‏إظهار الرسائل ذات التسميات جرائم فرنسا في إفريقيا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات جرائم فرنسا في إفريقيا. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 26 يناير 2025

الأفول الفرنسي في أفريقيا.. قراءة في الأسباب

 

الأفول الفرنسي في أفريقيا.. قراءة في الأسباب
فرج كندي
كاتب وباحث



هيمن المستعمر الفرنسي على مناطق شاسعة من القارة الأفريقية بعد غزوها في القرن السابع عشر الميلادي؛ فيما عُرف ببداية مرحلة الاستعمار الأوروبي للقارة السمراء الغنية بالموارد الطبيعية والبشرية المتنوعة ذات الوفرة.

استخدمت فرنسا أبشع أنواع العنف والتنكيل بالشعوب الأفريقية التي وقعت فريسة لها، وتلظّت بنير عسفها وجورها وتسلّطها غير المسبوق، الذي تميزت به المدرسة الاستعمارية الفرنسية عن غيرها من مدارس الاستعمار الأوروبي الحديث.

مدرسة فرنسا الاستعمارية

اتخذت فرنسا منهجًا استعماريًا خاصًا بها، أصبح مدرسة لها خصائصها التي عُرفت بها، تلتقي في بعض ملامحها مع مناهج الاستعمار بصفة عامة، وتختلف بتميز الطابع الفرنسي الخالص الذي يقوم على مقومات عديدة، منها:

  • استخدام القوة المفرطة، والعنف والقسوة، والإبادة ضد الشعوب المُستعمَرة.
  • الإدارة المباشرة للمناطق التي تستعمرها بقوتَي الحديد والنار.
  • تدمير الهوية المحلية والقضاء على لغة الشعوب المحلية التي تقع تحت سيطرتها، وإحلال اللغة الفرنسية حتى يسود مشروع فرنسا الاستعماري الذي عُرف بـ"الفرانكفونية"، أي الدول أو الشعوب الناطقة بالفرنسية من غير الفرنسيين.
  • مسخ عقل أفريقيّ اللون والعرق، وتحويله إلى فرنسي الفكر والهوى والتبعية.
  • استنزاف ثروات الشعوب المستعمرة وتوظيفها في ازدهار فرنسا وبناء قوتها العسكرية والاقتصادية.
  • قمع حركات المقاومة وارتكاب المجازر، وإطلاق حملات تنصير كبيرة لتحويل أفريقيا إلى قارة مسيحية.
  • إفقار الأفارقة وإبقاؤهم تحت نير الثالوث الاستعماري: "الجهل، والفقر، والمرض".

ما بعد الحرب العالمية الثانية

استمرت فرنسا في حملات الإبادة والقمع للشعوب الأفريقية منذ بدايات استعمارها لأوطانهم، وارتكبت خلالها أبشع صور الإبادة لحركات المقاومة، وخاصة الإسلامية منها. وأكبر دليل على ذلك ما ارتكبته في تشاد من قتل أكثر من 400 عالم مسلم في مذبحة عُرفت بـ"كبكب" سنة 1917 ميلادية.

ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية سنة 1939، استقدمت فرنسا الجنود من مستعمراتها ليكونوا وقودًا في معركة لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ووعدتهم في مقابل ذلك بنيل الاستقلال إذا كسبت الحرب منًّا وكرمًا منها، لا استحقاقًا طبيعيًا لشعوب ترنو لنيل حريتها واستقلالها وتقرير مصيرها.

وانتصر الحلفاء، إلا أن المستعمر لا تُؤمَن بوائقه، فأخلفت الوعد وتلكأت وماطلت. لكنها عادت فاستجابت، مضطرة، أمام إصرار الأفارقة الذين نالوا قسطًا من التعليم في فرنسا، وعادوا للمطالبة بالتحرر والاستقلال من خلال تكوينهم جمعيات ومنظمات وأحزابًا قادها رموز من الحركات الوطنية الأفريقية مثل: لومومبا ونيكروما وغيرهما. أُجبرت فرنسا منكسرة على تلبية مطالب الشعوب الأفريقية بالحرية والاستقلال عنها في ستينيات القرن المنصرم.

مرحلة الاستقلال الصوري

خرجت فرنسا من بعض مستعمراتها الأفريقية تحت ضغط حركات التحرر، التي نشطت وقدمت الكثير من التضحيات لأجل نيل الاستقلال والحرية، وتمكين أبناء البلاد من حكمها وإدارة مقدراتها، وإدخال برامج التنمية للقضاء على ثالوث ركائز الاستعمار الفرنسي: الفقر، والجهل، والمرض.

خرجت فرنسا من الباب، في الظاهر، لكنها في الحقيقة لم تخرج حقًا، وإن ظن البعض ذلك؛ بل عادت من النافذة، وذلك لعدة اعتبارات:

  • أن من تسلم قيادة هذه الدول هم صنيعة فرنسا الاستعمارية: ثقافةً ولغةً وأفكارًا وتبعية مطلقة.
  • أن فرنسا ربطت مقدرات هذه الدول بالتبعية لها، وسيطرت على مواردها الطبيعية، التي استخدمتها في صناعتها التي تقدم الرفاهية لمواطنيها، وتحرم الأفارقة من عائداتها؛ ليبقوا تحت نير الثالوث الفرنسي الذي فرضته على الأفارقة.
  • ربط اقتصاد المستعمرات الأفريقية السابقة بالفرنك الفرنسي، حتى إن بعض الدول مصارفها المركزية في فرنسا وليس في عواصمها. وهذا لا يمكن فهمه إلا أنه نوع من أنواع الوصاية على هذه الدول المتطلعة للحرية والتنمية.

السياسة الفرنسية في دول أفريقيا ما بعد الاستقلال

ترسخت السياسة الفرنسية في أفريقيا وفق منهجية استمرارية لتجذير ثالوثها القاتل للشعوب المستعبدة، والمغذي لثرواتها وقوتها على حسابها. وزاد الطين بلة، والأمر تعقيدًا وخرابًا، حين استبدلت الاستعمار المباشر بقادة الاستقلال الأوائل الذين خيم على إداراتهم الفشل والتبعية، وعدم القدرة على التخلص من ربقة الاستعمار الفرنسي في صورته الثانية.

وسرعان ما تيقنت فرنسا من فشلهم، فاستبدلتهم بقيادات أكثر تبعية وأكثر إخلاصًا لفرنسا من إخلاصهم لأوطانهم وشعوبهم، عبر انقلابات عسكرية متعاقبة بين ضباط عسكريين متصارعين على السلطة، مع جهل تام بإدارة الدولة، وغياب مفاهيم الحرية والتنمية والاستقرار؛ ما أفرز حروبًا أهلية أودت بالآلاف من الضحايا من الأبرياء من الرجال والنساء والأطفال، وحوّلت هذه الدول إلى مناطق إبادة ومجاعات، رغم ما تزخر به من ثروات كبيرة ومتنوعة كفيلة بازدهارها ونموها.

مرحلة الوعي الأفريقي وما قبل الانتكاسة

ترتب على هذه السياسة القاصرة وغير الأخلاقية ردة فعل لدى النخب الأفريقية، التي أدركت ما تمر به بلادها من تخلّف وفقر وحروب وتبعية؛ فأخذت في الدعوة إلى الخروج من تحت الهيمنة الفرنسية، التي لم تحقق استقرارًا ولم تساعد في تنمية، بل كانت هذه الهيمنة السبب الأول والمباشر لاستمرار واستقرار ثالوث الجهل والفقر والمرض.

وخلصت النخب الأفريقية إلى أنه لن تقوم لها قائمة في ظل هذا الوجود بشقيه؛ المدني والعسكري، المتمثل في وجود قواعد عسكرية في المنطقة، أصبحت غير مرغوب في وجودها؛ لأنها مصدر قلاقل أكثر من كونها مصادر استقرار.

العامل الخارجي المساعد في نكسة فرنسا

في مرحلة الوعي الأفريقي بما يثقل كاهل المستعمرات الفرنسية السابقة من نفوذ يكبل حرياتها ويسلب ثرواتها، برز الحل في التخلص من هذا النفوذ وإلقائه عن كاهل هذه الدول. وصادف ذلك دخول ثلاث قوى على الخط؛ منها اثنتان قوى دولية عظمى، والثالثة قوة إقليمية صاعدة تتمدد:

  • القوة الدولية الأولى تميزت بالجانب العسكري (روسيا)، التي أخذت في التمدد بعد انكفائها عقب تفكك الاتحاد السوفياتي في مطلع تسعينيات القرن الماضي. بقيادة رئيسها الحالي فلاديمير بوتين، جعلت من أفريقيا هدفًا لبناء قواعد عسكرية تزاحم بها نفوذ حلف الناتو عدوها اللدود. ووجدت في حالة التبرم الأفريقي من الوجود الفرنسي فرصةً للدخول على الخط لإخراج فرنسا من مستعمراتها السابقة.
  • القوة الدولية الثانية هي الصين، التي دخلت الساحة الأفريقية اقتصاديًا، ففتحت الآفاق أمام الأفارقة لتحسين أوضاعهم الاقتصادية، والاستفادة من ثرواتهم الطبيعية لتحقيق تنمية شاملة.
  • القوة الإقليمية الثالثة تمثلت في تركيا، التي دخلت أيضًا على الخط اقتصاديًا وإن كان بدرجة لا تنافس الصين، وتميز وضع تركيا بوجود علاقات قديمة بالقارة الأفريقية تعود إلى أيام الدولة العثمانية في تلك المناطق.

الانتكاسة والخروج غير المشرف

تضافرت كل الظروف التي أذنت بانتكاسة فرنسا في القارة الأفريقية، كان أولها:

  • السياسة التي اتبعتها الحكومات الفرنسية المتعاقبة على مدى عقود، دون اعتبار لحاجات الشعوب الأفريقية وتطلعاتها، ولا لحركة التاريخ وسنن التغيير.
  • يقظة سياسية بين الأجيال الشابة الأفريقية، وفقدانها الأمل في تغيير السياسة الفرنسية، وإدراكها ضرورة التغيير والخروج من تحت عباءة الوصاية ثقيلة التكلفة.
  • دخول أطراف سياسية وازنة لها طموحات سياسية واقتصادية وعسكرية ومصالح في القارة، لن تتحقق إلا بإزالة النفوذ الفرنسي.

وقد حالفها الحظ في وجود التيار الوطني المناهض للنفوذ الفرنسي المسيطر على مقاليد الحياة العامة في هذه الأجزاء من القارة، الذي سرعان ما فتح أبوابه أمام دخول المشروعات الاقتصادية الصينية والتركية، وانتهى الأمر بتغلغل القوات العسكرية الروسية، وإخراج القوات العسكرية الفرنسية التي كانت جاثمة على أراضيهم؛ بحجة مكافحة الإرهاب، وغيرها من المبررات.

وكانت النهاية غير المشرفة لفرنسا بمغادرتها تلك الأراضي بضغط شعبي عارم، ولسان حال الأفارقة يردد ما تمثل به الشاعر الليبي أحمد رفيق المهدوي حين خرجت القوات الإيطالية من ليبيا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية:

و"إذا ذهب الحمار بأم عمرو         فلا رجعت ولا رجع الحمار".

الأربعاء، 13 سبتمبر 2023

جزيرة مايوت.. الأرض العربية التي تحتلها فرنسا حتى الآن

 جزيرة مايوت.. الأرض العربية التي تحتلها فرنسا حتى الآن


"أعمل دون انقطاع منذ عام 2001 لأربي سبعة أطفال، أنا من أكثر النساء عملا في هذا العالم، والآن يطردونني". (1)

كان هذا ما قالته السيدة فاطمة يوسف وهي تبكي على سنوات كفاحها التي تحولت إلى رماد أمام أعينها حين قامت القوات الفرنسية بالعملية الأمنية "وامبوشو"، التي تعني باللغة المحكية في جزر القمر "الاستعادة"، (2) إذ أرسلت فرنسا عشرات الحفارات والشاحنات وأكثر من 600 ضابط شرطة في مايو/أيار الماضي إلى الجزيرة التي تعيش فيها فاطمة من أجل ترحيل أكثر من 10 آلاف "مهاجر غير شرعي" لا يحمل الوثائق اللازمة، وتدمير ألف مسكن من مساكن العشوائيات التي يعيش فيها 40% من سكان الجزيرة الخاضعة للسيطرة الفرنسية، في إطار خطة باريس لمواجهة الهجرة غير النظامية في أراضيها. (3) وقد قامت حكومة ماكرون بهذا الإجراء كي تكتسب شعبية بين الفرنسيين الذي ينجذبون أكثر وأكثر لخطاب اليمين المتطرف المعادي للمهاجرين، وذلك على خلفية انحدار شعبية الحكومة بعد إقرار إصلاح نظام التقاعد في البلاد، وهو قرار تسبَّب في احتجاجات واسعة. (4)

لعل القارئ يظُن لأول وهلة أن فرنسا قامت بهذه العملية ضد مهاجرين غير نظاميين في مدينة فرنسية، لكن الحقيقة أن هذه العملية وقعت على أرض أفريقية تبعد عن فرنسا آلاف الأميال. إنها جزيرة مايوت الواقعة في المحيط الهندي التي تحتلها فرنسا منذ عقود طويلة، على الأقل من وجهة نظر الأمم المتحدة وقراراتها الصادرة عن الجمعية العامة. هذه الجزيرة هي واحدة من جزر القمر، ويعيش فيها 310 ألف شخص نصفهم تقريبا تعتبرهم فرنسا أجانب، وأغلبهم من أهل الجزر القمرية المستقلة، التي كانت مايوت جزءا من أراضيهم التاريخية. (5) وتُرحِّل فرنسا 25 ألف مواطن قمري سنويا في المتوسط منذ عام 2018 من الأراضي التي تسيطر عليها، كما أنها منحت حكومة جزر القمر نحو 150 مليون يورو لمكافحة هجرة القمريين "غير الشرعية" على حد وصفها بين عامي 2019-2022. (6)


تظهر هذه الصورة الملتقطة في أواخر 24 مايو 2023 ضابط شرطة فرنسي يستجوب مهاجرين غير شرعيين في مايوت بعد أن تم اعتراضهم أثناء إبحارهم سرا ليلا من جزر القمر إلى جزيرة مايوت

كانت منظمة هيومن رايتس ووتش قد علَّقت في مقال لها على العملية الفرنسية "وامبوشو" قائلة إنه كان على فرنسا بدلا من تشريد السكان أن تواجه الأزمات البنيوية في تلك المنطقة التي يعيش 80% من سكانها في فقر مُدقِع، ويتلقون مستوى تعليميا يُرثى له، سواء من حيث نسبة مَن يُكملون تعليمهم أو من ناحية مقدار كفاءة المعلمين وجودة أوضاعهم المعيشية. (7) وجدير بالذكر أن معظم سكان جزر القمر سواء الجزر المستقلة أو جزيرة مايوت لديهم عائلات في كلا الجانبين، وبحسب الباحث الأنثروبولوجي "داميان ريشيو"، فإن فرنسا إذا طردت كل السكان القمريين المهاجرين المنحدرين من الجزر الأخرى من مايوت، فإن النتيجة ستصبح تدمير الاقتصاد المحلي في الجزيرة الخاضعة لباريس، إذ إن اقتصاد مايوت، وتحديدا في مجال البناء، يعتمد على العمالة المهاجرة من الجزر القمرية الأخرى. (8)

قصة احتلال الجزيرة

تبسط فرنسا سيادتها على أراضي جزيرة مايوت منذ عام 1841، حين اشترت باريس الجزيرة التي كانت تتعرض باستمرار لهجمات القراصنة، قبل أن تحتل جزر القمر بأكملها عام 1912. في وقت لاحق، غيَّرت باريس اسم الجزيرة من الاسم العربي القديم جزيرة الموت إلى "مايوت"، وكانت تُسمَّى جزيرة الموت لأنها محمية بشُعب مرجانية تحيط بها وتحطم السفن القادمة إليها. (9) وفي عام 1974، وبعد النضال ضد الاستعمار الفرنسي، أُجري استفتاء شعبي صوَّت فيه 95% من سكان جزر القمر لصالح استقلال بلادهم، لكن فرنسا اختارت أن تتعامل مع استفتاء كل جزيرة من الجزر على حِدة، وكان 63.3% من سكان جزيرة مايوت قد صوَّتوا ضد خيار الاستقلال، علما بأن الجزيرة مثَّلت 8% فقط من كتلة التصويت القمرية آنذاك. (10)

أثار النهج الفرنسي الجدل القانوني على الصعيد العالمي بالطبع، وإن لم يُحدِث الجدل صدى كبيرا، نظرا لأن المتضرر قانونيا جزر أفريقية شديدة الفقر ومجهولة لنسبة كبيرة من سكان الكوكب. لكن فكرة أخذ تصويت كل جزيرة من جزر القمر منفردة كانت فكرة غريبة من نوعها، والسبب أنه حتى في الدول الأوروبية الغنية نسبيا الآن، فضلا عن الدول الأفريقية، لو جرى استفتاء لكل منطقة على حِدة في كل بلد، فلربما فقدت كل البلاد أجزاء كبيرة من أراضيها. ولو أجرت فرنسا نفسها استفتاء مشابها في جزيرة كورسيكا الفرنسية مثلا لربما فقدتها. إن وحدة أراضي دولة ما مبدأ لا يُتعامَل معه على نحو مجزَّأ بأخذ تصويت كل شارع أو منطقة بمعزل عن الأخرى.

لقد اعترف رئيس الوزراء الفرنسي السابق "ميشيل روكار" بأن بلاده أحكمت سيطرتها الفعلية على الجزيرة عبر عملية سياسية تراكمية. (11) هذا ولا تعترف الأمم المتحدة ولا الاتحاد الأفريقي ولا جامعة الدول العربية بأحقية فرنسا في الجزيرة، وجدير بالذكر أن دولة جزر القمر المتضررة من فقدان جزيرتها هي دولة عربية رسميا، انضمت إلى جامعة الدول العربية في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 1993، ما يعني أن احتلال أراضيها بمنزلة احتلال أراضٍ عربية.

موارد طبيعية ونفوذ جيوسياسي.. أهمية مايوت لفرنسا

حين تُعرِّف فرنسا جزيرة مايوت على منابرها الإعلامية الرسمية تصفها أنها حوض أسماك طبيعي ذو تنوُّع بيولوجي استثنائي، وجنة ساحرة لمحبي الغوص في أعماق البحار إلى جانب السلاحف والحيتان، كما تحيط بها واحدة من أكبر البحيرات المُغلقة في العالم. (12) ولا تنسى هذه التعريفات المُشجِّعة على السياحة في الجزيرة أن تُذكِّر قُراءها بأشجار المانغروف ورائحة زهرة "إلانغ إلانغ"، التي تشتهر بها الجزيرة اليوم وتدخل في تركيبات بعض أهم العطور الفرنسية. (13)

وللجزيرة أيضا أهمية كبيرة بالنسبة لفرنسا إذا ما نُظِر إليها في إطار حضور فرنسا البحري عالميا، فبفضل سيطرة فرنسا على أراضٍ بالمحيطَيْن الهادي والهندي (وجزيرة مايوت واحدة منها) صارت فرنسا تمتلك مناطق اقتصادية خالصة تُقدَّر بـ11.7 مليون كيلومتر مربع، وهي ثاني أكبر منطقة اقتصادية خالصة في العالم تتمتَّع بها دولة ما. علاوة على أهمية الجزيرة الجيوسياسية نظرا لموقعها القريب من قناة موزمبيق، التي تقع مايوت في وسط المصب الشمالي لها. (14) بالنسبة للثروات الطبيعية، تمتلك القناة احتياطات من الغاز الطبيعي، وهو أمر يجعل بعض القمريين يرون أن وجود فرنسا في الجزيرة وجود استعماري بالمعنى الاقتصادي أيضا، إذ إن أهداف باريس تشمل الإثراء الاقتصادي واستغلال الموارد الطبيعية. (15)

هناك أيضا توقعات بأن بحار الجزر القمرية تحمل في طياتها ثروات لم تُكتشف بعد، ووفق هذه التوقعات، ربما تمتلك جزر القمر نحو 1.1 تريليون قدم مُكعَّب من الغاز الطبيعي و7 مليارات برميل من النفط. (16) ورغم عدم وجود أدلة كافية حتى الآن على وجود النفط والغاز، وعدم قيام شركات التنقيب بعمل كبير هناك، فإن احتمالات وجود ثروة نفطية في الجزر ربما يضيف أهمية إستراتيجية كبيرة للجزيرة بالنسبة لفرنسا. (17) وجدير بالذكر أن شركات فرنسية كبرى مثل "سيجما" و"لافارج" و"توتال" توجد في الجزيرة لاستخراج الثروات الموجودة والانتفاع منها. (18) وكان "حامد كرهيلا"، سفير جزر القمر السابق في الرياض والمرشح السابق لرئاسة الجمهورية، قد ذكر صراحة في مقال رأي أن هدف فرنسا من تشديد قبضتها على جزيرة مايوت هو التحكُّم في موقعها الإستراتيجي، والسيطرة التامة على ثروتها البترولية. (19)

فقراء في أوروبا.. أغنياء في أفريقيا

بلغ متوسط الدخل السنوي في جزيرة مايوت 10 آلاف دولار، وهو رقم متواضع أوروبيا وفرنسيا أيضا، لكنه رقم مرتفع بالمقارنة مع بقية الجزر القمرية التي لا يتجاوز متوسط الدخل السنوي فيها ألفيْ دولار. (AFP)

لا يمكن إنكار أن عمليات طرد المهاجرين القمريين من مايوت تتمتَّع بقدر من الدعم في قطاعات شعبية داخل الجزيرة، علما بأن سكان الجزيرة مُسلمون بنسبة 97% ويشاركون بقية القمريين في الدين والنسب ولون البشرة إلى حدٍّ بعيد، لكنهم يخرجون حاملين الأعلام الفرنسية في الشوارع لإظهار الاحتفاء بعمليات الطرد الفرنسية للمهاجرين، بل ينتقد بعضهم تلك الحملات الأمنية لأنها ليست عنيفة وراديكالية بما يكفي. يُضاف إلى ذلك أن "مارين لوبان"، زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي المناهض للهجرة، قد حصلت على 43% من الأصوات في الجزيرة في انتخابات عام 2017. (20)

فرغم الظروف المعيشية الصعبة في جزيرة مايوت، فإنها من الناحية الاقتصادية تتجاوز جاراتها القمرية الأخرى، فهي بمنزلة منطقة أوروبية تستخدم اليورو وتتمتع بتدفقات مالية فرنسية وبنظام صحي وتعليمي يمكن وصفه بـ"المتقدم"، على الأقل من الناحية التقنية، وإن كانت في الوقت نفسه أفقر المناطق الخاضعة لنفوذ فرنسا، ويفتقد 29% من سكانها للمياه الصالحة للشرب. ويبلغ متوسط الدخل السنوي في الجزيرة 10 آلاف دولار، وهو رقم متواضع أوروبيا وفرنسيا أيضا، لكنه رقم مرتفع بالمقارنة مع بقية الجزر القمرية التي لا يتجاوز متوسط الدخل السنوي فيها ألفيْ دولار. ويخلق هذا التباين صراعا حادا، إذ إن النظرة السائدة لدى نسبة لا بأس بها من سكان مايوت هي أن بقية القمريين المهاجرين يقتسمون معهم امتيازاتهم الأوروبية، ويتسببون في تعطيل التنمية في جزيرتهم بالضغط على الخدمات العامة والمنافسة على الفرص المتاحة لهم في سوق العمل. (21)

في الواقع حين تجادل فرنسا بأحقيتها في الجزيرة وشرعية الاستيلاء عليها، تبدأ من نقطة أن 63.8% من سكانها قد اختاروا فرنسا عام 1974، وتشير إلى الاستفتاء الثاني الذي أقامته باريس في الجزيرة عام 1976 وكانت نتيجته موافقة 99.4% من المصوتين على البقاء مع فرنسا وعدم الانضمام إلى دولة جزر القمر. ثم في عام 2009 صوَّت 95.2% من الناخبين في الجزيرة لصالح أن تصبح مايوت مقاطعة فرنسية، وهي كلها أدلة على اختيار سكان الجزيرة الذين يحافظون على تراثهم الأفريقي الإسلامي حتى في أزيائهم، لكنهم مع ذلك يفضلون السيادة الفرنسية. (22)

في مقال بعنوان "بين جزيرة مايوت المسلمة وأوكرانيا.. تناقض الاتحاد الأوروبي"، طرح الكاتب "محمد سليم قلالة" في جريدة الشروق الجزائرية مفارقة مهمة، وهي أن الاتحاد الأوروبي الذي يُقِر بأحقية فرنسا في جزيرة مايوت بذريعة الاستفتاء، هو نفسه الذي يرفض ضمَّ روسيا لشبه جزيرة القرم ولوغانسك ودونتسك رغم لجوء موسكو إلى الوسيلة نفسها. (23) وبعيدا عن المفارقة، وكما يتضح من التواريخ السابقة، يبدو أن الرغبة في الانتماء إلى فرنسا قد ازدادت بين سكان مايوت منذ لحظة استقلال جزر القمر وحتى يومنا هذا. وهو ما يجعلنا نتساءل: ما الذي يدفع أعدادا متزايدة من سكان جزيرة مايوت لإظهار رغبتهم في البقاء تحت الإدارة الفرنسية، بعد أن كان نحو 60% فقط منهم يرغبون في ذلك في زمان الاستقلال؟

يريدون البقاء في فرنسا.. ما المشكلة إذن؟
المرتزق الفرنسي بوب دينارد خلال "انقلاب" جزر القمر

حين قرر رئيس الحكومة القمرية "أحمد عبد الله بن عبد الرحمن" إعلان استقلال بلاده في السبعينيات من جانب واحد بكامل جُزرها بعد إجراء استفتاء شعبي، لم يُعجب الأمر فرنسا، ولم يُعجبها تحديدا إصراره على أحقية جزر القمر في جزيرة مايوت. ولكن لم يكن ممكنا أن تتدخل باريس رسميا حينها، فتوجهت إلى المرتزق الفرنسي "بوب دينار"، الذي قام بدوره بانقلاب عسكري على الرئيس، ثم تولَّى الحكم "علي صويلحي" الذي لقَّبه خصومه بـ"الديكتاتور المجنون". لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، ففي عام 1978 انقلب الرئيس السابق "أحمد عبد الله" على "علي صويلحي" لكن هذه المرة بمساعدة "بوب دينار" ومن خلال تعيينه مسؤولا عن الحرس الرئاسي، وقد توقف أحمد بعدها عن الحديث عن جزيرة مايوت بعد ما حدث معه في المرة السابقة. (24)

لم تتوقف الأمور عند هذا الحد، فحين فكر أحمد عبد الله في عزل "بوب دينار"، اغتيل عام 1989، وحدث بعدها الانقلاب على رئيسَيْن آخرَيْن. وقد أشارت أصابع الاتهام كلها إلى المرتزق الفرنسي في الحالتين، بل وأثبت القضاء الفرنسي دوره بالفعل في إحداهما. (25) حاكمت فرنسا بوب دينار في نهاية حياته على ما قام به في جزر القمر، لكنه أخذ يقول بوضوح إنه قام بالمهام التي أوكلته باريس نفسها بتنفيذها، وإنه عمل تحت إشراف الأجهزة الفرنسية وبتوجيهاتها، وإنه قُدِّم في النهاية كبشَ فداء للجمهورية الفرنسية. (26) (27)

هذا هو الدور الذي لعبته باريس في تحويل جزر القمر إلى مسرح للعنف والانقلابات العسكرية، وما تبع ذلك من فشل سياسي واقتصادي استثنائي، يُثني الكثيرين في مايوت عن الرغبة في الاتحاد مع بني جلدتهم في جزر القمر. مع تتابع السنوات إذن يمكن أن نفهم لماذا يشعر قطاع كبير من سكان مايوت بأنهم يسكنون في جنة أوروبية بجوار دولة فقيرة واستبدادية مزَّقتها الانقلابات، ولماذا يصرون على انتمائهم السياسي إلى فرنسا، والحصول على كل المزايا الاقتصادية والاجتماعية لهذا الانتماء، رغم إدراكهم الواضح لعدم انتمائهم الثقافي والديني لها بالضرورة، إذ لا يزال السواد الأعظم منهم من المسلمين، ولا تزال لغتهم الأساسية في حياتهم اليومية هي القمرية تليها الملغاشية السائدة في مدغشقر.

___________________________________________

المصادر

  • 1- France demolishes homes on Mayotte island in migrant crackdown.
  • 2- French Police Forcibly Oust Undocumented Migrants from Mayotte.
  • 3- ‘Insulted, humiliated, hunted’: plight of migrants as slums razed in French territory of Mayotte.
  • 4- المرجع السابق.
  • 5- المرجع السابق.
  • 6- Anti-migration operation on French African island of Mayotte stirs tensions, exposes inequalities.
  • 7- French Police Forcibly Oust Undocumented Migrants from Mayotte.
  • 8- Insulted, humiliated, hunted’: plight of migrants as slums razed in French territory of Mayotte.
  • 9- مايوت.. جزيرة مُسلمة في الاتحاد الأوروبي.
  • 10- اتحاد جزر القمر ومايوت.
  • 11- Comoros row with France intensifies as turmoil brews at home.
  • 12- Mayotte.
  • 13- The 5-minute essential guide to Mayotte ylang-ylang.
  • 14- France’s strategy in the Indo-Pacific.
  • 15- ‘Insulted, humiliated, hunted’: plight of migrants as slums razed in French territory of Mayotte.
  • 16- Comoros row with France intensifies as turmoil brews at home
  • 17- Dreams of Comoros oil boom hang on seismic survey.
  • 18- Mayotte.
  • 19- ماذا يجري في جزيرة مايوت القمرية؟
  • 20- Comoros row with France intensifies as turmoil brews at home.
  • 21- Anti-migration operation on French African island of Mayotte stirs tensions, exposes inequalities.
  • 22- اتحاد جزر القمر ومايوت.
  • 23- بين جزيرة "مايوت" المسلمة و"أوكرانيا".. تناقض الاتحاد الأوروبي.
  • 24- فيلم مرتزق الحروب، الجزيرة الوثائقية.
  • 25- بوب دينار.
  • 26- Bob Denard, Hired Gun for Coups, Is Dead at 78.
  • 27- بوب دينار ماذا تعرف عن زعيم المرتزقة؟
المصدر : الجزيرة


الأحد، 27 أغسطس 2023

فيديو اليوم (معركة الوجود في افريقيا)

 فيديو اليوم(معركة الوجود في افريقيا) 

 لماذا انقلاب النيجر يثير كل هذا الاهتمام العالمي؟


إنه: "البلد الذي يضيء شوارع باريس بينما يعيش أغلب سكانه في الظلام"، إنها النيجر .. واحدة من أكبر دول إفريقيا مساحة وسكاناً ومشاكلَ لماذا لم يشهد العالم كل هذا الاهتمام عندما وقع انقلاب مالي أو انقلاب بوركينا فاسو؟

الخميس، 3 أغسطس 2023

جرائم فرنسا في تشاد

جرائم فرنسا في تشاد 

جثث مذبح كبكب


مجزرة كبكب 1917م

عبدالله الشريف حلقة 30 مجزرة كبكب الموسم الرابع

مائة عام على مذبحة كبكب إعدام فرنسا لـ400 عالم من تشاد

مجزرة كبكب المنسية

مجزرة كبكب النقطة السوداء في تاريخ فرنسا المظلم




جرائم فرنسا في تشاد مجزرة الكبكب

الجمعة، 21 يوليو 2023

بعد عودتها للغة العرب.. هل انتهت العلاقة بين مالي وفرنسا إلى الأبد؟

 بعد عودتها للغة العرب.. هل انتهت العلاقة بين مالي وفرنسا إلى الأبد؟


محمد العربي

في بقعة منسية غرب أفريقيا يسكنها أغلبية مسلمة تفوق 90%، أدلى الناخبون الماليون بأصواتهم في يونيو/حزيران الماضي على مشروع دستور جديد يعوَّل عليه لتغيير الواقع السياسي الهش الذي تغرق فيه البلاد منذ انقلاب المجلس العسكري على الرئيس "باه نداو" قبل ما يقرب من ثلاث سنوات. ورغم تأكيد العقيد "أسيمي غويتا"، زعيم الانقلاب الذي نصّب نفسه رئيسا مؤقتا، أن الاستفتاء الدستوري الذي نظمته مالي بضغط من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس)، وحصل على موافقة 97% من أصوات الشعب، يُعَدُّ خطوة حاسمة نحو إعادة البلاد إلى الحكم المدني، تمهيدا لإجراء انتخابات رئاسية في فبراير/شباط عام 2024، فإن كل هذه الأمور لا تكفي لضمان مستقبل ديمقراطي هادئ للبلاد، فقد لا يحدث التغيير السياسي رغم الوعود الكثيرة التي قد تقطعها المؤسسات العسكرية، لكنَّ شيئا واحدا رغم كل شيء يبدو أنه قد يتغير للأبد، هذا الشيء المحوري هو علاقة "باماكو" بـ"باريس".

يأتي هذا الاستفتاء الجديد بعد أقل من عام على طرد القوات الفرنسية من البلاد، حاملا وجها جديدا يكرس لقطيعة تامة مع فرنسا، مُستعمِر الأمس الذي فرض على البلاد هوية علمانية، ودس اللغة الفرنسية لتكون اللغة الرسمية لمالي المسلمة التي كانت حتى الأمس القريب رهينة لهذا التوجه الفرنكفوني الذي يسيطر على 29 دولة في فضاء أفريقيا الفسيح. خفضت التعديلات الدستورية درجة اللغة الفرنسية من لغة رسمية إلى لغة عمل، لصالح اللغات الأم التي منها العربية، كما مهدت الطريق لإمكانية إلغائها في المستقبل القريب.

سقط عرش فرنسا في باماكو بين ليلة وضحاها، وأصبح يُنظر إلى مالي على أنها تلك الدولة القادرة على قيادة ربيع أفريقي مناهض لفرنسا تمتد عدواه لبقية دول الساحل والصحراء، خصوصا أن الجيل الجديد لم يعد يرى في الوجود الفرنسي الذي صنع أغلب الماضي القريب لدول شمال وغرب أفريقيا سوى وجهه المُستعمِر، وأمام هذه الحقيقة لم يعد بإمكان باريس أن تظل محتفظة بزمام الحاضر والمستقبل في مربع سيطرتها السابق، ويبدو أن البداية قد تكون من مالي.

حضارةٌ عربية ولسانٌ أعجمي

لم يكن غريبا أن تكون المواد المتعلقة بالهوية في مسودة الدستور، وهي علمانية الدولة، وهيمنة اللغة الفرنسية، أكثر المواد إثارة للجدل في أوساط النخبة التي طالبت بانتزاع الإرث الاستعماري للعهد الفرنسي من أحشاء المواد الدستورية التي تغلغل فيها منذ عقود، فرغم استقلالها منذ عام 1960، ظلت مالي الجديدة منفصلة عن هوية الأجداد، خاصة مع إقرار دستور عام 1992 الذي حافظ على استمرار الإرث الاستعماري من خلال علمنة الدولة، وجعل الفرنسية هي اللغة الأم في بلد مسلم ينطق بالعربية التي تبصم على حضور قوي في جُل حضارته وتاريخه القريب، بصمة ترويها مُخطوطات وشواهد صيغت بلغات محلية كانت العربية تتقدمها في أحيان كثيرة، بحكم الدين الإسلامي الذي يدين به أغلب سُكان مالي منذ أكثر من ألف عام، حين وصل الإسلام إلى غرب أفريقيا عبر التجارة، والرحالة العرب في القرن التاسع الميلادي.

على جانب آخر بعيد عن أروقة السلطة، نشأت أجيال أخرى من الطبقة المتوسطة والفقيرة تشعر بانفصام واضطراب الهوية، وتعاني إلى جانب وضع اقتصادي مُزرٍ من عدم الاعتراف بشهاداتها الجامعية في الكليات والجامعات العربية، في مقابل فتح أبواب الوظائف الحكومية وتعيين الخريجين الذين تلقوا تعليما باللغة الفرنسية. ورغم دمج المدارس العربية التي تربو على الألف مدرسة في النظام التربوي الحكومي، وحصولها على اعتراف رسمي منذ عام 1986، فإنّ اندماج هؤلاء الشباب في سوق العمل يتوارى أمام تفرّد حاملي الثقافة الفرنسية ولسانها ممن حصلوا على دعم مالي وسياسي سخي، وبل وحكومي رسمي منذ عام 2003، مقابل أصحاب اللسان العربي في وطنهم الأم.

دام هذا الوضع لسنوات طويلة، لكن في ظل متغيرات كثيرة جرت على السطح في الداخل والخارج، وفجأة ودون سابق إنذار، بدأ النفوذ الفرنسي يتلاشى في غرب أفريقيا مع وصول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خصوصا مع دخول مُنافسين كبار للمنطقة وعلى رأسهم روسيا والصين وتركيا، إلى جانب أخطاء ارتكبتها باريس في شمال وغرب أفريقيا، بدأ برهانها الخاطئ في ليبيا بدعمها لخليفة حفتر، مرورا باضطراب علاقتها مع الجزائر إثر أزمات دبلوماسية متلاحقة، وصولا إلى مالي التي كانت في الماضي ملعبا فرنسيا خالصا، قبل أن يتعرض سفيرها للطرد أواخر يناير/كانون الثاني العام الماضي 2022، في واقعة مثَّلت أوضح هزيمة لبلد الجنرال ديغول منذ خروجها من غرب أفريقيا. لم يقف النزيف الفرنسي عند هذا الحد، فبعد هذه الأزمة الدبلوماسية بأيام، خرج رئيس الحكومة في حوار مع وكالة "الأناضول" التركية للتأكيد أن مالي باتت تعتبر كل ما يحمل صبغة فرنسية بمنزلة العدو المباشر لها، المهدد لأمنها واستقرارها.

ورغم صعود النخبة الجديدة التي قادت الانقلاب في مالي أواخر عام 2021، وأخرجت مالي من الوصاية الفرنسية على الأصعدة الأمنية والعسكرية والسياسية، فإن التغيير الشامل لم يكن سهلا ولا خالصا في معاداته لكل ما هو فرنسي، فرغم أن التعديلات الأخيرة أطاحت باللغة الفرنسية من بين اللغات الرسمية للبلاد، فإن لجنة التعديلات في الوقت نفسه تجاهلت صوت الشارع، وأبقت على علمانية الدولة، في وقت تشهد فيه البلاد من أسفل إلى أعلى عملية تغيير واسعة، وطفرة غير مسبوقة في الإقبال على دراسة اللغة العربية خاصة في المدن الكبرى كالعاصمة باماكو، مقابل عزوف واضح عن تعلم الفرنسية، حيث يُنظر إلى لغة العرب من بين كل اللغات المحلية في مالي على أنها الأشد ارتباطا بالدين الإسلامي، وبالتالي فإن هيمنتها ستقود لتقويض العلمانية الفرنسية ذات يوم.

كيف تكرست القطيعة؟

تنتهي قصة هزيمة فرنسا في أهم معسكراتها في منطقة الساحل الأفريقي، بإعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في فبراير/شباط العام الجاري 2023 سحب القوات الفرنسية من مالي، لتنتهي بذلك عملية "برخان" التي انطلقت قبل نحو عقد من الزمان، بطلب من حكومة مالي الانتقالية وقتها حين اجتاح "المسلحون الجهاديون" جنوب البلاد، ولم تفوّت فرنسا الفرصة وقتها ودفعت بالآلاف من قواتها إلى بلدان الساحل، غير أن التدخُّل العسكري الفرنسي الذي نجح في البداية، وأعاد زمام الأمور كما أرادت فرنسا، لم يُثمر بعد أشهر على نجاحه إلا الفشل الذريع.

ففي النهاية، سقطت مالي أكثر فأكثر في مستنقع الإرهاب، وتحولت الأزمة من صراع على الحكم إلى حرب أهلية عِرقية بعدما زادت أعداد الجماعات المتمردة الناقمة على السلطة، ليحصد ماكرون النصيب الأوفر من الغضب من المسؤولين والجماهير على حدٍّ سواء، خاصة بعدما قصفت طائراته حفل زفاف، وقتلت 19 مدنيا في حادثة أدانتها الأمم المتحدة، وفاقمت الغضب الشعبي الداخلي ضد باريس.

لعبت فرنسا لعبة متخبطة وبراغماتية ساهمت في زيادة الغضب ضدها في مالي، حيث رفضت أي دعوة للحوار بين الأطراف المتناحرة في مالي، مع ترحيبها باستيلاء المجلس العسكري على السلطة في تشاد، رغم رفض المعارضة السياسية والمسلحة لهذا الأمر، ودعوتها للرئيس الفرنسي إلى الحياد. ولم يكن دافع ماكرون الرئيس من تجاهل الديمقراطية والدستور سوى حماية المصالح الفرنسية في دول الساحل الأفريقي ولو على حساب تلك الشعوب التي كانت يوما ما ضمن المستعمرات الفرنسية، ثم أصبحت اليوم تضخ 50% من احتياطاتها الأجنبية إلى باريس، لتُمثِّل بذلك 14 دولة أفريقية مُستقلة على الورق، لكنها تتعرض لاستعمار مالي خفي، لا تستطيع الفِكاك منه تماما حتى اليوم، في الوقت الذي بدأت فيه عدة دول في غرب أفريقيا محاولة السيطرة بشكل أكبر على عُملتها المالية الأفريقية، مع التخطيط لنقل بعض احتياطياتها بعيدا عن فرنسا.

وبعد مرور تسع سنوات من الوجود العسكري الفرنسي في مالي، لم يحقق جيش فرانسوا هولاند ثم إيمانويل ماكرون أيًّا من أهدافه المعلنة، فلا هو حقق السلام المزعوم، ولا هو منع تمدد تنظيمي الدولة والقاعدة في مساحات شاسعة من الوسط والجنوب، وعلى طول الحدود مع النيجر وبوركينا فاسو، ليكون المكسب الحقيقي الوحيد لفرنسا هو إحكام سيطرتها أكثر فأكثر على مقدرات البلاد.

لكن هذا الوضع بدأ بالتغير مع قرار المجلس العسكري خلع عباءة الفرنسيين، وإطلاق شرارة نهاية النفوذ الفرنسي، معلنا فسخ جميع الاتفاقيات الدفاعية، لترد فرنسا باستخدام نفوذها واتهام المجلس العسكري القريب من روسيا بالمماطلة في وضع جدول زمني للعودة السريعة إلى الحكم المدني، لتدفع بعدها المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا "إيكواس" لفرض عقوبات اقتصادية على مالي، إلى جانب إغلاق حدود الدول الأعضاء معها وتجميد أرصدتها لدى المصارف ومنع التحويلات البنكية، وسحب جميع الدبلوماسيين من باماكو، وإلغاء جميع أشكال التعاون معها خصوصا على المستوى المالي، ليكون الاستثناء الوحيد في هذه العقوبات السارية حتى اليوم هو السماح بدخول الأدوية والمواد الغذائية.

استفادت النخبة في مالي من الغضب المتصاعد ضد فرنسا بسبب وجودها العسكري، لطردها من البلاد بذريعة الاحتلال والفشل مباشرة بعد انقلاب 2020، حيث اتهم قادة الانقلاب فرنسا بالتدخل في شؤون بلادهم، ليطلبوا بعد ذلك المساعدة الأمنية من روسيا ومجموعة "فاغنر"، وفي الوقت نفسه، ضغط قادة الجيش المالي على الأمم المتحدة لإنهاء مهمة بعثة حفظ السلام الموجودة في البلاد، وتقليص القوات الأجنبية حتى يكتمل الانسحاب الكامل في يناير/كانون الثاني العام القادم 2024، أي قبل موعد إجراء الانتخابات الرئاسية في ظل فراغ دستوري وأمني تشهدهما مالي.

منافسو فرنسا أكثر دهاء

خسرت فرنسا معركة النفوذ في أفريقيا لأسباب عديدة، منها وجود منافسين ولاعبين جدد أكثر دهاء على غرار الصين وروسيا، فموسكو التي خسرت نفوذها القديم في القارة السمراء عقب انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 أعادت تموضعها من جديد بعد ثلاثة عقود، وذلك عبر المساعدات الأمنية التي قدمتها شركة فاغنر للحكام والجيوش، وزاد من نشاطها الفراغ الداخلي الكبير الذي تسبب فيه الانسحاب الفرنسي من مالي. تسبب هذا الانقلاب في مالي في تزايد المخاوف الخارجية لدول أخرى كانت كـ"باماكو" متعاونة هي الأخرى بشكل كامل مع باريس، التي خشيت على نفسها من المصير ذاته، مخاوف تحققت بالفعل بعد فشل العملية العسكرية الفرنسية في بلدان مجاورة مثل بوركينا فاسو وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وكانت صور المتظاهرين وهم يحملون علم روسيا عقب انقلاب بوركينا فاسو دليلا آخر على أن عقد الوجود الفرنسي في المنطقة انقطع، حيث بدأت حباته  تنفرط الواحدة تلو الأخرى.

ورغم المحاولات المستميتة التي يقوم بها إيمانويل ماكرون في مسعى منه لتحويل السياسة الفرنسية في القارة بعيدا عن التدخل العسكري، فإن التدخل العسكري ذاته كان بوابة عبور دول أخرى إلى مناطق النفوذ الروسي، كما حدث في مالي وجمهورية أفريقيا الوسطى، حيث يساعد مقاتلو فاغنر الحكومات في محاربة المسلحين والقوات المتمردة.

تخشى دول أفريقية عدة من أن يؤدي الانسحاب الفرنسي من مالي إلى تراجع عسكري عام، ما يدفعها إلى محاولة ترتيب الأوضاع عبر الدخول تحالفات إقليمية ودولية. ويزيد تصاعد الاعتداءات في الأسابيع والأشهر الأخيرة، خصوصا في مالي أو بوركينا فاسو وجمهورية الكونغو الديمقراطية، من مخاوف دول أفريقية عدة، خصوصا مع وجود مشكلات داخلية عميقة من قبيل ارتفاع الأسعار عالميا بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا، وتفشي أوبئة عدة مثل جدري القرود في القارة الأفريقية، فضلا عن انعدام الاستقرار السياسي في بلدان مثل إثيوبيا وكينيا وأفريقيا الوسطى.

لم تعد فرنسا بعد اليوم ذات الكلمة الأولى والأخيرة في أرض السمر، فأينما ولّت وجهها اليوم تجد منافسا يزاحمها ويكاد يُقصيها، في وقت ينفَضُّ فيه حلفاؤها عنها وتتآكل أوراق نفوذها التقليدية، وتنشغل داخليا بمعاركها السياسية الفارغة حول الهجرة والحجاب وأماكن عبادة المسلمين. لذلك، وبغض النظر عن التصريحات والتحركات الدبلوماسية التي تهدف إلى إثبات الذات والتمسك بإرث القوة البائدة، تُدرِك باريس اليوم أن العالم تجاوز اللحظة التي تصرَّفت فيها بوصفها قوة كبرى، فلربما آن الأوان كي يعترف الفرنسيون بأفول زمنهم الأفريقي.

المصادر:

  1. Mali approves constitutional amendments in constitutional referendum
  2. Mali’s military junta holds referendum on new constitution it calls a step toward new elections
  3. Mali counts votes from referendum expected pave the way to elections
  4. Mali split ahead of referendum vote to pave way for election
  5. French in Africa: 29 Countries Where French is Spoken
  6. Mali – Countries – Office of the Historian
  7. Faith and Commerce: How Did Arabic Come to West Africa?
  8. التعليم العربي بمالي.. تاريخ مشرق وواقع صعب
  9. School in Mali: Studying its implications, role and curriculum through the experiences of five former students
  10. Mali expels French envoy over foreign minister’s remarks
  11. رئيس وزراء مالي: فرنسا تدعم جماعات انفصالية وتسعى للإطاحة بالحكومة (مقابلة)
  12. Mali, a Coup within a Coup
  13. دستور مالي الجديد.. هل يمحو إرث فرنسا؟ | بودكاست بعد أمس
  14. Mali : la France acte son retrait avec la fin de l’opération militaire « Barkhane »
  15. French air attack in Mali killed 19 unarmed civilians, UN says
  16. How the France-backed African CFA franc works as an enabler and barrier to development
  17. Mali junta breaks off from defence accords with France





الجمعة، 16 يونيو 2023

ماذا تُخفي الصحراء؟ جرائم التجارب النووية الفرنسية في صحراء الجزائر

 ماذا تُخفي الصحراء؟ 

جرائم التجارب النووية الفرنسية في صحراء الجزائر

رغم مرور 6 عقود على استقلال الجزائر عن الاحتلال الفرنسي، تظل ملفات الإرث الاستعماري عالقة بين البلدين، ولعل ملف التجارب النووية يُعَد من أهم مخلفات هذا الإرث وأخطرها، خصوصا أن معاناة سكان المناطق التي احتضنت هذه التجارب لا تزال قائمة حتى يومنا هذا، فيما لا تزال باريس تواصل سياسة الإنكار المعتادة وترفض تحمل المسؤولية عن جرائمها.

بدأت أحلام فرنسا النووية مع الجنرال "شارل ديغول" في أكتوبر/تشرين الأول 1945، أي بعد شهرين فقط من إسقاط القنبلتين الأميركيتين على ناجازاكي وهيروشيما في اليابان. وقتها، أصدر الجنرال الفرنسي أوامره بإنشاء محافظة للطاقة الذرية الفرنسية بهدف صناعة القنبلة النووية، التي كانت من وجهة نظره الضامن الوحيد لقدرة باريس على البقاء مستقلة في خضم الحرب الباردة. تضمَّنت هذه العملية 3 مراحل ما بين عامَي 1945-1960، وبعد انتهائها، كانت فرنسا في حاجة إلى فضاء كبير يمكنها من خلاله تجريب النتيجة النهائية للسلاح الذي عملت عليه طيلة عقد ونصف، ووقع اختيارها على صحراء الجزائر.

ونتيجة لذلك، زار الجنرال "شارل إيلغيي" المناطق المرشَّحة من أجل اختيار المكان "الأصلح" للقيام بالتجارب الأولى، حيث أعدّ تقريرا تقنيا خلص إلى أن منطقة تنزروفت جنوب البلاد هي الأنسب لاحتضان النشاط النووي الفرنسي. وقد انطلقت التجارب الفعلية في 13 فبراير/شباط 1960، حين فجَّر الجيش الفرنسي أول قنبلة نووية تفوق قوتها بنحو 4 مرات القنبلة التي ألقتها واشنطن على مدينة هيروشيما اليابانية.

تواصلت التجارب الفرنسية بعد ذلك، وبلغ عددها 57 تجربة فُجِّر خلالها 17 قنبلة نووية. وبعد 15 سنة من العمل الدؤوب، تمكَّنت فرنسا أخيرا من الحصول على سلاحها، لكن التداعيات الكارثية للتجارب الفرنسية كانت قد بدأت في الظهور بدورها، وهي تداعيات شملت الجنود الفرنسيين الذين شاركوا في التجارب أنفسهم، لكن النتائج الأوسع والأكثر كارثية كانت من نصيب الجزائريين بكل تأكيد.

فقد قدَّرت الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان عدد الأشخاص الذين تعرَّضوا لمشكلات بسبب هذه الإشعاعات بنحو 24 ألف شخص، من بينهم 150 سجينا جزائريا أُخرجوا من سجن سيدي بلعباس لاستعمالهم فئران تجارب بعد أن رُبطوا بالقرب من موقع التفجير لدراسة سلوكهم تجاه هذا الكم الكبير من الإشعاعات النووية التي تعرَّضوا لها، وذكرت مصادر جزائرية أخرى أن عدد الضحايا وصل إلى 30 ألف شخص على الأقل من الذين تعرَّضوا لأمراض ناجمة عن النشاط الإشعاعي.

في الفيديو المرفق من ميدان، نسلط الضوء على كواليس جريمة فرنسا المسكوت عنها في صحراء الجزائر، وتداعياتها طويلة الأمد، وتنكُّر باريس لمسؤوليتها عنها. فرغم مرور كل ذلك الوقت، لم تُعوِّض فرنسا إلا جزائريا وحيدا من ضحايا التجارب النووية، فيما يظل التعويض حلما مستحيلا للباقين، لأن المساطر الفرنسية تجعل من المستحيل قبول ملفات الأشخاص الذين لم يحضروا التجارب بأنفسهم، كما أن عددا كبيرا من الجزائريين الذين يعيشون أوضاعا صعبة بسبب السرطان أو التشوهات الجسدية لن يتمكَّنوا من إثبات أن ما يواجههم هو بسبب التجارب النووية التي حدثت في ستينيات القرن الماضي.

هذا ولا تزال الجزائر تطالب السلطات الفرنسية بتعويض الضحايا والكشف عن أرشيف هذه التجارب النووية، بعد أن كانت وزارة الجيوش الفرنسية قد أقرَّت في وقت سابق بدفن شاحنات وبعض العتاد العسكري الذي استُخدم في الاختبارات الجزائرية، لكن هذه المطالبات لا تلقى صدى، فيما لا يزال الملف حبيس أدراج الإليزيه كما هو حال عدد من الملفات العالقة بين البلدين.

الأحد، 7 مايو 2023

8 مايو/أيار.. يومَ قتلت فرنسا 45 ألف جزائري

 8 مايو/أيار.. يومَ قتلت فرنسا 45 ألف جزائري

محمد علال

“لقد كان يوما للاحتفال بانتصار الحرية على الطغيان، ولكن هذا اليوم (8 مايو/أيار 1945) كان يوماً حزيناً للجزائر، حين ابتهج العالم في نهاية الحرب العالمية الثانية في أوروبا”. (تغريدة سفير الولايات المتحدة بالجزائر جون ديسروشر.. تويتر 08/05/2018)

بالتزامن مع مرور الذكرى الـ75، تحيلنا إلى حكايات جزائرية بقدر ما قد تبدو حزينة، بقدر ما هي ورقة تعكس عظمة الشعب الذي عانى طيلة 183 عاما في رحلة البحث عن الاستقلال.

تضعنا التغريدة السابقة أمام قصة شيخٍ فلاح يدعى أحمد سعال وزوجته نوراة مهدي، هما جزء من ذلك الحزن الممزوج بالفخر والتحدي حين استقبلا خبر استشهاد ابنيهما سعال بوزيد على يد محافظ الشرطة الفرنسي لوسيان أوليفيري. لقد استقرت رصاصة الغدر في جسد الطفل بوزيد الذي لم يتجاوز سن السادسة عشرة، حينها كان واقفا في الصفوف الأولى لمسيرة الثامن من مايو/أيار 1954 بسطيف حاملا الراية الجزائرية، ويردد رفقة المئات من الجزائريين “جزائر حرة ديمقراطية”.

في ذلك اليوم الحزين لم تبك الجزائر كما يعتقد سفير الولايات المتحدة الأمريكية في تغريدته، بل زغردت النسوة، ومنهن والدة الشهيد الأول الذي سقط في ميدان الشرف.

فإن سقطتُ شهيدا فزغردي يا أماه

ليل باريس والعديد من العواصم الأوروبية كان مختلفا في ذلك اليوم، رقص وغِناء وشمبانيا فرحا بتحقيق الحلفاء انتصارهم التاريخي على ألمانيا النازية، والذي تحقق عشية الثامن من مايو/أيار ملطخا بدماء الأبرياء من شعوب الدول المستعمَرة -ومنهم الشعب الجزائري- في الحرب العالمية الثانية كدروع في الصفوف الأولى.

من الصعب تخيل إحساس الجزائريين في ذلك اليوم الذي رافقته قنوات وإذاعات العالم بالموسيقى احتفالا بنهاية الحرب العالمية. لقد عاد عشرات الجزائريين إلى منازلهم ثكلى وأرامل وأيتام. في يوم واحد تغيرت ملامح الحياة في ثلاثة من أهم مدن الشرق الجزائري، سطيف وقالمة وخراطة، أمام وحشية المستعمر الفرنسي الذي لم يمنح سكان القرى والمداشر ساعات قليلة للفرح والتعبير بسلمية عن حلم الحرية.


من بين هؤلاء حكاية سعال بوزيد التي يحفظها اليوم تلاميذ المدارس، قصة نقشت بأحرف من ذهب في الكتب المدرسية وكتب التاريخ، جيلا بعد جيل لا تزال وقفته تلك -رفقة المئات من أبناء قرية الزايري ببلدية القاهرة بسطيف- تمنح الشعب الجزائر إكسير الحرية والفخر والاعتزاز بهذا الوطن.

لا توجد الكثير من الصور لهذا الطفل وأبناء القرية، فبالكاد هناك صورة أو صورتين ظلتا محفوظتين في أرشيف الكشافة الإسلامية الجزائرية التي تعلم فيها بوزيد أبجديات حب الوطن، ومنها انطلق إلى وسط ساحة القرية بقلب ينبض بحب الجزائر وهو يحمل الراية الوطنية لمطالبة فرنسا بتنفيذ وعودها للشعب الجزائري بأن تمنحه الاستقلال نظير إسهاماته في الحرب العالمية الثانية.

المستعمِر الفرنسي يغدر بالجزائريين

بساطة الشعب الجزائر في ذلك الوقت وطيبته جعلته يعتقد بأن الجنرال ديغول سيحقق وعود فرنسا للجزائريين، لهذا خرجوا في كل الولايات والمدن والقرى وفي عنابة والمسيلة وبسكرة وسطيف وهيليوبوليس، في منطقة وادي المعيز وجسر العواذر وقنطرة بلخير ومضائق خراطة.. خرجوا في يوم واحد رافعين الراية الوطنية الجزائرية لأول مرة، على أمل أن يتحقق الحلم قبل أن تغرب شمس ذلك النهار.

وما هي إلا ساعات حتى تحولت شوارع الجزائر إلى حمام دم تطفو فوقه جثث أزيد من 45 ألف ضحية جزائرية، كما تشير الأرقام التقريبية المعلنة من طرف الجزائر، لتتضح ملامح المزيد من النوايا الخبيثة للمستعمر، وتزداد قناعة الشعب بأنه لا حل سوى الكفاح المسلح من أجل الحصول على الاستقلال من مستعمر لم يقرأ في حياته سوى فصول كتاب كيف تسفك دماء الجزائريين وتنكل بهم؟!