عمّا تفعل الماشطة بالوجه العكر!
صحفي، وطالب بقسم التلفزيون والسينما في كلية الإعلام بجامعة مرمرة
قالوا: "وتعمل إيه الماشطة بالوجه العكر؟"، والحقيقة أنها تفعل الكثير، فذلك الوجه العكر الذي يتربع على قمة التدخلات المجرمة في بلاد العرب، ويسلط العدو على الشقيق، ويستأثر بتسعة أعشار الشر في العالم له وحده، ويأبى إلا أن ينازع أقرانه على العُشر الأخير، لا يكتفي بأن يستأجر ماشطةً واحدةً تحاول تلميع صورته، وتهذيب شعره، ليبدو في ثوب الطيب الخيّر، الذي يجمع الشباب حوله، ويتبنى مشاريع صناعة وعي الجيل الجديد، فإنه سيأتيك بصيغة أخرى، في قمم المليار "ماشطة"، ليجذب عبر آلاف "المؤثرين" عيونَ ثُمن الكرة الأرضية، ليروه في ثوب المخلِّص، الذي لم يرتكب إبادة في السودان، ولم يدعم عدوًّا في غزة، ولم يدمر بلدانًا وعبادًا في دول أخرى.
يحرصون، حرصًا ليس عجيبًا، على أن يُرَوا بتلك الصورة التي تناقض فعالهم، ولا جُرم عليهم في هذه، فليست بأكبر من جرائمهم نفسها، لكن الجريمة هنا عند هؤلاء "المستخدَمين" أنفسهم، لاهثين خلف امتيازات، وإقامات ذهبية وصفراء وبيضاء، وليذهب السودان إلى الجحيم، ولتذهب حقوق الناس إلى جهنم، ولا بأس بالتطبيع مع مستوطن يدعس أخًا مصلِّيًا في خلاء فلسطين، أو جنديًّا يقصف رقبة طفل في غزة، فيما يفتح هذا "العكر" ناطحاته لتستوعب الكثير من مجرمي الحرب، وآكلي حقوق الناس، والهاربين من شعوبهم الثائرة، كأن البرج الذي يستضيفهم هو أطول سلة قمامة في العالم، تستوعب من المجرمين ما لا يسع مكانًا أن يستوعب، إلا "سقَر".
سترى مؤثرين في الغرب سيقاطعون أكبر امتيازات متاحة، ويخاطرون بفرص حياتهم، ويغامرون بخسارة تعاقدات تغنيهم سنوات، مقابل ألّا يستعملهم مجرم في تبييض صورته
ومع ذلك، فإنك سترى "مؤثرين" في الغرب، ليس مهمًّا رقم المتابعين ولا عدد المشاهدات في تقييمهم الآن، فمواقفهم أكبر مما ملكوا أو تركوا، سيقاطعون أكبر امتيازات متاحة، ويخاطرون بفرص حياتهم، ويغامرون بخسارة تعاقدات تغنيهم سنوات قادمة، مقابل موقف واحد، مقابل ألّا يستعملهم "مجرم" في تبييض صورته، ولا تلميع دويلته، لن يُدعى إلى مؤتمر يدعمه الاحتلال مثلًا ويجيبه، أو إن أجابه فلن يدع فرصةً لفضحه، وإن فضحه فلا يبالي البتة بما يخسر جراء كلمته، وليس ضعيف العقلية، مريض الهوية، سقيم المنطق، كمؤثرينا الذين يستكثرون على أنفسهم لحظة كرامة، يقولون فيها للقاتل إنك قاتل، أو يدَعون تلك المهزلة في صمت، ويغادرون.
بالعكس، يتكالبون كما الأكَلة على كل مائدة، يحتفون بكل ظبي وكل ضبع، يلتقطون الصور في مدن "الغسل" العالمية، غسل كل شيء، الذهب، والأموال، والدم، والوجوه العكرة، يساهمون بكل ما أوتوا من قوة، وجمهور، في تبييض يد السارق بعدما يسرق، وغسل يد السفاح بعدما يرتكب أطول سلسلة جرائم قتل في التاريخ الحديث، فبينما تقصف مسيّراته، ودعمه اللوجستي، وجسوره الممتدة من دون انقطاع، الأبيضَ ودارفور والفاشر والخرطوم، تتراقص الألعاب النارية في سماء بلاده، وتحتها مليار نجمة من "إنفلونسرز النكسة الحديثة"، الذين سيوعّونك تجاه كل شيء، التاريخ، والتكنولوجيا، والعلوم، لكنهم لن يذكروا لك شيئًا عن الحقيقة، فإنها شيء بسيط عندهم، من قبيل "تبسيط العلوم"، شيء على غرار "تبسيط الحقوق" أيضًا، تسطيح الوقائع، وتمجيد الجناة، وإزاحة الضحايا بالأقدام خلف المنصة.
لذلك، يا عزيزي المشاهد، بالله إن صرتَ من ذوي المليون متابع، أو دُعيت يومًا إلى قمم المليارات، أرجوك لا ترتكب تلك الحماقة المروعة، وتضع سهمًا في صدر أخيك، وتمسح بلسانك قطرة دم من وجه قاتله، فتلك جريمة أفظع بكثير من قتل أحدهم، لأنك -وبقدرة قادر- تبيّض وجه الذي قتل الجميع. ولذا نصيحتي من ضحية إلى مجرم؛ إذا ما أردت يومًا ارتكاب جريمة قتل، معاذ الله، فأن تقتل نفسًا بريئةً، أهون بكثير، من أن تبرِّئ -ببراءة مزجاةٍ- قاتلَ آلاف النفوس.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق