منزل بالرياض وأخضِعوا "للإقامة الجبرية".
وفي يوليو/تموز 2018 أدخلوه السجن وظل فيه أكثر من ستة أشهر لا يدري شيئا عن عائلته، ثم أطلقوا سراحه وسفروهم برا إلى "منفذ الوديعة" بمحافظة حضرموت اليمنية ومنه نقلوهم إلى صنعاء منهين بذلك رحلة "الاختطاف". وسواء أكان علي الريمي ذهب برغبة منه أم باختطاف؛ فإن المؤكد هو أن الطفلة بثينة تعرضت لانتهاكات تتحمل مسؤوليتها قيادة التحالف وعلى رأسها محمد بن سلمان.
وفي الوقت الذي تتعدد فيه انتهاكات التحالف السعودي الإماراتي في حرب اليمن؛ يبقى السؤال قائما عن جهود المتابعة القانونية لمحاسبة المسؤولين عن قصة بثينة الريمي وغيرها من قصص اليمنيين المأساوية، خاصة أن من يُتهمون بالمسؤولية عنها دول وشخصيات ليس من السهل مقاضاتها في اعتقاد كثيرين. 




الخميس، 16 أغسطس 2018

لقاء اليوم- ابن رعد: نجمع الأدلة حول مجزرة صعدة


لقاء اليوم 
مع  زيد بن رعد الحسين المفوض السامي لحقوق الإنسان
 ابن رعد: نجمع الأدلة حول مجزرة صعدة




قال زيد بن رعد الحسين المفوض السامي لحقوق الإنسان إن موظفي مكتبه يقومون بجمع الأدلة حول الهجوم "المروع" على حافلة تقل تلاميذ في صعدة باليمنالخميس الماضي، مما أدى إلى مقتل وجرح العشرات منهم.
وتحدث ابن رعد خلال حلقة الخميس (2018/8/16) من برنامج "لقاء اليوم" عن رد فعله كمفوض سامٍ لحقوق الإنسان بشأن الضربة الجوية التي قتل فيها عدد من الأطفال كانوا في طريقهم إلى رحلة مدرسية في صعدة، والتبرير الذي تم تقديمه، وماذا باستطاعة المجتمع الدولي أن يقوم به للوصول إلى تاريخ السادس من سبتمبر، حيث يفترض أن يتحدث الحوثيون وحكومة عبد ربه منصور هاديعن طرق لإنهاء هذه الحرب.
ذات صلة 

أمير عربي يترك منصبه الأممي لأن الصمت لا يمنح الاحترام





الاثنين، 21 أغسطس 2017

للقصة بقية - الوصاية


للقصة بقية- الوصاية خطة الإمارات للسيطرة على اليمن وثرواته





عامان ونصف العام على عملية عاصفة الحزم التي رفعت شعار إنقاذ اليمن لكنها قسمته كما يرى كثير من اليمنيين إلى مناطق نفوذ إماراتي سعودي، فعلى الساحل الغربي والجنوبي سيطرة إماراتية وتحكم في الموانئ وتهجير للأهالي لإقامة قواعد عسكرية، وعلى الحد الجنوبي انشغال سعودي بحماية الحدود من الحوثيينوصواريخهم البالستية، أما المواطن اليمني فأصبح بين جائع ومشرد وموبوء بداء كوليرا التي تفتك بالآلاف.
حلقة (2017/8/21) من برنامج "للقصة بقية" سلطت الضوء على تحركات الإماراتوخططها السرية للهيمنة على ثروات اليمن وفرض الوصاية على قراره السياسي، وتساءلت: كيف تحولت الإمارات من مشارك في التحالف العربي إلى مهيمن على ثروات ومقدرات اليمن؟ ولماذا أنشأت سجونا سرية فيه وحاربت الشرعية ومؤيديها هناك؟
فريق الخبراء التابع للجنة العقوبات الدولية على اليمن كشف في تقرير سري عن دعم دولة الإمارات العربية جماعات مسلحة، وممارستها الاحتجاز غير القانوني والإخفاء القسري في اليمن، مشيرا إلى أن هناك معلومات موثوقة تفيد بأن قواتها تخفي قسرا شخصين في عدن منذ أكثر من ثمانية أشهر.
ويشير التقرير -الذي حصلت الجزيرة عليه- إلى انتشار مليشيات ومجموعات مسلحة خارجة عن سيطرة الحكومة الشرعية تتلقى تمويلا مباشرا ومساعدات من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، كما يشير إلى أن إحدى تلك المجموعات في تعز يقودها شخص يدعى أبو العباس (السلفي) وتموله الإمارات، وقد رفضت هذه المجموعة الانضواء إلى الجيش اليمني، بالإضافة إلى عدم خضوع قوات رسمية -كقوات النخبة الحضرمية وقوات الحزام الأمني التي ترعاها وتمولها الإمارات- لسلطة الحكومة الشرعية.
ويضيف التقرير -الذي تتكتم الدول الأعضاء في مجلس الأمن على تفاصيله منذ تسلمه مطلع الشهر الجاري- أن الصراع في تعز عزز دور أبو العباس بدعم مباشر من الإمارات، وخلال صراعه مع الحوثيين سمح بانتشار عناصر تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية داخل تعز، لتعزيز قواته وتقييد النفوذ السياسي والعسكري لحزب الإصلاح.
بدورها، أشارت مجلة غينيس الدفاعية المتخصصة إلى أن أبو ظبي بنت قواعد عسكرية لها باليمن، أبرزها في جزيرة ميون التي تقع وسط مضيق باب المندب، مما يمكن الإمارات من التحكم به كاملا، كما تعكف حاليا على بناء قاعدة عسكرية في منطقة ذباب وتمنع عودة أهلها المهجرين.
مشروع إماراتي
القيادي السابق في المؤتمر الشعبي العام ياسر اليماني قال إنه "لم يعد خافيا على أحد ما تمارسه دولة الإمارات في اليمن عامة، وفي المحافظات الجنوبية خاصة، ونحن كيمنيين أصبحنا نتعامل معها كدولة احتلال تسعى عبر مخططاتها لاحتلال اليمن الجنوبي والسيطرة على ثرواته".
وأضاف الإمارات والمليشيات التابعة لها تواصل الزج بأفراد المقاومة الوطنية وأبناء القبائل في السجون وترتكب مختلف أنواع الجرائم على مرأى ومسمع من المجتمع الدولي ومجلس التعاون الخليجي.
وشدد اليماني على أن الانقلاب الذي حدث في صنعاء خططت له الإمارات منذ وقت مبكر، حيث عملت على الإطاحة بالرئيس عبد ربه منصور هادي ووضعه تحت الإقامة الجبرية، كما أن دخول الحوثيين إلى عدن تم بعلم الإمارات التي جعلت منه مبررا لدخولها إلى عدن والمحافظات الجنوبية للسيطرة عليها ولم تسمح بعودة الشرعية أو الجيش الوطني.
وأشار إلى أن المشروع الإماراتي قديم في اليمن، فقد سبق أن سعت الإمارات للسيطرة على ميناء عدن قبل الثورة اليمنية، وقد وجدت الفرصة مناسبة لتحقيق مشروعها عبر المشاركة في التحالف العربي، داعيا السعودية إلى مراجعة وجود الإمارات في التحالف، لأن ما تقوم به ستتضرر به دول الخليج جميعها وليس الشعب اليمني فقط.
أهداف إستراتيجية
الباحث في قضايا العالم العربي صلاح القادري أكد أن الإمارات لديها خمسة أهداف إستراتيجية في اليمن، هي القضاء على الثورة اليمنية كجزء من الربيع العربي، والقضاء على حركة الإصلاح كجزء من جماعة الإخوان المسلمين، وإسقاط شرعية الرئيس هادي وإفشال مشروع التحالف العربي الساعي لأن يكون اليمن عمقا إستراتيجيا للسعودية، وإقامة قواعد عسكرية للسيطرة على مضيق باب المندب وخليج عدن، وأخيرا السيطرة على ميناء عدن وتحييده حتى لا يصبح منافسا لميناء دبي.
وأضاف أن الإمارات عندما وصلت إلى اليمن كانت لديها أهداف واضحة تسعى لتحقيقها بخلاف السعودية التي لم يكن لديها هدف واضح، واكتفت مع مرور الوقت بالدفاع عن حدودها الجنوبية أمام الصواريخ البالستية أو محاولات الحوثيين المتكررة لاختراقها.
وبحسب القادري، فقد قامت الإمارات فور دخولها إلى عدن بالاستيلاء على منطقة المعاشيق وتحويلها إلى ما يشبه المنطقة الخضراء في بغداد، وبالتالي أصبحت كل قيادات السلطة الشرعية تحت الإقامة الجبرية في اليمن، ثم قامت بإنشاء مليشيات طائفية مناطقية مسلحة في عدن وشبوة وحضرموت، كما قامت بدعم وتبني كل القيادات المعارضة لهادي وقامت بتسليحها، ثم انتقلت إلى مرحلة اعتقال وتصفية القيادات المعارضة للمشروع الإماراتي.

أقرأ ايضاَ

الخميس، 11 فبراير 2016

رسالة إلى طفلتي في ذكرى الثورة

رسالة إلى طفلتي في ذكرى الثورة
رغدة جمال  
صحفية يمنية

طفلتي العزيزة..

قبل خمسة أعوام وتحديداً في فبراير/شباط 2011 توجهت مع جموع غفيرة من الشباب التواقين إلى يمن يسوده الخير والعدل والمستقبل الآمن لك ولأبناء جيلك، إلى ساحة جامعة صنعاء وهتفت معهم بأعلى صوتي "الشعب يريد إسقاط النظام"، نظام عاث في مقدرات بلدك طيلة 33 عاماً ونشر الجهل والفقر والفساد والمحسوبية والمناطقية والعنصرية، وهو من يشعل فتيل الطائفية حالياً وأنا أكتب لك هذه الرسالة.

عندما شاركتُ في ترديد ذلك الشعار حينها، كنتِ أنتِ كل ما أفكر فيه.. أردتُ أن يكون يمنك الذي تعيشين فيه غير يمني الذي عشتُ فيه، أن يكون التعليم غير التعليم، والحياة غير الحياة، وموقعك في الحياة كامرأة أفضل مما هو عليه الآن، أردت يا طفلتي الحبيبة أن تشاهدي اليمن الذي حلمت به في صغري ولم أشاهده طوال سنوات عمري الخمسة والعشرين حينها.

طفلتي الحبيبة..

كنت منذ انطلاقة شرارة الثورة منتظمة في الذهاب إلى الساحة، أدخلها بقلب مليء بأحلام دولة الحقوق والحريات، الدولة التي ستكفل لك الحياة الكريمة لمجرد أنك مواطنة تنتمين إليها غير عابئة بمحافظتك أو قبيلتك أو أسرتك أو حتى توجهك السياسي.

هناك كنت ألتقي بزملاء لي سأعرفك على بعضهم حين نعود ذات يوم إلى الوطن، وأقص لك عن آخرين سقطوا شهداء من أجلك وأجل مستقبلك وأمثالك من أطفال هذا الوطن الممتلئ بالحب والتسامح والتعايش وكل القيم الإنسانة النبيلة.

أعتاد قلبي أن يخفق سريعاً وأنا أستمع لأنشودة "أنا الثائر.. أنا موجود.. في شعب الكرم والجود" التي طالما تترددت أصداؤها من منصة الساحة، وأنا أحاول التقاط بعض الصور لأريها مستقبلا لك ولإخوتك.. لأخبركم أن أمكم كانت هناك مع من يسطرون تاريخ اليمن الجديد.

حبيبتي ميار..

لم أندم يوماً خلال السنوات الخمس الماضية على مشاركتي زملائي الثوار الحلم بيمن جديد، لكني أيضاً لم أتخيل أن تأتي إلى الحياة واليمن الذي حلمنا به قد أصبح كما هو عليه الآن وأنا أكتب لك هذه الرسالة.. لم أتخيل أن يتحول الضحية إلى جلاد وأن تتلاشى الدولة ويصبح السلاح هو لغة الحوار اليومية بين كل الأطراف..

لم أتخيل يا حبيبتي أن أبتعد عاماً كاملاً عن بلدي، تحديداً عن صنعاء التي أحب، لم أتخيل أن ألدك في أرض غير أرض اليمن، ولم أتخيل قط أن يأتي اليوم الذي لا أستطيع فيه الحصول على جواز سفر مستقل خاص بك، وبالتأكيد لم أتخيل أني سأخاف عليك إلى درجة تجعلني أفضِّل عدم العودة بك إلى اليمن؛ أولاً من مشقة رحلة السفر، وثانياً من رعب أصوات القذائف والصواريخ -التي تسقط يومياً على الأحياء الشعبية والمنازل المكتظة بالسكان- هذا إن استطعتِ تحمل مشقة الرحلة التي تبدأ من هنا حيث عمل والدك، مروراً بمطار عمّان ثم مطار بيشة في السعودية، ومن ثم إلى مطار صنعاء، متحملة كل الإهانات التي ستوجه لنا خلالها..

خلال فترة حملي بك؛ ابتعدت عن تتبع الأخبار السياسية في اليمن بعد ما أثقلت هذه الأخبار هم القلب بقساوة ما نراه عبر شاشات الفضائيات وصفحات وسائل التواصل الاجتماعي، لم أكن أريدك أن تأتي إلى هذا العالم متطبعة بطبع والدتك الحزين والمهموم على وطن لم تعرفيه بعد، لذا أخذت قرار الابتعاد عن سماع أي خبرعن اليمن الحبيب طوال فترة حملي بك..
آمنت حينها أني أحميك من مشاعر ما زلت صغيرة على أن تعيشيها.. كنتِ أنتِ الوطن الصغير في داخلي الذي أستطيع حمايته والاعتناء به.

اليوم أطالع وجهك كل يوم وأنا أتساءل هل ستحبين تلك الأرض التي لم تريها بعدُ كما أحبتها أمك؟! هل يكفيك اختصار صورة وصوت اليمن اللذين يمثلانهما جدك وجدتك داخل شاشة الهاتف الصغيرة؟!

سألني قبل فترة زميل لي ما هو الأسلوب الذي ستعتمديه في تربية ابنتك؟ أجبته بعدة نقاط تفيض بحماس الأم الجديدة التي تحلم بالأفضل لابنتها، لكني نسيت أو تناسيت أن أحدد له أين سأربيك؟! هل سنعود أنا وأنتِ يومًا ما إلى اليمن السعيد الذي يصر بعض أبنائه أن يكون تعيساً؟!

صغيرتي الجميلة..
اليوم أحاول جاهدة أن أكتب لك رسالتي هذه وأنا منشغلة برعايتك، فما بين فقرة وأخرى أضطر لتلبية كافة متطلباتك أو الحديث معك بتلك الأصوات التي ما زالت غير مفهومة، وإن كنت أعلم جيدا أنهاً تعبير عن الحب والأمل بالمستقبل الذي ستقدميه أنتِ وأصدقاؤك لليمن الذي يحتاج إليكم ولحبكم أكثر من أي وقت مضى..

أثق كثيراً بأن جيلكم يستطيع أن يحقق ما عجزنا عن تحقيقه نحن.. أثق بك حبيبتي..
محبتي لك،
والدتك