أبو عبيدة.. أيقونة الإعلام المقاوم في زمن غزة المحترقة
د. محمد إبراهيم المدهونرئيس أكاديمية الإدارة والسياسة للدراسات العليا.
أبو عبيدة، أيقونة الحرية وسيد الإعلام المقاوم، يقف وحيدا فوق ركام بيوت غزة، يصنع من بين الأنقاض نسيج الأمل، ويجمع في راحة يده البطولة وفصل الخطاب، محيكا لكل فتى كوفية وكاميرا وضمادة جرح، ليحيل فلسطين حية في قلب كل مؤمن.
يترجل وجه الطوفان والمحرقة في ساحات الشرف؛ فاستشهاده قدر شعب اختار الدفاع عن دينه ووطنه، والقلب الشجاع وحده يضيء الطريق، وتصحيح السردية يفتح أبواب التحرير.
صرخته "أنتم خصومنا أمام الله" ستبقى تتجاوز الزمان، تهز ضمائر أمة الغثائية، وتوقظ رجولة تأخرت، وتدفع للفعل بدل البكاء على قارعة الانتظار
حذيفة الكحلوت، رمز وفارس نبيل، خرج لله ليحرر أرضه ويعيد أهله إلى المجدل ونعليا، واضعا نصب عينيه شهادة الانصهار في سبيل الله، وعلى درب تحرير القدس، حاملا رسالة الأجداد، وغرس حب الأرض وروح الصمود في كل حجر ودم وقصة، ليصبح كل فعل وكل لحظة شهادة حية على الصبر والجهاد، وإيمانا لا ينكسر بأن فلسطين ستظل شامخة، نابضة بالأمل، حية في قلب الظلمات مهما اشتدت.
خطواته ممتدة بالكيلومترات، وصدى صوته يرفع راية الثبات، ودمه يجري كنهر حي في شوارع غزة، يروي أرصفة الوطن ويزرع الأمل في وجوه أطفالها، ويعلمهم نطق الحروف الأولى في مدرسة السردية والمقاومة.
الملثم، الذي أخفى وجهه ليتضح وجه فلسطين، لم يكن مجرد ناطق أو اسم في سجلات الثورة، بل سيرة شعب كامل في شاب واحد؛ عاش معسكر جباليا الثورة على أنغام خطى عماد عقل، وقلبه يسبح في فلسطين من رفح إلى الناقورة، رمزا خالدا لشعب عظيم.
هدير صوته ونبض كلماته كانا بوصلة الحائرين في بحر أمة متعثرة، وهو يحمل مشروعا لا يساوم ورؤية لا تنكسر. تخرج شابا يافعا في مدرسة الإعلام المقاوم، وحولته قيادة المنعطفات الحاسمة من رد فعل إلى مشروع سردية سباقة، جامعا بين الوعي والثورة والكاريزما، ثابتا على الأصول لا يبدل ولا يتراجع.
عاش فلسطين جرحا وأملا ومصيرا، وفارسا أيقونة، ملتحقا بقافلة الطائفة المنصورة، ليبقى حاضرا في ضمير الأمة، شاهدا على أن الكبار لا يرحلون بل يورثون الأمانة للأجيال: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾.
ومن طفولته بين جباليا الثورة والبحر، من دفاتر الأطفال ومراكبهم الورقية إلى ساحات المعارك وصواريخ القسام، ترسخ اسمه في الحجر والأرض والأشجار، ليصبح رحيله انفجارا في كل قلب أمة الخذلان، ولا يكون نهاية حياة.
غزة المحرقة لم تعرف الراحة منذ سنتين؛ فالليل يتسلل بخيوطه حاملا "أبو عبيدة" كالشظايا المشتعلة في قلب كل حر، في لحظة يغدو الزبد فيها كثيرا والمقاتلون قلة
صرخته "أنتم خصومنا أمام الله" ستبقى تتجاوز الزمان، تهز ضمائر أمة الغثائية، وتوقظ رجولة تأخرت، وتدفع للفعل بدل البكاء على قارعة الانتظار، لتصبح هذه اللحظة انطلاقا لا وداعا؛ فكل دم يراق وكل صوت يسكت هو نبراس يذكرنا أن "أبو عبيدة" حي في عزيمتنا، وأنه لم يمت، لأن أثره باقٍ في أمته.
من المحراب بدأت رحلة فارس الكلمة والكاميرا، فانطلق القطار نحو تحرير فلسطين، وقوده الدم والكلمة والكاميرا. إعلاميوه يعتلون صهوة المجد، يرفعون صورا أبلغ من ألف كلمة، ويوثقون سقوط وتهاوي بيت العنكبوت؛ فبالدم كتبت أفعالهم: "ليسوؤوا وجوهكم". يسير القطار شامخا بلا توقف، يخترق الحدود، وما كان حلما يصبح واقعا.
أبو عبيدة منارة حجبت الظلام، وأنارت دروب الحقيقة، وأعادت كتابة سردية فلسطين السليبة، فاستحق كل تقدير وأجيالا تتذكره كأيقونة، متمنطقا بالشهادة، يحاصر الموت، ويتجاوز المكان والزمان، شامخا كعلم مقاومة لا يسقط، يواجه الظلام بالكلمة والكاميرا، يحاصر الأوغاد بصدق روايته، ويكتب بدمه وأشلائه نورا على الأزقة، ليبقى طريق القدس مفروشا بالصبر والصدق، وتبقى الشهادة كتابا مؤجلا بيد الله، ومنارة سامقة في جبين الوطن، محفورة في كل شبر، تروي للأمة أن العظماء لا يرحلون، بل يورثون الأمانة والبطولة، تاركين الوطن مشرقا بذكراهم، منارة لا تنطفئ على فجر التحرير المنتظر.
غزة المحرقة لم تعرف الراحة منذ سنتين؛ فالليل يتسلل بخيوطه حاملا "أبو عبيدة" كالشظايا المشتعلة في قلب كل حر، في لحظة يغدو الزبد فيها كثيرا والمقاتلون قلة، والحواجز والأشواك تتربص بالعيون المقاتلة صوب كل بقاع فلسطين. فاحتراق الأيقونة يعني أنه ترك فلسطين محتضنة عباءته المصنوعة من زيتون، ووجهه مشرق على حدود الشهادة، يتراءى رمزا للرجل المعنى في زمن تهاوت فيه المعاني.
أبو عبيدة أسقط مع صحبه سردية امتدت قرنا كاملا، منذ الاحتلال البريطاني والنكبة عام 1948، مرورا برعاية أميركا جرائم الاحتلال، وصولا إلى المعاناة المعاصرة
في زمن ضاقت فيه الأرض بما رحبت، وسقطت الأقنعة، برز رجال غزة كجبال شامخة، كالضياء الذي لا يخبو، يكتبون بدمائهم ودموع أمهاتهم تاريخ الأمة. من أنفاق الصبر خرجوا لا يطلبون إلا وعد الله الحق، عارفين أن طريق القدس مفروش بالألم لا بالورود؛ قضى منهم من قضى، وبقي منهم من ينتظر، ولم يبدلوا تبديلا. هم رهبان الليل وفرسان النهار.
هم الطائفة المنصورة التي لا تهزها خيانات ولا محن، يرتقون شهداء بأشلاء ممزقة وأجساد ذائبة، لكن أرواحهم تعلو فوق الركام فتصير منارات للأمة، وصرخاتهم ترتفع في علياء السماء: "يا رب خذ من دمنا وأهلنا حتى ترضى". هم غزة العزة، أيقونة العالم وجسر التحرير، الذين كتب الله أن يكون شهداؤهم سادة الشهداء، وباقيهم سادة الدنيا، حتى يكتمل الوعد وتشرق شمس التحرير:﴿أليس الصبح بقريب﴾.
فيا أيقونة المجد في زمن الانهيار، ويا شعلة نور انفجرت في وجه الطغيان. أقسمت ألا تعود إلا منتصرا بسردية الحق، متجاوزا ذاتك وتاريخك وجراحك، مقدما للأمة أيقونة تكتب بالدم الطاهر، قرآنا من صبر وثبات، وآية حية من رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ثابتا لا تنكسر.
راقبت النصر يتسلل من شقوق الظلام، مترقبا وعد الله بالاستخلاف ودخول المسجد كما دخله المؤمنون أول مرة، كاشفا الزيف وموقدا الضمائر الغافية، صانعا رسالة إعلامية تغير الموازين وتشكل الرأي العام في صمود أسطوري، يحقق وعد الله بمحق الظالمين وتمحيص المؤمنين.
فلسطين تتوشح بكم. فسلام عليك أيها القمر المنير، سلام يا بصمة الروح الثائرة، سلام أيها الفارس الأيقونة
أبو عبيدة أسقط مع صحبه سردية امتدت قرنا كاملا، منذ الاحتلال البريطاني والنكبة عام 1948، مرورا برعاية أميركا جرائم الاحتلال، وصولا إلى المعاناة المعاصرة، موضحا للعالم جرائم الاحتلال وسائر الصمت الدولي المخزي، مثبتا أن ما يرتكب في غزة نكبة حية، وأن انتصار الإرادة الفلسطينية حتمي: {وما ذلك على الله بعزيز}.
معركته الإعلامية كانت اختبارا للصدق والثبات. ثبت في محرقة النار والجوع بقلب لا يلين، وواجه جيشا من سحرة فرعون وأصحاب رواية التضليل الإعلامي، مؤمنا بأن النصر يصنع بالصبر لا بالكثرة: {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله}. فمن هؤلاء من ارتقى شهيدا، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا، مدركين أن الموت كتاب مؤجل لا يقدم ولا يؤخر إلا بإذن الله.
سيد الكلمة وفارس الصورة، سنستلهم منك ما نشاء، ونقطف من أشجارك دروس الشجاعة لأطفالنا، وننقش اسمك على صدورهم، ونروي لهم حكايتك الأسطورية لرجل صدق، لتبقى فطرتهم مشتعلة بالحنين إلى الشهادة، بينما أجسادكم المنثورة في مدائننا وسواحلنا تحرس قباب الأقصى، وتشهر الإيمان في وجه الطغيان، تبقى منارات ضياء لا تنكسر، صاعدة على ممرات نورانية نحو مشارف الجنة.
فلسطين تتوشح بكم. فسلام عليك أيها القمر المنير، سلام يا بصمة الروح الثائرة، سلام أيها الفارس الأيقونة. هكذا يرتقي الأبطال، لا كأجساد، بل كشعلة تضيء الطريق، كشجرة تمتد جذورها في السماء، تنتقل من حياة إلى حياة، من دار إلى دار، تاركة بصمات خالدة: شجاعة، وتضحية، وحرية لا تعرف الانكسار. ومن حاول إطفاء ناره سيكتشف أنه، وإن رحل جسده، حي في كل حجر وزاوية وراية، وفي كل قلب حر يعرف أن الأيقونة لم تمت، وأن خطوته ستظل بيتا لكل الفلسطينيين، ودمه وصية ترشد الأجيال إلى الشجاعة والكرامة والحرية.
ستشرق الشمس، عاجلا أم آجلا، من قلب الركام والدماء والأشلاء، كشمس لا يحجبها دخان ولا يطفئها ليل، تضرب بحزم على وجوه الظلام، معلنة أن الطريق ممتد، وأن البوصلة لا تنحرف
في سماء الوفاء والعزة، نرفع التحية لأبطال لا يموتون: أبو إبراهيم محمد، أبو معاذ رائد، أبو عمر السوري، أبو أنس شبانة، وأبو إبراهيم حذيفة. نجوم رجال صدقوا، أولئك الذين أضاؤوا دروب الحرية بنورهم الصادق. ارتجفت القلوب، ليس خوفا من فراغ قيادي، بل خشية أن تنكسر البوصلة عن درب التحرر الأبدي، وأن يضيع الطريق في ظلام الاستسلام.
ها هي السفينة، رغم كل الأعاصير والمحن، تشق عباب المحرقة والإبادة والعواصف المزلزلة منذ سنتين وأكثر، متسلحة بالإرادة، صامدة أمام كل موجة عاتية تهدد بسحقها. وها هو العام الأول يشهد فقدا لأعمدة القيادة: هنية، والسنوار، والعاروري، وأجيال من فرسان الحق. لكن الدعاء صار مجدافا يوجه السفينة نحو بر الرشد، والإيمان غدا شراعا يشدها في بحر الظلمات، واليقين بالله هو صخرة لا تهزها الرياح، وعنوان الثبات الأبدي.
ستشرق الشمس، عاجلا أم آجلا، من قلب الركام والدماء والأشلاء، كشمس لا يحجبها دخان ولا يطفئها ليل، تضرب بحزم على وجوه الظلام، معلنة أن الطريق ممتد، وأن البوصلة لا تنحرف، وأن الحق، مهما طال غيابه، سيعود في لحظة قدر كصرخة نور تهز الأرض والسماء، وتوقظ في كل نفس حية شعلة المقاومة والصبر، والإيمان بأن فلسطين ستظل حية في قلوب أبنائها، شامخة لا تنكسر ولا تقهر، ولا تسلب من ذاكرة الأحرار.
في ضوء ارتقاء القادة العظام، يتجلى أن مسيرة المقاومة لا تعرف الانكسار؛ فالقائد يخلفه قائد، والراية تبقى عالية لا تسقط. إنهم يرحلون بأجسادهم، لكن أثرهم يظل مشعلا يورث المجد، ويغرس في الأجيال جذوة لا تنطفئ، يذكرهم بأن النصر وعد لا يخلف. وما استشهادهم إلا عهد جديد يضاعف إصرار شعبنا وثباته على درب التحرير والعودة، حيث تحمل الراية بأيدٍ مؤمنة بأن العزة قدر مكتوب، وأن المسيرة ماضية حتى يتحقق الوعد.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق