خدعوك فقالوا: لا سياسة في الغاز ولا غاز في السياسة
وائل قنديل
الزعم إن شراء الغاز المسروق من إسرائيل محضُ مسألةٍ تجاريةٍ مقطوعةُ الصلة بالسياسة يشبه زعم انتفاء العلاقة بين كرة القدم والرياضة، أو ادّعاء أن النار لا تحرق، وأن البرد القارس لا يُجمِّد الأطراف، وأن القيد في القدم لا يُعيق الحركة.
لا ينطلي على عقل طفلٍ أن يُصوَّر الأمر شطارة اقتصادية أو مهارة تجارية؛ ذلك أن ما يشتغل عليه الاحتلال الصهيوني، منذ توقيع الاتفاقات المتبادلة مع مصر ثم مع دول عربية أخرى، التغلغل في العمق العربي اجتماعياً وسياسياً عبر أنابيب الاقتصاد.
وقد رسم شمعون بيريز ملامح "الشرق الأوسط" كما تتمنّاه إسرائيل بفرشاة الاقتصاد، كما في كتابه الشهير "الشرق الأوسط الجديد"، حيث حدّد الهدف عام 1993 بقوله: "بالنسبة للشرق الأوسط، الانتقال من اقتصاد صراع إلى اقتصاد سلام سوف يعني حصر المصادر لتطوير بنيةٍ تحتيةٍ تلائم هذا العصر الجديد من السلام، وأن بناء الطرق وتمديد خطوط السكك الحديد وتحديد المسارات الجوية وربط شبكات النقل وتحديث وسائل الاتصالات وتوفير النفط والماء في كل مكان وإنتاج البضائع والخدمات عن طريق الكمبيوتر، سوف يفتح حياة جديدة في الشرق الأوسط".
عندما كان نظام حسني مبارك يبيع الكيان الصهيوني الغاز المصري، وحين اندلعت حملة في الصحافة الحكومية ضدّ وزير البترول آنذاك، سامح فهمي، احتجاجاً على تسعير المتر المكعّب الذي تشتريه إسرائيل، برّر أركان النظام ذلك الثمن الرخيص بأن في المسألة مكاسب سياسية واستراتيجية أكبر من فرق دولار أو دولارين في سعر البيع. وهذه المكاسب السياسية المزعومة شرحها اللواء عمر سليمان، رئيس جهاز المخابرات العامّة قبل وفاته عام 2012، في حوار مطوّل نشرته صحيفة اليوم السابع، حين أجاب عن سؤال بشأن تصدير الغاز لإسرائيل: سؤال: للماذا تدخّلتم شخصياً في مسألة بيع الغاز لإسرائيل؟ نحن نشرنا وثيقة في "اليوم السابع" قبل أيام لم ترد أنت عليها، تحمل توقيعك وموجّهة إلى وزير البترول، وتتضمّن توجيهات بشأن بيع الغاز لإسرائيل؟ وجاء جواب سليمان بالحرف: "لا أريد أن أخوض في ملفّ الغاز لأن القضية أمام القضاء، ولكنني أريد أن أشير إلى نقطتَيْن أساسيتَيْن هنا في هذا المجال: فجهاز المخابرات العامة من ضمن تكليفاته الحفاظ على السلام، لأن السلام كان مكلفاً جدّاً؛ كلفنا آلاف الشهداء، وربّما أكثر من مائة ألف شهيد، وخسائر مادية هائلة، وتفاوضا قاسياً حتى نصل إلى ما وصلنا إليه في معاهدة السلام. وإسرائيل ليست مهتمّةً بالورق والمعاهدات؛ فإن لم يكن الورق فاعلاً فسيكون بلا معنى.وبعيداً عن ألغاز التحوّل من التباهي بتصدير الغاز "لكل الدنيا"، ومن دون التوقّف عند الإعلانات المتكرّرة للنظام الحالي (يشتري حالياً من الكيان الصهيوني) عن الاكتفاء الذاتي والمخزون الوفير، فإن إجابة عمر سليمان تؤكّد بوضوح أن موضوع الغاز بين القاهرة وتل أبيب شأنٌ سياسيٌّ خالص، وإن اتخذ لوناً تجارياً اقتصادياً فاقعاً.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق