الاثنين، 29 ديسمبر 2025

الضربات الأميركية والأزمة في نيجيريا

 الضربات الأميركية والأزمة في نيجيريا

مؤرخ قانوني وزميل باحث في جامعة شيفيلد هالام.

قُدمت الضربات الجوية الأخيرة التي شنتها الولايات المتحدة على أهداف يزعم أنها تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في شمال غرب نيجيريا، على أنها رد حاسم في مواجهة الإرهاب، وذلك من قبل الإدارة الأميركية بقيادة الرئيس دونالد ترامب.

بالنسبة لأنصار هذه الإدارة، فقد مثل هذا التدخل العسكري غير المسبوق تأكيدا جديدا على تصميم واشنطن على مواجهة الجماعات الإرهابية، كما نظر إليه أيضا بوصفه تنفيذا لوعد ترامب باتخاذ إجراء حيال ما وصفه بأنه "إبادة جماعية للمسيحيين" في نيجيريا.

لكن خلف هذا المشهد العسكري المثير، تكمن حقيقة مقلقة: فمثل هذه الحملات الجوية ليست مرجحة أن تحسن الوضع الأمني في نيجيريا، ولا أن تسهم في استقرار هذا البلد الذي أنهكته الصراعات. على العكس من ذلك، تخاطر هذه الضربات بتشويه صورة النزاع القائم، وصرف الأنظار عن الأزمة الهيكلية الأعمق التي تغذي العنف.

أولى المشكلات في هذه الضربات هي افتقارها إلى منطق إستراتيجي واضح. فقد استهدفت ولاية سوكوتو في شمال غرب نيجيريا بالضربات الأولية، وهي منطقة شهدت اضطرابات حادة خلال العقد الأخير.

غير أن هذا العنف لا تحركه، في جوهره، جماعات متمردة ذات طابع أيديولوجي مرتبطة بتنظيم الدولة، ولا توجد أي جماعة معروفة تابعة للتنظيم تنشط في هذه المنطقة.

على العكس، فإن التهديدات الأمنية هناك ترتبط بالسطو المسلح، وانهيار الاقتصاد الريفي، والصراعات على الأراضي. كما أن الجماعات المسلحة في هذه المنطقة منقسمة وغير موحدة، وتتحرك في الغالب بدافع الربح المادي.

وقد بدا أن الضربات التي نفذت يوم عيد الميلاد ركزت على جماعة مسلحة أيديولوجية تدعى "لاكوراوا"، وهي جماعة حديثة العهد نسبيا، لم تتضح ملامحها بالكامل بعد، كما لم يتأكد بعد ارتباطها الفعلي بتنظيم الدولة.

الجماعات المسلحة ذات الطابع الأيديولوجي والأكثر نفوذا في شمال نيجيريا هي "بوكو حرام"، وفرع تنظيم الدولة (داعش) في غرب أفريقيا (ISWAP). ويتركز نشاط هذه الجماعات في شمال شرق نيجيريا، وتحديدا في ولايات بورنو ويوبي وآداماوا، وهي مناطق لها تاريخ طويل مع التمرد المسلح. وهذا يثير تساؤلا جوهريا: لماذا توجَه الضربات إلى الشمال الغربي أولا؟ فحتى الآن، لا يوجد تفسير منطقي واضح لذلك.

ما يبعث على القلق كذلك هو الغموض المحيط بعدد الضحايا. فلا تتوفر حتى الآن أرقام رسمية موثوقة. وقد أوردت بعض الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي أنه لم تسجل أي خسائر بشرية، ما يشير إلى أن القنابل قد سقطت على أهداف فارغة. 

كما كتب المحلل الأمني برانت فيليب على منصة "إكس":
"بحسب مصدر خاص مطلع على العملية الأميركية ضد تنظيم الدولة الإسلامية في نيجيريا، تم تنفيذ عدة ضربات، لكن معظم الأفراد والمجموعات المستهدفة لم تصب، وما زال حجم الأضرار الفعلية غير معروف إلى حد كبير".

منصة الأخبار النيجيرية "أرايز تي في" ذكرت على حسابها في "إكس" أن سكانا محليين أكدوا أن الهجمات تسببت في حالة ذعر واسعة؛ وأفاد مراسلها أن إحدى الضربات وقعت في منطقة لم تشهد أي عنف من قبل. كما أشار التقرير إلى أن التأثير الكامل للهجوم- بما في ذلك ما إذا كان هناك ضحايا مدنيون- لم يعرف بعد.

وتداولت حسابات أخرى على وسائل التواصل صورا يزعم أنها تظهر ضحايا مدنيين، غير أن هذه الادعاءات لم يتم التحقق منها حتى الآن.

وفي سياق تتشابك فيه الحرب المعلوماتية مع الصراع المسلح، غالبا ما تنتشر التكهنات أسرع من الحقائق. كما أن غياب الشفافية بشأن الضحايا من قبل الحكومة الأميركية من شأنه أن يفاقم مشاعر عدم الثقة لدى مجتمعات محلية هي أصلا متحفظة تجاه التدخل العسكري الأجنبي.

قصف مركز روحي كمدينة سوكوتو يخاطر بتأجيج المشاعر المعادية للولايات المتحدة، ويمنح المتطرفين أرضا خصبة للدعاية والتجنيد

كما أن الرمزية الزمنية لها وزنها. فقد وقعت الضربة في يوم عيد الميلاد، وهو توقيت يحمل دلالات عاطفية وسياسية. وبالنسبة لكثير من المسلمين في شمال نيجيريا، قد يفسر هذا التوقيت على أنه دعم لرواية أوسع تتحدث عن "حرب صليبية غربية" ضد المجتمع المسلم.

أكثر حساسية من ذلك هو موقع الضربات: سوكوتو. فهذا المكان يعد، من الناحية التاريخية، المركز الروحي لخلافة سوكوتو التي تأسست في القرن التاسع عشر، وكان لها دور كبير في نشر الإسلام وتوطيد سلطته في المنطقة، ولا يزال يبجل من قبل المسلمين في نيجيريا.

إن قصف مركز رمزي كهذا قد يذكي مشاعر العداء تجاه الولايات المتحدة، ويعمق الشكوك الدينية، ويوفر أرضا خصبة للدعاية المتشددة. وبدلا من تقويض نفوذ تنظيم الدولة المزعوم، قد تؤدي الضربات إلى تغذية مشاعر المظلومية وتعزيز عمليات التجنيد لصالح الجماعات المتطرفة.

إذا كانت الضربات الجوية غير قادرة على حل أزمة نيجيريا الأمنية، فما الذي يمكنه ذلك؟

الجواب لا يكمن في تدخل عسكري أجنبي. فالنزاعات في نيجيريا ما هي إلا أعراض لأزمة أعمق تتعلق بسوء الحوكمة: من ضعف الأجهزة الأمنية، وانتشار الفساد، وغياب الدولة عن المجتمعات الريفية.

ففي الشمال الغربي، حيث ينتشر السطو المسلح، غالبا ما يضطر السكان إلى التفاوض مع الجماعات المسلحة، ليس تعاطفا معها، بل لأن الدولة غائبة ولا توفر لهم الأمن أو الخدمات الأساسية.

أما في الشمال الشرقي، حيث نشأت جماعة بوكو حرام، فقد أدى الإهمال الحكومي لسنوات، وتطبيق سياسات أمنية قمعية، والتهميش الاقتصادي، إلى خلق بيئة مثالية لنمو التمرد المسلح.

وعليه، فإن أي استجابة أمنية مستدامة يجب أن تكون متعددة المستويات. فهي تتطلب استثمارا في الشرطة المجتمعية، والحوار المحلي، وبرامج إعادة تأهيل المتطرفين. وتحتاج إلى حضور فعال للدولة يوفر الحماية لا العقاب. كما تقتضي تعزيز جمع المعلومات الاستخباراتية، وتقوية السلطات المحلية، وبناء جسور ثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة.

ربما تحقق الضربات الأميركية حضورا إعلاميا، وترضي الجمهور المحلي في الداخل الأميركي، لكنها، على أرض الواقع في نيجيريا، لا تفعل سوى تمكين الخطاب المتشدد، وتعميق مشاعر السخط والاستياء.

النيجيريون لا يحتاجون إلى قصف أميركي يفرض عليهم بدعوى تحقيق الأمن والاستقرار. ما يحتاجونه هو إصلاح محلي نابع من الداخل: دعم طويل الأمد وموجه لإعادة بناء الثقة، واستعادة سبل العيش، وتعزيز مؤسسات الدولة.
ما عدا ذلك ليس سوى تشتيت للأنظار.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق