الثلاثاء، 30 ديسمبر 2025

الـ «20 %» التي غيرت المشهد.. ضربة واحدة حاسمة

 الـ «20 %» التي غيرت المشهد.. ضربة واحدة حاسمة

حمد حسن التميمي
Instagram: hamadaltamimiii

في لحظات بعينها، لا يتعامل التاريخ مع التفاصيل الصغيرة، بل ينحني أمام القرارات الكبرى التي غيرت مساره. 

في عام 1865، كانت الولايات المتحدة تخرج من أتون حرب أهلية مزقت جسدها وتركتها منهكة، منقسمة، ومثقلة بالجراح. وسط هذا الخراب، لم يكن أمام أبراهام لنكولن رفاهية مطاردة كل أزمة على حدة؛ اختار أن يضع طاقته في قرارين يحملان جوهر المعركة: إنهاء نظام العبودية، وحماية وحدة الدولة. كان يعرف أن الطريق مليء بالمقاومة وأن الثمن قد يكون حياته، لكنه رأى أن هذه الخطوة هي الباب الذي سيُفتح منه مستقبل مختلف. وبعد رحيله بسنوات طويلة، لم يبق في الذاكرة عدد خطاباته أو محاضر اجتماعاته، بل بقي «إعلان التحرير»، ومسار التعديل الثالث عشر الذي ألغى العبودية، وكلمات غيتيسبيرغ التي أعادت تعريف معنى الأمة والحرية. التاريخ لم يسجل كل ما فعله لنكولن، بل تلك النسبة الصغيرة من قراراته التي صنعت معظم أثره في العالم؛ الـ 20 % التي غيرت شكل الـ 80 % من الواقع.

في عالم العمل اليوم، تتكرر الفكرة نفسها لكن بأزياء مختلفة. لا أحد يتذكر كم مرة امتلأت الأجندة باجتماعات وعروض ورسائل، بقدر ما يتذكر تلك اللحظات القليلة التي قلبت المعادلة: مشروع واحد فتح أفقاً جديداً، أو قرار هادئ بدل طريقة نظر الناس إلى جهة كاملة. 

مع الوقت، نكتشف أن ما يعلق في الذاكرة ليس كثرة ما ننجزه، بل تلك الأعمال المختارة بعناية، التي وُضعت فيها نية صادقة وخطة واضحة وروح حاضرة، فتحولت إلى علامات فارقة يتردد صداها طويلاً في حديث الناس وثقتهم.

ومع توالي التجارب، يصبح المشهد أوضح: الأثر لا يُقاس بعدد الفعاليات والمبادرات بقدر ما يُقاس بجرعة الصدق والدقة والاحترام لعقل الجمهور في كل خطوة. قد تمر أعوام ننفذ فيها مشاريع متتابعة، ثم نكتشف أن ما بقي حياً في الذاكرة كان لحظات محددة فقط؛ لحظات صيغت بحس إنساني عميق، وتناسقت مع الهدف إلى درجة جعلت الناس يتبنونها وكأنها خرجت من أعماقهم هم. هذه اللحظات لا تكون دائمًا الأضخم من حيث الميزانية أو الحضور، لكنها غالبًا الأكثر صدقًا، والأقرب إلى حاجة حقيقية، والأقدر على أن تقول: القليل المتقن أعمق من الكثير المتشابه.

هنا يتقدم مبدأ باريتو إلى الواجهة، لا كمعادلة رياضية باردة، بل كعدسة نرى بها تفاصيل حياتنا.

80 % من النتائج التي نحققها تأتي غالبًا من20 % فقط من جهودنا وقراراتنا. جزء صغير من الأسباب يقف وراء الجزء الأكبر من الآثار؛ مهمة واحدة تفتح بابًا لسلسلة من الفرص، وعلاقة واحدة صادقة تغير مسارنا المهني، وعادة يومية بسيطة تعيد تشكيل مستوى طاقتنا وتركيزنا. 

فكر في أيامك القريبة: 

كم مرة أنجزت عشرات المهام، ثم شعرت في نهاية اليوم أنك ما زلت في المكان نفسه؟ 

وكم مرة ركزت على خطوة واحدة عميقة، فشعرت أن أسبوعك كله تغير مساره، وكأنك انتقلت إلى مستوى جديد من الوضوح؟

حين نُطبق هذا المبدأ بوعي في العمل والحياة، نرى كيف يمكن لعدد محدود من المشاريع المختارة بعناية أن يصنع موجة واسعة من الانطباعات الإيجابية. جهد مركز في فكرة واحدة مُحكمة التصميم يعيد تشكيل الصورة الذهنية، ويزرع الثقة، ويفتح أبواب تعاون لم تكن في الحسبان، من دون استعراض للكواليس أو ضجيج متكلف. كأن هذه التجارب تقول لنا بهدوء: ليس كل ما يُعلن عنه يصنع فرقاً، لكن ما يصنع فرقاً لا يحتاج سوى أن يُنفذ كما ينبغي؛ بإخلاص، وذكاء، واحترام حقيقي لمن نخاطبهم.

ومع مرور الوقت، يتغير ميزان الحكم داخلنا. 

لم يعد السؤال: «كم ملفاً فتحنا هذا العام؟» 

بل أصبح: «أي هذه الملفات غير طريقة الحديث عنا وعن رسالتنا؟». 

يميل التركيز تلقائياً إلى القليل المتقن بدل الانشغال بالكثير المتشابه، وإلى الأفكار التي تحمل روحاً ومعنى بدل القوالب المكررة. 

شيئاً فشيئاً، يبدأ الصدى في الظهور: حديث في الممرات لا علاقة له بالتقارير الرسمية، إشادة تأتي من جهة لم تكن ضمن قائمة «المستهدفين»، واستحضار لتجارب بعينها كلما ذُكر اسم الجهة، كأنها أصبحت جزءاً من هويتها لا مجرد نشاط عابر.

عند هذه النقطة، يتحول السؤال من الخارج إلى الداخل. حين تمنح 20 % من وقتك وطاقتك لما هو حقاً جوهري، يتغير شكل يومك بالكامل. تتوقف عن قياس نجاحك بعدد البنود المشطوبة من قائمة المهام، وتبدأ في قياسه بعمق الأثر الذي تتركه في نفسك وفي من حولك. 

تسأل نفسك كل صباح: 

ما العمل الذي سيُحدث فرقاً حقيقياً اليوم؟ 

من الأشخاص الذين يضيفون لحياتي معنى، ومن الذين يُثقلون قلبي قبل جدولي؟ ما العادات التي تُغذي روحي وتقربني من أهدافي، وما التصرفات التي لا تفعل شيئاً سوى تكريس شعور الانشغال الزائف؟ 

ومع كل إجابة صادقة، ستكتشف أن الجزء الأهم من يومك يمكن أن يُختصر في مجموعة قرارات مركزة، وأن ما تبقى يمكن تأجيله أو تفويضه أو حتى الاستغناء عنه دون أن تهتز النتائج.

إذا استمررت على هذا النمط، لن يتغير تنظيم وقتك فقط، بل ستتغير طريقة رؤيتك لحياتك كلها. ستجد أن إنجازك يزيد بينما يتراجع توترك، وأن أيامك تصبح أكثر اتساقاً مع ذاتك، وكأنك أخيراً تسير في الطريق الذي اخترته، لا في الطريق الذي فُرض عليك. ستتعلم أن توازن بين العمل والحياة دون شعارات، بين السعي والسكينة، بين الطموح والطمأنينة، فتشعر أن كل جهد تبذله اليوم يبني غداً أكثر هدوءاً وامتلاءً في آن واحد. ومع مرور السنوات، ستنظر إلى الخلف وترى أن حياتك لم تتشكل من كل ما فعلته، بل من تلك النسبة الصغيرة من القرارات الشجاعة التي تجرأت فيها على التركيز على الأهم.

لأن النجاح لا يعني أن تفعل كل شيء، بل أن تفعل الشيء الذي يصنع كل شيء. 

ولأن الحياة ليست سباقاً في السرعة، بل امتحان في دقة الاتجاه، وفي الشجاعة على اختيار الطريق الذي يشبه روحك قبل أن يجمل سيرتك الذاتية. أنت تستحق أن تعيش حياة فيها أثر لا مجرد حركة؛ لذلك ابدأ من اليوم، أعد رسم خريطة وقتك، أعط الأهم مكانه الطبيعي في قلب يومك، واترك البقية في الهامش الذي يليق بها. 

اسمح لنفسك أن تنجح بذكاء وهدوء، وبقلب مطمئن يعرف تماماً أين يضع طاقته، وأين يقول: هذا يكفي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق