الاثنين، 29 ديسمبر 2025

ولا ترهقني من أمري عسرا

 ولا ترهقني من أمري عسرا

د. عبد الرحمن بشير

داعية ومفكر إسلامي، من جيبوتي


عندي قواعد تربوية في زمن التحرر من المبادئ، استفدت منها في قوله تعالى (ولا ترهقني من أمري عسرا)، وإليكم عشرة منها:

أولا: لا تحارب الذات لصناعة ذات أخرى، فهذه مصيبة تربوية عانت منها الجماعات الدعوية في هذا الزمن، فالتربية الناجحة لا تغير الفطرة، بل تواكب وتتفق مع مقتضياتها، ولهذا من يحول أن يغير الفطرة يرهق الإنسان، ويجعل من أمره عسرا.

ثانيا: لا تقتل طموح الإنسان، لأن بعض المربين يعتقدون أن صاحب الطموح لديه مشكلة الغرور، ولا بد من معالجتها، فالطموح ليس الغرور، ومن خارب الطموح، يقتل الإنسان، ويصنع من خلال أعماله التربوية نسخة بشرية راكدة.

ثالثا: لا تكثر علي الإنسان الأوامر والتوجيهات، بل كن معه صاحبا، وناقش أفكاره، وحاول أن تحتك به، فكثرة التوجيهات تجعل من أمره عسرا، ولكن قدم له التوجيه مع الاحترام كما صنع الحكيم لقمان في وصاياه الخالدة.

رابعا: لا تجعل التربية هدفا، بل هي وسيلة، ولا تجعل الإنسان محل نقد دائم، فالإنسان لا يحب من ينتقده بشكل دائم، بل يحب من يقدره، وحينها يتقبل منه التوجيهات اللازمة، فالتربية المباشرة في المراحل المتأخرة من حياة الإنسان مهمة فاشلة، وتجعل الحياة صعبة.

خامسا: لا تكن فوقيا في التربية، فالإنسان لا يحب من يخاطبه من الأعلى، كن مع الإنسان كإنسان، وليس كملك، وكن معه كصاحب، وليس كشرطي يراقبه، ويلاحظ كل حركاته وسكناته، فهذه الخطة التربوية تجعل حياته صعبه معك.

سادسا: لا ترفض له كل الطلبات، ولا تقبل له كل الطلبات، كن وسطا لتكون سهلا معه، ولا تكن صعبا معه حتي لا ترهق من أمره عسرا، ولا تكن سهلا بشكل أبدي حتى لا تعلمه بأن الحياة سهلة، وأن الطريق إلى النجاح سهلا.

سابعا: لا تمنع من الإنسان اللعب وأخذ الراحة، والاستفادة من الفراغ حتى لا يكون حجرا بشريا لا شعور معه، ولا تجعل حياته كلها لعبا حتى لا يتحول مشروعا للآخرين، علمه التوازن في الحياة حتى لا يخسر ولا يطغى، وكن معه كمربي في اللعب أحيانا، وفي العمل كذلك أحيانا، فهو كإنسان يتم صناعته بشكل فطري ومتدرج من خلال الحياة.

ثامنا: امنح الإنسان فرصة المشاركة، والمصارحة، بل وامنحه حق الرفض، وحق الإضافة، فهو ليس رقما فقط في الحياة، بل لديه عقل، وإرادة، فلا تجعله مفعولا به، أو محطة قطار لأفكارك، اتركه يعبر عن رغباته، واحتياجاته، وطموحه، وبهذا يتميز عنك، وعن الآخرين، ويكون رقما صعبا في الحياة، ونافعا لنفسه ولغيره.

تاسعا: اربط حياته بالكتاب، واجعله يحب القراءة، ويكون لنفسه مكتبة، فاترك فراغات لحياته حتى يدرك من هو؟ فلا تكن وصيا عليه بشكل مستبد، فهو ذات مختلفة عنك، فلا تتسلط عليه، فترهقه عسرا.

عاشرا: اجعل قصص القرآن منجها تربويا، فهناك قصة آدم وحواء وما تحملها من أفكار ومشاعر ومعارف، ولدينا قصة موسى عليه السلام وما تحمل في طياتها من برامج تربوية، ودروس عميقة، وبينهما قصة يوسف عليه السلام وإيحاءاتها المختلفة والمتنوعة، فالإنسان هو الإنسان، والحياة هي الحياة، ولكن ظروف الابتلاء مختلفة، فحول تلك القصص مشاريع تربوية تروى ظمأ الناس كمربى.

هذه قواعد تربوية مهمة في زمن الاستهلاك المعرفي، وفي لحظات التساقط، وفي زمن التراجع والتقهقر، ولهذا نحن اليوم بحاجة شديدة إلى التربية المتوازنة والرشيدة، ولأننا فقدنا البوصلة، وكثرت الشكاوى، وقل العمل، وكثر الكلام، وضعفت البرامج التربوية، وغاب الرشد في هذا المجال الحيوي.

حين ذهب موسى الكليم عليه السلام إلى الخضر عليه السلام فرأى ما رأى، ولكنه رفض ولم يقبل بسهولة، ولكن الخضر عليه السلام نبهه أكثر من مرة، وحينها قال موسى عليه السلام (لا تؤاخذنى بما نسيت، ولا ترهقهنى من أمره عسرا)، فهل يستفيد رجال التربية والدعوة، ورجال القيادة والفكر من هذا الملحظ الدقيق (النسيان، وعدم الإرهاق).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق