الأحد، 3 مايو 2026

مِنْ (عُقدة الخواجة) إلى (عُقدة المُلَّا)

 مِنْ (عُقدة الخواجة) إلى (عُقدة المُلَّا)





الشعورُ بالنقصِ والدُّونيةِ قاتلٌ في كل حال..
وأقتلُ أحواله أن تشعر بالنقص أمام ناقص، وبالدُّونيةِ أمام دُوْن!!
تبدو (عُقدةُ الخواجة) التي أُصيبَ بها العلمانيون العرب أقربَ معقوليةً وأكثرَ تفهماً مِن (عُقدة المُلَّا) التي أُصِيبَ بها الإسلاميون المتأيرنون!!
عقدة الخواجة كان لها ما يُسَوِّغُها في الواقع؛ فقد نتجت عن انسحاقٍ نفسيٍ أمام حضارةٍ حقيقيةٍ غالبة، أثبتت جدارتها قوةً ومعرفةً وتقانةً- على مدار أكثر من ثلاثة قرون- بما لم يدع مجالاً لأصحاب النفوس الهشة مِن السقوط فيما سماه ابنُ خلدون (وَلَعُ المغلوبِ بتقليد الغالب)، أو ما سماه مالك بن نبي (القابلية للاستعمار).. وبقليلٍ مِن الواقعية؛ تستطيع اتخاذ بعضِ العذر لهؤلاء المرضى المنبهرين بالغرب؛ لمعقولية أسباب المرض ومنطقية دواعي الانبهار..
أما (عقدة المُلَّا) التي أصيب بها مَن يزعمون أنهم أصحابُ نفوسٍ ممتلئةٍ بالعقيدة، أو جنودُ (معركة الوعي)، أو طليعةُ (أستاذية العالم)؛ فإنَّ العقل ليقف عاجزاً عن إيجاد مُسوغٍ منطقي لها، أو تفسيرٍ معقولٍ لأسبابها.. ومع بعض التجاوز؛ يمكن للمهمومين بتشخيص الأمراض النفسية والبحث عن أسبابها أن يجدوا تفسيراً لها- يحمل بعضَ المنطق- فيما سُمِّىَ (متلازمة ستوكهولم)؛ تلك التي يتعاطف فيها المخطوف مع خاطفه المجرم، وتنمو في نفسه- تباعاً- مشاعرُ الإعجاب به والولاء له؛ فَيُسوِّغٌ جرائمَه، ويتحالف معه ضد منقذيه منه..
وعلى الرغم من هذا التجاوز؛ تظل عقدة المُلَّا هذه عقدةً غرائبية يَعجزُ العقلُ والمنطقُ عن قبولها قبولاً كاملاً (دِيناً ودُنيا)..

فإنْ كان بَهَرَ الإسلاميين في الملالي أنهم نجحوا فيما فشلوا هم فيه؛ فأنشؤوا دولةً وحافظوا عليها؛ فما أنشؤوها واللهِ بأنفسهم؛ وإنما سُلِّمْت لهم كما سُلِّمت لأمثالهم الدولُ في المنطقة..
وإنْ كانوا حافظوا عليها فما حافظوا عليها إلا كحفاظ (صدام) على دولته؛ بُسِطَ له الحبلُ على اتساعه ثم شُنق بحبله بعد وقوعه في الفخ..
وهاهم الملالي يُقتلون مجرماً تلو مجرم؛ بعدما أوقعوهم في الفِخاخ فخاً بعد فخ!!
وإن كان بَهَرَهم فيهم جعجعاتُ المُمَانَعة، وادعاءاتُ المقاومة، وخطاباتُ الصمودِ والتصدي؛ فما أكثر ما جعجع (عبد الناصر) وادَّعَى، وما أكثر ما أرغى وأزبد؛ حتى استيقظ في (يونيو 67) على أقلَّ مما استيقظ عليه الملالي في (فبراير 2026).
وإنْ كان بَهَرَهم فيهم أكاذيبُ نُصرة المقاومة، وأضاليلُ وحدة الساحات؛ فها هي (غزة) تشهد على طبيعة النُصرة، وحقيقة وحدة الساحات!!
وإن كان بَهَرَهم فيهم سَيطرتُهم على أربع عواصم عربية؛ فما فعلوا ذلك بقوتهم؛ بل مُهِّدَ لهم الطريق، وأُخليت لهم الملاعب، وفُرِّغتْ له الساحات..
وإذا ما خَلا الجبانُ بأرضٍ
طَلبَ الطَّعنَ وحدَه والنِّزالا

وكعادتهم في تاريخهم كله؛ تعاونوا مع كل أعداء المسلمين لقتل المسلمين، وذبح المسلمين، وتهجير المسلمين.. ولا أدري واللهِ- إنْ كان هذا ما بَهَرَهُم فيهم- كيف ينبهر مسلمٌ عربيٌ بسيطرةِ مشركٍ أعجميٍ على بلاد العرب والمسلمين، وبلاده هي التي تُحتل، وعِرضه هو الذي يُنتهك، وإخوانه هم الذين يُقتلون ويُذبحون ويُهَجَّرون؟!!
وإنْ كان بَهَرَهُم فيهم طبيعةُ نظامهم أو رَفاهُ شعبهم؛ فما يعرف الناسُ في المنطقة نظاماً همجياً قمعياً مثل نظام الملالي، ولو أُحصِيَ عددُ الذين قُتلوا في ثورتي (تونس ومصر) مثلاً؛ فأغلبُ ظني أنهم لن يبلغوا عددَ الذين يُقتلون في مظاهرتين أو ثلاثة من مظاهرات الإيرانيين ضد نظام الملالي..

وحسبك أن تعرف أنَّ الأجهزة الأمنية في إيران بلغت سبعة عشر جهازاً أمنياً لا عَملَ لها سوى قمع الشعب، وإحصاء أنفاسه، وكبت حريته، وطمس هُويَّات أقلياته..
أما الرفاه والغِنى فهما كلمتان لم أرَ إيرانياً حتى الآن يعرف معناهما؛ اللهم إلا إنْ كان مِن طبقة الملالي أو محاسيبهم.. ولا بأس أن تنظر في قيمة عُمْلَتِهِم منذ مجيء الخميني إلى الآن، أو تَطَّلِعَ على إحصاءات مهاجريهم وطالبي اللجوء فيهم؛ لتعرف ماذا فعل الملالي في هذا البلد النفطي المتخم بالخيرات..
وإنْ كان بَهَرَهُم فيهم ما يُسَمُّونَه (العزة والكرامة)؛ فأين هي العزة والكرامة في إبادة الصف الأول والثاني وربما الثالث من قياداتهم
(في ساعةٍ واحدة، في ساعةٍ واحدة، في ساعةٍ واحدة)، ثم سحق قواتهم البحرية والجوية في يومٍ أو بعض يوم؟! وأيَّة عزةٍ وكرامةٍ هذه وإيران في يدي أمريكا وإسرائيل كالمُنخَلِ في يدي حامله؟!
إنْ كانت العزة والكرامة بالجعجعة والصراخ؛ فما أكثر ما يُوسِعُ المهزومُ أعداءَه سَبَّاً وهم يسيرون بالإبل!!
لا أدري والله أي شيء يمكن أن ينبهر به عاقلٌ فيمن هذا نظامه وهذه دولته.. جَبرٌ، وطغيانٌ، وفقرٌ، وتخلفٌ، وفسادٌ، وإفسادٌ، وانتهاكٌ لكرامة البشر، وإهدارٌ لثرواتهم؛ مع دعاوى عريضة لا أثر لها في الواقع ولا حاصل منها على الأرض!!
علامَ إذن يُفرِدُ الإسلاميون المتأيرنون الأنظمةَ العربية بالهجوم ونظام الملالي أشد سوءاً منها داخلياً وخارجياً، بل في أنظمة العرب مَن هو أفضل حالاً بمئات المرات من هذا النظام الذي ما دخل مكاناً إلا أفسده، ولا حَلَّ بأرض إلا خَرَّبها ولا تحالف معه مسلمُ إلا سَقطَ ديناً ودنيا!!
إنه لمِن المخجل حَقَّاً أنَّ القاع الذي وصل إليه العلمانيون العرب بـ(عقدة الخواجة) لم يكن هو القاع الأخير؛ فقد تجاوزهم الإسلاميون المتأيرنون بـ(عقدة المُلَّا) إلى قاعٍ أسفل؛ محققين رقماً قياسياً في السقوط لا يُدرى مَنْ سَيَجُوزه بَعْدَهُم إلى الأدنى.. إنْ كان ثمة أدنى!!
***
(الآن، وهنا) هو ما يدور حوله العلمانيون، ولا شيء عندهم- غالباً- وراء ذلك.. هَمُّهُم الحياة الدنيا التي يعلمون ظاهراً منها "وهُم عن الآخرة هم غافلون".. منطقيُّ إذن أن ينبهر مَن هَمُّهُ الدنيا بعبيد الدنيا!!
أما الإسلاميون؛ فإنَّ الدنيا عندهم قنطرةٌ للآخرة (الآن، و هنا، لهناك)، أو هكذا يَدَّعون صادقين أو كاذبين.. فإذا كان هَمُّهُم الدين ليُصلحوا به الدنيا-كما يقولون؛ فأين هو المنطق في انسحاق (بعضهم) نفسياً أمام الملالي الذين إنْ نَظَرْتَ في (دينهم) و(دنياهم) معاً؛ لم يَسعْكَ سوى الاشمئزاز منهم، والترفع عليهم، وحمد الله على نعمة العقل والدين.
لقد اختطفهم الملالي بشعارات المقاومة، وادعاءات الممانعة، وخطابات الجعجعة بفلسطين والقدس؛ دون أن يكون لهذه الشعارات وتلك الادعاءات أي تطبيق واقعي ملموس على مدار أكثر من أربعين سنة؛ اللهم إلا قتل أكثر من أربعة ملايين مسلم في الشام والعراق واليمن، وتهجير أكثر من ثمانية عشر مليوناً آخرين!!
***
هل ينطلق الإسلاميون المتأيرنون من الدين حقاً؟!
إنْ كانوا ينطلقون من الدين فإنَّ ديانة الملالي الشيعية مِن أشد الديانات وثنيةً وانحطاطاً واستعباداً للبشر الذين خلقهم الله أحراراً فيما بينهم، وعبيداً له جل وعلا فقط..
فكما وَثَّنَ (بولس) النصرانيةَ، وَنَصْرَن الوثنية؛ وَثَّنَ الملالي الإسلامَ وأسلموا الوثنية..
على أنَّ (بولس) كان أحسن حالاً مِن الملالي- إنْ كان في الوثنية أحسن-؛ فقد أضل الموحدين الأوائل في فردٍ واحد؛ هو عيسى عليه السلام؛ فجعله رَبَّاً أو ابناً للرب- تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا-،
أما الملالي فقد أضلوا الناس في اثني عشر فرداً "يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق"، وصرفوا لهم كل أنواع العبادة على حقيقتها، وجعلوا لهم ولاية تكوينية يتصرفون بها في الأكوان، ويُقَدِّرُونَ بها شؤونَ الأرض والسموات، ويعلمون بها علم ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون.. وما أكثر ما قرأنا كفرياتهم هذه وأمثالها في كتب علمائهم، وما أكثر ما أنكر أتباعُهم ذلك تقيةً وكذباً؛ حتى انفجرت- حديثاً- وسائلُ التواصل الاجتماعي بآلاف المقاطع المرئية والمسموعة لكفرياتهم وشركياتهم، وصار العوامُ يَرون ويَسمعون مُعَمَّمِيهم ومُنْشِدِيهم يقولون:
علي أول وآخر.. علي ظاهر وباطن..
علي رب المشارق والمغارب..
علي محيي العظام والجماجم.. علي منزل الكتب.. علي مُفَرِّق السُحبْ.. علي رَدَّ الشمس..
على قابض كل نفس.. علي العزيز الجبار..
علي الواحد القهار..
اللهُ لولا أنت يا حُسين ليس يُعبدُ
كلا ولم يُعرف ختامُ الأنبيا محمدُ
هذا عدا زعمهم تحريف القرآن، وكفر الصحابة، واتهام الطاهرة المطهرة الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما بما برأها اللهُ منه مِن فوق سبع سماوات!!
أضف إلى هذا- واجعل الإضافة أصلاً- أنك إذا نظرت في الأساس الأعمق للديانة الشيعية وجدتَه مناقضاً ومضاداً لأيِّ مفهومٍ- قديمٍ أو حديثٍ- للحرية عموماً، وللحرية السياسية خصوصاً؛ فإنَّ مدار ديانتهم وجذرها الأساس الذي قامت عليه جذوعُها وفروعها هو (الإمامة) التي يزعمون أنها (نصٌ) مِن الله تعالى في كتابه الكريم، ثم (العصمة) التي منحوها لأولئك الاثني عشر رجلاً..
وهنا مربط الفَرَسِ الذي لا أعرف كيف يمكن للإسلاميين المتأيرننين، أو لليساريين الثورجيين تجاوزه أو التغاضي عنه؛ إنْ كانوا يملكون عقولاً تفهم أو قلوباً تعي أو بصائر ترى..
فإذا كان (الإمامُ) منصوصاً عليه مِن الله فأيّة حريةٍ للإنسان في اختيارِ إمامِهِ وحاكمه؟!
وإذا كان معصوماً يَعلمُ عِلمَ ما كان وما سيكونُ وما لم يَكنْ لو كانَ كيف يكون؛ فأيَّة حريةٍ للإنسان في مساءلته أو مراجعته أو معارضته؟!
ولا يقولن مُسَفْسِطٌ إنَّ الإمامة والعصمة دينية فقط- وذلك كَارثيٌ أيضاً-؛ فإنَّ الإمامة في الديانة الشيعية دينيةٌ ودنيويةٌ؛ تماماً كما كانت سُلطة الكنيسة في عصور أوروبا المظلمة..
لقد أسقطوا الشورى بالنَّص، وأسقطوا المُساءَلةَ بالعصمة.. فلا مجال هنا للحديث عن حكومة راشدة يختارها الناسُ بإرادتهم الحرة؛ فيحاسبوها إنْ بَغَتْ، أو يسقطوها إنْ طَغَتْ.. وإنما هو الجبر والطغيان متكئاً على تأسيس ديني مزعوم، وتأصيلٍ ربانيٍّ مفترى..

المَلَكِيَّات الوراثيةُ- على شَرِّهَا- أخفُّ ضرراً مِن هذا؛ فإنها لا تعتمد على تأسيس ديني أو تأصيل رباني؛ بل على السيف والتغلب.. والسيف يَكسره السيفُ، والتغلب يُسقطه التغلب، أما التأصيل الديني فأيُّ شيءٍ يُسقطه إلا أنْ يخرج الإنسانُ مِن دينه المضادِ للفطرة والعقل والواقع!!
وأعجبُ مِن هذا الجبر والطغيان أنَّ هذه الشيعة ومَن شَايعها مِن أدعياء الفكر والثقافة؛ أقاموا الدنيا ولم يقعدوها ضد قضية (التوريث) التي اقتضت السياقات الواقعية تاريخياً دخولَ أمة الإسلام فيها.. بينما قامت ديانة الشيعة كلها على أبشع نوعٍ من أنواع (التوريث) الممكن وجوده في الدنيا؛ وهو التوريث الرباني أو الإلهي الذي لا يستطيع شيعيٌّ حُرٌّ- إنْ وُجد شيعيٌ حر- رفضَه أو الفكاكَ منه؛ إلا أن يخرج مِن شِيعيَّتِه ليصيرَ بشراً عاقلاً سَوِيَّ النفس عبداً لله فقط؛ وليس عبداً لاثني عشر رجلاً يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق!!
إنَّ الحرَّ الشريف لَيرضى- إنْ حَزَبَتهُ الأمورُ وأعوزته الحِيل- أن يبايع حاكماً متغلباً، أو ملكاً وارثاً بذل جهده في مقاومته، واستفرغ وُسعَهُ في مغالبته، ثم اقتضت مشيئةُ الله غير ما أراد؛ فهو معه إنْ عَدَل على الرغم من حزازات النفوس، وتحت سلطانه إن أحسن على الرغم من غيظ القلوب؛ مع إبقاء المساءلة ثم الرفض ثم الثورة في دائرة الإمكان إنْ طغى الوارث وتجبر..
ولكنْ أيّ حُرٍّ أو شريفٍ هذا الذي يرضى أن يقول له حاكمُه:
إني حاكِمُك الذي اختاره الله لك فلا اختيار لك، وإمامٌك الذي عصمه الله فلا معارضة لي، وطفلي هذا- الذي يلعب بين يدي ويبول في ملابسه- اختاره الله وَعَصَمَهُ أيضاً؛ فهو حاكمك المُنَصَّبُ مِن الله وحاكمُ أبنائك وأحفادك من بعدي، لا يجوز لك ولا لهم معارضته أو الخروج عليه إلا أن تخرجوا مِن الدين وتفارقوا الجماعة!!
أيُّ حر يرضى بهذا، أو يخضع لهذا، أو تطيبَ نفسُه بالدخولِ في هذا؟!
وكيف يُمكن لشريفِ نفسٍ أن يرضى بحكم (سُلالةٍ)واحدةٍ تحكمه بـ(النَّصِ والعِصمة)- لا بالكتاب والسنة-؛ فيصيرَ أمرُها أمرٌ من الله، ونهيُها نهيٌ من الله، وتصبح مراجعتُها ضلالة، ومعارضتُها كفراً، والخروجُ عليها موجباً للخلود في النار؟!
هذه وثنية لا توحيدَ فيها، واستعبادٌ للبشر لا حرية معه..
والوثنيةُ أولُ درجات استعباد البشر للبشر؛ فلا حُرية دون توحيد؛ إذِ التوحيدُ رَبَّانِيُّ المصدر يُحرِّرُكَ مِن عبادة أمثالِكَ بعبادةِ واحدٍ أحدٍ مُطلقِ القوةِ والقدرةِ والهيمنة؛ لتصيرَ وأمثالُكَ تحت قُدرته وقُوته وهَيمنته سَواءً..
أما الوثنية فهي بشرية المنشأ طِينيةُ الأصل؛ وكلُّ ما هو بشريُّ المنشأ خاضعُ بالضرورة لاختلاف العقول وضلالات الأفهام وأهواء النفوس.. وإذا اختلفت العقولُ تَعَدَّدَت المصادر، وإذا تَعَدَّدَت المصادرُ تَعَدَّدَت القيود.. والأخذ عن مصدرٍ واحدٍ في العبادةِ أصلٌ في ثَباتِ العبادة، كما هو أصلٌ في السواء النفسي للعابد، فإذا كانت القيود مِن إنسانٍ مِثلكَ ناقصِ القَدْرِ والقُدْرَة؛ فقد استُعبدتَ لناقصِ قَدرٍ وقُدْرَة.. وأيَّةُ حريةٍ أو سَواءٍ نفسيٍّ في عُبوديتك لأمثالكَ مِن ناقصي القدر والقدرة؟!
إنَّ من أعجب العجب أن ينسحق دعاةُ التوحيد نفسياً أمام طُغاةِ وثنية، وأن يتضاءل مُنَظِّرو الحرية فِكرياً أمام عبيدِ سُلالة..
وقد كانوا يقولون قديماً:
" الحرية مقدمةٌ على الشريعة"؛ خالطين بذلك بين السياقات المختلفة، والأوضاع الاجتماعية المتخالفة؛ وكأن الشريعة والحرية خصمان لابد من تقديم أحدهما على الآخر، ثم هَاهُم- بعد كل هذا الإعلاء مِن شأن الحرية المتوهمة-؛ يصل بهم الانسحاقُ والتضاؤل إلى حَدِّ التهليل لفكرةٍ شيعيةٍ استعباديةٍ بائسة؛ هي (ولاية الفقيه) التي سَمَّوها نظريةً، وزعموا- كما قرأتُ لأحدهم- أنها قفزةٌ نوعيةٌ في الدرسِ السياسي الشيعي؛ افتقر إليها الدرسُ السياسي السُّني!!
يا لَله للعقول.. لو نعرفُ أين تُباعُ هذه الجرأة التي يتحدثون بها، وتلك الموثوقية التي يتقلبون فيها؛ لفكرنا في الحصول عليها قبل غَلائِها، فإنَّ الواحد لَيَهُمُّ بكتابة عشر ورقات فيقرأ لها أكثرَ مِن مائة ورقة، ثم لا يكتب حين يكتب إلا وهو خائفٌ وجلٌ أنْ يكتبَ خَطَأً أو يختارَ سَقَطَاً أو يستدل شَطَطَا!!
ومَا حَاجةُ أهلِ السُّنة لولايةِ فقيهٍ أصلاً و(الخلافة) عندنا ليست نصاً مِن الله في كتابه الكريم، و(الخليفة) عندنا ليس معصوماً يَعلمُ عِلمَ ما كان وما سَيكون وما لم يَكن لو كانَ كيف يَكون.. إنما يحتاج إلى ولايةِ فقيهٍ مَن حصروا دينَ الله ودنياه في سُلالةٍ واحدة؛ فإذا غاب (الموعودُ) في تلك السلالة؛ سُقطَ في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا؛ فَعَطَّلُوا الجُمَعَ والجماعات، وأسقطوا الحدود والولايات؛ انتظارَ عَودةٍ مُتَوَهَّمَةٍ لغائبٍ مُتَوَهَّم..
أما نحن فقد أراحنا الله جل وعلا في (الخلافة) بقوله:" وأمْرُهُم شُورى بينهم"، وفي (الخليفة) بقوله:" وشَاورهم في الأمر"، وبقوله:" ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تُعَلِّمُونَ الكتابَ وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون".
***
مَا كانت (ولاية الفقيه) هذه إلا كِذْبةً سَتَرتْ كِذبة، وسَوأةً غَطَّت سَوْأَة، وحيلةً تداركت فضيحة..
مات الحسنُ العسكري (إمامهم الحادي عشر) سنة 260ه، وبحسب الروايات التاريخية الأقرب للعقل والنقل؛ لم يُعَقِّب الحسنُ ولداً ليكون إمامهم الثاني عشر الذي يرثهم ويعبدونه.. ولأنَّ مِن أُسِسِ دينهم ألا يخلو زمانٌ من إمام؛ كان لابد مِن تدارك الفضيحة قبل سقوط الديانة وانفراط عقد الخراف الضالة؛ فافتروا فِريَتَهم الأولى- في هذا السياق- مُدَّعِينَ أنَّ الحسن العسكري كان له طفل اسمه محمد- ذلك المهدي المزعوم-، وأنه دخل سرداباً في (سامراء) هرباً من العباسيين، ثم لم يُعثر له على أثر، وأنه سيعود آخر الزمان ليملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، ولا يَتِمُّ ذلك العدلُ إلا بقتلِ العربِ، وإخراج جثمان عائشة رضي الله عنها وإقامة الحَدِّ عليها، ثم إخراج جثامين أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ومعهم جثامين خمسمائة رجلٍ من قريش؛ وإحراقهم جميعاً ثم ذَرّهم في الرياح!!..
وكان هذا الهرب المُدَّعى هو (الغيبة الصغرى) التي ما سُميت صغرى إلا لأنهم افتروا فِريَة أخرى للتغطية على فريتهم الأولى؛ فلأنَّ اختفاء الإمام كَعَدَمِه؛ كان لابد من إيجاد حيلة تضمن بقاء السيطرة على الأتباع، واستمرار تدفق أموال الخمس..
وكانت هذه الحيلة هي حيلة (السفراء أو النواب) التي اعتُبرت أساساً أولياً لولاية الفقيه؛ فالإمام غائبٌ نعم، ولكنه في غيبته تلك نَصَّبَ سفراءَ ليكونوا أبواباً له ونواباً عنه..
لا تسأل هنا: متى وكيف وما الدليل؛ فمنذ متى يسأل الشيعة هذه الأسئلة؟!
هي أسئلة لا جواب لها إنْ سُمحَ بطرحها أصلاً.. حَسْبُ الشيعي أن يقال له: لقد نَصَّبَهُم الإمامُ المعصوم مِن داخل سِردابه؛ لتصل إليهم أموالُ الخمس مع رِقاع المؤمنين بأسئلتهم؛ فيحملونها للإمام الغائب، ويعودون بأجوبته عليها.. بالأجوبة فقط، أما الأموال فالسؤال عنها أيضاً كالسؤال عن المَتَى والكيف والدليل.. لا تخطر على بال الشيعي أصلاً..
لم تطل مدة السفارة هذه أكثر من سبعين سنة؛ تعاقب فيها على (البابِ الكَذِبِ) أربعةُ أفاكين:
عثمان بن سعيد العمري، ثم ابنه محمد بن عثمان، ثم الحسين بن روح النوبختي، ثم علي بن محمد السمري..
وقد ادعى غيرُهُم هذه البابيةَ مثلَ ما ادعى هؤلاء؛ فالغنيمة دسمة لم يكن في الإمكان تَركُها دون عِراك، فكان كل مُدَّعٍ مِن هؤلاء يُخرج صحيفةً يزعم فيها أنَّ الإمام الغائب المنتظر المعصوم ثَبَّتَهُ باباً له، وَلَعَنَ المُدَّعِي الآخر وأخرجه مِن الملة.. وما أكثر ما تعارك وكلاءُ هؤلاء الأفاكين على شحم الغنيمة ولحمها-كما يتعارك الآن وكلاءُ المرجعيات في العراق-؛
حتى قال الشلمغاني ابن أبي العزاقر- أحدُ منافسي الأفاك الثالث ابن روح النوبختي:" ما دخلنا مع أبي القاسم بن روح في هذا الأمر إلا ونحن نعلم فيما دخلنا؛ لقد كنا نتهارش على هذا الأمر كما تتهارش الكلابُ على الجيف"!!
لا يَدري أحدٌ حتى الآن ما الذي دفع الأفاك الرابع (السمري) إلى غَلقِ باب مغارة الكنز هذه؛ فقد سألوه وهو على فراش الموت عن السفير بعده فقال:" إنَّ للهِ أمراً هو بالِغُه"..
ربما شعر بعدم معقولية الفرية إنْ طَالت، أو عَلِمَ أنَّ المدَّعِين سيكثرون مع الزمن حتى تُفتضح الفريةُ برمتها، أو كان حقوداً حسوداً لا يحب الخير لمن بعده؛ فأغلق الباب، (وأخذ السُّلمَ معَه لفوق)؛ كما قال أحد عاهات هذا الزمان!!
بهلاك السمري سنة 329ه انتهى زمن (الغيبة الصغرى) ودخل الشيعةُ زمنَ (الغيبة الكبرى) المستمر حتى الآن، والذي سيستمر حتى قيام الساعة..
لا تظنن أنَّ (غيبة الإمام) هذه سارت بشكل هَيِّنٍ لَيِّنٍ كما هو عندنا نحن المسلمين حين يموتُ- مثلاً- رأسُ مذهبٍ من المذاهب، ويظل أتباع المذهب يتعاملون بما استقر عليه المذهب؛ بل مَثَّلَ ذلك صدمةً كبرى لهم وإرباكاً شديداً عندهم؛ جعلهم يُعَطِّلونَ ما أسموه (الولايات السبع) التي عليها مدار الحياة؛ كالولاية على أموال القُصَّرِ والأوقاف، وجباية الخمس والزكاة، وإقامة الحدود والقضاء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإدارة السياسة والجيش وحفظ الثغور، والولاية العامة على النفوس والأموال، وحق التشريع ووضع القوانين؛ بل وحتى إقامة الجُمَعِ والجماعات- عند بعضهم-؛ معتقدين أنَّ هذه الولايات حقٌ حَصريٌ للإمام الغائب، وأنَّ التصرف فيها يُعتَبرُ عدواناً على الإمام نفسه؛ حتى قال بعضهم بوجوب دفن الأموال أو الاحتفاظ بها لحين عودة الإمام الميمونة؛ ما عَطَّلَ الحياة كلها التي تمثل هذه الولايات غالب تفاصيلها؛ لتدخل الجماعة الشيعية في حالة جمود فقهي، وانتظارٍ سلبي، وتقيةٍ مجتمعية.
وهنا مَكمنٌ مِن مَكامنِ (الوثنية) في الديانة الشيعية قد يغفل عنه كثيرٌ من المتعجلين؛ فإنَّ ارتباطَ المؤمنين- أيّ مؤمنين- بحياةِ إنسانٍ تتعطلُ حياتُهم بفقده؛ هو ارتباطٌ وثنيٌ خالص وإنْ لم يُدركوا ذلك..
وهذا الارتباط المُعَطِّل ينطلق من فكرةٍ تتوهمها الأذهان حين تخلط بين (صاحب الرسالة) الذي هو الله جل وعلا؛ وبين (حَامِلِهَا ومُبَلِّغِهَا) الذي هو الرسول البشري.. ومعروفٌ فطرةً أنَّ الله وحده هو الحي الذي لا يموت، وأنَّ كل ما عداه هالك.. بيد أنَّ غَلَبَةَ الإلف والعادة والمعايشة لهذا الرسول البشري، وغَلَبَةَ الربط التلقائي بين الرسالة وحاملها؛ يُحدثان شيئاً مِن التوهم بضرورة انزياح صفة البقاء والديمومة مِن الله الذي هو صاحب الرسالة إلى الرسول الذي هو مُبَلِّغُ الرسالة؛ رابطين بذلك بقاءَ الرسالة ببقاء الرسول، وغافلين عن كون الخلود إنما هو للرسالة دون الرسول؛ إذ هذه الرسالة هي التي تُشير إلى صاحبها الباقي لا إلى مُبَلِّغِها الفاني، فإذا مات الرسول أو قُتل؛ سُقط في أيديهم وذهلوا عن أنفسهم؛ لِتَوَهُّمِهِم أولاً أنَّ مُبَلِّغَ الرسالة هو صاحبها، وسَحْبِهِم ثانياً- دون قصد- بعضَ صفاتِ (الصاحب) إلى (المُبَلِّغ)؛ فيأتي الخطأ في النتيجة تابعاً للخطأ في التحديد..
وهذه حالةٌ إنسانيةٌ عامة تصيب أتباع الديانات كلها وقت الصدمات التي تذهل فيها النفوسُ عن الحقائق، وتزيغ فيها الأبصارُ عن الوقائع، ثم يعودُ مَن عَصَمَه اللهُ إلى بَرْدِ التوحيد، ويَرتَكِسُ غيرُه في حمأة الوثنية؛ فيظل ارتباطُه بالمُبَلِّغ ارتباطاً وثنياً يحول بينه وبين فهم حقيقة الرسالة التي حملها هذا الرسول، أو طبيعة البلاغ الذي جاء به هذا المبلغ.. وهو عين ما وقع فيه اليهود والنصارى والشيعة جميعاً؛ حين مَحْوَرُوا الرسالةَ عندهم حول المبلِّغ الذي صار رَبَّاً أو ابناً للرب في اليهودية والنصرانية، وإماماً معصوماً له- ولبعضِ نسله-كلُّ خصائص الإله في التشيع!!
ومَن عَرفَ هذا عَرفَ عِظَمَ يقينِ وفَهْمِ سَيّدِ المسلمين بعد رسولهم صلى الله عليه وسلم؛ أبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ حين قال- بعدما رأى ذهولَ الصحابة رضوان الله عليهم بموتِ نبيهم-:" مَن كان يعبد محمداً فإنَّ محمداً قد مات، ومَن كان يعبد الله فإنَّ الله حي لا يموت".. وما أزال واللهِ كلما قرأت هذ الجملة أدهش لاختيار أبي بكر كلمةَ (العبادة) دَهشةَ قراءاتي لها أول مرة.. لقد حفظ اللهُ بأبي بكر الصديق دينَ المسلمين ودنياهم مرتين؛ هذه أولاهما، وحروب الردة أُخراهما؛ وكلتاهما كانتا لأبي بكر خاصةً دون الصحابة؛ فرضي الله عنه وأرضاه، ولعن مُبغضيه وشاتميه.
لاحقاً؛ وبسبب إكراهات الواقع؛ حاول بعضُ علمائهم- كالمفيد، والطوسي، وغيرهما- الخروجَ من مأزق الغيبة الكبرى هذه باستخدام ما اعتبروه أدوات نظر وآليات استنباط؛ متأثرين في ذلك بالوسط الفكري السُّنِّي؛ فأجازوا للفقيه- عبر فكرة (النيابة)- تَوَلِّي بعضَ هذه المهام حتى لو كان ذلك ضمن حكومة جائرة أو مخالِفة- ويقصدون بالمخالِفة هنا حكومات المسلمين-، ثم أجازوا له بعد ذلك توليها بنفسه دون ارتباطٍ بحكومة؛ بصفته نائباً عن الإمام كي لا يتوقف القضاءُ بين الناس، أو تتعطل الحدود، أو تضيع الأموال..
وقد ثَبَتَتْ (ولايةُ الفقيه) على هذا المنوال وأمثاله قروناً طويلة من أواخر القرن الثالث الهجري إلى أوائل القرن العاشر الهجري؛ مع كثيرٍ من الأخذ والرد، والمنع والإجازة، والتضييق والتوسع؛ وصل حَدَّ تكفير وتفسيق وتبديع بعضهم بعضاً.
ومع دخول القرن العاشر الهجري تحولت ولاية الفقيه تحولاً جذرياً على يد (علي الكركي العاملي) الذي استقدمه شاه الصفويين (طهماسب بن إسماعيل) مِن لبنان، وجعله مفوضاً عنه أو شِبهَ شريكٍ له في الحكم، وأصدر مرسوماً بوجوب طاعته وإثم مخالفته؛ فكسر الكَركيُّ الحاجز النفسي والديني الذي حال بين الفقيه والسلطة، وأسس لمبدأ أحقية الفقيه في التدخل المباشر في شؤون السياسة، وإمكانيةِ إصداره الأحكام مع وجوب تنفيذها..
ثم- وبالاعتماد على تأسيس (الكركي)- ؛ خطا (أحمد النراقي) في القرن الثاني عشر الهجري الخطوة الكبرى في (ولاية الفقيه)؛ ليؤسس لفكرة أن يكون الفقيه نفسُه هو صاحب النظام ومُؤَسِّسُه، ومديرُ شؤون البلاد والعباد في كافة المجالات الدينية والدنيوية، وأنَّ ما كان للنبي صلى الله عليه وسلم وللأئمة المعصومين من بعده فهو للفقيه سواءً بسواء؛ إلا ما دل الدليل عليه من إجماعٍ أو نَصٍّ أو غيرهما!!
الغريب المدهش أنَّ كُلَّ هذه الاجتهادات والتخريجات التي أكلت مِن عُمر الشيعة أكثر من اثني عشر قرناً؛ كنا- نحن المسلمين- نمارسها بداهةً وفطرةً دون إعطاءِ الفقيهِ صفةً دينيةً مقدسةً، أو خصوصية كهنوتية وثنية؛ كقساوسة النصارى وأحبار يهود، وملالي الشيعة؛ بل كان- وما زال- الفقيهُ عندنا مسلماً عادياً ضمن الجماعة المسلمة؛ يُمكن أن يكون حاكماً (وقد كان)، ووزيراً (وقد كان)، ومجاهداً (وقد كان).. فهو ليس نائباً عن إمامٍ غائب، أو وكيلاً لإنسان معصوم، أو والياً على أحدٍ ولايةً كهنوتية ذات قداسة مفترضة أو متخيلة.. فكل هذه الاجتهادات والتخريجات التي أتعبوا أنفسهم في استنباطها على مدار ثلاثة عشر قرناً؛ كانت- أمام أعينهم عندنا- فطريةً أصلاً وتلقائية أساساً؛ يعرفها العقل بالواقع ويثبتها الدين بالضرورة؛ لأنَّ الخلافةَ عندنا شورى بيننا، والخليفةَ عندنا مثلنا لا قداسة له ولا تقديس.. بيد أنَّ إِصْرَ الوثنيةِ وأغلالَ الإمامةِ التي وضعها الشيعةُ على رقابهم، وشَابَهُوا بها اليهودَ والنصارى في الكهنوتية؛ جعلت التلقائيةَ اجتهاداً، والفِطريةَ استنباطاً، والعاديَّ بُعدَ نظر..
بمجيء الخميني أُسدِل الستارُ على آخر فصول المسرحية..
فقد كان الخميني مع ولاية الفقيه كالثور في متجر خزف، وكان الخزف هو كل تلك الألاعيب والتخريجات التي قُصد بها إنقاذ الديانة من السقوط بعد موت إمامها دون وارث، وإبقاء الفقيه مسيطراً على الخراف الضالة لحين عودة الوارث الذي لن يعود..
ذهب الخميني إلى الهدف مباشرة دون لفٍ أو دوران؛ فأغلق الدور وأنهى اللعبة..
وكما ثَبَّتَ النصارى ألوهيةَ عيسى عليه السلام رسمياً في مجمع نيقية سنة 335م، ثم انتظروا أكثر من ثمانية عشر قرناً ليمنحوا العصمةَ للبابا رسمياً سنة 1869م؛ حَوَّلَ الخميني (ولايةَ الفقيه) بعدما وسوس له بها الشيطان- أو تشاورا فيها معاً- إلى مزيجٍ وَثنيٍ جديد؛ جَمَعَ فيها للولي الفقيه- أيْ لنفسه-: (النيابةَ عن المعصوم، والولايةَ المطلقة، والوصايةَ الكاملة، والتشريع ولو بنقض التشريع)؛ مع احتفاظه بكل مقامات الإمام المعصوم-دون مقامه الروحي-؛ ليصبح مجرد انتقاده أو انتقاد آرائه- فضلاً عن معارضته أو الخروج عليه- "عملاً مِن أعمال الخيانة للدين والمذهب والإمام المعصوم"!!
لقد صار إماماً معصوماً بِجَسَدِ وليٍّ فقيه، وَوَلِّياً فقيهاً بِروحِ إمامٍ معصوم..
لا حاجة الآن لانتظارِ المهدي أمام سرداب سامراء بالعراق؛ فقد خرج مِن أكواخ (نوفل لوشاتو) بفرنسا!!
طَبيعةُ الخميني النفسية أَهَّلَتْهُ لتحطيم كلِّ هذه الألاعيب مع الاحتفاظ بأسمائها ومصطلحاتها لتسحر أعين الأتباع وتسترهبهم..كان فقيهاً تقليدي النظر، سطحي الفكر، ضيق العطن، محدود الرؤى، حقوداً، حسوداً، دموياً، عابداً لذاته، متمركزاً حول نفسه، جعلت منه الدعاية اليسارية قِدِّيسَاً نازلاً من السماء لهداية البشر؛ بينما هو دجال من الدجاجلة الذين امتلأ بهم فضاء التاريخ الشيعي، ومَهَّدَتْ مقالات الوجودي (سارتر) التي هاجم فيها سياساتِ (الشاه) الطريقَ للخميني ليسير فيها محفوفاً بمقالات مغتصب الأطفال(فوكو)؛ ليصل في النهاية إلى شيء أشبه بإله لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون!!
وكان أن طَبَّقَ الخميني هذه الإلهية الموهومة بحذافيرها من خلال تفرده المطلق بالحكم؛ تبعاً للعصمة التي وصلت إليه مِن الإمام المعصوم؛ دون خُضوعٍ لمشورة مختصين أو نزولٍ على رأي فقهاء..
وما أكثر ما رجاه أقطابُ نظامه القبول بوقف إطلاق النار بينه وبين (عراق صدام) وهو يأبى أشد الإباء؛ غير عابيءٍ بدماء الآلاف التي كانت تُسفك كل يوم في حربه العبثية التي شنها على العراق؛ ثم خضع بعد لأيٍ وحذاءُ صدام فوق رأسه؛ واصفاً خضوعه ذاك بتجرع السُّم!!
لا بأس أن تعرف- في النهاية- الطريقةَ التي اعتمدها (دِماغُ) الخميني لاختيار الولي الفقيه؛ فهي أعجوبةٌ مِن الأعاجيب، ومهزلةٌ مِن المهازل، وطُرفةُ عِلم النظريات السياسية كلها، وهي الطريقة التي سماها دراويشُه (نظرية الكشف)؛ وما أشد ضخامة المصطلحات عند الشيعة وما أشد هوائيتها..
فالولي الفقيه عند الخميني لا يختاره الشيعة؛ فالشيعة عند الخميني هَملٌ هامل أو خرافُ ضالة لا رأي لهم ولا نظر..
وإنما هو قد اختير أصلاً مِن الإمام المعصوم؛ وبالتالي مِن الله تعالى، ولأنَّ الناس لا تعرفه؛ فعلى الخبراء، أو مجالس القيادة، أو أهل الحل والعقد أن يكتشفوه اكتشافاً.. إي والله يكتشفوه اكتشافاً!!
وحين قيل لـ(محمد يزدي)_ وهو من تلاميذ الخميني ومعدودٌ من متفلسفيهم الإصلاحيين ضمن أُصوليي ولاية الفقيه-؛ حين قيل له: إنَّ مجالس الخبراء التي تكتشف الولي الفقيه منتَخبةٌ مِن الناس أصلاً؛ رَدَّ قائلاً:" هذا لا يعني أنَّ الشعب هو مصدر السلطة؛ بل هو وسيلة إجرائية للوصول إلى الشخص الذي عَيَّنَهُ الله ورسوله بالوصف"..
كان هذا الرد المذهل من فيلسوفهم العميق يزدي ترقيعاً بائساً وهروباً مفضوحاً مِن الأصل السهل الواضح الفطري الذي أنزله الله في كتابه للمسلمين حين قال:" وأمرهم شورى بينهم"؛ جاعلاً اختيار خليفة المسلمين شورى بين المسلمين.
***
هذا هو دين الشيعة، وهذه هي دنياهم؛ لا نعرفُ فيهما صَلاحاً ولا إصلاحاً؛ بل كل إصلاحٍ عندهم هو إفسادٌ لاحق، يُسَوِّغُ إفساداً سابقاً، تَرَتَّبَ على إفسادٍ أوليَّ، حتى صارت إصلاحاتُهم على مدار ثلاثة عشر قرناً سلسلةً من الألاعيب والأكاذيب والترقيعات؛ سيطروا بها على دين أتباعهم بالوثنية، وعلى عقولهم بالجنون، وعلى أموالهم بالخُمس، وعلى أعراضهم بالمتعة.. وإنه لمن العار واللهِ أن يَنبهرَ مسلمٌ أو عاقلٌ أو حُرٌ بدينٍ ودنيا لا إسلامَ فيهما ولا عقلَ ولا حُرية..
وما أحسن هنا ما قال البردوني.. وكثيراً ما كان يُحسن:
على لِحَاكُم يَبولُ العارُ مبتهجاً
إذْ عاشَ حتى رأى مَنْ يَعشقُ العَارا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق