الخميس، 28 مايو 2026

أمريكا لم تعد قوة عظمى

 أمريكا لم تعد قوة عظمى

د. خليل العناني 


في عقد التسعينات، كانت أكثر شخصيتين تأثيرا في الساحة الفكرية والسياسية الأمريكية هما فرانسيس فوكوياما وصمويل هنتنغتون، وكلاهما من أبرز أساتذة العلوم السياسية في الولايات المتحدة الاول في جامعة ستانفورد والثاني في جامعة هارفارد.

 فرانسيس فوكوياما.

فوكوياما أمريكي من أصل ياباني، وُلد في شيكاغو عام 1952، لعائلة هاجرت من اليابان إلى الولايات المتحدة في بدايات القرن العشرين. وصل جده الساحل الغربي الاميركي فاراً من الحرب الروسية اليابانية وتم اعتقاله أثناء الحرب العالمية الثانية مع آلاف اليابانيين الذي كان يُشك في ولاءهم.

والده، يوشيو فوكوياما، كان عالم اجتماع وأستاذا للدراسات الدينية، وقد تلقى في بداياته تدريبا ليصبح رجل دين قبل أن يتجه إلى العمل الأكاديمي. نشأ فوكوياما في بيئة تجمع بين الانضباط الأكاديمي الصارم والهوية المهاجرة، وهو ما ترك اثرا واضحا على تكوينه الفكري. لكنه أيضا كان أمريكي العقل والفكر ولم يتعلم اليابانية في صغره.

في عام 1992، نشر فوكوياما — الشاب وقتها — كتابه الشهير “نهاية التاريخ والرجل الأخير”، الذي أحدث فرقعة إعلامية وفكرية ضخمة بسبب عنوانه الجريء وأطروحته الأكثر جرأة: 

أن النموذج الأمريكي، سياسيا وايديولوجيا واقتصاديا، انتصر نهائياً على بقية النماذج، وأن الديمقراطية الليبرالية مع اقتصاد السوق هي المحطة الأخيرة للتطور السياسي للبشرية.

أطروحة فوكوياما انتشرت كالنار في الهشيم، وتحول الكتاب إلى أحد أهم كتب تلك المرحلة وتصدر قائمة الكثر الكتب مبيعا في تلك الفترة، بوصفه التعبير الأكثر ثقة وتعبيرا عن لحظة الغرور الأمريكي بعد نهاية الحرب الباردة.

ببساطة، كان فوكوياما يقول إن المعركة الكبرى بين الأيديولوجيات قد حُسمت: الفاشية سقطت، الشيوعية انهارت، ولم يبقَ سوى الليبرالية الغربية بوصفها النموذج النهائي. 

أما “الرجل الأخير”، فكان ذلك الإنسان المطمئن، المستهلك، الباحث عن الرفاه والأمان، لا البطولة ولا المعارك الكبرى.

وما هي سنوات قليلة حتى وقعت أحداث سبتمبر 2001 وتلتها حروب أمريكا الكارثية في أفغانستان والعراق، ثم الأزمة المالية العالمية، ثم صعود الصين، وعودة روسيا، وانكشاف هشاشة الديمقراطية الأمريكية نفسها من الداخل.

————-

قبل أيام نشر فوكوياما -السبعيني- مقطعا مصوراً من حديقة منزله لأقل من 8 دقائق حول دلالات زيارة ترامب للصين جاء فيه:

(أمريكا لم تعد قوة عظمى. وما حدث في بكين لم يكن مجرد لقاء سياسي، بل مشهد إهانة مدروس لرئيس الولايات المتحدة. لم يستقبله شي جين بينغ في المطار. جلس في القمة بطريقة جعلته يبدو أصغر وأضعف بصرياً. عاد بلا إنجازات حقيقية، فقط وعود اقتصادية ضبابية، بينما كان يوزّع المديح والتملق على مضيفه كما لو كان يسعى إلى نيل رضاه.

الإهانة لم تكن بروتوكولية فقط، بل سياسية ورمزية؛ رئيس القوة الأعظم ظهر كمن يطلب المساعدة لا كمن يفرض الشروط، وكمن يبحث عن مخرج من أزماته لا كمن يقود النظام الدولي.

ذهب ترامب إلى الصين وهو يبحث عن مخرج من الفخ الإيراني الذي صنعه بنفسه؛ حرب استنزفت الهيبة الأمريكية، وهددت شريان الطاقة العالمي، وكشفت حدود القوة الأمريكية في فرض إرادتها.

شي جين بينغ فهم ذلك جيداً. رئيس أمريكي يحتاج إلى مساعدة لاحتواء أزمة هرمز ليس في موقع القوة، بل في موقع الطالب.

المفارقة أن ترامب الذي قدّم نفسه دائماً كرجل قوة و«فن الصفقة»، وجد نفسه يتفاوض من موقع الضعف، بينما تمسك إيران بأوراق ضغطها، وتراقب الصين مشهد التراجع الأمريكي بهدوء.)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق