الجمعة، 9 ديسمبر 2022

سلام على محمد أبو الغيط حتى نلقاه

سلام على محمد أبو الغيط حتى نلقاه

أسامة جاويش


 "لماذا أكتب؟


‎أكتب لأن الكتابة هي أثري في الحياة، هي أهراماتي الخاصة، فإلى متى ستبقى منتصبة من بعدي؟

‎الكتابة هي محاولتي لمغالبة الزمن والموت، بأن يبقى اسمي أطول من عدد سنوات حياتي التافهة مقارنة بعمر الكون الشاسع المقدر حاليا بـ14 مليار سنة.

‎أعرف أني مهما عشت فإن حياتي، والعالم كله، كذرّة غبار لا تُرى على شاطئ ذلك الكون الفسيح. لكن الكتابة قد تجعل ذرتي ألمع بين باقي الذرات على الأقل.

هذه صيحتي: محمد أبو الغيط مرَّ من هنا"!

مر من حياتي الشخصية كصديق مقرب وأخ وناصح أمين، مر من حياتي المهنية كأستاذ في عالم الصحافة ونموذج إعلامي مهني فريد بتحقيقاته وعمله ونجاحاته الكثيرة، ومر من حياة جيلي جيل ثورة يناير كملهم لنا ورمز لهذا الجيل الذي مسّه الحلم مرة ثم أنهكته الهزائم وأتعبته السنوات حتى صار بين سجين وقتيل ومطارد وحياة في المنفى

نعم مر محمد أبو الغيط من هنا، مر من حياتي الشخصية كصديق مقرب وأخ وناصح أمين، مر من حياتي المهنية كأستاذ في عالم الصحافة ونموذج إعلامي مهني فريد بتحقيقاته وعمله ونجاحاته الكثيرة، ومر من حياة جيلي جيل ثورة يناير كملهم لنا ورمز لهذا الجيل الذي مسّه الحلم مرة ثم أنهكته الهزائم وأتعبته السنوات حتى صار بين سجين وقتيل ومطارد وحياة في المنفى.

حمل يوم الاثنين الماضي أخبارا صادمة لمعظم الصحفيين والناشطين المصريين.

توفي محمد أبو الغيط؛ الكاتب والصحفي الاستقصائي ورمز ثورة 25 يناير 2011، البالغ من العمر 34 عاما، بعد معاناة كبيرة لمدة عامين تقريبا من سرطان المعدة الخبيث..

ولد أبو الغيط عام 1988 في محافظة أسيوط، ورغم تخرجه في كلية الطب فقد مثلت الكتابة والصحافة الحب المطلق والشغف الكبير وحلم الحياة الأول لمحمد أبو الغيط..

تم اعتقاله خلال الأيام الأولى للثورة المصرية في عام 2011، وبعد إطلاق سراحه أنشأ مدونة جدارية، وهناك تفجرت موهبته العظيمة في الكتابة وتجسدت بمقاله الأشهر على الإطلاق "الفقراء أولا يا ولاد الكلب"، انتقد فيه أبو الغيط كل مكونات النخبة المصرية بسبب الخلاف حول القضايا الثقافية والعقائدية وتجاهلهم لمطالب الفقراء الذين ضحوا بأنفسهم خلال الثورة دون أن ينالوا منها أي استفادة..

بدأ محمد أبو الغيط حياته المهنية ككاتب مقال في موقع "المصري اليوم" ثم جريدة الشروق اليومية. وسرعان ما لفتت مقالاته الانتباه وباتت حديث الكثيرين، ما رشحه للحصول على جائزة مصطفى الحسيني لأفضل مقال لكاتب عربي شاب عام 2013، عن مقالته عن انتهاكات الشرطة المصرية وضرورة الإصلاح.

وبعد عام واحد حصل على جائزة سمير القصير لحرية الصحافة التي قدمها الاتحاد الأوروبي عن مقالته "موسم الموتى والأحياء"، والتي انتقد فيها أعمال العنف بين مؤيدي جماعة الإخوان المسلمين وبعض أطياف المعارضة المصرية الأخرى.

تعرض للاضطهاد من قبل الاستبداد العسكري الجديد الذي قضى على حرية الصحافة في مصر. بالإضافة إلى ذلك، تم اعتقال والد زوجته الأستاذ سيد علي شهاب وحكم عليه بالإعدام لانضمامه إلى جماعة الإخوان المسلمين

على الرغم من أن أبو الغيط لم يعارض الانقلاب العسكري عام 2013، إلا أنه تعرض للاضطهاد من قبل الاستبداد العسكري الجديد الذي قضى على حرية الصحافة في مصر. بالإضافة إلى ذلك، تم اعتقال والد زوجته الأستاذ سيد علي شهاب وحكم عليه بالإعدام لانضمامه إلى جماعة الإخوان المسلمين..

استسلمت السلطة العسكرية الجديدة لمصر لمجموعة من الدجالين الذين ضللوا الرأي العام في فضيحة جهاز الكفتة والتي عُرفت للرأي العام بجهاز لعلاج الفيروسات، بما في ذلك فيروس نقص المناعة البشرية وفيروس التهاب الكبد الوبائي. لم يصدق محمد ما تم نشره وبدأ بالتحقيق في القصة، وكشف عن أن من يسمى بالخبير إبراهيم عبد العاطي، ليس لديه أي مؤهلات علمية، وتمت مقاضاته لادعائه مهنة الطب..

بعد أشهر، ومع انخفاض مستوى حرية التعبير في مصر وسيطرة الأجهزة الأمنية والعسكرية على الصحافة والإعلام في مصر، خرج أبو الغيط إلى لندن وانضم إلى التلفزيون العربي، لتفتح له الصحافة أبوابها يدخلها حيث شاء وليصبح صحفيا استقصائيا دوليا بارزا في لندن بعد سنوات من الدراسة والتدريب.

حصل فيلمه الوثائقي الاستقصائي "المستخدم النهائي"، الذي بثته DW في تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، على جائزة ريكاردو أورتيغا التي قدمتها جمعية مراسلي الأمم المتحدة. وكشف التحقيق أن 10 دول غربية خرقت حظر التسلح في اليمن بتزويد الأطراف المتحاربة بالسلاح.

ومن الجوائز الأخرى لأبو الغيط جائزة فتيسوف عام 2020، والتي نالها لمساهمته البارزة في السلام من خلال تحقيقه في 2019 الذي غطى الشبكات المالية لقوات الدعم السريع، وهي مليشيا شكلها الرئيس السوداني المخلوع عمر البشير التي ارتكبت جرائم حرب في دارفور والاعتداء على المتظاهرين خلال الانتفاضة السودانية عام 2019..

اليوم يحتفل أصدقاؤه بكتابه الأول، يشعرون بروح أبو الغيط وابتسامته الساحرة بكلماته الجميلة، وعزاؤهم الوحيد هو أن صديقهم محمد أبو الغيط قد ذهب إلى الضوء وحياة أفضل

كان أبو الغيط شخصية ملهمة للمثقفين المصريين بالتزامه بالحرية والعدالة وانحيازه للفقراء، قدم يد العون لعشرات الصحفيين المصريين لإيجاد فرص تدريب وعمل لتنمية مهاراتهم وتأسيس مستقبل مهني، وأبقى على مسافة متساوية من الأحزاب المختلفة لكنه حصل على احترام الجميع لمهنيته وحياده وعقلانيته.

كان لدى أبو الغيط الأمل الأخير قبل وفاته، أن يُطلق سراح والد زوجته من السجن في مصر للوقوف مع ابنته التي تعيش الآن بمفردها مع ابنهما اليتيم في الخارج..

بعد يومين من وفاته، أعلنت دار الشروق المصرية عن صدور كتابه الأول بعنوان "أنا قادم أيها الضوء".

وروى أبو الغيط في كتابه معاناته من مرض السرطان وتمسكه بالأمل حتى اليوم الأخير، ونقل قصصه عن البحث عن الضوء في نهاية النفق المظلم..

اليوم يحتفل أصدقاؤه بكتابه الأول، يشعرون بروح أبو الغيط وابتسامته الساحرة بكلماته الجميلة، وعزاؤهم الوحيد هو أن صديقهم محمد أبو الغيط قد ذهب إلى الضوء وحياة أفضل.

خسارة أبو الغيط هي خسارة جيل وخسارة وطن لفظ أفضل ما لديه من أبناء وكفاءات وعلى رأسهم محمد أبو الغيط.

فسلام على محمد أبو الغيط حتى نلقاه.

twitter.com/osgaweesh





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق