نقطة نظام
الرضى عن الذات مقتلة!
تناهى إلى مسامع سقراط، أن عرافة المدينة اعتبرته أعقل رجل في العالم..
أربك هذا الأمر سقراط، فهو لم ير نفسه مستحقا لهذا التصنيف..
فقرر ببساطة أن يجول في أثينا للبحث عن رجل أعقل منه..
كان يعتقد أن الأمر سيسير على ما يرام،
ويجد رجلا أعقل منه، ويثبت خطأ العرافة..
انخرط في نقاشات عدة مع ساسة، وشعراء، وحرفيين، وزملاء له في الفلسفة.
ولكنه أخيرا بدأ يدرك أن العرافة محقة..
فكل الذين ناقشهم كانوا يملكون يقينا حيال الأشياء،
ويدلون بآراء جامدة عن مواضيع لا خبرة لهم بها،
كانوا منفوخين بالهواء كالبالونات..
وعندما كان يوجه لهم الأسئلة، كانوا عاجزين عن الإجابة..
أدرك سقراط أن مكمن تفوقه في معرفته أنه يشك أصلا في أنه يعرف،
وهذا ما يدفعه كي يقرأ، ويبحث، ويتعلم..
طبعا على المرء أن لا يحقر نفسه،
وهذا مبدأ يجب التأكيد عليه قبل أن نخوض غمار الكلام..
ولكن بالمقابل فإن الرضى عن الذات مقتلة..،
لأنه يدفع المرء إلى التجمد في مكانه..
ومن متناقضات الحياة الجميلة،
أن المرء لا يكتشف مساحة جهله إلا عندما يعرف..
فعلى سبيل المثال، إن قول الله تعالى: «للذكر مثل حظ الأنثيين»،
تبدو لغير المتبحر في علم المواريث آية محكمة ليس فيها للاجتهاد موضع،
ولا يمكن إضافة حرف في شرحها،
ولكن الحقيقة أن في كتب فقهاء المواريث حالات كثيرة
ترث فيها المرأة أكثر من الرجل..
نحن ما دمنا لا نعرف عن الأمر إلا الآية، فسنعتقد أننا من علماء المواريث،
ولكن بمجرد أن ندخل في التفريعات، ونخوض في الحيثيات،
سنعرف أننا لم نكن نعرف..
شخصيا، أكثر مرحلة من عمري كنت واثقا أني أعرف فيها،
هي عندما كنت في الصف الأول الابتدائي،
كنت أعتقد أني أستطيع أن أشرح أي معضلة في الكون،
لأن الكون وقتها كان على مقاس معرفتي،
أو بتعبير أدق: على مساحة جهلي..
وأكثر مرحلة من مراحل عمري، اكتشفت فيها أني لا أعرف،
هي بعد مناقشة رسالتي في الدكتوراه..
كانت تلك أكثر مرة أبحث فيها، وأطلع،
وأرى الآراء، والاستنباطات، والمقاربات،
فعرفت أنه لا شيء يكشف عن بقعة الجهل
إلا تسليط نور العلم عليها..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق