الثلاثاء، 30 ديسمبر 2025

خمسةَ عشرَ عاماً في الظل: حكايةُ الذين لم يطوِهم النسيان

 خمسةَ عشرَ عاماً في الظل: حكايةُ الذين لم يطوِهم النسيان

علي جاد المولى
كاتب ومهندس نظم مقيم في تونس

هذا النص هو مشهدٌ روائي من الفصل الرابع عشر لرواية “قبو الاستجواب“؛ حيث تستحضر ‘المحاكاة’ الرقمية أحداث الهجرة إلى الحبشة، والتي حدثت في شهر رجب من العام الخامس للبعثة، لتُعلن بدء انطلاق أولى رحلات بناء الدولة الإسلامية خارج مكة.
سيراقب بطلُ القصة، برفقة ‘زائرٍ فضائي‘، عبقرية النبي ﷺ في اختيار الحليف، وإدارة الأزمات، وصناعة سفراء لا ينساهم التاريخ.


تَساقط المطر بهدوء. ليس من السماء -بل من المُحاكاة- حيث انسابت قطرات لطيفة في أرجاء الحُجرة، وارتطمت بالأرض كدموع طاهرة عادت إلى مَهْدها.

كنا نقفُ على ضفاف البحر الأحمر. هناك، كان الموجُ الداكنُ يداعبُ أعجازَ سفينتين تتأرجحان تحت وطأة الريح؛ أشرعتُهما مشدودةٌ كقوسٍ، وحبالُهما تئنُّ بصوتٍ يمتزجُ فيه ثِقلُ الأملِ بمرارة الحزن.

ومن بين ثنايا الضباب، انبلجت وجوهٌ أضناها التعب؛ عائلاتٌ التحفت الصوفَ البالي، وقبضت أيديها على ما خفَّ من متاعٍ وعزَّ من ذكرى. أبصرتُ أمّاً تُعدّل غطاء رأس صغيرِها بلمسةٍ مرتجفة، وأباً يلقي نظرةَ وداعٍ أخيرة على ظلِّ مكة الباهت في الأفق.

وقف الفضائيُّ بجانبي صامتاً، يراقبُ المشهد بعينين مليئتين بالإعجاب، ثم همس:
“هل تُدرك كُنهَ أن يقتلعَ المرءُ جذورَه ويتركَ كلَّ شيءٍ خلفَه؟ ليس فراراً من مخالب الموت، بل ارتحالاً بـ ‘عقيدة’ نحو المجهول.”

لم أُحر جواباً؛ فأيُّ مفردةٍ بوسعها أن تختزل هذا المشهد؟

اقتربنا من المشهد، فرأيتُ جعفرَ بن أبي طالب؛ كان شامخاً، عيناه ثابتتان كالنجم الثاقب يخترقُ بنوره سحبَ الشك، وظهره مستقيمٌ لا ينحني، بينما استقرت يده الحانية على كتف زوجته أسماء بنت عميس في طمأنينةٍ عجيبة.

قال الفضائي: 
“لم تكن هذه رحلةَ فارِّين.. بل كانت هجرةً رُسمت معالمُها بدقة، وبأمرٍ وتدبيرٍ حكيم. فالنبيُّ ﷺ هو من حدد مَن يرحل، ومَن يبقى، وهو من اختار لحظة الانطلاق. لم يكن هذا ارتباكاً، بل كانت استراتيجيةً سياديةً في أبهى صورها.”

بدأت القواربُ تنسلُّ في عرض البحر، والريح تملأ أشرعتها، فأكملَ:
“ولم يبعثهم إلى أيِّ أرضٍ، بل وجّههم نحو مملكةٍ نصرانية، إلى ملكٍ لا يُظلم عنده أحد. كان يدركُ يقيناً أنَّ النجاشيَّ سيفتحُ لهم قلبه قبل أبوابه، وأنّه سينصت لصوت الحقِّ لا لضجيجِ الوشاة.”

ثم التفت نحوي متسائلاً:
“ماذا تستقرئ من كل هذا؟” قلتُ: “أنه وثق بالعدلِ أينما وُجد، وتجاوز حدودَ الجغرافيا ليُثبت أنَّ الحقَّ بساطٌ يجمعُ بني الإنسان.”

ابتسم الفضائي وقال:
“أجل، ولكن ثمَّة عمقٌ أبعد؛ إنه الفهمُ الراقي للدبلوماسية. لقد كان النبي ﷺ يبحثُ عن حليفٍ دولي. لم يكن الإسلامُ في حالة تراجع.. بل كان يعيدُ تموضعَه ليتمدد.”

انزاحت الصورُ وتبدَّل المشهد.. وإذ بنا في أرض الحبشة؛ تلالٌ يكسوها الاخضرار، وطيورٌ تزقزقُ بين أفنان العرعر وأشجار الكوسو الوارفة. وقف المسلمون في بلاط النجاشي؛ وعلى الرغم من وعثاء السفر ونحول الأجساد، إلا أنَّ وقاراً مهيباً كان يحيطُ بهم.

ساد الصمتُ أرجاءَ المجلس، فتقدم جعفر، وانطلق صوته هادئاً كدعاءٍ يسري مع النسيم:
أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية.. حتى بعث الله فينا رسولاً نعرفُ نسبَه وصدقَه وأمانته، فأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحُسن الجوار، والكفِّ عن المحارم والدماء…”

شعرتُ بغُصّة في حلقي. همس الفضائي:
“تأمل.. لم يكتفِ بالحديث عن الغيبيات، بل صاغ الثورة الأخلاقية التي غرسها الإسلام في نفوسهم.”

ثم احتدم الموقف؛ دخل وفدُ قريشٍ القاعة بزهوِهم المعهود، يحملون الهدايا والمكائد، وقالوا بصوتٍ حاد:
أيها الملك، إنَّ هؤلاء غِلمةٌ سُفهاء، فارقوا دينَ قومِهم ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدينٍ مُبتدع؛ فسلّمهم إلينا لنردَّهم إلى كبارِ قومِهم وعشائرِهم.”

التفتَ النجاشيُّ نحو الغرباء المجهدين، وفي عينيه بريقُ الباحث عن الحقيقة: 
“هل معكم مما جاء به نبيكم من الله شيء؟” 

أومأ جعفرُ إيجاباً بوقار، وسكنت القاعةُ تماماً، ثم انطلق صوته هادئاً يرتلُ آياتٍ من سورة مريم:
{كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا…..}.

انهمرت الدموعُ على وجنة الملك، واهتزَّ المجلسُ خشوعاً. جعلتنا “المحاكاة” نستشعرُ تلك الرجفة؛ صمت البلاط، وجلال الآيات، واللحظة التاريخية التي وقف فيها ملكٌ مسيحيٌّ حائطَ صدٍّ عن لاجئين مسلمين ضدَّ سادةِ قومهم.

قال الفضائي:
“لم يكونوا مجرد مهاجرين.. كانوا سفراءَ فوق العادة. وجودهم في الحبشة أرسى دعائم الاحترام المتبادل، وفتح لرسالتهم المهددةِ متنفساً للبقاء.”

تنهدتُ قائلاً:
“لكنَّ الثمن كان باهظاً.” 

نظر إلى التلال البعيدة وقال: “خمسة عشر عاماً.. قضاها بعضهم هناك في الحبشة دون أن يكحلوا أعينهم برؤية النبي ﷺ. غابوا عن بدر، وفاتتهم أُحد. صلُّوا نحو بيت المقدس شهوراً قبل أن يبلغهم خبرُ تحويل القبلة. لم يطوِهم النسيان.. لكنهم تجرعوا مرارةَ الشعور به.”

سحبتنا المحاكاةُ إلى خيمةٍ نائية، حيث امرأةٌ تبكي في صمت، وطفلها غافٍ بجانبها. همست بلوعة: “أشتاقُ إليه.. أشتاقُ لسماعِ صوته الشريف ﷺ.”  في تلك اللحظة، هبط على صدري ثقلٌ لا توصفُ مَرارته.

سألتُه:
“لماذا طال مكثُهم هناك في أرض الحبشة؟” 

أجابني:
“لأنَّ خدمةَ العقائد لا تكونُ دوماً في خطوط المواجهة. أحياناً تقتضي المهمةُ أن تحرسَ ‘المستقبل’ من بعيد. كانوا هم الذُّخر المخبوء، والضمانة الأخيرة، والبذرة التي استودعها الله في أرضٍ غريبة.”

بدأ المشهدُ يتلاشى، فأضاف الفضائي:
“اليوم، تلهجُ الألسنةُ بذكرِ بدرٍ والخندق، ولكن.. مَن يذكرُ أولئك الذين غادروا وبقوا في الظل؟” نظرتُ إلى البحر وقلتُ ببطء: “لم يقاتلوا بالسيوف.. بل جاهدوا بالحرمان والتضحية المتجردة عن كل حظٍ للنفس.”

أومأ الفضائيُّ مؤكداً، وقد بَدَا وكأنّه تلبَّسَ روحَ المتنبي فجأة؛ فاعتدلَ في وقفته وأرسلَ نبرةً جهورية:
“وذاك لعمري هو الجهادُ الأشق!” ثم ابتسمَ محاولاً العودةَ إلى رصانتهِ المعهودة.

اقترب مني خطوةً وقال:
“تسمونها هجرة، وأراها حكمةً، وتوقيتاً، ودبلوماسيةً رفيعة. لو كان هذا الدينُ روحانياً منغلقاً، لما احتاج لكل هذا التدبير. لكنه كان حركةً حية.. والحركاتُ الحية لا بدَّ أن تتحرك.”

سكتُّ، وقد تشبعت القاعةُ بعبق الوداع، وامتلأت بأسماءٍ مجهولةٍ ضحت بكل شيء من أجل فجرٍ لم تشهد إشراقه الكامل. ظل المطرُ يتساقط.. لكنني أدركتُ الآن أنه لم يكن مجرد قطرات؛ بل كانت دعواتٍ مُعلقةً في كبدِ السماء، تنتظرُ الإجابة.


شارِكنا رحلة التساؤل…

لم يطوِهم النسيان… لكنهم تجرعوا مرارةَ الشعور به.”
ما هو ثمن الإخلاص الصامت الذي ندفعه حين نخدم المبادئ العظمى من “خلف الستار”، بعيداً عن صخب الثناء والتقدير؟

يصف الفضائي “التضحية والحرمان” بأنهما الجهاد الأشق.
في عالمنا اليوم، ما هو الفعل “غير المرئي” الذي تراه جهاداً حقيقياً لاستقامة شؤون الحق في زماننا؟

بين يدي النجاشي، اختزل جعفرُ الإسلام في “ثورة أخلاقية“.
لو قُدّر لك اليوم أن تصف جوهر دينك بعبارة واحدة لإنسانٍ يبحث عن العدل، فماذا ستقول؟

المصدر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق