‏إظهار الرسائل ذات التسميات عبدالله العمادي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات عبدالله العمادي. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 3 أبريل 2026

القلوب وقت الفتن

القلوب وقت الفتن

 د. عبدالله العمادي

الأحداث تتوالى علينا وتتعاظم، وبسببها تتعقد وتتشابك الرؤى والمفاهيم والقناعات، حتى تجد كثيرين وقد وقعوا في حالة من الالتباس شديدة. 
قد يرى أحدنا في لحظة ما، الباطل حقاً والحق باطلاً، وما ذلك إلا نتيجة طبيعية لمدى تأثير البيئة التي يكون أحدنا فيها، وتنوع المؤثرات من حوله.

ما نراه أمامنا من مشاهد ومواقف متنوعة متقلبة للبشر مثلاً، تجعل أحدنا يقف مشدوهاً حذراً مما يسمع ويشاهد، حتى تجدنا وقد بدأنا تلقائياً نردد دعاء تثبيت القلوب، ليس لشيء إلا لأن المشاهد الواقعة والفتن الحاصلة - كما هي الآن - صادمة وشديدة الوقع على النفس، تجعل الحليم حيران. 
ومن هنا تأتي أهمية ترديد دعاء تثبيت القلب كما جاء عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك).

وقد جاء عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُكثر من قول (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك وطاعتك) 
فقالَتْ له عائشة: «إنك تُكثر أن تقول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك وطاعتك، 
عليه الصلاة والسلام:» وما يُؤمّنّي ؟ (بمعنى أيُّ شيء يجعلني لا أخاف ويُعطيني الأمان) وإنما قلوب العباد بين إصبعي الرحمن، إذا أراد أنْ يَقلبَ قلب عبد قَلَبَه.

الثبات على الحق ليس بذاك الأمر الهين. 
التنظير فيه والحديث حوله كتابة أو شفاهة، يختلف كثيراً كثيراً عن فعل الثبات والبقاء على الحق والتمسك به. نعم، ربما في حالات الهدوء والسكينة والاستقرار، تتساءل عن السر في كثرة تعظيم البعض منا لأمر الثبات على الحق، وأهمية التمسك به، وخصوصاً أن الأمور واضحات لا تدعو للخشية من التحول عن الحق، فتتساءل عن هذا الإلحاح والاستمرار في دعاء تثبيت القلب، وهل هناك فعلاً فتن ومواقف يمكنها خلع القلب عن مكانه؟

مع تكاثر الأحداث اليومية المرتبطة بخلافات ومشكلات بين الأفراد مثلاً، وصولاً إلى الدول، وتنوع المواقف تجاهها، والفتن الصادرة عنها، ما ظهر منها وما بطن، ستدرك من فورك أهمية الارتباط بالله واللجوء إليه في مثل هذه الأحوال والظروف، وعدم الركون إلى علمنا ومالنا وحسبنا ونسبنا في مسألة الثبات على الحق. ذلك أن شواهد التاريخ حول هذه المسألة أكثر مما يمكن كتابتها ها هنا.

إنّ من تحولوا عن الحق إلى الباطل في فترة ما من حياتهم، سواء استمروا أم عادوا إلى رشدهم، كانوا على علم وفهم كبيرين، أو من علية الأقوام، أو أصحاب جاه ومال، وكانوا مع الحق قلباً وقالباً أينما كانوا وحلوا، يدافعون عنه ويدعون إليه في كل مناسبة..

لكن بفعل ظروف حياتية معينة طارئة لهم أو حولهم، وجدت قلوبهم تتغير تدريجياً خطوة بعد أخرى، حتى كفروا بما كانوا عليه، بل وربما وجدت بعضهم وقد انقلب على أعقابه خاسراً والعياذ بالله!.

الأمر ليس بدعة ولا هزلاً، وهو كذلك ليس بالأمر الجديد في تاريخ البشر. بمعنى أنّ وقت الفتن والأزمات الكبرى، وتحول من كان مع الحق ليكون ضده، أو العكس من ذلك، حدث كثيراً عبر تاريخ البشر، بل وما زال يحدث حتى يوم الناس هذا، وسيتواصل هذا الأمر إلى ما شاء الله له أن يكون.

بالتالي وكخاتمة لهذا الحديث الموجز،
أجد أنّ اغترار أحدنا بعلمه وفهمه، بل حتى إيمانه، أو علم وفهم الآخرين بخصوص ما يحدث حوله من مستجدات وأحداث وتطورات، خاصة في أوقات الفتن والأزمات كالتي نعيشها، وكثرة الأخبار وتتابعها، وتنوع التحليلات والآراء بشأنها من هذا وذاك وتلك، قد يغرقنا في بحر متلاطم الأمواج ﴿ أَو كظُلُماتٍ في بحر لُجّيّ يغْشاهُ موجٌ من فوقه موجٌ من فوْقه سحابٌ ظُلُماتٌ بعضُها فوق بعض إِذا أَخرجَ يدهُ لم يكد يراها ومن لم يَجعلِ الله لهُ نوراً فما له من نور﴾.

هذا النور هو المطلوب في مثل تلكم الأوقات، ليرى بنور الله وهو يفسر ويفكك الأحداث من حوله. 
ولن يتأتّى للإنسان مثل هذا النور إلا إذا ارتبط بالله ولجأ إليه، لأن هذا الارتباط، أو هذا اللجوء، هو كذلك حبل النجاة والثبات على الحق، لا غيره من الأحبال، وهي غالباً أحبال شيطانية..

فاللهم ثبتنا على دينك وطاعتك، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.. والله كفيل بكل جميل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

الجمعة، 13 فبراير 2026

أئمة يدعـون إلى النار

              أئمة يدعـون إلى النار

د. عبدالله العمادي

حين استكبر فرعون وجنوده على موسى وهارون - عليهما السلام - ولم ينصتوا، أو يستجيبوا إليهما بالحسنى، وما آتاهما الله من الآيات والدلائل على صدق دعوتهما، لم يتركوا الناس على حالهم وما يعتقدون، بل كانوا إلى ترهيب كل أحد يستمع وينصت إلى موسى وأخيه أقرب.


 تعمقوا أكثر من ذلك، فأخذوا يناصرون الضلال أينما ظهر، ويبثونه بين الناس وتزيينه لهم، وكانوا قولاً وفعلاً قادة وزعماء وأئمة، يدعون إلى النار كما في قوله تعالى (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ). 

أي جعلنا فرعون وجنوده أئمة للضلالة المفضية إلى النار، كما جاء في تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور، فكأنهم بأعمالهم تلك يدعون إلى النار.. فكلٌ يدعو بما تصل إليه يده؛ فدعوة فرعون أمره، ودعوة كهنته باختراع قواعد الضلالة وأوهامها، ودعوة جنوده بتنفيذ ذلك والانتصار له.

 إذن كان فرعون وكهنته ووزراؤه وجنوده، أئمة وقادة في الضلالة، يدعون الناس إليها رغبة ورهبة. ومعلوم بالضرورة أنّ الدعوة إلى أي نوع من الضلالة والشرك بالله، أو تزيين الفسوق والعصيان، هي أعمال تفضي بأصحابها إلى النار لا محالة، وبصريح القرآن. 

فرعون ومن معه قاموا على هذا الأمر بشكل واضح صريح، بل ومتعمّد، استكباراً في الأرض. كانت العاقبة أنهم استحقوا الوصف القرآني الدقيق لهم بأنهم أئمة يدعون إلى النار، فيحملون تبعاً لذلك أوزارهم وأوزار من استمع لهم واتبعهم، حتى إذا جاءوا جميعاً يوم القيامة، لا تجد أحدهم يناصر الآخر، أو أحداً غيرهم يناصرهم وينقذهم مما هم فيه يومئذ. 

 لقد خذلهم الله في الدنيا بسبب كفرهم وعصيانهم، فكانوا جديرين بالخذلان أيضاً يوم القيامة. 

إنها إذن هزيمة في الدنيا، وهي تارة أخرى هزيمة في الآخرة، جزاء البغي والاستطالة، كما جاء في ظلال القرآن. 

إنهم يوم القيامة أضعف من أن يدفعوا عن أنفسهم العذاب، أو أن يدفعوا عن غيرهم، فليس لهم من دون اللّه يومئذ، من ولي ولا نصير.

دعاة على أبواب جهنم

 حديث الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان، كاتم أسرار النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، يحتاج منا كثير تأمل وتدبر هذه الأيام، فقد جاء عنه أنه قال: كان الناس يسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الخير وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني. 

قلت يا رسول الله: إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ 

قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ 

قال: نعم، وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر.

قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟

قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها.

قلت: يا رسول الله: صفهم لنا، فقال: 

هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا. 

قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ 

قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. 

قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ 

قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك.


 هل الاعتزال هو الحل؟  

 إن كان فرعون وكهنته ووزراؤه وجنوده أئمة يدعون إلى النار، وهم على الكفر الصريح يومئذ، فماذا نقول اليوم عن مسلمين موحدين من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، كما جاء في الحديث، صاروا لا يختلفون عن فرعون ومن كان معه في الفعل، وإن اختلفوا في المظهر والمسمى؟! 

 أولئك المجرمون كانوا يدعون إلى الضلال وهم معروفون للناس يومئذ، لكن الأمر تغير اليوم، ولم يعد كالسابق واضحاً، كفر وإيمان. 

أما اليوم، فيأتي أناس على شكل علماء ومصلحين ودعاة، أو ما يسمون أنفسهم بمفكرين ومثرثرين تحت مسمى مؤثرين، يشوشون على الناس دينهم. يدعون إلى بدع من القول والفعل ما أنزل الله بها من سلطان، بعد أن يتم تزيين وتدليس أقوالهم بآيات وأحاديث، تُفسد على الناس مفاهيمهم عن الدين والدنيا كذلك ! 

 هؤلاء الدعاة الواقفون على أبواب جهنم، لا شك أنهم المقصودون في حديث حذيفة. 

خطرهم أكبر من خطر فرعون وجنوده وما كانوا يفعلون. إنهم اليوم في كل مكان، تناديهم مؤسسات الإعلام المختلفة، ومعها منصات التواصل المتنوعة، فيدخلون عالم ما يسمون بالمشاهير، حيث الأضواء والشهرة والأموال، تدفعهم وتحميهم أياد خفية، وما هي عن عالم الجاسوسية والسياسة ببعيد !

 لقد التبس على الناس دينهم بفعل هؤلاء الدعاة على أبواب جهنم، والشبهات زادت وكثرت، فيما دعاة الحق تزدحم بهم السجون والمعتقلات، أو يتم حجبهم عن العامة بكل الوسائل والطرق، حتى صار الوضع على ما نحن عليه اليوم، من قلق وتوتر وفوضى فكرية ومفاهيمية، حتى يكاد يقول المرء: نفسي نفسي، ما يشير إلى أننا ربما وصلنا إلى الزمن الذي تحدث عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زمن دعاة على أبواب جهنم، ما يستدعي بالتالي من كل أحد غيور على دينه ودين أهله ومحبيه، أن يلتزم جماعة المسلمين وإمامهم كما نصحنا بذلك الرسول الكريم..

 لكن الإشكالية كما قال حذيفة: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام ؟ وهذا هو الأقرب للواقع اليوم. 

إذ لا تجد جماعة مؤمنة تدعو إلى الله إلا وهي مضطهدة مُطاردة، ولا في الوقت نفسه تجد إماماً راشداً مؤمناً يهتدي الناس به ويحتمون بظله بعد الله.. 

فهل الحل هو الاعتزال؟  

سؤال يحتاج إلى شيء من البحث والنقاش في كل بيت ومسجد ومصلى، بل في كل ناد وتجمّع ومنتدى، لأنّ الحق أحق أن يُتّبع.. 

وخير ما نختم به هذا الحديث، أن نسأل الله لنا ولكم أن يرينا الحق حقاً، ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً، ويرزقنا اجتنابه.

 إنّه سميع عليم مجيب الدعوات.

الخميس، 5 فبراير 2026

ما بين قارون وأبستين

 ما بين قارون وأبستين

د. عبدالله العمادي

انشغل العالم خلال الأيام الفائتة بواجهة من واجهات منظومة فساد عميقة في الولايات المتحدة، والمتشابكة مع منظومات أخرى حول العالم في كثير من المجالات. 
تمثلت في شخص يدعى ابستين، الذي صار الاسم الأول في العالم المقترن بفساد واسع عميق وخبيث، رغم وجود من هو أفسد وأخبث منه.. 


 قيل إنه انتحر في سجنه بعد اعتقاله رغم كثير شكوك في الرواية، والأرجح أنه تمت تصفيته ليختفي مع أسراره، فهكذا هي قواعد منظومات الفساد حين ينكشف عضو منها، أو أحد واجهاتها. البتر والتصفية كأنجع الوسائل في وقف مزيد من الانكشاف، إلى حين ترتيب الأوضاع والمسائل الداخلية في المنظومة ! 

 الفساد بشكل عام في أي زمان وأي مكان، ليس مجرد سلوكيات فردية، أو حالات معزولة، بل هو منظومة متكاملة ومعقدة في أحيان كثيرة، خاصة حين تتشابك فيها المصالح، وتترابط فيها الأدوات والآليات التي تعمل على حمايته واستمراره.. ومن الطبيعي أن أي منظومة معقدة كمنظومات الفساد المتنوعة، تستخدم طرقاً متعددة وأساليب خفية من أجل ضمان بقائها وسلامة رموزها والفاعلين فيها، بدءاً من استغلال النفوذ بطرق احتيالية ذكية، ومروراً بتشهير سيف الابتزاز وانتهاء بعمليات التصفية والتحييد، فهكذا هو عالم الفساد، أو إن أردت مزيد دقة، عالم الإجرام.

ما هو الفساد ؟ 

الفساد في تعريف مختصر هو إساءة استخدام السلطة، أو النفوذ، أو الوظيفة العامة من أجل تحقيق مكاسب شخصية، أو مآرب أخرى على حساب المصلحة العامة. قد يكون الفاسد على شكل فرد. وقد يكون على هيئة شبكة من الأفراد بينهم مصالح متنوعة. 

 الفساد لا يكبر ولا ينتشر إلا حين يجد البيئة المناسبة، حيث ينتشر الفاسدون المتنفذون، تحميهم أنظمة وقوانين، وقضاة ومحامون، وقبل ذلك كله تسعى منظومة الفساد أو الفاسد نفسه، إلى درع يحتمي به، وغالباً ما يكون هذا الدرع على شكل أفراد من أصحاب القرار والنفوذ والصلاحيات !

 قصة الأمريكي الفاسد أبستين، وجرائمه المتنوعة التي لم تكن حديثة عهد، نموذج على ما نتحدث عنه. 
فهذا الفاسد كان يمرح ويسرح، ويفسد في الأرض والبحر والجو سنوات عديدة، يسيطر على هذا وذاك وتلك، تحميه قوانين وأنظمة، ومرتشون فاسدون من جميع الدرجات. 
قضاة ومحامون، رجال أعمال وأثرياء، نواب ووزراء، كلٌ يستفيد منه بالعمل معه بصورة وأخرى وبحسب موقعه ووظيفته، وعلى قدر ما يجنيه من مكاسب وأرباح !! وهكذا استمر في الفساد والإفساد سنوات عدة، ينتفع من هنا وهناك ومعه كثيرون، بعيدين عن الأعين، إلا تلك التي كانت تحمي منظومتهم الفاسدة ! 

وفي التاريخ لنا عـبرة

 قصص القرآن عن الفساد كثيرة، وما ذكرها الله إلا للعظة والعبرة. فمن أشهر قصص الفساد والمفسدين، بعد قصة نبي الله شعيب وقوم مدين، قصة قارون الذي كان من قوم موسى. 
أي كان إسرائيلياً لكنه يعمل ضمن فريق المستبد الأعظم حينذاك فرعون. 
وتفيد السياقات القرآنية والتاريخية أن قارون هذا ما كان يتعمق في الفساد ويتعملق لو لم يكن مدعوماً من منظومة فرعون الاستبدادية، التي استغلت ثروته الطائلة في تكريس معاني البغي والفساد. 

 كان المشترك بين قارون مع فرعون وملئه، هو المصالح المتنوعة، كالشراكات المالية التي توسعت وتعمقت من أجل تعزيز نفوذهم ضد بني إسرائيل، ما يؤكد أن فرعون كان حامياً غير مباشر لفساده، من أجل تحقيق أهداف مشتركة لهما في السلطة والمال.

 كان قارون ركيزة مادية داخل منظومة فرعون السياسية، حيث وفر فرعون الحماية والبيئة المناسبة له ليمارس فساده، في مقابل استغلال فرعـون لثروة قارون في تنفيذ خططه وسياساته، لاسيما تلك التي كانت ضد بني إسرائيل، وكيفية تثبيت أركان حكمه، وهذا ما كان وحكاه القرآن في تفاصيل عديدة. وهذا المشهد هو ما يحدث ويتكرر في كل زمان وكل مكان، وإنْ بصور وآليات مختلفة.


الدروع الحامية للفساد 

 لابد أن يجد الفاسد درعاً صلباً يحميه، كي يتكفل بتحقيق أهداف هذا الدرع ومصالحه، إلى جانب أهداف ومصالح الفاسد نفسه، أو أهداف ومصالح منظومة الفساد بكاملها. ولقد أثبتت التجارب على مدار التاريخ، أن الفساد لا ينتشر ولا يقوى إلا حين يكون صاحب الكلمة الأولى في النظام الحاكم، أو من لهم صلة به، هم بمثابة ذلك الدرع الصلب الذي يحمي الفساد والمفسدين، سواء بشكل مباشر عبر أوامر وتعليمات منه، أو منهم، أو عبر مؤسساتهم الفاسدة ذات النفوذ والصلاحيات ! 

 لكن رغم كل ذلك، وكخلاصة لحديثنا، لا يحيق المكرُ السيئ إلا بأهله دوماً وأبدا، وأنّ الباطل مهما علا وتجبر، فإنّه زاهق لا محالة، وإن عاش زمنا. فهذا قارون، وليس هناك يومئذ من هو أعظم ثروة ونفوذاً وصلاحيات في مملكة فرعون الاستبدادية منه، يخسف الله به وبداره الأرض، لتنتهي ثروته وفساده في غمضة عين، وينكشف هو ومن معه أكثر فأكثر (فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين).. 
هكذا هي نهاية كل فاسد، ومآل كل منظومة فساد، مهما طال الزمن بهم، لأنّ 
(الله لا يُصلحُ عمل المفسدين).

الأربعاء، 30 أكتوبر 2024

علماء السلاطين.. بأي فكر يحيا هؤلاء؟

علماء السلاطين.. بأي فكر يحيا هؤلاء؟


د. عبد الله العمادي

كاتب صحفي ومؤلف



اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد، يُعَز فيه أهل طاعتك، ويُذَل فيه أهل معصيتك، ويُؤمر فيه بالمعروف، ويُنهى فيه عن المنكر..           

بهذه الكلمات أنهى العالم الرباني العـز بن عبد السلام خطبته التي خصصها للاعتراض على تعليمات الملك الصالح إسماعيل يومها، بعد أن دخل في اتفاقيات صلح مع الصليبيين ومنحهم مناطق في دمشق، وسمح لهم بشراء الأسلحة والتزود بالطعام. 

فقام العز بن عبد السلام- وكان يُلقّب بسلطان العلماء- وفي خطبة نارية، فحرّم الصلح مع الإفرنج وبيعهم السلاح، بل لم يرفع يديه للدعاء للملك نهاية خطبته، كما كانت العادة في تلك الأيام، فاعتبره الملك عصياناً يستوجب اعتقاله على الفور، وهذا ما تم فعلاً.


 قد تستغرب من هذه النوعية من العلماء، وربما رأيت بعض الاستزادة عن الشيخ العز بن عبد السلام، الذي اشتهر في التاريخ الإسلامي، واقترن اسمه بمواقفه لا مؤلفاته وتصنيفاته، على رغم جهده وغزارة علمه في جانب التأليف أيضاً، لكن ذلك لم يكن ليشغله عن مقاومة الظلم ومواجهة الحُكام عند الخطأ، والجهاد ضد أعداء الأمة يومها من الصليبيين، ومن بعدهم المغول.


سيرته ومواقفه تصلح اليوم لاستحضارها من عمق التاريخ، وإبرازها للأمة من جديد، بعد أن ظهرت نماذج من علماء هنا وهناك، تعارف الناس على تسميتهم بعلماء السلاطين، الذين اشتغلوا بالدين لدنياهم ودنيا غيرهم {وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا}.


العز بن عبد السلام ومواجهة الملك

برز دور الشيخ في أحد أهم وأخطر الأوقات التي مرت على الأمة المسلمة، حين واجهت خطراً وتهديداً وجودياً تمثل في عبثية ووحشية المغول، فكان للشيخ دور هام في تحفيز الشعب- ومن قبله الملك قطز- من أجل التصدي لخطر المغول، الذين اجتاحوا العالم الإسلامي، وأنهوا الخلافة العباسية في بغداد، ووصلوا حتى أبواب القاهرة.


مما يحكى عنه أن قطز، وهو يستعد للمعركة الفاصلة مع المغول، أمر بجمع الأموال من الرعية، ولم يعارضه أحد من العلماء في بلاطه يومها إلا العز بن عبدالسلام، الذي وقف في وجهه، وطالبه ألا يأخذ شيئاً من الناس إلا بعد إفراغ بيت المال، وبعد أن يخرج الأمراء وكبار التجار من أموالهم وذهبهم بالمقادير التي تتناسب مع ثرواتهم، حتى يتساوى الجميع في الإنفاق على تجهيز الجيش، فإذا لم تكف الأموال، يمكن حينها للمك أن يفرض الضرائب على بقية الناس.. فتراجع قطز عن قراره، ونزل على حكم الشيخ!. وهكذا استمر الأمر حتى معركة عين جالوت الفاصلة ودحر المغول للأبد.


علماء السلاطين حواشٍ للحاكمين

اليوم، تمر الأمة بظروف وأحوال لا تختلف كثيراً عن الفترة التي عاش فيها سلطان العلماء، العز بن عبد السلام. الأمة مبعثرة بين الشرق والغرب، ومظاهر التناحر بين الدول الإسلامية واقعة ومشاهدة، وجيوش علماء السلاطين تظهر هنا وهناك مثل فقاعات الصابون؛ تراهم يدورون في أفلاك الزعماء والحكام، يبيعون دينهم بدنياهم ودنيا غيرهم.. قدراتهم في ضبط ورسم الفتاوى المرغوبة من الزعيم عجيبة ودقيقة؛ كل فتوى بثمنها، مالاً كان أم وجاهة، أم منزلة، أم غير ذلك من أثمان.


استغرب الشيخ محمد الغزالي من نوعية علماء السلاطين المشتغلين بالعلم الديني الذين: 

” قاربوا مرحلة الشيخوخة وألفوا كتباً في الفروع، وأثاروا معارك طاحنة في هذه الميادين.. ومع ذلك فإن أحداً منهم لم يخطّ حرفاً ضد الصليبية أو الصهيونية أو الشيوعية.. إن وطأتهم شديدة على          الأخطاء بين أمتهم، وبلادتهم أشد تجاه الأعداء الذين يبغون استباحة بيضتهم.. بأي فكر يحيا أولئك؟”.                                          


ثم يصل إلى النقطة الجوهرية، والعلة التي تعاني منها الأمة اليوم، علة ابتعاد علماء الدين عن قول الحق، ووصولهم إلى ما هو أسوأ من ذلك بكثير، وهو ارتماؤهم في أحضان السياسيين، ملوكاً كانوا أو زعماء.. فيقول الشيخ الغزالي: 

“أوروبا سبقتنا إلى تقليم أظافر حكامها، فقتلت بعضهم في ثورات حانقة ووضعت دساتير دقيقة لضبط مسالك الباقين، حتى صار      الحكم هناك خدمة عامة، يُختار لها الأكفأ ويُراقب من خلال أجهزة يقظة، ويُطرد ولا كرامة، إن بدا منه ما يريب.. أما الشرق الاسلامي فإن الفساد السياسي بقي في أغلب ربوعه، وما يثير الدهشة أكثر وأكثر هو موقف المشتغلين بالعلوم الدينية وفقه الشريعة.. كأن هؤلاء كُوّنوا بطريقة خاصة ليكونوا حواشي للحاكمين! السقوط الخُلقي وخلل التفكير الفقهي عند الجم الغفير من المتكلمين في الفقه آفة بعض رجال الدين”.                                                    


فساد الملوك بفساد العلماء

إن الاستبداد السياسي يتولد من الاستبداد الديني كما يقول الكواكبي، وإنه: “ما من مستبدّ سياسي إلى الآن، إلا ويتخذ له صفة قداسة يشارك بها الله أو تعطيه مقاما ذا علاقة مع الله. ولا أقل من أن يتخذ بطانة من خَدَمة الدين، يعينونه على ظلم الناس باسم الله.. وإنما فسدت الرعية بفساد الملوك، وفساد الملوك بفساد العلماء.. فلولا      القضاة السوء والعلماء السوء لقل فساد الملوك خوفا من إنكارهم”.


لقد ساعدت تقنية الاتصالات والمعلومات اليوم على كشف كثير من علماء السلاطين، وساعدت على رصد كل ما كان منهم وما هو كائن الآن، وصار بالإمكان تسجيل وحصر ما كان عليه أحدهم قبل وبعد. أي يوم أن كان عالماً يعمل لدينه ويبتغي رضا خالقه، ويوم أن تحول ليشتغل بدينه لدنياه، ويُرضي مخلوقات الله على اختلاف مآربهم ومشاربهم.


لكن، رغم أن إيجابيات التقنية في كشف أمثال هؤلاء كثيرة، فإن الخشية من التأثيرات السلبية على العامة كبيرة، لأنها دون شك ستكون مصدر يأس وانتكاسة عند الناس، بعد أن كان كثير من أولئك “العلماء” في منزلة عالية راقية، ينظر الناس إليهم بثقة واطمئنان كنماذج يُقتدى بها، فإذا بالواحد منهم- وبقدرة قادر- يتحول إلى وضع قابل للتندر أولاً، ومن ثم يصير- ثانياً- عامل تشكيك عند البعض في الدين نفسه!


لا شك أن كل أحد منا معرّض للفتن، وكل أحد قابل للسقوط أو الصمود، لكن وقوع العلماء وقت الفتن والمحن هو- لا ريب- أشد ضرراً على الأمة.. هذه الأمة التي لم يهدأ لها حال منذ انتهاء عهد الخلافة الراشدة إلى يوم الناس هذا. 

وما كان يجري قديماً على مدار تاريخنا مع العلماء الحقيقيين الصادقين من محن وابتلاءات، نرى مثله- وربما أسوأ- يجري اليوم مع علماء حقيقيين أيضاً، يقبعون وراء الزنازين في بقاع العالم الإسلامي المختلفة.


خلاصة الحديث

مثلما انتشر وظهر علماء السلاطين على مدار تاريخنا، ويستمر انتشارهم إلى اليوم، فإنه لا شيء يمنع كذلك ظهور نماذج من العز بن عبد السلام، والحسن البصري، وابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية وآخرين كُثر، يصدعون بالحق ولا يخافون في الله لومة لائم.


ولقد ثبت بالتجربة أن صلاح هذه الأمة ونهضتها مقترنان بصلاح ونهضة علمائها؛ فهم ورثة الأنبياء كما قال عنهم الحبيب محمد (صلى الله عليه وسلم)، وإن سقوط القليل منهم، ودخولهم أجواء السلاطين، لا يعني أنه عدوى تنتقل للغالبية، لأن أمة ظهر فيها العز بن عبد السلام؛ ليكون سبباً في أن تنجو بفضل الله ثم بفضل هذا الشيخ الكبير من خطر الزوال على يد المغول، لا شك أنها أمة قادرة على أن تنجب وتُخرج الآلاف مثله، يعيدون لها مجدها وعزتها.


وإن سوء حال الأمة اليوم لا يمنع كذلك من التفاؤل بغد أفضل وأجمل، فإن الله سبحانه بكل جميل كفيل، وهو دوماً وأبداً حسبنا ونعم الوكيل.



السبت، 12 أكتوبر 2024

طوفان الأقصى منعطف تاريخي

 طوفان الأقصى منعطف تاريخي

د. عبد الله العمادي

قبل السابع من أكتوبر 2023 كانت الأمة تتخبط خبط عشواء في ليل بهيم، بل ضلت طريقها المرسوم لها المستقيم، لولا رحمة من الله تنزلت ربما بدعوة صادقة من أشعث أغبر، فُتحت لها أبواب السماء، لا ندري أين ومتى وكيف كان شكل تلك الدعوة وداعيها، لكنها أنزلت رحمة إلهية، أعتبرها- وربما معي في الرأي كثير- أنها جاءت على الشكل الذي عايشناه لحظة بلحظة يوم السابع من أكتوبر العام الفائت، أو لنكن أكثر دقة وتحديداً، طوفان الأقصى.


الأمة فعلياً كانت إلى هاوية سحيقة تسير، وكانت المؤامرة تلو الأخرى تحاك وتُنسج في خفاء وعلانية بيد عدو مجرم جبان خبيث، بمعية جيوش من مغفلي ومنافقي الأمة، وقد حفروا أسماءهم بأيديهم وأيدي أعدائهم في قوائم المرجفين والمخذّلين والخونة.


حاول للحظات قليلة أن تتخيل كيف كان قطار الأمة يسير في سكة، نهايتها واد سحيق لا قعر له، لولا أن منّ الله علينا من حيث لا ندري بمنعطف شبيه بمنعطفات تاريخية سابقة من تلك التي مر قطار الأمة عليها، فتعدل بسببها خط سيره. وكان طوفان الأقصى هو هذا المنعطف الآخر وإن لم يكن الأخير، الذي ظهر للقطار قبل وصوله إلى قعر الوادي، وتسبب بالتالي في دفعه لتصحيح خط سيره، كي يرتقي شيئاً فشيئا، ويخرج من سكة هذا الوادي السحيق.


الحاجة لطوفان هادر  

الحاجة كانت ماسة فعلياً في هذه الأمة كي تستيقظ من سباتها العميق، لحدث شبيه بزلزال مؤثر، أو على أقل تقدير، حدث صادم تتنبه الأمة بسببه لما يجري حولها وما يحاك ضدها. لكن ما حدث كان أكثر فاعلية من الزلزال، فكان طوفان الأقصى، الذي سحب معه وما زال يسحب غثاء الأمة، ويكشف سوءات ودمامل وجراثيم كانت في الخفاء، ويحرك هذا الطوفان في الوقت ذاته جغرافيات وديمغرافيات حول العالم، حتى صار هو الحدث الأبرز الذي لا زال يتربع على عرش الأخبار في كل وسائل الإعلام حول العالم لعام كامل، إلى درجة أنه لا يمكن تجاهله يوماً واحداً، حتى أمسى أحدنا وهو لا يدري إلى أين سيمتد هذا الطوفان ويصل، أو كيف يهدأ ويتوقف.


  ربما يتساءل متسائلون عن هذا الطوفان ويحدث أحدهم نفسه عن جدواه وما فعله في الأمة.. سؤال مشروع ومنطقي. فأما إن كان السائل من أصحاب الرؤى القاصرة الضبابية، فهو دون شك لن يرى الطوفان إلا خرابا ودمارا، ودماء وأبرياء، وضحايا بالآلاف، فيما أصحاب القرار في الأمة لا يزالوا في سباتهم يعمهون، غير مكترثين ولا مبالين، فيما نسبة لا يمكن تجاهلها من جماهير الأمة قد بدأ اليأس يتسرب إلى نفوسها، ونسبة أخرى تعمقت في صهينتها وغيها وفجورها.. هكذا تكون الرؤية عند أفراد هذا الفريق.


الطوفان حبل إنقاذ 

أما إن كان من أصحاب الرؤى البعيدة الواضحة، فلا شك أنه يرى الطوفان بمثابة حبل إنقاذ تم رميه من حيث لا ندري لإنقاذ الأمة، رغم كل ما يمكن أن ينتج عن عملية الإنقاذ من جهد ونصب وتعب وخسائر مادية وبشرية، لكن هذه- بالمنطق والحس السليم- هي نتائج متوقعة ومنطقية، بل مطلوبة لإتمام عملية الإنقاذ قدر المستطاع، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، بعد أن كانت الأمة في حالة غرق مؤكدة.


   هذا الفريق يرى الطوفان وقد أعاد الاعتبار للأمة المسلمة، والشعب المسلم، وكشف للعالم عن القصة الحقيقية لقضية الأقصى، أو قضية الاحتلال والعدوان والمؤامرات الغربية على هذه الأمة. فمن منا كان يتوقع أو يتخيل يوماً أن يهتم الرأي العام الغربي بقضية فلسطين بعد أن أغرقته الرواية الصهيونية لعقود طويلة، وتشبع منها حتى أعمت بصره وبصيرته، بالتوازي مع تفنن هذا العدو وأدواته في التهديد والتخويف، وبث الرعب في النفوس، لمجرد التساؤل عن حقيقة الصهيونية؟ لا أعتقد أن أحدنا كان يحلم بهذا أو ينتظره في ظل الظروف التي سادت، والواقع الذي كنا نعيشه.


  من لا يزال يتباكى على الضحايا والأبنية المدمرة، ويتهم الطوفان بالتسبب بما آلت إليه الأمور في غزة، فإنه لا شك يعيش في غفلة عميقة، ذلك أن الإنجازات البشرية من شاكلة التحرر من الطغيان، والاستقلال، ونزع الحريات من المحتلين والمغتصبين، لا يمكن أن تتحقق بالأماني والأحلام، بل بالدم ليس غيره.


مواجهة خبائث الأمم  

الأمة تواجه عدواً خبيثاً ماكراً لئيماً، يريد استئصالها ونزعها من جذورها، ضمن صراع حضاري مستمر لم ولن يتوقف، طالما أن في الأرض نفوساً ترى الإسلام خطراً وجودياً عليها. أتباع الصليبية والصهيونية والهندوسية والمجوسية ومن على شاكلتهم، لا يرون استقراراً وتمكيناً لهم في الأرض، طالما أن الإسلام موجود.. هكذا بلغ معهم التخطيط والتفكير. كل أولئك الأنجاس جمعتهم غاية واحدة، وإن اختلفت عقائدهم ومصالحهم ومآربهم، تلكم الغاية هي القضاء على الإسلام وأهله، اليوم وقبل الغد !


الكيان الصهيوني المحتل ليس هو العدو، بل من قام على صناعته ودعمه ورعايته؛ هذا الكيان هو واجهة وأداة، وهزيمته لا تعني نهاية القصة، بل ستؤدي هزيمته واندحاره إلى أن يكشف العدو الحقيقي عن وجهه بشكل سافر دون نفاق هذه المرة، لتجد الأمة نفسها في مواجهة حقيقية مع كل أولئك الأنجاس، متحدين متضامنين بصورة وأخرى.


من هنا يمكن القول إن تكاتف قوى الشرك والشر، ودعمها لهذا الكيان الشيطاني، إنما هو نوع من تأخير تلك المواجهة الحضارية الحاسمة، التي ستحدد مصير الحضارة الغربية المهيمنة على البشرية حالياً؛ فإما أن تستمر لقرون أخرى، أو تكون بداية النهاية لها.. هم يدركون ذلك منذ القدم، وأن مواجهة أمة مسلمة ناهضة متحدة، تعني زوال قوتهم وقدرتهم بحسب السنن الإلهية في الأرض.


وكلما نجحت قوى الشر تلك في إبقاء الأمة متفرقة ضعيفة، يأكل بعضها بعضا، ابتعدت عن المواجهة الحاسمة المنتظرة. وبهذا نفهم سر دعمهم السخي اللامحدود لكيان الشر هذا، الذي فرق وما زال يفرق أو يمزق جسد الأمة، ونجح في التغلغل بين مفاصلها وأجزائها الحيوية كما السرطان يفعل في الجسم البشري.


غزة.. جذوة متقدة   

الحضارة الغربية رغم إيجابياتها الكثيرة منذ ظهورها، فإن سلبياتها زادت واستفحلت، وخطرها على البشرية جمعاء انكشف وتعاظم.. وبالتالي، وبحسب قوانين التدافع، لابد أن تبدأ رحلة النهاية لها اليوم وقبل الغد.


غزة اليوم هي بمثابة جذوة متقدة، يرون أنه لا بد من إطفائها الآن وقبل فوات الأوان؛ إن بقاء تلك الجذوة متقدة، يعني احتمالية أن تمتد حرارتها وتشعل فتائل أخرى في الأمة، وتتسبب في نهوضها من كبوتها، ويتحقق ما يعمل كل أولئك الأنجاس على تأخيره حتى حين..


ومن هنا، نجد أن إبقاء غزة صامدةً هو فرض عين على كل مسلم، ومطلوب دعم صمودها بكل المتاح والمتيسر. وفي الوقت ذاته، لا يجب منح المجال لأي متخاذل أو مرجف أو منافق أن يقوم بفعل الإرجاف والخذلان، وبث الخوف في النفوس تحت أي مبرر أو شعار، بل أجد أن مقاتلتهم بكل الوسائل الممكنة والمتاحة، مقدمة على مقاتلة قوى الشر تلك، لأن التمكين الداخلي جالب للتمكين الخارجي بإذن الله الذي يتكفل بكل ما هو جميل، وهو- سبحانه- دوماً وأبداً حسبنا ونعم الوكيل.

الجمعة، 4 أكتوبر 2024

الدول المثقوبة

 الدول المثقوبة


د. عبد الله العمادي
كاتب صحفي ومؤلف


في الجغرافيا السياسية، نجد أن الدولة المثقوبة هي تلك التي لها كيان مستقل لكنها محاطة من دولة أخرى من جميع الجهات. أبرز مثال هي دولة الفاتيكان التي تقع داخل الجمهورية الإيطالية.

وموضوعنا بالطبع ليس عن الفاتيكان وغيرها من الدول المثقوبة، بحسب المصطلح الجغرافي، وإنما استخدمنا هذا المصطلح الجغرافي للحديث حول دول مثقوبة فعلياً، ولكن وفق مفاهيم ورؤى أمنية، سياسية، ثقافية وغيرها.

وفي السطور التالية مزيد تفصيلات.
الثقب ها هنا يكمن في العملاء المزروعين من قبل المستعمر أو المحتل السابق

 حين يغادر مستعمر أو محتل، بلدة ما تحت غطاء الانسحاب ومنح البلد حريته واستقلاله، فإنه لا يقوم بذلك إلا بعد أن يكون قد زرع عملاءه بأشكال مختلفة، وبالتالي هذه البلدة المستقلة لا يمكن أن تطلق عليها اسم دولة مستقلة ذات سيادة، لأنها دولة مثقوبة، والثقب ها هنا يكمن في العملاء المزروعين من قبل المستعمر أو المحتل السابق، والذين سيبدأ دورهم بعد قليل، يكملون دور المحتل بطرائق شتى، مع بقاء كامل الولاء والطاعة له، وإن كان خفياً مستترا.

• حين يأتي للبلد نظام حكم ما، عبر انقلاب عسكري أو انتخابات مزورة، وتكون كلتا الآليتين مدعومتين من نظام خارجي غالب ونافذ، فاعلم أن هذه الدولة مثقوبة أيضاً، لأن النظام الحاكم الجديد سيُدار من الخارج، وسيأتمر بأوامر الداعم الخفي. حيث سيبدأ النظام يأمر وينهى وينفذ، ولكن بحسب توجهات ومصالح الداعم.

• حين يتغلغل عملاء وجواسيس نظام خارجي داخل أروقة وأنظمة ومؤسسات دولة ما، فاعلم كذلك أن هذه الدولة مثقوبة. ذلك أن العامل الرئيسي المهم لأي دولة كي تكون مستقرة راسخة، هو الأمن الداخلي، الذي يكون مستباحاً أمام أولئك العملاء أو الجواسيس، على اختلاف صورهم وأشكالهم، وتكون بالتالي كل خطوة أو حركة أو قرار أو توجه ما بالداخل، عبارة عن عمليات مكشوفة للجهة التي يعمل الجواسيس لصالحها.

 • حين تخضع بلدة ما لحماية من قوة خارجية، لاسيما إن كانت قوى عظمى، فاعلم أن تلك البلدة طالبة الحماية، في طريقها لأن تُثقب بعد قليل وتنضم لقائمة الدول المثقوبة، لأن الحامي الخارجي غالباً لن يعرض قوته وقواته للخطر دون مقابل، وبالطبع لن يكون المقابل المادي متوافقاً في القيمة مع فعل الحماية وقت الخطر، بل تجد أن الحامي الخارجي يطلب ما يوازي خدمات الحماية، مثل الاستثمار في البلد بمزايا خاصة، أو حق الإشراف على مشروعات معينة، أو التدخل في صناعة توجهات ورؤى البلد، أو التأثير في قرارات «سيادية» من تلك التي للحامي الخارجي علاقة بها من قريب أو بعيد، أو غيرها من أجور الحماية على أشكال وصور مختلفة.

 نعيش عالماً مثقوباً
 إن نظرة سريعة حول العالم، ستجد غالبية الدول «المستقلة» والمنضوية تحت راية الأمم المتحدة، دولا يمكن اعتبارها مثقوبة، لكنها تتفاوت في سعة الثقب! فأينما وجهت وجهتك، شمالاً أم جنوباً، شرقاً أم غرباً، ستجد دولاً مثقوبة عبر أدوات ووسائل وطرق مختلفة، وقلما تجد دولاً ذات سيادة حقيقية في عالم اليوم، فلا تغرّنك أحجام وقوة الدول حين نتحدث في هذا الموضوع.

 الدول المثقوبة ليس شرطاً أن تكون صغيرة أو ضعيفة، بل الثقوب يمكن أن تحدث لدول عظمى أيضاً، لكن الفرق يكمن في كيفية التعامل مع الثقوب، وحجم التأثر بما يفرز وينتج عن تلك الثقوب. لا تجد دولة اليوم تخلو ساحاتها ومؤسساتها وميادينها من عملاء وجواسيس دول أخرى. بل لا تجد رجالات وزعماء وقيادات دولة ما غير مخترقين بصورة وأخرى.

  إن اختراق الدول والأفراد عبر وسائل متنوعة، صار أمراً سهلاً يسيراً في عالم الاتصال والتقنية الذي نعيشه الآن، فإن لم يكن الاختراق بالتقنية وأدواتها، فلا شك سيكون عبر البشر أنفسهم. إذ من الممكن أن يحدث الاختراق عبر صديق أو زميل عمل أو تاجر أو عامل أو غيرهم كثير.

الكل يحاول أن يبدع ويتفنن في عالم التجسس والاختراق، سواء على مستوى الأفراد أم الشركات التجارية أم المؤسسات الأممية، وصولاً إلى الدول. صار الاختراق فنا ومهارة ومكسبا للجهة المخترِقة (بكسر الراء) وخسائر فادحة للجهة المختَرقة (بفتح الراء).

 من هنا ترى ظهور تخصصات جديدة في الدراسات الجامعية من قبيل الأمن السيبراني، أو هندسته، أو إدارته، أو غيرها من تخصصات مرتبطة بهذا المجال، بالإضافة إلى بروز الحاجة في الإدارات الأمنية لإنشاء أقسام خاصة بالأمن السيبراني، تكون مهمة تلك الأقسام أو الأجهزة، العمل المستمر المتقن في إنشاء التحصينات والجدر المانعة للاختراقات التقنية، فيما تستمر وتتولى بطبيعة الحال، الأجهزة الأمنية التقليدية المعروفة في متابعة الاختراقات البشرية، أو الجواسيس والعملاء، إن صح التعبير.
الكيان الصهيوني منذ أن ظهر على الخارطة، وهو يعتمد على الغير في تحقيق رغباته ومطامعه

الصهيونية وصناعة الثقوب
الكيان الصهيوني منذ أن ظهر على الخارطة، وهو يعتمد على الغير في تحقيق رغباته ومطامعه، سواء كان هذا الغير على شكل مساندين داعمين أم عملاء وخونة مارقين. بل لا أشك لحظة في أن هذا الكيان نجح في صناعة طابور خامس في غالبية الدول التي يعتقد هذا الكيان وداعموه، أن الخطر قد يصدر عنها، وبالتالي أزعم أن غالبية الدول المحيطة بالكيان وربما أبعد من ذلك أيضا، تغص بآلاف العملاء، سواء صهاينة أم من أبناء تلك البلدان!.

 وفي السياق هذا، ربما أول ما يتبادر إلى الذهن ونحن نشهد أحداثاً متسارعة بالمنطقة، ما جرى لحزب الله اللبناني وقياداته، وقبلهم إيران ورموزها ومؤسساتها، من اختراقات صهيونية للطرفين وبالجملة، حتى أمست نتائجها كارثية، ولا حاجة لإعادة الحديث عنها وشرحها.

 تاريخياً نجد أن الحوادث الكبيرة مثل سقوط المدن والعواصم والحواضر المهمة، سببها الرئيسي الخيانات الداخلية، والتي كانت من الأسباب الرئيسية للسقوط، وحوادث التاريخ من هذا النوع أكثر من أن نحصرها ها هنا، لكن الإشارة إلى بعضها مفيد، وخاصة أننا نعيش ظروفاً مشابهة لظروف تاريخية ماضية، ولعل أبرز الأمثلة هو سقوط بغداد قديماً، حين كانت عاصمة للعباسيين، أعظم حواضر العالم حينذاك. كان سقوطاً كارثياً مروعاً، بل يعتبر من أبرز الأمثلة على دور الطابور الخامس.

صار يُقترن سقوط أهم حاضرة إسلامية في ذلك الوقت بالوزير ابن العلقمي، الذي خان الخليفة وهيأ الأجواء لدخول المغول الهمج، وما جرى بعد ذلك من إهلاك للحرث والنسل، في كارثة لا ينساها التاريخ. ولعل الظروف السياسية الحالية في غالبية المنطقة العربية مهيأة لكثير من الطوابير الخامسة أن تخرج من أوكارها، لتعيث مع الخارج فساداً وتدميراً.

لكن مع كل ذلك، كخاتمة لهذا الحديث، لا يعني انتشار العملاء وكثرة الاختراقات، الاستسلام وتسرب اليأس إلى النفوس. لا، ليس هذا هو المطلوب. فكلما كان الحذر وكانت الحيطة والفطنة،  تم تأجيل ظهور الفساد والمفسدين، وذلك الأمر يتطلب، بالإضافة إلى الحذر والحيطة والفطنة، عملاً أمنياً علمياً دقيقاً، إلى جانب توعية مجتمعية مستمرة، مع ترسيخ معاني الولاء لله والرسول والدين ومن ثم الوطن. فتلك هي عوامل الثبات لأي مجتمع من الاختراقات ونشوء الطوابير الخامسة، أو ما شابهها في الكيفيات والأهداف. وما الوصية القرآنية (وخذوا حذركم) إلا دعوة لا يجب أن نغفل عنها، أو من يحذرنا القرآن منهم،
وما أكثرهم حولنا!.

الشرق القطرية


السبت، 28 سبتمبر 2024

لا للصهاينة في النادي العـربي المسلم

لا للصهاينة في النادي العـربي المسلم

د. عبد الله العمادي 
كاتب صحفي ومؤلف


ليس حديثي عن الرياضة والأندية وبطولاتها الرياضية المختلفة كما يوحي العنوان بذلك، لكنه عن ذاك النادي الذي تبدأ حدوده من صنعاء اليمن، وتصل إلى نواكشوط موريتانيا، أو بلغة الجغرافيا التي رسمها المحتل لنا، يكون النادي العربي المسلم هو عالمنا العربي.

محاولات الأتراك- مثلاً- الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي منذ عقود، ورفض هذا الاتحاد بشكل غير مباشر، وأحياناً بشكل مباشر واضح للفكرة، أوحى لي هذا العنوان، بعد أن جاء بالمعنى ذاته هيلموت كول، مستشار ألمانيا الأسبق، في تعليق له على محاولات تركيا الانضمام إلى الاتحاد، وقال إن الاتحاد الأوروبي نادٍ مسيحي لا مكان للمسلمين فيه!

لا أحد يمكنه منع الأوروبيين من وصف اتحادهم بالنادي المسيحي، أو انتقادهم لذلك؛ فالاتحاد فعلياً يجمع دولاً أوروبية تجمعها الديانة المسيحية بفروعها الثلاثة، وتجمعها الجغرافيا والتاريخ، بالإضافة إلى مصالح مشتركة، وإنَّ رفضهم انضمام آخرين من خارج الديانة والفكر والثقافة حق مشروع لهم، ولا أحد يجبرهم على ضم عضو من هنا أو هناك.. هذا أمر منطقي لا غبار عليه.

إن جئنا إلى عالمنا العربي، وأردنا تطبيق المعيار نفسه ووصف منطقتنا العربية بناد عربي مسلم، فسنجد أن الأمر مشروع ومنطقي أيضاً، وللعرب حق في إقامة مثل هذا التجمع- وإن لم يقم بعدُ لأسباب كثيرة ليس المجال ها هنا للتطرق إليها-، لكن أقول: من حقنا رفض أي عضو من خارج الملة المسلمة، أو بعيد عن الفكر والتراث العربي المسلم، كما يفعل النادي المسيحي، وبالتالي ليس لأحد الحق في نقد الرفض هذا، لا سيما من الجانب الأوروبي.

النفاق الغربي وازدواجيته  

الشاهد من الحديث أعلاه، أن الغرب الذي انكشفت سوءاته كلها بعد السابع من أكتوبر المجيد، يستهجن هذا الأمر ولا يقبله من العرب، في إثبات لعمق ازدواجية المعايير عنده، وهو الذي زرع في نادينا العربي المسلم، جسماً غريباً أشبه بخلية سرطانية تتمدد مع الزمن، ليأتي الآن مستغرباً من عدم قبول الكيان الصهيوني السرطاني ضمن منطقتنا، رغم إدراكه التام بمدى البعد الشاسع بيننا وبين شذاذ الآفاق أولئك، والذين لا يجمعنا بهم دين ولا فكر ولا تراث ولا قيم.

بريطانيا- كما يعلم الجميع- أساس المشكلة.. بعد أن أخذت على عاتقها- نيابة عن الأوروبيين- السير بمشروع التخلص من قذارة ومصائب الشراذم اليهودية في غالب أوروبا، عبر مشروع إنشاء وطن يجمع الشتات اليهودي في قلب العالم العربي المسلم، أو النادي العربي المسلم، ووقفت بكل قوتها لزرع هذا الكيان الغريب في جسم الأمة حتى يستوي على سوقه، ثم أخذت الراية من بعدها الولايات المتحدة بصورة أكثر تطرفاً في الدعم والتعزيز والتثبيت، حتى أصابت أمتنا أو نادينا بجرح لم يندمل حتى اليوم، بل يزداد عمقاً وسوءاً ونتانة.

  حين يرفض النادي العربي المسلم، غالبيته أو بعضه، هذا المشروع أو الزراعة الخبيثة هذه، فلأن دخول هذه الشرذمة إلى النادي سيكون سبباً لصداع مزمن مؤلم، ودخولها سيكون عامل تفرقة بين أعضاء هذا النادي، بل خطراً استراتيجيّاً وجوديّاً، مثلما كانت أوروبا تعاني طويلاً معها. وما دعوات بعض العرب لقبول هذا الكيان بيننا، وتطبيع العلاقات معه، إلا دعوات نفاق انهزامية باطلة، لا أساس لها من الدين ولا الثقافة ولا القيم، ومقاومتها لا تقل أهمية عن مقاومة الاحتلال.

لهذا كله، حين يرفض الأوروبيون- وما زالوا يرفضون- انضمام جار جغرافي مسلم لهم، وهو تركيا، باعتبار أن ناديهم مسيحي لا مكان للمسلمين فيه، رغم البون الشاسع بين تركيا والكيان الصهيوني في الاستراتيجيات والمخاطر، فإننا أولى إذن برفض الكيان الصهيوني المحتل أن يكون موجوداً بيننا، هذا الكيان الذي لا هو يهودي على هدى موسى- عليه السلام – كي نقبل به في نادينا العربي المسلم، باعتبار إيماننا بكل رسل وأنبياء الله الكرام، ولا فكره وتاريخه وتراثه مماثل لنا أو قريب منا حتى يمكن قبوله؛ فهو كيان خليط مشوه من شذاذ آفاق من علمانيي اليهود مع متطرفين كُثُر، وأكثرهم ملحدون بلا دين ولا أخلاق ولا قيم.

وبالتالي، رفض وجود هذا الكيان بيننا أمر منطقي وقانوني لا ينبغي أن يثير استغراباً، بل ليس لأحد الحق في استهجان هذا الرفض، أو الحث على تغيير فكرة الرفض إلى القبول تحت أي مبرر كان، لاسيما الغرب المنافق.

الطوفان وهدم السردية الصهيونية  

من هنا أجد أن أحداث السابع من أكتوبر، أو طوفان الأقصى، فرصة تاريخية ثمينة تفرض علينا ضرورة استثمارها بشكل صحيح فوري، عبر قيامنا نحن- أعضاء النادي العربي المسلم- بتعريف العالم حقيقة هذا الكيان، وأنه ليس إلا صنيعة أوروبية استعمارية استخباراتية متقدمة، قامت على أكتاف بريطانيا، ثم تولت الولايات المتحدة أمر الرعاية والدعم بعد أفول نجم وتأثير الأولى، وأن هذا الكيان في الأساس ما هو إلا جسم غريب في وسط عربي مسلم له دينه وفكره وثقافته وتراثه، ولا علاقة لهذا الكيان بكل تلك الأمور، لا من قريب ولا من بعيد، وبالتالي- منطقياً- لا مكان له في هذه البقعة.

جميل جداً كخاتمة لهذا الحديث أن نشيد بشعوب أوروبا وأمريكا وغيرهم في العالم، الذين استعادت نسبة مهمة منهم وعيها، لا سيما الجيل الشاب منهم، فبدأت في إدراك حقيقة هذا الكيان، وأيقنت بعد بحث ومتابعة لتاريخ القضية أن الكيان الصهيوني عمل استخباراتي للغرب، وأن شذاذ الآفاق ليس لهم حق في فلسطين، لا دينياً ولا تاريخياً، وبدأت الشعوب الغربية من تلقاء ذاتها بالتحرك لكشف هذه الحقائق المُغيّبة طويلاً للآخرين.

وبالتالي، أرى أننا أولى بمثل هذه التحركات، ونسف الروايات الصهيونية التي دامت وعششت كثيراً في أذهان العالمين، وتعزيز تحركات الشعوب الحرة في نصرة القضية، قبل أن يتمكن الغرب من جديد من لملمة أموره والبدء في إعادة السيطرة على الروايات الداعمة لحق وجود الكيان السرطاني الصهيوني بيننا.

 إنها واحدة من التحديات الكبيرة التي تنتظرنا للبدء بالمبادرة تلو الأخرى إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا.

الجمعة، 13 سبتمبر 2024

معسكر الباطل يتألم أيضاً

معسكر الباطل يتألم أيضاً



د. عبد الله العمادي
كاتب صحفي ومؤلف


تذكير إلهي للمسلم المؤمن الذي يقاتل عدو الله وعدوه، قتالاً عسكرياً أو فكرياً أو اقتصادياً أو غير ذلك من أنواع القتال ضد الأعداء، وألا يستسلم للألم أو الوهن أو الضعف الذي قد ينتج في مرحلة من المراحل عن شدة القتال، أياً كان نوع هذا الألم. 

إن ذلكم الضعف أو التعب والنصب أو الألم الناتج عن مقارعة العدو أمر طبيعي بحسب قوانين الحياة، أو مواجهات الحق والباطل {إن تكونوا تألمون فإنّهم يألمون كما تألمون}، أي إنه كما تتألم أيها المسلم المؤمن في معركتك ضد عدوك، فتأكد أن ذلك العدو يتألم بالمثل، وقد أصابه الوهن والضعف والجهد والنصب أيضاً.

جاء في تفسير القرطبي أن الآية الكريمة “نزلت في أعقاب غزوة أحد، حيث أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- المؤمنين بالخروج في آثار المشركين، وكان بالمسلمين جراحات. وكان قد أمر ألا يخرج معه إلا من كان قد حضر القتال في غزوة أحد”!

معنى هذا أن الآية الكريمة تأمر المسلمين المؤمنين في كل زمان وكل مكان بالمحافظة على فرائض الله، ومنها الإقدام على قتال أعدائهم بعزيمة صادقة، وهمة عالية، وصبر وتصابر وتحمل للأذى، وألا يحول بينهم وبين هذا القتال ما يشعرون به من آلام وجهد ونصَب بدني، ومثلها من آلام نفسية عميقة ناتجة عن خذلان وإرجاف من لدن إخوانهم في الدين، أو غيرها من مسببات الألم.. هذه نقطة أولى جديرة بالمعرفة.

إحدى الحسنيين 
النقطة الأخرى الأهم: {وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليماً حكيماً}.. أي إن الفرق بينك أيها المسلم المؤمن وبين عدوك في مثل هذه المعارك، أنك ترجو من الله ما لا يرجوه عدوك؛ أنت تقاتل عدو الله وعدوك في معركةٍ أنت تعلم قبل خوضها أنها جولة من جولات الصراع بين الحق والباطل، وأنك على يقين تام لا يتزعزع أنه مهما تكن النتائج، فأنت فائز منتصر نهاية الأمر.

إن للمؤمنين- كما يقول ابن عاشور في تفسيره- “مزية على الكافرين، وهي أنّهم يرجون من الله ما لا يرجوه الكفّار، وذلك رجاء الشهادة إن قتلوا، ورجاء ظهور دينه على أيديهم إذا انتصروا، ورجاء الثواب في الأحوال كلّها”.

هذا هو المفهوم الصحيح المطلوب من المسلم المؤمن إدراكه تمام الإدراك، وهو يخوض معاركه ضد أعداء الدين على جميع الجبهات والأصعدة. فلا معركة- مهما كان نوعها- دون إصابات ودون آلام وجروح ومشقة وضعف في مرحلة من مراحلها. لكن الذي يعين ويثبّت المسلم أن الجزاء المنتظر والمرجو من الله، يختلف عن الذي ينتظره عدوه، وهذه هي نقطة الاختلاف الجوهرية بين فريق الحق وفريق الباطل.

آلام معسكر الباطل أشد
ما يجري الآن في غزة هو أوضح وأبرز الأمثلة على هذا الحديث.. إن الألم الذي يشعر به المجاهد الغزاوي أو المقاوم الفلسطيني بشكل عام، يكاد في مرحلة من مراحل هذا القتال الدائر أو صد العدوان الصهيوني الجائر يصل إلى قمته، وربما يمكن القول ونحن نشاهد القتال الدائر على أرض غزة الأبية، أن الألم وصل مداه فعلاً، سواء البدني أو النفسي، وهو الأشد.

لكن على رغم ما نراه أمامنا، فإن هناك ثباتاً غير طبيعي لهؤلاء المجاهدين، رغم كل الآلام والمصاعب، وهذا دليل على نوع التربية الإيمانية التي تربى هؤلاء عليها، وعمق إيمانهم بوعد الله لعباده المؤمنين المجاهدين الصابرين، وصدق يقينهم بحتمية النصر وإن طال الأمد.. وهذه نقطة ربما تغيب عن بال كثيرين.

إن الجانب المقابل، أو معسكر الباطل بعسكرييه ومدنييه، يتجرع آلاماً ومشقات قد لا تظهر علناً بالشكل المكثف، الذي تحرص وسائل الإعلام المختلفة على إظهاره في الجانب الفلسطيني، وهدفها الخفي بث الوهن واليأس في النفوس المجاهدة في فريق الحق.

إن الجانب الصهيوني يعاني ويتألم ربما أكثر من الجانب الفلسطيني، وإن لم تظهر مشاهد ذلك كثيراً على وسائل الإعلام. إن هؤلاء {أحرص الناس على حياة}.. أي حياة!. 
الجندي الصهيوني ومن يسانده من جنود ملة الكفر، سواء كانوا أمريكان أو أوروبيين أو هندوس أو غيرهم، يدخلون القتال رغبة في مكافآت ومغانم ينتظرونها على شكل ترقيات وأوسمة وحوافز مادية وغيرها، وبالتالي ترى حرصاً شديداً ألا ينكشف أحدهم في ميادين القتال، وألا يُقتل قدر المستطاع، لأنه قد وعد أهله وأحبابه أنه ذاهب لقتال مجموعة “إرهابية” أو أعداء- كما تم حشو ذهنه بتلك الأكاذيب- ثم يعود ليعيش حياته بعد ذلك.

ومن هنا ترى جزع أهاليهم الشديد وحزنهم الأشد حين يرون أبناءهم وقد عادوا في توابيت الموتى، ملفوفة بعلم دولتهم الإرهابية المجرمة، على عكس ما تراه في معسكر الحق، حيث تجد عائلات غالبية الشهداء، وإن بكت قليلاً، فإنها استبشرت كثيراً لنيل أبنائها إحدى الحسنيين، وزاد ذلك في إيمانهم وثباتهم. ولم لا وقد تحقق ما كان يرجوه أبناؤهم الشهداء وهم داخلون لمواجهة الباطل وأهله.

هذا هو الفرق بين معسكر الإيمان ومعسكر الباطل.. الجميع في المعسكرين يتألم، لكن ليس الجميع يرجون من الله الرجاء ذاته؛ معسكر الحق مؤمن بوعد الله أن الأمر محسوم لا شك فيه، لكنه يحتاج لبعض الصبر والتصابر، وإن طال الأمد {فلا تهنوا وتدعوا إلى السَّلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتِركم أعمالكم}.

هذه هي المعاني التي لا أشك لحظة في أنها ترسخت في نفوس كتائب الحق في غزة، والمرجو في الوقت ذاته أن تترسخ في الكتائب الأخرى المنتظر نهوضها في بقية فلسطين المحتلة. ولعل هذا أيضاً هو سر بقاء المواجهة مشتعلة بين معسكر الإيمان ومعسكر الكفر في غزة، ونسأل الله أن يتم نعمته على أوليائه، وينصرهم نصراً عزيزاً مؤزراً.. {ويقولون متى هو. قل عسى أن يكون قريباً}.

الجمعة، 9 يونيو 2023

هل ينجح عمران خان في مواجهة عسكر بلاده؟

هل ينجح عمران خان في مواجهة عسكر بلاده؟

الأحد، 26 ديسمبر 2021

عالم الجواسيس والخيانات

 عالم الجواسيس والخيانات
عبد الله العمادي

المغول رغم وحشية أساليبهم مع الدول التي كانوا يغزونها، وهمجيتهم بعد كل انتصار، لم يكن ليحصل لهم ذلك لولا عامل مهم رئيسي في غالب حملاتهم الهمجية المتوحشة، هو التجسس عبر زرع عملاء من بني جنسهم، أو كسب ود خونة من أبناء الدول التي كانوا يخططون لاجتياحها ونهبها وإهلاك الحرث والنسل فيها.


قال فيهم الإمام السيوطي: "تصل إليهم أخبار الأمم، ولا تصل أخبارهم إلى الأمم. وقلما يقدر جاسوس أن يتمكن منهم، لأن الغريب لا يتشبه بهم، وإذا أرادوا جهة كتموا أمرهم، ونهضوا دفعة واحدة، فلا يعلم بهم أهل بلد حتى يدخلوه ولا عسكر حتى يخالطوه..".

لا يهمنا كثيراً التوقف عند تاريخ المغول الوحشي، ولا ظهورهم الذي لم يضف إلى الحضارة الإنسانية شيئاً، سوى تخليد مشاهد البؤس والقهر وإهلاك الحرث والنسل والاستمرار في زرع الخونة هنا وهناك، لكن ما يهمنا هاهنا هو الوقوف قليلاً عند ظاهرة الجواسيس أو الخونة، وتأملها وما يدعو إلى ظهور تلك الدمامل في جسد الأمة.

لكن بادئ ذي بدء، لابد من القول إنه ليس هناك ما يمنع من تطبيق فكرة التجسس على العدو، لا من الناحية الشرعية ولا القيمية، بدليل قوله تعالى (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة). ومن تلك القوة، ما نسميه اليوم جهاز الاستخبارات، الذي يكون من صلب مهامه وعمله، حماية أمن ومصالح البلاد ومن فيها.

الجاسوسية اليوم صارت عملاً احترافياً يتطلب من القائم بهذا النوع من العمل، دقة ومهارة، وكياسة وفطنة، مع سرعة بديهة، لاسيما إن كان هذا "العميل" يعيش وسط بيئة معادية لبلده ودينه. العمل جد دقيق ويتطلب حذراً فوق المعتاد والمطلوب، وعدم مخالفة التعليمات.

حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه– طلب منه الرسول الكريم –صلى الله عليه وسلم– في إحدى الليالي الباردة لمعركة الخندق أو الأحزاب، أن يجمع قواه ويدخل خلف خطوط العدو، وطلب منه مهمة معينة لا يتجاوزها ولا يبادر بأي عمل من تلقاء نفسه، حتى لو وجده سهلاً وفي صالح المسلمين. ونجح في دخول معسكر المشركين، بل ووصل إلى القائد الأعلى لهم وكان يومها أبوسفيان، حيث يقول حذيفة عن مشهد اقترابه منه: "رأيت‮ ‬أبا سفيان‮ ‬يُصلي‮ ‬ظهره‮ ‬بالنار– من شدة البرد- ‬فوضعت‮ ‬سهماً في‮ ‬كبد‮ ‬القوس‮ ‬فأردت‮ ‬أن‮ ‬أرميه، ‬فذكرت‮ ‬قول‮ ‬رسول‮ ‬الله‮ -صلى الله عليه وسلم- ولا تُذعرهم‮ ‬عليّ، ‬ولو‮ ‬رميته‮ ‬لأصبته". المهم في القصة أنه نفذ المهمة وعرف معلومات غاية في الأهمية عن الحالة المعنوية لجيش المشركين، وعاد سالماً دون أن يكتشف أمره أحد، بعد معاناة من برودة ورهبة تلك الليلة، فأخبر الرسول الكريم ما رآه وسمعه، فكانت مكافأته كما يقول حذيفة: "فألبسني‮ ‬رسول‮ ‬الله -صلى الله عليه وسلم- من‮ ‬فضل‮ ‬عباءة‮ ‬كانت‮ ‬عليه‮ ‬يصلي‮ ‬فيها، ‬فلم‮ ‬أزل‮ ‬نائماً حتى أصبحت. ‬فلما أصبحتُ ‬قال‮: ‬قم‮ ‬يا نومان‮".‬

العلقمي نموذج للخيانة

 
إذا عدنا إلى المغول تارة أخرى، فإنك لا تجد من يتحدث عنهم ودورهم في تخريب وتشتيت المسلمين، إلا ويذكر الوزير ابن العلقمي، كأبرز نماذج الخيانة في تاريخنا، والذي حاز على ثقة الخليفة العباسي المستعصم إلى الدرجة التي ترك له الحبل على الغارب يفعل في الدولة ما يشاء، وكان ذاك ما أراده وسعى إليه العلقمي، خاصة أنه كان يحمل ضغائن للخليفة العباسي بسبب اختلاف العقائد، وطمعه مما في يد المغول، فاستغل غفلة وثقة الخليفة فيه، وبدأ بالتواصل مع التتار في سرية تامة، من بعد أن بدأ في ترتيب ما يلزم لتهيئة عاصمة الخلافة لدخول جيش التتار بقيادة هولاكو واجتياحها، على أمل أن يكون له وضعه بعد ذلك في الدولة.

قال عنه ابن كثير: "ثم كاتَبَ التتار، وأطمعهم في أخذ البلاد، وسهل عليهم ذلك، وحكى لهم حقيقةَ الحال، وكشف لهم ضعف الرجال. وأوهم الخليفة وحاشيته أن ملك التتار يريد مصالحتهم، وأشار على الخليفة بالخروج إليه، والمثول بين يديه لتقع المصالحة، على أن يكون نصف خراج العراق لهم، ونصفه للخليفة، فخرج الخليفة إليه في سبعمئة راكب من القضاة، والفقهاء، والأمراء، والأعيان.. فتم بهذه الحيلة قتلُ الخليفة ومن معهُ من قواد الأمة وطلائعها بدون أي جهد من التتار".

ليس كل جاسوس خائناً

 
لا يمكن بالطبع القول إن كل جاسوس خائن. ذلك أن أمن الوطن يستدعي وضع العيون على شكل جهاز أمني مستتر، يقوم عمله أساساً تجاه أهل الريب والشبهات في مجالات السرقة والجرائم اللاأخلاقية وما شابه من جرائم تؤثر على الأمن الداخلي للبلد، وأهمية تتبعهم وملاحظتهم للحيلولة دون وقوع ضرر منهم على المجتمع ومن يعيش فيه. وإن كان هذا الأمر بالطبع يحتاج لتقنين، فالأمر ليس بهذه السعة التي يمكن تصورها حتى يتم إطلاق يد الأجهزة الأمنية بلا حدود وضوابط.

لكن الأهم من هؤلاء المؤثرين على الأمن الداخلي وسلامة المجتمع، أولئك الذين يقومون بأعمال التجسس لغير صالح بلدانهم وأمتهم ودينهم، فهذا ليس فيه أدنى شك أنه خيانة لله والرسول والأمة. وبالمثل يمكن أن يقال عن الذي يعمل داخل وطنه لكن على أهله، خدمة لزعيم فاشي أو ديكتاتور ظالم أو نظام سياسي أو لصالح جهاز مالي أو منفعة لمجموعة تجارية أو كتلة رياضية أو ما شابه من كيانات أو حتى لصالح أفراد.. ذلك عمل تجسسي بحت، وهو خيانة دون أدنى ريب.


لكن السؤال الذي يفرض نفسه هاهنا:

لماذا الخيانة؟

 
أن تكون عيناً للعدو في بلدك وبيئتك، أو عامل تسريب وتمرير معلومات وأسرار عن وطنك وشعبك للآخر المتربص، فهذا أمر غير مقبول –كما أسلفنا– وهو في العرف القانوني جريمة، وتسمى في بعض الأقطار بالخيانة العظمى الموجبة لأقصى العقوبات. وهو في العرف النفسي والاجتماعي نوع من أنواع الانحراف.. انحراف في التربية، والأخلاق والدين.

لكن السؤال بعبارة أخرى:
لماذا يتجه الإنسان إلى خيانة بلده وأمته ودينه؟
هل السبب هو بحث عن مكاسب مادية، أم لعلل نفسية تسيطر على الخائن، أم لخلل في النشأة والتربية الدينية والوطنية؟ أم هناك أسباب أخرى؟

الإجابة ليست بسهولة طرح التساؤلات، لكن من المهم جداً استقراء أحداث ووقائع من التاريخ كان للجواسيس والعملاء دورهم في خراب أوطانهم وهزيمتها، وبالتالي ضرورة دراسة المسببات والدوافع التي جعلتهم يرتمون في أحضان العدو، ثم لا يلبث أحدهم أن يختفي في ظروف غامضة!

لا شك أن الجانب التربوي والديني مهم جداً في هذه المسألة، فإن أي خلل في تلك الجوانب أو ضعف أو ضبابية في التعليمات والإرشادات، من شأنها أن تحدث نوعاً من التوهان عند الشخص، لا يدري أين الصواب من الخطأ، وبالتالي يكون عرضة وصيداً سهلاً لضمه إلى عالم الخيانة في صورها المتنوعة. أضف إلى ذلك، الجانب النفسي، حيث يكون الخائن عادة يشعـر بعقدة نقص منذ طفولته، بسبب تجاهل وعدم اهتمام به في كثير من نواحي حياته، وبالتالي مع نشأته وإدراكه للواقع، ربما يجد في الخيانة وتقدير من يعمل لهم، فرصة لسد ذاك النقص وإشعاره بأهميته، وقد يؤدي به بعد ذلك للانتقام ممن كانوا سبباً في تعاسته، أو ربما هكذا التفكير عنده.

الشاهد من هذا الحديث كله، أن التربية الإيمانية الصحيحة، عامل رئيسي أول، بل الأهم في ضبط وربط الإنسان ومنعه من الدخول في هذا التيه، وهذا العالم المنحرف غير السوي. ثم زرع الإيمان في أعماق القلوب، والمداومة على التذكير بأساسيات هذا الإيمان، عامل آخر مهم. مع أهمية استحضار مشاهد الخيانات في التاريخ القديم والحديث، ومآلاتها وعواقبها، كنماذج للدراسة، يتلقاها الفرد في مراحل التربية والتكوين المختلفة. ويأتي أخيراً، عامل رابع مهم متمثل في منع الظلم أن يقع على الأفراد، وأهمية سيادة العدالة والمساواة بين أفراد المجتمع.

هي كلها عوامل تساند وتدعم بناء الشخصية الوطنية الملتزمة بدينها وحبها لوطنها، التي لن ترى في حب الوطن، بعد كل تلك العوامل، سوى أنه من الإيمان الموجب لرضا الله ورسوله الكريم.
والله دوماً كفيل بكل جميل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

الاثنين، 2 أغسطس 2021

من وحي الانقلابات العـربية

 من وحي الانقلابات العـربية

عبد الله العمادي

معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، قام في يوم جمعة، وخطب فقال: إنما المال مالنا والفيء فيئنا، من شئنا أعطينا، ومن شئنا منعنا. فلم يرد عليه أحد، على خلاف ما كان عليه الناس في عهد الخلفاء الراشدين. فلما كانت الجمعة الثانية قال مثل مقالته، فلم يرد عليه أحد أيضاً ! فلما كانت الجمعة الثالثة قال مثل مقالته، لكن هذه المرة، قام إليه رجل ممن شهد المسجد فقال: كلا، بل المال مالنا والفيء فيئنا، ومن حال بيننا وبينه حاكمناه بأسيافنا.

بعد الصلاة، طلب معاوية الرجل وأجلسه معه على كرسي الحكم، ثم أذن للناس فدخلوا عليه، ثم قال: 

أيها الناس، إني تكلمت في أول جمعة فلم يرد عليَّ أحد، وفي الثانية فلم يرد عليَّ أحد، فلما كانت الثالثة أحياني هذا أحياه الله – وأشار إلى الرجل – وقال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: سيأتي قوم يتكلمون، فلا يُرد عليهم، يتقاحمون في النار تقاحم القردة ـ فخشيتُ أن يجعلني الله منهم. فلما ردّ هذا عليّ أحياني، أحياه الله، ورجوت ألا يجعلني الله منهم.

التغيير نحو الأفضل عبر صناديق الانتخابات الديمقراطية، يبدو ليس هو الأسلوب الناجع في عالم عربي، ربما يحتاج لمزيد وقت كي تكتمل الصورة الكاملة للنظم الديمقراطية الحديثة في ذهنه، من بعد وصوله أيضاً إلى درجة معقولة من النضج والوعي وامتلاك الإرادة

كان الصحابة الكرام والتابعين من بعدهم، لا يتأخرون لحظة في انتقاد أي أمر ليس فيه نص من القرآن، أو لم يقل به الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – ولو كان الأمر أو الفعل من طرف الخليفة نفسه، يواجهونه في الطريق أو المسجد أو البيت إن استدعى الأمر. وعلى رغم أن مثل تلك المشاهد والقصص لم تدم طويلاً، لكنها كافية وافية لتأليف مناهج في القيادة والإدارة. 

هذا من جهة، ومن جهة أخرى أعجب، أنه بالمقابل كانت ردود أفعال الخلفاء يومها طبيعية جداً، فلا تعصب ولا تشنج ولا نفور من المنتقدين، بل لا اعتقالات سياسية وتغييب في غياهب السجون سنوات طوال، أو قمع وتصفية، سواء كانت مادية أم معنوية.. وهكذا استمر الوضع على ذاك النهج حيناً من الزم، حتى انتكسنا إلى يوم الناس هذا..

انقلابات الربيع العربي

مقدمة تاريخية فيها جانب بسيط من جوانب الحكم الرشيد الذي فقدته الأمة في كثير من أقطارها، والتي تحاول منذ عقود طويلة العودة إليه بصورة وأخرى، رغم العقبات والحواجز التي تزداد أكثر فأكثر. وقد دفعتني أحداث تونس الجارية، إلى استدعاء بعض مشاهد الربيع العربي كأبرز محاولات العودة للحكم الرشيد المفقود منذ الخمسينيات من القرن الفائت، فكانت أبرز تلك المشاهد المعاصرة والحاضرة بالأذهان، مشهد تصفية محمد مرسي – رحمه الله – أو الثورة المصرية إن صح التعبير، وصولاً إلى أحداث تونس الجارية.

يمكن القول بعد كل تلكم الأحداث إلى أن التغيير نحو الأفضل عبر صناديق الانتخابات الديمقراطية، يبدو ليس هو الأسلوب الناجع في عالم عربي، ربما يحتاج لمزيد وقت كي تكتمل الصورة الكاملة للنظم الديمقراطية الحديثة في ذهنه، من بعد وصوله أيضاً إلى درجة معقولة من النضج والوعي وامتلاك الإرادة، باعتبار أن مسألة نشر ودعم الديمقراطيات بالعالم العربي، ليس قراراً عربياً وللأسف، بل هو قرار خارجي من قوى كبرى ما زالت مهيمنة ومؤثرة ومستفيدة من المنطقة، وهي لم ولن تتخذ ما يدعم مثل هذه التغييرات، لأنها في غير صالحها، باعتبار أن تعاملها مع نظم استبدادية ديكتاتورية، وبحسب خبرات الماضي لها بالمنطقة، خير معين لاستمرار نفوذها وحماية مصالحها، وبالتالي لا شيء يدعوها للتورط في دعم تغيير الأنظمة الحالية لتأتي أخرى ديمقراطية بنسبة ما وتكون صاحبة قرار، خاصة أنه لا شيء يضمن أن مصالحها ونفوذها ستبقى كما هي الآن.. ودع عنك كل شعارات تلك القوى ومبادئها وقيمها وغيرها، فإنما هي غالباً للاستهلاك الإعلامي وتخدير الشعوب ليست أكثر.

من هنا ومن خلال تجارب ثورات الربيع العربي التي بدأت من تونس وانتهت إليها مرة أخرى، تفيد المراقب أن التغيير في عالمنا العربي ليس بالصورة المثالية التي يحلم بها المواطن العربي، كما يجدها ويتابعها في أجزاء من العالم، تثور الجماهير فيها فتنهار أنظمة وتقوم أخرى بسبب ما للجماهير من تأثير وقوة.

الوضع تبين لنا منذ 2010 وحتى اليوم أن الأمر ليس بتلكم السهولة التي توقعها أغلبنا، وخاصة بعد انهيار نظم بوليسية شرسة في تونس ومصر وليبيا واليمن بشكل سريع، وتوقع أغلبنا أن الطريق سالك ليستمر قطار التغيير، وتناسينا أن البنية التحتية لتثبيت وترسيخ أركان التغيير غير موجودة، وأن التحركات التي حدثت إنما كانت على أرض رخوة ما لها من قرار، وتحتاج لكثير اصلاح وتهيئة.

سعدنا بتصريحات الغرب والشرق غير العربي، التي اعتبرناها مؤيدة وداعمة، وأنها صارت تحترم قرارات الآخرين وتحترم المبادئ والقيم التي ترفعها في كل حين.. لكن ما أدركنا أن الأمر عكس ما حدث، بل لا أشك لحظة في تداعي القوى الكبرى، لاسيما الغربية، لاتخاذ موقف مما يحصل بالعالم العربي، باعتبار أن مصالحها باتت دون شك في خطر.. فبدأت إثر ذلك المواقف الغربية تدخل حيز الميوعة، كما لو أنها تبغي التهدئة وتطلب الوقت لأنظمة حلفائها، كي تلتقط أنفاسها وتعيد ترتيب أوراقها، وكي تبدأ الحكومات العميقة في كل دولة بالعمل الفوري لاستعادة مواقعها بصورة وأخرى، حتى وإن غضت الطرف هي والقوى الغربية الداعمة لها عن بعض مظاهر ديمقراطية ومنها الانتخابات عبر الصناديق، ريثما تتم إعادة (ضبط المصنع) لأوضاع الأنظمة التي ما انهارت فعلياً، وإن اختفت بعض رموزها وأصنامها بصورة وأخرى. وهذا ما جرى فعلياً، بداية من مصر ومروراً باليمن وليبيا، حتى جاء دور تونس.

الغرب مصالحه فوق أي اعتبار

في هجمات معاكسة أو ثورات مضادة، بدأت الأنظمة تعيد حساباتها وأوراقها بمعية غربية لا شك فيها مطلقاً، وبدأت عمليات التصفية، بغض النظر عن المبادئ والقيم الديمقراطية التي يتغنى بها الغرب سنوات طوال. واحتكم الناس أثناءها إلى صناديق الغرب الديمقراطية، وفاز الإسلام السياسي – كما يُشاع في الإعلام ويُراد به جماعة الإخوان المسلمين – فهل يسكت الغرب على هذا التحول غير المتوقع في أهم البلاد العربية؟

تبين للقاصي والداني وبالأدلة العملية أنه لا يمكن قبول أي نوع من أنظمة حكم تُدار بأيدي إسلاميين، مهما كانت سعة صدورهم وأفقهم ومرونتهم التي لم تكن مستساغة حتى من أتباعهم. 

فالتاريخ الذي كرر نفسه من بعد انتخابات الجزائر 1992، وانتخابات غزة 2006، وفوز الحركات الإسلامية بها، ليفوز الإسلاميون تارة أخرى في مصر وفوز آخر ملحوظ في تونس، جاء ليؤكد أن (الإسلام السياسي) غير مقبول البتة في الحياة السياسية، إن لم تكن الحياة العامة أيضاً.

بدأت الثورات المضادة بدعم منقطع النظير من الداخل العربي وكذلك خارجه. وتبين للقاصي والداني وبالأدلة العملية أنه لا يمكن قبول أي نوع من أنظمة حكم تُدار بأيدي إسلاميين، كما لو أنهم من كوكب آخر، مهما كانت سعة صدورهم وأفقهم ومرونتهم، التي لم تكن مستساغة حتى من بعض أتباعهم. إذ على رغم انفتاحهم الواسع على الآخرين، ظل الإسلاميون بكل صورهم غير مسموح لهم هذا الامتياز، وأقصد امتياز أو فرصة إدارة بلدانهم ! وما جرى في مصر أبرز أمثلة الربيع العربي.

الآن يتكرر في تونس بصورة أخرى، على رغم تواضع وحداثة التجربة التونسية الديمقراطية، إلا أن محاولات إعادتها إلى حظيرة الاستبداد كانت مستمرة منذ سقوط نظام بن علي، لم تتوقف ولم تهدأ، ومليارات قوى الشر العربي المعروفة، كانت وما زالت تُصرف هنا وهناك في تونس، لإجهاض كل معاني وقيم الثورة أولاً ومن ثم قطع كل صلة لحزب النهضة بالحكم، على رغم مرونة الحزب الواسعة على الآخرين في الداخل وكذلك الخارج، والتي كانت مثار نقد واسع من الإسلاميين أنفسهم للحزب، ولكن حدث ما حدث.

الغرب .. لا مبادئ أمام المصالح

هكذا إذن كان الغرب ولا يزال إلى يوم الناس هذا. قوته السياسية والعسكرية في خدمة اقتصاده وتجارته. إن حماية مصالحهم فوق أي اعتبار. ولا تقل لي مبادئ وأخلاق وقيم، فأمام الثروات المعدنية وغيرها من ثروات وخيرات هذا العالم العربي المنكوب، ومثله في أفريقيا وبعض دول العالم الثالث، يتجرد الغرب من كل تلك المبادئ والقيم التي يتغنى بها ليل نهار، وصدّع رؤوسنا بها لأزمان طويلة، ولو أدى ذلك إلى خراب البلدان ودمارها وهلاك ملايين النفوس البشرية، وما الحروب المستمرة في بقاع معينة من العالم، والقلاقل وعدم الاستقرار إلا دليل واضح لا يحتاج لكثير شروحات وتفصيلات.

انظر حولك هنا وهناك لاسيما في مناطق النزاعات والأزمات في الدول الفقيرة والنامية. ستجد أن كثرة الانقلابات العسكرية وعدم استقرارها السياسي أو الحروب، إنما لتكون مظلة للتغطية على أمور أكبر تجري على أراضيها وساحاتها. والشركات الغربية المتوحشة عابرة الحدود، تلعب دوراً كبيراً ومؤثراً على مجريات كثير من الأحداث في العالم.

إن كان هناك قديماً استخراب، أو ما يسمونه استعمار مباشر من دولة لدولة أخرى، فإنه اليوم تغير في الشكل فقط، ليستمر هذا الاستخراب ولكن على أيدي أبناء البلد نفسه، على شكل انقلابات عسكرية في غالب الأحوال، ذلك أن اتخاذ القرارات الاستراتيجية الكبيرة تكون أسهل بكثير في ظل حكم العسكر، وغالبية تلك القرارات تدور حول ثروات البلاد، التي يمكن التفاوض بشأنها وبيعها أو تأجيرها لمدد طويلة بكل سهولة ويسر، في غياب شبه تام للشعوب، التي تكون إما مخدرة أو منهكة، والأمثلة من هنا وهناك أكثر من أن نحصيها، بل ربما هي أوضح من أن نذكرها.

ما العمل إذن ؟

ليس حديثي لتعميق الإحباط والتشاؤم من مستقبل قد بدت ملامحه في الانكشاف كثيراً، ولكن من باب مراجعة ما وقع من أحداث خلال عقد كامل من الزمن (2010 – 2021 ) وتأملها ودراستها، والاستفادة من الأخطاء وتعزيز الإيجابيات إن وجدت. من ذلك أولاً، أن نقتنع ونعتبرها حقيقة من الحقائق وفق المعطيات والتجارب، أن الديمقراطية ليست وسيلة وحيدة للتغيير، حتى وإن أثبتت جدواها في بعض مناطق من العالم، فليس شرطاً أن تكون كذلك في عالمنا العربي.

هذه الديمقراطية التي بدأ الغرب نفسه يراجعها – كما يقول الدكتور عبدالله النفيسي – ويخضعها للفحص الفكري، بعد أن عجزت عن حل مشكلة ( الفساد والفقر)، وهي مشكلات تتعاظم وتزداد في الغرب، فلماذا لا نحاول أن نبدأ من حيث انتهى الغرب لا من حيث بدأ. هذه واحدة من المقترحات التي تحتاج أو تستحق البحث والدراسة، فلعل بعدها نخرج بوسيلة متطورة تناسب البيئة والعقلية العربية، لتغيير منظومات الفساد ومشكلات الفقر والاستبداد.

ضرورة التنبه ثانياً إلى أن عمليات التغيير تأخذ وقتها لتنضج ثمراتها. 

عشر سنوات منذ بدء ثورات الربيع العربي هي لا شيء مقارنة بالثورات العظيمة التي وقعت في العالم، منها الفرنسية على سبيل المثال، التي احتاجت لأكثر من مئة عام لتتحقق أهدافها، من بعد شد وجذب مع الثورات المضادة، وهذا الذي يجب أن نتوقعه في عالمنا العربي. الوقت عامل مهم في نجاح عمليات التغيير، بشرط الاستفادة منه في تعديل الخطط والاستراتيجيات والتكتيكات، وأخذ العبر والعظات من الأخطاء وتجنب تكرارها.

تقسيم عمليات التغيير إلى مراحل يساعد على تركيز الجهود وعدم هدر الطاقات وتبذيرها في غير جدوى، عبر الامتثال للمبدأ القرآني العظيم ( وأعرض عن الجاهلين )، الذي تعمل دول ومؤسسات وهيئات الثورات المضادة على تشتيت وتفتيت قوى التغيير في الأمة، عبر معارك هامشية هنا وهناك بعيداً عن الأهداف الكبرى لشعوب التغيير، التي أهمها على الإطلاق، ذلكم الثالوث الخطير والمعطل لطاقات الأمة، والناهب لخيراتها: الطغيان السياسي المتمثل في استئثار القلة بالقرار ، وسوء توزيع الثروات، والحليف الغربي المتسلط أو المتحكم في السيادات العربية. تلكم نقطة ثالثة.

لقد أثبتت الأزمات العديدة التي تمر بالأمة، مدى الدور العظيم المؤثر للساسة في توجيه المجتمعات، بدلاً من أن يكون هذا الدور للنخبة المتمثلة في المثقفين والمفكرين والعلماء، الذين من المفترض أنهم من يصنع ويشكّل توجهات ورؤى الشعوب بمن فيهم الساسة.. ولكن حين تخلت نخب المجتمعات عن دورها القيادي، رغبة أو رهبة، ضاعت بوصلة مراكب المجتمعات العربية، فصارت تسير على هدى السياسيين تارة بمن فيهم الحكام، أو المشتغلين بالإعلام تارة أخرى.. فترى المراكب العربية تبعاً لذلك تنتقل هنا وهناك، في تحركات تشوبها الكثير من التخبطات، ليس في السياسة فحسب، بل غالبية المجالات. وتلكم التخبطات لا شك بأنها لا تسر ولا تنفع.. وهكذا عالمنا العربي منذ استقلال دوله، من أزمة إلى أخرى، وإلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا.