في محراب الحوت
لقد تباينت أنظارُ المفسرين وتعددت مسالكُهم في قراءة ما جرى لنبي الله يونس عليه السلام، بيد أنَّ أقربها إلى فقه النفس وأسلمها لمرادِ الدرس، هي تلك الرؤية التي ترى في خروجه غضباً بشرياً اشتعل من لظى الاستخفاف ومرارة الإعراض؛ فلقد استمرأ قومُه الإمهال، وأمعنوا في المكابرة، حتى ضاق صدرُ الداعية بطولِ اللجاج، فغادر ميدانَه قبل أن يُؤذن له، منطلقاً من طريقٍ هندستهُ رؤيتُه الخاصة لا مَهمتُه المقدسة، وانبثق من أنينِ ألمه لا من صرامةِ تكليفه.
وتلك هي «رؤيةُ المُغضَب» التي تُولد دائماً من رحم الانفعال، والرؤية إذا استمدت نورها من نار الغضب كانت أولى بالتريث لا بالتنفيذ، إذ القرار في لحظاتِ الفوران غالباً ما يكونُ خصماً للحكمة، وعدواً لدوداً للبصيرة؛ ألم تأتِ البشرى لموسى عليه السلام حين كبح جماحَ انفعاله فكان الجزاءُ: (وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ) (الأعراف: 154)؟ فكان «سكوتُ الغضب» العتبةَ الضرورية لحمل الألواح، لأن الأمانة الكبرى لا يقوى على حملها قلبٌ ترجفهُ رياحُ الاضطراب.
لم تكن قصةُ يونس حادثة عابرة طواها الزمن، بل جعلها الله عبرة تتردد أصداؤها في جَنباتِ التاريخ، وصرخةً نذيرة وجّهها لنبيّه المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومن ورائه كلُّ من سلك دربه إلى يوم الدين في قوله: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ) (القلم: 48).
إنه نداءٌ يحذرُ كلَّ منتسبٍ للدعوة، فرداً كان أو تياراً، نظاماً أو منظومة، مهما بلغت سطوتُه أو عظُم أثرُه، من أن يركب سفينة رؤيته الشخصية ويُبحر في يمّ منهجيته الخاصة، منفصلاً عن مِشكاة التكليف وميدان التشريف.
فالسُنّة الجارية تقضي بأنَّ السفن إذا داهمتها العواصفُ، وجب عليها أن تتخفف من أثقالها حمايةً لمسارها، وليس أثقل على سفنِ الحق من النفوس المدخولة والقلوب القاسية وأصحاب المنافع الذين قد يُلقى بهم في اليمِّ لتستمر المسيرة، وحاشا نبي الله يونس من ذلك، فللأنبياء مقامُهم وعصمتُهم، لكنَّ العبرة تبقى في أنَّ سفينة النجاة لا تتعدد، وهي أن تُحمل الرسالةُ حتى الكلمةِ الأخيرة، ويُقبضَ على جمرها حتى اللحظةِ الأخيرة.
ثم يمتد المشهدُ ليصور المصير المحتوم، حين التقم الحوتُ يونس عليه السلام في غيابات الظلمة والضيق، ليجد من ترك الألواح نفسه في مواجهة حتمية مع حوتِ القهر، وحوتِ الشدة، وحوتِ غيابِ المنطق وضياعِ الأسباب.
وبطنُ الحوت ليس جغرافيا لنبيٍّ واحد، بل هو مآلٌ لكل يونس بَحَثَ عن نجاةٍ منفصلةٍ عن التكليف، فمن ألقى الألواح لا ينتظرُ في الأحشاء فلاحاً؛ فهناك لهيبٌ يحرق الجميع، وضيقٌ يخنُق الجميع، حيث لا متسع هناك لصراعٍ على مقام، ولا فسحة لتنظيرٍ أو معسولِ كلام، فالأزمةُ ليست في الأخ المحشور معك في الضيق، بل في المنهج الذي اعوجّ، والتقدير الذي ساء، والقيادة التي فقدت البوصلة.
إنَّ الزمن في بطن الحوت ليس دواءً بحد ذاته، بل قد يكون توطيناً للشقاء لولا تداركُ الرحمة، فالبقاء في الأحشاء لافتةٌ كُتب عليها بالخط العريض: من ترك رسالة مولاه؛ ضيّق الله عليه دنياه، وتلك هي حقيقةُ قوله: (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ)؛ أي لن نُضيّق عليه، فكان الضيقُ هو المختبر الذي يُعيد صياغة المعادلة.
لكنَّ رحمةَ الله جعلت من يونس نموذجاً للتدارك الإعجازي، حين أيقن بخطئه ولم ينشغل بلومِ من ألقوه، ولا بقسوةِ البحر، بل أمسك بمددِ السماء، وجدّد العهد توحيداً وإقراراً بالتقصير، فصرخ في جوفِ العدم:
(لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) (الأنبياء: 87).
فجاء الجوابُ سرمدياً: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ) (الأنبياء: 88)؛
ليعلم السالكون أنَّ في بطن الحوت لا مكان للكِبر أو التعالي، بل هو مقامُ الإخبات والاعتراف الشجاع، فالإصرارُ على عدم المراجعة هو تزكيةٌ مهلكة تطيلُ أمد البلاء، بينما الخروجُ من المأزق يبدأ من نقطةِ الصدق مع النفس واللجوء الصادق لرب القدير.
لقد خرج يونس عليه السلام وقد استوى في قلبه الدرسُ، فنال مقام الاجتباء، وجُعل من الصالحين، حتى قال فيه سيد الخلق صلى الله عليه وسلم: «لا تفضلوني على يونس بن متى تطييباً وتكريماً»(1)، وهكذا يخرجُ الله من بطن كل محنة كلَّ من صدقت توبته، وطهرت سريرته، واستقامت سيرته، فيمنحه من فيوضات كرمه ما يستر عورته ويشد عروقه، وتبقى السُّنة قائمة تتحدى الزمان؛ إما قبضة على الألواح يعقبها اجتباء، وإما انحرافٌ عن المنهج يعقبه غرقٌ وابتلاء.
الراوي : أبو هريرة | المحدث : الألباني | المصدر : صحيح الجامع | الصفحة أو الرقم : 6420
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق