‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات أسامة جاويش. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات أسامة جاويش. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 28 أبريل 2023

ساويرس و"ستار" الذهب في السودان

 ساويرس و"ستار" الذهب في السودان


أسامة جاويش

أنا راجع أشتغل في الذهب في السودان"..

اعتراف خطير لرجل الأعمال المصري نجيب ساويرس أدلى به على حسابه على موقع التغريدات المصغرة، تويتر، في معرض رده على سؤال وجهتُه له في برنامج آخر كلام على شاشة مكملين حول علاقة استثماراته في ذهب السودان بدعمه المعلن لقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان حميدتي.

ساويرس أحد أهم أباطرة العالم في التنقيب عن الذهب اتخذ موقفا معلنا وواضحا وقويا بدعم قائد قوات الدعم السريع في الأزمة السودانية؛ التي بدأت صباح الخامس عشر من نيسان/ أبريل الجاري، ويدعي الملياردير المصري أن قوات الدعم السريع تريد العودة للاتفاق الإطاري مرة أخرى وتسليم السلطة لنظام مدني ديموقراطي.

سوار الذهب ليس كستار الذهب

في أعقاب انتفاضة الشعب السوداني عام 1985 ضد الرئيس السوداني الراحل جعفر النميري، تولى وزير الدفاع السوداني ورئيس الأركان السابق عبد الرحمن سوار الذهب؛ رئاسة المجلس العسكري الانتقالي وتمت ترقيته لرتبة المشير.

تعهد سوار الذهب بتسليم السلطة لحكومة مدنية منتخبة بعد عام واحد فقط، وهو الوعد الذي أوفى به الرجل بعد عام واحد وسلم السلطة لحكومة مدنية منتخبة برئاسة الصادق المهدي، ليصبح سوار الذهب أول رئيس عربي في التاريخ يتنازل عن السلطة لحكومة مدنية بكامل إرادته.

سوار الذهب حافظ على السودان، احترم إرادة الشعب ورغبته في انتخاب حكومة مدنية تدير أمور البلاد، وتم تكريمه بعدها والاحتفاء به وتخليد دوره الوطني في التاريخ السوداني حتى وافته المنية عام 2018.

بعد عقود كان السودان على موعد مع ستار الذهب، الملقب بمحمد حمدان حميدتي، الرجل الذي سيطر على مناجم ذهب جبل عامر، الرجل الذي منح لشقيقه الأصغر عبد الرحمن دقلو شركة الجنيد السودانية التي تدير ملف التنقيب عن الذهب في السودان ويديرها نائب حميدتي في رئاسة قوات الدعم السريع.

ستار الذهب محمد حمدان حميدتي كتبت عنه الغارديان البريطانية في تقرير مطول تشرح سيطرته على قطاع الذهب في السودان، وكشفت منظمات بريطانية في الأعوام السابقة أن نفوذه في قطاع الذهب سيصعّب من ترك المكون العسكري للسلطة وتسليمها للمدنيين.

منذ اللحظة الأولى لانتفاضة الشعب السوداني ضد الرئيس السوداني المخلوع عمر البشير في 2019، ونوايا حميدتي في السيطرة على السلطة وإبعاد المدنيين عنها واضحة. اشترك الرجل بقواته في مجزرة القيادة العامة بالتنسيق مع البرهان، وأبعدا المكون المدني عن المشهد السياسي، ثم بدأ في الترويج لنفسه إقليميا ودوليا بأنه البديل الأفضل للسودان إذا نجح في إزاحة البرهان.

نعود إلى نجيب ساويرس الذي كانت له صولات وجولات تتعلق بالتنقيب عن الذهب في السودان عبر شركته لامنشا ريسورسز وحصته السابقة في شركة أرياب السودانية، وهو الذي يؤمن بأن المستقبل للذهب ويرى في حميدتي ضمانة لتأمين عمله في مناجم الذهب في السودان بشكل أسرع وأسهل.

يحاول ساويرس أن يقنعنا بأن ستار الذهب "حميدتي" يمكن أن يلعب دور سوار الذهب قديما، ويصبح هو الضمانة الأكبر لنظام مدني ديموقراطي في السودان، ولكن الفارق كبير.

سوار الذهب لم يكوّن مليشيات مسلحة ولم يرتكب جرائم حرب ضد أبناء شعبه، لم تدعمه دولة مثل الإمارات بالمال والعتاد والسلاح، ولم تستضف شقيقه في دبي لإدارة حملاته الإعلامية كما تفعل الآن مع ستار الذهب "حميدتي".

سوار الذهب وعد بتسليم السلطة ولم يكن له مطمع في الحكم، وقد أوفى بوعده بعد عام واحد واختقى من المشهد السياسي، أما ستار الذهب "حميدتي" فلديه مطمع في السلطة منذ اللحظة الأولى ولا يريد تسليم قواته أو إخضاعها لإشراف القوات المسلحة السودانية، ولا مانع لديه في قتل أي أحد يقف في طريقه.

ساويرس رجل أعمال ناجح، له مصالح اقتصادية وتجارية ممتدة في دول كثيرة جعلته من أثرى أثرياء العرب والعالم، له كامل الحق في البحث عن مصالحه والحفاظ عليها سواء كانت في مصر أو السودان أو غيرها من البلدان، ولكنه في الأزمة السودانية الأخيرة يحاول ترويج موقف سياسي بعينه ودعم طرف ضد الآخر؛ في موقف اعترف ساويرس نفسه أنه مضاد للموقف الرسمي المصري الحالي، وهذا حقه، ولكن التدليس بأن ستار الذهب " حميدتي يمكن أن يتحول لسوار الذهب ويوفر نظاما مدنيا ديموقراطيا هو نوع من التدليس الذي لا يقبله عقل.

twitter.com/osgaweesh

الجمعة، 9 ديسمبر 2022

سلام على محمد أبو الغيط حتى نلقاه

سلام على محمد أبو الغيط حتى نلقاه

أسامة جاويش


 "لماذا أكتب؟


‎أكتب لأن الكتابة هي أثري في الحياة، هي أهراماتي الخاصة، فإلى متى ستبقى منتصبة من بعدي؟

‎الكتابة هي محاولتي لمغالبة الزمن والموت، بأن يبقى اسمي أطول من عدد سنوات حياتي التافهة مقارنة بعمر الكون الشاسع المقدر حاليا بـ14 مليار سنة.

‎أعرف أني مهما عشت فإن حياتي، والعالم كله، كذرّة غبار لا تُرى على شاطئ ذلك الكون الفسيح. لكن الكتابة قد تجعل ذرتي ألمع بين باقي الذرات على الأقل.

هذه صيحتي: محمد أبو الغيط مرَّ من هنا"!

مر من حياتي الشخصية كصديق مقرب وأخ وناصح أمين، مر من حياتي المهنية كأستاذ في عالم الصحافة ونموذج إعلامي مهني فريد بتحقيقاته وعمله ونجاحاته الكثيرة، ومر من حياة جيلي جيل ثورة يناير كملهم لنا ورمز لهذا الجيل الذي مسّه الحلم مرة ثم أنهكته الهزائم وأتعبته السنوات حتى صار بين سجين وقتيل ومطارد وحياة في المنفى

نعم مر محمد أبو الغيط من هنا، مر من حياتي الشخصية كصديق مقرب وأخ وناصح أمين، مر من حياتي المهنية كأستاذ في عالم الصحافة ونموذج إعلامي مهني فريد بتحقيقاته وعمله ونجاحاته الكثيرة، ومر من حياة جيلي جيل ثورة يناير كملهم لنا ورمز لهذا الجيل الذي مسّه الحلم مرة ثم أنهكته الهزائم وأتعبته السنوات حتى صار بين سجين وقتيل ومطارد وحياة في المنفى.

حمل يوم الاثنين الماضي أخبارا صادمة لمعظم الصحفيين والناشطين المصريين.

توفي محمد أبو الغيط؛ الكاتب والصحفي الاستقصائي ورمز ثورة 25 يناير 2011، البالغ من العمر 34 عاما، بعد معاناة كبيرة لمدة عامين تقريبا من سرطان المعدة الخبيث..

ولد أبو الغيط عام 1988 في محافظة أسيوط، ورغم تخرجه في كلية الطب فقد مثلت الكتابة والصحافة الحب المطلق والشغف الكبير وحلم الحياة الأول لمحمد أبو الغيط..

تم اعتقاله خلال الأيام الأولى للثورة المصرية في عام 2011، وبعد إطلاق سراحه أنشأ مدونة جدارية، وهناك تفجرت موهبته العظيمة في الكتابة وتجسدت بمقاله الأشهر على الإطلاق "الفقراء أولا يا ولاد الكلب"، انتقد فيه أبو الغيط كل مكونات النخبة المصرية بسبب الخلاف حول القضايا الثقافية والعقائدية وتجاهلهم لمطالب الفقراء الذين ضحوا بأنفسهم خلال الثورة دون أن ينالوا منها أي استفادة..

بدأ محمد أبو الغيط حياته المهنية ككاتب مقال في موقع "المصري اليوم" ثم جريدة الشروق اليومية. وسرعان ما لفتت مقالاته الانتباه وباتت حديث الكثيرين، ما رشحه للحصول على جائزة مصطفى الحسيني لأفضل مقال لكاتب عربي شاب عام 2013، عن مقالته عن انتهاكات الشرطة المصرية وضرورة الإصلاح.

وبعد عام واحد حصل على جائزة سمير القصير لحرية الصحافة التي قدمها الاتحاد الأوروبي عن مقالته "موسم الموتى والأحياء"، والتي انتقد فيها أعمال العنف بين مؤيدي جماعة الإخوان المسلمين وبعض أطياف المعارضة المصرية الأخرى.

تعرض للاضطهاد من قبل الاستبداد العسكري الجديد الذي قضى على حرية الصحافة في مصر. بالإضافة إلى ذلك، تم اعتقال والد زوجته الأستاذ سيد علي شهاب وحكم عليه بالإعدام لانضمامه إلى جماعة الإخوان المسلمين

على الرغم من أن أبو الغيط لم يعارض الانقلاب العسكري عام 2013، إلا أنه تعرض للاضطهاد من قبل الاستبداد العسكري الجديد الذي قضى على حرية الصحافة في مصر. بالإضافة إلى ذلك، تم اعتقال والد زوجته الأستاذ سيد علي شهاب وحكم عليه بالإعدام لانضمامه إلى جماعة الإخوان المسلمين..

استسلمت السلطة العسكرية الجديدة لمصر لمجموعة من الدجالين الذين ضللوا الرأي العام في فضيحة جهاز الكفتة والتي عُرفت للرأي العام بجهاز لعلاج الفيروسات، بما في ذلك فيروس نقص المناعة البشرية وفيروس التهاب الكبد الوبائي. لم يصدق محمد ما تم نشره وبدأ بالتحقيق في القصة، وكشف عن أن من يسمى بالخبير إبراهيم عبد العاطي، ليس لديه أي مؤهلات علمية، وتمت مقاضاته لادعائه مهنة الطب..

بعد أشهر، ومع انخفاض مستوى حرية التعبير في مصر وسيطرة الأجهزة الأمنية والعسكرية على الصحافة والإعلام في مصر، خرج أبو الغيط إلى لندن وانضم إلى التلفزيون العربي، لتفتح له الصحافة أبوابها يدخلها حيث شاء وليصبح صحفيا استقصائيا دوليا بارزا في لندن بعد سنوات من الدراسة والتدريب.

حصل فيلمه الوثائقي الاستقصائي "المستخدم النهائي"، الذي بثته DW في تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، على جائزة ريكاردو أورتيغا التي قدمتها جمعية مراسلي الأمم المتحدة. وكشف التحقيق أن 10 دول غربية خرقت حظر التسلح في اليمن بتزويد الأطراف المتحاربة بالسلاح.

ومن الجوائز الأخرى لأبو الغيط جائزة فتيسوف عام 2020، والتي نالها لمساهمته البارزة في السلام من خلال تحقيقه في 2019 الذي غطى الشبكات المالية لقوات الدعم السريع، وهي مليشيا شكلها الرئيس السوداني المخلوع عمر البشير التي ارتكبت جرائم حرب في دارفور والاعتداء على المتظاهرين خلال الانتفاضة السودانية عام 2019..

اليوم يحتفل أصدقاؤه بكتابه الأول، يشعرون بروح أبو الغيط وابتسامته الساحرة بكلماته الجميلة، وعزاؤهم الوحيد هو أن صديقهم محمد أبو الغيط قد ذهب إلى الضوء وحياة أفضل

كان أبو الغيط شخصية ملهمة للمثقفين المصريين بالتزامه بالحرية والعدالة وانحيازه للفقراء، قدم يد العون لعشرات الصحفيين المصريين لإيجاد فرص تدريب وعمل لتنمية مهاراتهم وتأسيس مستقبل مهني، وأبقى على مسافة متساوية من الأحزاب المختلفة لكنه حصل على احترام الجميع لمهنيته وحياده وعقلانيته.

كان لدى أبو الغيط الأمل الأخير قبل وفاته، أن يُطلق سراح والد زوجته من السجن في مصر للوقوف مع ابنته التي تعيش الآن بمفردها مع ابنهما اليتيم في الخارج..

بعد يومين من وفاته، أعلنت دار الشروق المصرية عن صدور كتابه الأول بعنوان "أنا قادم أيها الضوء".

وروى أبو الغيط في كتابه معاناته من مرض السرطان وتمسكه بالأمل حتى اليوم الأخير، ونقل قصصه عن البحث عن الضوء في نهاية النفق المظلم..

اليوم يحتفل أصدقاؤه بكتابه الأول، يشعرون بروح أبو الغيط وابتسامته الساحرة بكلماته الجميلة، وعزاؤهم الوحيد هو أن صديقهم محمد أبو الغيط قد ذهب إلى الضوء وحياة أفضل.

خسارة أبو الغيط هي خسارة جيل وخسارة وطن لفظ أفضل ما لديه من أبناء وكفاءات وعلى رأسهم محمد أبو الغيط.

فسلام على محمد أبو الغيط حتى نلقاه.

twitter.com/osgaweesh





الاثنين، 21 نوفمبر 2022

السبت، 8 أغسطس 2020

2750 طنّا من الإحباط

2750 طنّا من الإحباط

أسامة جاويش
لحظة انتهاء العاصفة لن تتذكر كيف نجوت منها، لن تتذكر كيف تدبرت أمرك لتنجو ولن تدرك هل انتهت العاصفة أم لا.. ستكون متيقنا من أمر واحد فقط.. حين تخرج من العاصفة لن تكون الشخص الذي كان بداخلها، ولهذا السبب وحده كانت العاصفة. 

في شهر تشرين أول (أكتوبر) من عام 2013، أبحرت سفينة شحن كبرى اسمها "إم في روسوس"، تحمل علم مولدوفيا من ميناء باتومي في جورجيا متجهة إلى بييرا في موزمبيق وكانت تحمل ما يقارب 2750 طنا من نترات الأمونيوم وهي مادة شديدة الانفجار، دخلت هذه السفينة إلى مرفأ بيروت بهذه الحمولة الكارثية إما لأسباب تقنية وإما للتزود بالوقود، ليتم تفتيشها بشكل دقيق من قبل السلطات اللبنانية وفور اكتشاف حمولة السفينة من نترات الأمونيوم تم احتجاز السفينة بأكملها واعتقال كامل طاقمها وهم قبطان يحمل الجنسية الروسية وبقية الطاقم من مهندسين وعاملين وفنيين يحملون الجنسية الأوكرانية، أما صاحب ومالك هذه السفينة الكبيرة فهو غريشوشكين إيغور وهو روسي الجنسية ويقيم في قبرص توقف عن دفع رواتب العاملين أو التدخل في هذه الأزمة لأسباب غير معلومة.

اللافت أن الحكومة اللبنانية حولت حمولة السفينة إلى المخزن رقم 12 في مرفأ بيروت وذلك منذ عام 2014، أرسلت إدارة الجمارك في لبنان عدة خطابات إلى قاضي الأمور المستعجلة في بيروت كان آخرها في عام 2017، من أجل التخلص من أو تصدير هذه المواد شديدة الانفجار ولكن لا حياة لمن تنادي لتنفجر تلك المواد في وجه لبنان بهذه الطريقة المروعة.

2750 طن من الإحباط وربما أكثر، انفجروا في وجوهنا جميعا عبر سنواتنا العشر العجاف الماضية، كان لدينا حلم بدول يسودها العدل وأنظمة تحكمها الديمقراطية ومؤسسات تراقب وتحاسب الحكومات والرؤساء، فانفجرت نترات الأمونيوم العسكرية في وجوهنا،

لبنان بانقساماته وفساد حكوماته وتنازع ساسته وتفرقه لطوائف دينية كل ينتمي إلى محور إقليمي، بات يمثل مرآة للواقع المرير الذي نعيشه في عالمنا العربي تحت حكومات أقل ما توصف به أنها جاءت من أجل بقائها على الكراسي حتى ولو أبيدت شعوبهم بأكملها وخربت بلدانهم بكل مقدراتها ولم يبق لهم مورد أو مواطن يحكمونه طالما أن هناك أنظمة عربية ودولية قررت دعمهم بالمال والسلاح والتأييد السياسي.

2750 طنا من الإحباط وربما أكثر، انفجرت في وجوهنا جميعا عبر سنواتنا العشر العجاف الماضية، كان لدينا حلم بدول يسودها العدل وأنظمة تحكمها الديمقراطية ومؤسسات تراقب وتحاسب الحكومات والرؤساء، فانفجرت نترات الأمونيوم العسكرية في وجوهنا، وخلفت أموال السعودية والإمارات تفريغا للهواء في وجه أحلامنا يشبه هذا الذي تمثل في سحابة عش الغراب التي دمرت الأخضر واليابس في بيروت المنكوبة.

يبكي الناشط اللبناني شادي حنوش على الهواء مباشرة في مداخلة تلفزيونية وهو يصف حالنا قبل أن يصف حال لبنان وأهلها عندما قال: "نحن لسنا رخيصين لهذا الحد، لدينا كرامة، نحن لا نستحق الموت، ولا نريد الموت قبل أن نعرف المسؤول عن قتلنا"، تماما نفس الكلمات والتمتمات والبكاء الذي خنق العبارات في حلق الناجين من مذبحة رابعة العدوية في مصر وهم ينظرون خلفهم للخراب والدمار وتفحم جثث أصدقائهم يوم المجزرة، هو نفس البكاء والغصة التي شعر بها كل من شارك في ثورة 25 من يناير وهو يفر بنفسه وروحه وماله تاركا وراءه وطنا ممزقا مقسما على يد السيسي.

عبد الباسط الساروت في سوريا لم يكن يستحق الموت وهو يغني يا الله مالنا غيرك يا الله، ولم يكن يريد الموت قبل محاسبة بشار وهو يغني أمامه يلا إرحل يا بشار، ولكنها نفس الأنظمة التي قامت بتخزين نترات الأمونيوم في مرفأ بيروت لستة أعوام كاملة، أنظمة عربية تصنع لشعوبها ومن شعوبها قنابل موقوتة لتنفجر في وجه البسطاء في لحظة مواتية دون اعتبار لمئات الآلاف من المنكوبين في لبنان أو المهجرين في سوريا أو اللاجئين في شتى بقاع الأرض أو المعتقلين في سجون السيسي في مصر.

خرجت علينا مادلين طبر الفنانة اللبنانية لتقول إن لبنان كانت تحتاج قائدا مثل عبد الفتاح السيسي يحافظ على مؤسساتها ويحفظها من الضياع، ثم نشرت صفحة قناة "أون تي في" المقربة من النظام المصري منشورا عبر حسابها على فيسبوك يتغنى بقدرة السيسي الفريدة على الحفاظ على مصر من الانزلاق لمصير لبنان، وما لبثت أن فاجأتنا فنانة لبنانية أخرى هي مايا دياب بطلب النجدة من رجل واحد فقط هو السيد منشار العظم ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، والسؤال هنا: في أي مجال نجح السيسي أو ابن سلمان كي تضرب بهم الأمثال في كارثة بيروت؟

بعيدا عن انهيارات السيسي الاقتصادية والأرقام تتحدث عن نفسها، وبعيدا أيضا عن فشله في أزمة سد النهضة وتنازله عن الأرض المصرية في تيران وصنافير، وإذا ما تجاهلنا القمع والتنكيل وآلاف المعتقلين السياسيين، فلتخبرنا مادلين طبر عن فشل السيسي في التعاطي مع ضحايا حوادث القطارات، فلتنعش ذاكرتها بمشاهد المصريين وهم يموتون حرقا في محطة مصر للقطارات، فلتخبرنا طبر عن انهيار العقارات فوق رؤوس ساكنيها وسقوط الكباري التي أنشأتها الهيئة الهندسية للجيش وغرق المحافظات في كل عام أمام أمطار الشتاء والموت صعقا بالكهرباء في الشوارع نتيجة تلك الأمطار.

أما السيد منشار العظم فلا ولن ولم يذكر العالم له بعد تشرين أول (أكتوبر) 2018 إلا قتله ونشره وإخفاءه لجثة جمال خاشقجي.

لبنان هو نبض العالم العربي وللأسف هذا النبض يضعف يوما بعد الآخر، وبات علينا أن نعي أن الدول لا تنهض بالقوة أو العسكر أو الفساد والطائفية وإنما لها طريق واحد هو الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية وقبلها أو بعدها الديمقراطية.

السبت، 13 يونيو 2020

أسبوع الرئيس «مرسي»

أسامة جاويش يكتب: أسبوع الرئيس «مرسي»

أسامة جاويش
السبت، 13 يونيو 2020
 "حُق لك يا قلب أن تسعد، رزقك الله شهيدين وأسيرا وملايين القلوب تدعو لنا، كل عام وأنتم بخير يا أحرار العالم"..        

بهذه الكلمات استقبلت السيدة نجلاء، زوجة الرئيس الراحل محمد مرسي، عيد الفطر الماضي لتذكر العالم بزوجها، أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر القديم والحديث، ونجلها عبد الله، أول أبنائه لحاقا به، وولده أسامة، المحامي السجين بلا تهمة اللهم إلا أنه نجل الرئيس المنقلب عليه.

عام "مر"، يمكنك أن تقرأها بفتح الميم أو بضمها، فقد كان عاما مُرا مَر بقسوة على كل من آمن يوما ما بثورة الخامس والعشرين من يناير، وأحلامها بدولة فيها كرامة إنسانية وعيش وحرية وعدالة اجتماعية. من انتخبوا محمد مرسي ومن عارضوه عاشوا مرارة القهر برحيله، وتجرعوا قسوة الظلم مع الطريقة التي انتقم النظام من الثورة ورجالها في شخص الرئيس مرسي. خبر وفاته كان مفاجئا صادما على كافة الأصعدة، فالرجل كان معتقلا منذ ظهيرة الثالث من تموز/ يوليو في عام 2013 ثم رحل هكذا بشكل مفاجئ.

كانت كلمة واحدة تخرج منه تصريحا أو تلميحا بقبول الانقلاب كفيلة بخروجه معززا مكرما دون تهمة واحدة، كان الرجل يستطيع أن ينحني للموجة العسكرية العالية ويفكر قليلا في زوجته التي حملت المسؤولية معه أربعين عاما دون تذمر، كان بإمكانه التفكير في أحمد وأسامة وعبد الله وشيماء ومرافقتهم طيلة حياته في هدوء وسعادة، ولكنه أبى لأنه ببساطة محمد مرسي.

كتب الكثيرون تقييما لمحمد مرسي وحقبته الرئاسية القصيرة، انتقده الكثيرون (وكنت منهم في أوقات كثيرة"، واختلف معه مستشاروه وانسحبوا من حوله، ولكن هذا ليس بيت القصيد، فالرجل وعد بالصمود فأوفى، وقف شامخا يوم الثاني من تموز/ يوليو يطمئن الجميع أنه باق على العهد ما بقيت أنفاسه، وأن حياته ستكون ثمنا لتمسكه بالشرعية، فكان رجلا صدق ما عاهد الله عليه، فقضى نحبه شامخا صامدا ثابتا ولم يبدل تبديلا.

صمود الرئيس محمد مرسي على ما عاناه من اعتقال ومنع من الزيارة وحرمانه من العلاج ورؤية أهله؛ هو شيء يدعو للافتخار بهذا الرجل الطيب. فلو كان في الهند غاندي وفي جنوب أفريقيا مانديلا، فهنا في مصر لدينا محمد مرسي الذي سنحكي لأبنائنا وأحفادنا عن صموده على المبدأ وثباته على الطريق الذي آمن به.

ألم يفكر أحد قيادات الجماعة قبل نشره هذه الدراسة في الإهانة التي وجهتها تلك التفاصيل لشخص الرئيس الراحل، والمساهمة دون قصد في إعادة تدوير الاتهامات التي كانت توجه له رحمه الله عن ضعفه في مواجهة الجيش؟

في الأيام الماضية نشر موقع "عربي21" دراسة أعدتها جماعة الإخوان المسلمين عن كواليس اتخاذ قرار الجماعة الدفع بالرئيس مرسي للانتخابات الرئاسية، وهالني ما قرأت.. كيف للجماعة أن تتحدث في ذكرى وفاة الرئيس عن ذهابه للمجلس العسكري قبل انتخابه وهو رئيس لحزب الحرية والعدالة، وانتظاره من صلاة الظهر إلى قبل صلاة العشاء دون أن يقابله أحد من قيادات المجلس العسكري؟ أنا لا أعلم تفاصيل الواقعة، ولكن ألم يفكر أحد قيادات الجماعة قبل نشره هذه الدراسة في الإهانة التي وجهتها تلك التفاصيل لشخص الرئيس الراحل، والمساهمة دون قصد في إعادة تدوير الاتهامات التي كانت توجه له رحمه الله عن ضعفه في مواجهة الجيش ومؤسسات الدولة؟ كتابات الجماعة أحيانا تكن كالدابة التي قتلت صاحبها، ولو صمتوا لكان خيرا لهم.

في ذكرى رحيل الرئيس الشهيد، المقتول غدرا وقهرا وتنكيلا، عظموا شهيدكم بالحديث عن مآثره الحسنة، ذكّروا الناس بمواقفه الطيبة، اذكروا محاسن حكمه وانشروا عن ثبات الرجل داخل محبسه.. في مثل هذه الأيام واجب الجميع أن يواسي أسرة الرئيس الراحل بما استطاع من جهد، فبرسالة أو باتصال أو حتى بمنشور على مواقع التواصل الاجتماعي.

سيحاول النظام العسكري وأذرعه الإعلامية الخبيثة أن تجعل من السابع عشر من حزيران/ يونيو ذكري استشهاد الرئيس مرسي حدثا عاديا، وسيحاولون مثلما فعلوا يوم وفاته العام الماضي؛ أن يتجاهلوا الرجل ويذكروه باسمه، دون لقب الرئيس أو أن يكتبوا قبله كلمة المدعو.

في العام الماضي عندما بلغ الفجور في الخصومة مداه من أتباع النظام العسكري ومنعوا صلاة الجنازة عليه، صلى عليه يومها الغائب والحاضر، صلى عليه القريب والبعيد، صلوا عليه في المسجد الأقصى وفي مساجد تركيا وماليزيا وفي أوروبا وفي معظم الدول العربية، وفي هذا العام أيضا أرجو أن ترفع صور الرئيس الراحل في كل محفل، وأن يكون السابع عشر من حزيران/ يونيو في هذا العام وكل عام ذكرى تذكير العالم بصمود الرئيس وباستمرار الحلم، وبأن محمد مرسي لم يذهب دمه سدى.

فلنجعل من هذا الأسبوع أسبوع الرئيس الراحل محمد مرسي، فلنتحدث في كل القنوات عن حياة الرجل، ولنكتب عنه مقالات ومنشورات وتغريدات يومية.. فلنخلد ذكرى أول رئيس مدني منتخب بعد ثورة يناير المجيدة، ولتهنأ روح الرجل في سلام.

فسلام على محمد مرسي حيا وميتا ويوم نلقاه.
كتبه: أسامة جاويش

الاثنين، 6 أبريل 2020

كورونا في زمن الفول والشلولو

كورونا في زمن الفول والشلولو

أسامة جاويش
الشلولو (بفتح الشين واللام وتسكين الواو) هو أحدث صيحة مصرية لمواجهة فيروس كورونا، وهي وصفة ذكرها طبيب كبير ومتخصص في علم التغذية، وهو الدكتور مجدي نزيه، رئيس قسم وحدة التثقيف الغذائي بالمعهد القومي للتغذية، في لقاء تلفزيوني مع محمود سعد، ثم أوضح ما قاله في لقاء آخر مع عمرو أديب، ليثبت الرجل أنه يتحدث عن الشلولو الذي يقوي المناعة أمام الفيروسات وليس علاجا لفيروس كورونا، وهو محق إلى حد بعيد في ما يتعلق بتقوية المناعة.

الحقيقة أن الرجل قال بداية إنه يصلح مع كورونا وغير كورونا، ما دفعني للبحث قليلا عن وصفات طبية مشابهة أو تصرفات رسمية متماشية مع فلسفة الشلولو، فوجدت الكثير والكثير في الأيام الماضية. 

أحدهم ظهر على فضائية مصرية ليتحدث على طريقة اللواء عبد العاطي كفتة عن طلب الولايات المتحدة منه علاجا سريعا وفعالا للقضاء على فيروس كورونا، فأخبرهم بكل ثقة بأنه موجود في الفول المصنوع بالخلطة المصرية مع قليل من خليط البصل والثوم. 
سبقته إلى ذلك إعلامية أخرى، هي أماني الخياط، والتي دعت المصريين إلى شرب الشاي الساخن بكثافة كي يدفع الكورونا إلى المعدة بدلا من نزولها إلى الرئة. 
ولا عجب في ذلك، فأبوهم الذي علمهم السحر مفيد فوزي قد ذكر أيضا أن الهند لم تصب بكورونا في بادئ الأمر لأنها تستخدم بهارات الكرومونيوم المضادة لكورونا.

العشوائية والدجل تصدرا المشهد المصري في الأيام الماضية، ولم أتعجب عندما قرأت أن اثنين من المحامين قد تقدما ببلاغ لدى النيابة العامة ضد الصين اتهماها فيه بأنها وراء تصدير فيروس كورونا إلى العالم، وأنها أخفت الحقيقة في بدايات الأمر، ثم طالبا الصين بتعويض يبلغ عشرة تريليونات دولار أمريكي. وإثباتا لوطنيتهما الخالصة وانتمائهما الشديد لزمن الشلولو، فقد تبرعا بالمبلغ إلى صندوق تحيا مصر، في وقت قررت فيه وزارة الإسكان المصرية عودة أربعة ملايين عامل إلى مواقعهم للعمل في قطاع الإنشاءات والبناء مرة أخرى، دون الاعتبار للمخاطر التي تترتب على قرار كهذا، ولكنها بدت وكأنها سياسة حاكمة لأصحاب القرار في المجال الاقتصادي، حيث ظهر علينا رجل الأعمال حسين صبور ليبارك قرار نزول العمال، ويقول جملته العنصرية الشهيرة : "سيموت بعض الناس ولكننا لن نفلس"، في إشارة لرأسمالية عفنة لا تتناسب مع جائحة لا تفرق بين رجل أعمال وعامل صغير في هذه الأيام.

في عالم آخر يستغيث تحت وقع الوباء وفي زمان آخر غير زمان الشلولو، وفي مكان آخر غير قصر اتحادية السيسي، هناك في جامعة بيتسبرغ في الولايات المتحدة الأمريكية يعمل الدكتور لويس فالو مع فريق علمي متخصص على إيجاد لقاح سريع لعلاج كورونا، وأعلن الفريق الحكومي في بريطانيا بدء التجارب السريرية لتجربة بعض اللقاحات، في وقت افتتح فيه وزير الصحة البريطاني مات هانكوك مستشفى ميدانيا يضم أربعة آلاف سرير في وسط لندن، وأعلن استيراد 200 جهاز تنفس صناعي من الصين وبدء تصنيع أجهزة تنفس صناعي محلية، وأعلنت حكومات غربية وأوروبية دعمها بمليارات الدولارات لوزارات الصحة، وحذرت فيه كل وزارات الصحة العالمية وفرق الأزمة من أزمة نقص أجهزة التنفس الصناعي والمستلزمات الطبية الخاصة بالفريق الطبي، وبأننا مقبلون على كارثة إنسانية حقيقية.

فوجئت بتوجيه من السيسي إلى وزيرة الصحة المصرية بأن تذهب إلى إيطاليا دون كمامة، لتقديم مساعدات طبية في مواجهة هذه الأزمة، بدافع المساعدات الإنسانية والوقوف صفا واحدا في مواجهة كورونا، وبأن لدينا فائضا من التجهيزات الطبية والكمامات ونستطيع إرسال هذا الفائض إلى غيرنا من الدول المنكوبة. مصر فيها ما يقارب الـ60 ألف طبيب و140 ألف ممرض، هم قوام الفريق الطبي داخل مستشفيات وزارة الصحة وفقا لآخر إحصاء رسمي من الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، واذا ما افترضنا أن كل فرد من الفريق الطبي يحتاج إلى عشر كمامات يوميا للكشف على عشرة مرضى، فنحن أمام مليوني كمامة يوميا، فقط لمستشفيات وزارة الصحة، فكم يبلغ إنتاج مصر اليومي حتى يكفي هذا ويفيض لإرسال مساعدات خارجية؟

العالم يتحرك بسرعة كبيرة في إجراء اختبارات الكشف عن كورونا ومصر أجرت حتى الآن 25 ألف اختبار فقط، بما يعني أنه من بين كل مليون شخص تجري مصر الكشف عن 244 شخصا فقط. العالم يقول ستنهار المنظومة الصحية أمام انتشار الفيروس، ومصر تعلن أن لدينا أجهزة تنفس صناعي وكمامات تكفي وتفيض.

لأول مرة أتمنى أن تكون تصريحات النظام المصري حقيقية، وأن يستطيع العبور من هذا الوباء بأقل الخسائر البشرية والاقتصادية. 

أتمنى أن تكون كل الشواهد التي نبني عليها تحليلاتنا خاطئة، وأرجو أن تكون الصورة مغايرة لكل الشهادات المخيفة التي تصلنا من الأهالي وأعضاء الفريق الطبي، وأرجو السلامة لمصر وأهلها ومن فيها.

الجمعة، 6 سبتمبر 2019

يا عبد الله.. لا ظلم اليوم

يا عبد الله.. لا ظلم اليوم

أسامة جاويش
نشر الدكتور علاء اللقطة رسما كاريكاتوريا للرئيس الراحل محمد مرسي وهو يحتضن ولده الراحل عبدالله في السماء، وكتب عليها تعليقا بالآية الكريمة
 “{اليومِ تُجزى كلُّ نفسٍ بما كسبتْ لا ظلمَ اليوم}”.
والحقيقة أن هذه هي الحقيقة الوحيدة القادرة على تخفيف حدة القهر والعجز والألم الذي اعتصر الملايين من المظلومين بعد خبر وفاة نجل الرئيس الأصغر؛ الشاب الذي لم يتجاوز الرابعة والعشرين من عمره، عبدالله محمد مرسي.
الحقيقة الخالدة أن هناك يوم معلوم ترد فيه المظالم، سيأتي فيه عبدالله مرسي إلى جوار أبيه الرئيس الراحل ليشكو إلى الملك العادل الذي لا يظلم عنده أحد ما فعله السيسي وزبانيته به وبوطنه وبأسرته الصغيرة، في هذا اليوم فقط سيأتي القِصاص وتُحقَّق العدالة ويشف الله صدور قوم مؤمنين.
أين الحكمة يا من لا تسأل عن حكمتك؟
هذا السؤال دار في ذهني وقرأته على حسابات كثيرة فور سماعي لخبر وفاة عبدالله مرسي، فقد بلغت القلوب الحناجر وزلزل معسكر الثورة زلزالا كبيرا فقد قتلوا الرئيس حبسا وإهمالا طبيا وتآمرا منذ أقل من ثلاثة أشهر، ولم تخرج له جنازة ولم يشيعه أنصاره، وها نحن على موعد مع فقدان آخر وظلم جديد برحيل الابن الأصغر دون جنازة أيضا ودون معرفة السبب الحقيقي للوفاة.
عبدالله مرسي كان يُخطط للزواج قريبا، وكان هو السند الاخير لوالدته الأبية الصامدة وكان هو المعين لزوجة أخيه المعتقل أسامة مرسي فكان يصطحبها وطفلها الصغير لجلسات المحاكمة لرؤية شقيقه ثم كان كالأسد الجسور بعد وفاة أبيه الرئيس، فكانت مداخلاته وتصريحاته وكلماته على حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي مبعثا للأمل والثبات على ما عاهد عليه أباه.
طفل صغير عايش فترات اعتقال والده القيادي في جماعة “الإخوان المسلمين” وقامت “ثورة يناير” ولم يتجاوز السادسة عشرة من عمره عاش معها حُلم الثورة وآمن بحلم الوطن ولم يُرد أكثر من ذلك، ولكن الله قدَّر لوالده أن يخوض غمار انتخابات الرئاسة ويصبح أول رئيس مدني منتخب في تاريخ البلاد وعندها تحوَّلت حياة عبدالله وأشقائه ووالدته إلى جحيم.
اتَّهموا والده الرئيس بكل نقيصة وأطلقوا الإشاعات المُغرضة تتَّهِم أخويه الكبيرين باستغلال منصب والدهما الرئيس للحصول على وظائف مرموقة ثم وجَّهوا سِهام كذبهم إلى والدته المحترمة فتحدثوا زوراً عن أصناف من المأكولات تُكلِّف ملايين، وهي السيدة المتواضعة التي لم تغادر بيتها أبدا إلى القصر الرئاسي. ثم عايش الشاب الصغير انقلابا عسكريا على والده الرئيس وإخفائه قسرا ثم حرمانه من زيارته ورؤيته طِيلة الأعوام الست الماضية.
ولم يكتفوا بهذا فتعرَّض عبدالله نفسه للاعتقال بتُهمة دنيئة، قالوا كذبا إنه يتعاطى المخدرات في محاولة لتشويه صورة أسرة الرئيس ثم اعتقلوا شقيقه الأكبر أسامة وانتهى بهم المطاف إلى قتل أبيه الرئيس عبر إهمالهم الطبي، ليخرج بعدها بساعات عبدالله محمد مرسي شامخا متحدثا بقوة وكأن أزمات الماضي وآلام السنوات المنصرمة ونيران الانقلاب العسكري قد أنضجته كما تنضج النار الحديد، ليقول كلمات خالدة: “إن لآل مرسي خمسون من الرجال من بين أبناء وأشقاء وحَفدة، نفوسنا جميعاً تُزهق نفسا نفسا أو نعتقل أبد الدهر ولن نعطي أبدا الدنية ولن يروا منا إلا كل البأس”.
أي قلب هذا يا فتى الذي قالوا إنه توقف بسبب أزمة قلبية مفاجئة. وما أدراني أنهم لم يقتلوك وقد حققوا معك قبلها داخل مكتب النائب العام، أيُّ قلب هذا يا فتى الذي تحمَّل أن يضع أباه بيديه داخل القبر ثم خرج يحدثنا أن سيبقى صادقاً لما عاهد عليه أباه الرئيس.
لو كنا في بلد محترم ولو كان لدينا بقية من قانون واحترام لآدمية الإنسان لكان من الطبيعي تشريح جُثة عبدالله محمد مرسي للوقوف على حقيقة وفاته المفاجئة، ولكننا في زمن عسكر لا يُرَاقب وإن تعلَّق الأمر بمدني، فما بالك بمن انتمى لثورة يناير وكان أبوه أول رئيس مدني منتخب.
وفاة عبدالله أضافت هزيمة جديدة لهزائمنا وعمقت جراح قلوبنا وزادت من آلام أرواحنا وبات لدينا خليط من المشاعر الغاضبة قليلا والممزوجة بكثير من القهر والإحباط على مصائبنا المتتالية، التي لا نكاد نفيق من إحداها حتى تضربنا الأخرى بقوة ولكن الحقيقة الوحيدة التي تُخفف من وطأة الألم الشديد ومشاعر اليأس والإحباط هي حقيقة اليوم الذي لا ظلم فيه، هي حقيقة أن هناك يوم سنمضي فيه إلى ديان يوم الدين وعندها ستَجتمع خصومتنا مع السيسي وجنوده.
ربما كانت الحكمة أن الله يمهل للظالم حتى يتملكه الظلم فيأخذه أخذ عزيز مقتدر، وربما كانت الحكمة أن هذه هي الدنيا وأن قدرنا أن نحيا في زمن الهزائم والانكسارات على يد حفنة من الظالمين وربما لا هذا ولا ذاك وللَّه حكمة لا نعلمها ولن نعلمها إلا في اليوم الذي تتساوى فيه رؤوس الظالم والمظلوم.
لم أجد ختاماً لهذا المقال أفضل من كلمات شاب في نفس عمر عبدالله مرسي كتبها عبر حسابه على موقع “فيسبوك” مخاطباً المولى عز وجل.
وهذه كلمات الكاتب يوسف الدموكي:
“لا تُسأل..
يا معين ع الدرب!
قادر يا كريم..
تدينا سبب..
عبدك مغلوب..
مبقاش فيه قلب!
صابر لكن..
أضعف م الكرب!
مؤمن لكن..
كفران م الغُلب!
جندك لكن..
تعبوا من الحرب!
أمرك لكن..
فهّمنا يا رب!”

الأربعاء، 14 أغسطس 2019

في مصر السيسي.. الحال دائما كما في رواية 1984

في مصر السيسي.. الحال دائما كما في رواية 1984




أسامة جاويش
في مجمل العالم الناطق بالإنجليزية، باتت كلمة "أورويلي" مصطلحا معتادا، يستخدم لوصف كل شيء من كاميرات المراقبة إلى تقنيات رصد الموظفين. بالنسبة لمن يعيشون في الغرب، ما تزال حكاية أورويل التحذيرية حول تغول الحكومة والرقابة الشاملة والدعاية – لحسن الحظ – وصفا لما يمكن أن تكون عليه الأمور وليس ما آلت إليه.

ليس هذا هو الحال في مصر. في مثل هذا اليوم قبل ستة أعوام، انقض بلطجية الرئيس الحالي، الجنرال السابق عبد الفتاح السيسي، على ميداني رابعة والنهضة وقتلوا تسعمائة من المتظاهرين السلميين، فيما اعتبرته منظمة هيومان رايتس واتش واحدة من أكبر عمليات قتل المتظاهرين في يوم واحد في التاريخ المعاصر، وما يمكن أن يعتبر جريمة ضد الإنسانية.

ما لبث جنون العظمة والعنف الذي أظهره السيسي خلال الأيام التي سبقت المذبحة وأثناءها أن استمر، ولو بأشكال مختلفة. فقد تعرضت البلد منذ ذلك الحين إلى نوع من الخنق البطيء المستمر دونما توقف، والذي لا يمكن أن يصدر إلا عن حالة من الطغيان، ويتمثل في قوانين تزيد من تقييد الحريات وقمع مستمر ومتعاظم وتداعيات في غاية الخطورة تعود على كل من يتجرأ على تحدي الدولة، الأمر الذي جعل منظمة العفو الدولية تصف مصر بأنها سجن مفتوح.

تتجاوز سمات التطابق مع أويشينيا في رواية أورويل ما هو سطحي. يعمل وينستون سميث، الشخصية المركزية في رواية 1984، في "تصحيح" السجلات التاريخية حتى تنسجم مع افتراءات الأخ الكبير. لقد عمل السيسي، مثله في ذلك مثل الأخ الكبير، على تحويل وسائل الإعلام المصرية إلى ناطق باسم الدولة. ولذلك يمارس منتجو البرامج التلفزيونية رقابة ذاتية أو يشيدون دوما بالنظام خشية أن ينالهم بطشه. وهذا أمر في غاية الخطورة، وخاصة في بلد يعاني أكثر من ربع السكان فيه من الأمية، وذلك أن منتجي البرامج التلفزيونية هم من يشكلون الرأي العام. وحتى داخل ملاعب كرة القدم يتم سحق كل مظهر من مظاهر المعارضة، ولا أدل على ذلك من أنه حينما صفق المشجعون لمحمد أبو تريكة أثناء دوري كأس أفريقيا، استخدمت الطيارات السيارة للتعرف عليهم وتحديد هوياتهم. ومما تجدر الإشارة إليه أن مصر تتفوق على كل دول العالم الأخرى في عدد من تسجنهم السلطات بتهمة الترويج لأخبار كاذبة.

إذن يبدو أن "وزارة الحقيقة" في مصر تعمل بكامل طاقتها، وكذلك الحال مع "وزارة السلام". في العالم المرعب الذي تصفه مخيلة أورويل، تخوض الدول الكبرى القارية فيما بينها حربا أبدية. تستمر الحرب حتى يتمكنوا من إحكام سيطرتهم الأيديولوجية على الناس. لا يختلف الأمر في مصر عن ذلك، والعدو الذي تخوض البلد معه صراعا لا نهاية له جهة مألوفة: إنه "الإرهابي".

ومثله في ذلك مثل الطغاة الذين سبقوه – وكل الطغاة الآخرين في أماكن أخرى من العالم – يستخدم السيسي "الإرهابي" شماعة لتبرير ما يرتكبه من جرائم. فذلك هو السبب في الحرب الخفية التي تدور رحاها داخل شبه جزيرة سيناء، وفي الاحتجاز الجماعي لما يقرب من ستين ألف سجين رأي، وفي البطش الذي تمارسه قواته الأمنية. وتلك هي الوسيلة التي من خلالها يبرر داعمو السيسي الدوليون – ضمنيا أو سوى ذلك – مباركتهم المستمرة لرجل بدأ عهده بارتكاب جريمة قتل جماعية. كان جديرا بهم أن يعلموا، كما يخبرنا التاريخ، أن أي رجل يمارس مثل هذه الانتهاكات والجرائم ضد الإنسانية ليس من النوع الذي يؤمن بالحقوق السيادية للفرد. منذ ذلك اليوم الأسود قبل ستة أعوام في القاهرة، لم تتوقف أعمال العنف بشكل أو بآخر –عدوانا على الأبدان والأنفس والأرواح.

ومن السمات الخبيثة بشكل خاص في مصر السيسي (كما كان عليه الحال في أوشينيا) أن الدولة القمعية نفسها تمنح الأمل الوحيد في الخلاص. ومن يرغبون في الهرب من أوضاعهم وتحسين ظروفهم فبإمكانهم أن يفعلوا ذلك من خلال التقرب من الظالم وتعزيز علاقتهم به. لا يزدهر في مصر الحديثة سوى جهاز الدولة المتضخم – الحكومة والجيش ووسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدولة. ومن ينضمون إليها يتوجب عليهم إذن أن يبرموا اتفاقا مع الشيطان كذلك الذي فعله فاوست، حيث يتخلون عن إدراكهم لما هو صواب وخطأ ولما هو حق وباطل، في سبيل التخلص من السلاسل التي تقيدهم.

هناك تشابهات أخرى ولكن ثمة اختلافات هامة أيضا. كتب وينستون يقول: "لئن كان هناك أمل فإنه يكمن في العمال." ولكن، وهذا يصبح أوضح كلما مضت السردية قدما، لا يوجد في الحقيقة أي أمل لشعب أويشينيا. المرعب في رواية 1984 هو استمرار الوضع القائم، أي فكرة أن كل شيء تقريبا سيبقى على حاله إلى الأبد، باستثناء أن يحدث ما هو غير متوقع وغير محتمل وكارثي. وتلك بالضبط هي الحال في مصر، فانعدام أهلية السيسي كإداري ومتصرف في المال العام دفعت بالبلاد نحو حافة دمار اقتصادي ومجتمعي.

إذن، لا يتمثل الرعب في مصر السيسي فقط فيما يقع يوميا من توحش وجنوح وإفقار ومعاناة، وإنما أيضا في إمكانية واحتمال أن تتردى الأمور إلى ما هو أسوأ من ذلك. ثمة احتمال بأن ترتكب في مصر هذا العام مذبحة كبيرة بحسب ما ورد في تقرير مشروع التحذير المبكر. وبناء عليه، يتوقع البعض أن تصبح مصر الدولة الفاشلة التالية في العالم. وحينما يفشل بلد تعداد سكانه مائة مليون نسمة تقريبا فإن العواقب ستكون وخيمة جدا لدرجة أنها تستعصي على الوصف.

بعد مرور ستة أعوام على مذبحة القاهرة، تطالب مصر بحرقة بالديمقراطية. 
14أغسطس2013

ففي غياب الديمقراطية خلال السنين السابقة منذ الانقلاب العسكري في عام 2013، أقام السيسي إمبراطورية من الأكاذيب، وبات تزوير الانتخابات هو الأصل، وشاع الاختفاء القسري والتعذيب، ولم يعد ثمة وجود لحرية الكلام والتعبير والتجمع. فبالنسبة للسيسي، يبدو أن الحرب هي السلام والحرية هي الاسترقاق والجهل هو القوة.

عن مجلة نيوز ويك 

لقراءة النص الأصلي اضغط (هنا)

IN SISSI'S EGYPT, IT IS ALWAYS 1984