‏إظهار الرسائل ذات التسميات فرنسا العنصرية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فرنسا العنصرية. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 22 سبتمبر 2023

هل تحاول فرنسا تقنين الفصل العنصري ضد المسلمين؟

 هل تحاول فرنسا تقنين الفصل العنصري ضد المسلمين؟



ألاين غابون

ترجمة حفصة جودة


بعد مرور أسبوع فقط من حظر العباءة في المدارس العامة، يبدو أن فرنسا تدخل حقبة جديدة من الإسلاموفوبيا الخارجة عن السيطرة، فالهجوم الأخير ضد الإسلام كدين، وضد المسلمين كجزأ لا يتجزأ من الشعب الفرنسي، كان خطيرًا للغاية.

ولأول مرة منذ انتهاء العصر الاستعماري للبلاد، يدعو سياسي فرنسي في كتابه ويؤكد في حديثه مع الإذاعة العامة “فرانس إنتر”، أنهم قد يحتاجون يومًا ما إلى فرض قوانين مختلفة والتزامات على المسلمين.

هذا السياسي ليس من اليمين المتطرف أو سياسي مغمور، بل أول رئيس وزراء لمانويل ماكرون، إدوارد فيليب، حيث في عام 2021 أسّس فيليب حزبه اليميني الوسطي “Horizons”، ومنذ ذلك الحين ظلّ مقربًا من حكومة ماكرون، والآن أصبح مرشحًا رئيسيًّا لقيادة المحافظين ومرشحًا رئاسيًّا لعام 2027.

ورغم أنه قال في المقابلة معه إنه يتمنى ألا تصل الأمور إلى هذا الوضع، إلا أنه رغم ذلك يؤكد أن المعاملة المختلفة للإسلام والمسلمين أمر حتمي في المستقبل القريب، لكن لماذا؟

بالنسبة إليه السبب بسيط، فمن انطباعه الشخصي يرى فيليب أن الإسلام دين خطير وسام ويتميز بالظلامية والتطرف والراديكالية، ومن الواضح أن هذه التوجهات لا توجد في أي مكان آخر مثل اليهودية والمسيحية أو اليمين السياسي المتطرف على سبيل المثال لا الحصر.

بالنسبة إلى فيليب، الإسلام يمثل مشكلة لدرجة أنه يمثل تهديدًا وجوديًّا، فهو يرى أن العلمانية الفرنسية وقانون الدولة الشهير عام 1905 لفصل الكنيسة عن الدولة، ليسا بالقوة الكافية لترويض الدين والسيطرة عليه وإصلاحه.

هذا النظام يلغي معظم مبادئ فرنسا الأساسية وقيم الجمهورية الفرنسية التي يزعم فيليب الدفاع عنها.

هنا، يستخدم فيليب الشائعات ضد المسلمين وينشطها، واقتراحه وتعليقاته تشبه تلك التي يقولوها المتطرفون، لكنه لا يخاطر بأي شيء في فرنسا وهو يعلم ذلك جيدًا.

حقائق قبيحة

ومثل وزير التعليم غابريال أتال -منافسه في انتخابات 2027-، من المرجّح أن فيليب يقوم بحسابات انتخابية ساخرة، لتقليل الفجوة بين اليمين المتطرف واليمين المحافظ واليمين الوسطي، في محاولة لتوسيع قاعدة الدعم المحتملة.

لكننا ننسب إلى فيليب الفضل في الكشف عن حقائق فرنسا القبيحة، فعلى عكس أقرانه المصابين بالإسلاموفوبيا، لم يتحدث فيليب عن “الإسلامية” لكنه تحدث عن الإسلام والمسلمين.

وبدلًا من التحدث عن مذاهب معينة -الانفصالية والأصولية والسلفية والراديكالية وغيرها-، كذريعة لتبرير الهجوم على حقوق المسلمين أثناء دفاعه المزعوم عن المبادئ الفرنسية، فقد تخلّص فيليب من المواربة وأسماهم بوضوح “العدو من الداخل”.

ومع ذلك، فإن اقتراحه صادم لعدة أسباب، أولًا هو يقترح أن فرنسا يجب أن تكون مستعدة لتطبيق ما لا يقلّ عن فصل عنصري قانوني ضد المسلمين، حيث يدعو إلى وضع قوانين منفصلة للمسلمين.

ثانيًا، تنفيذ هذه الإجراءات -والتي هي أمر مستحيل في ظل دستور المساواة الفرنسي الحالي، بقدر وضع قانون خاص لأقلية عرقية معينة- يمثل العودة إلى قوانين السكان الأصليين التي كانت سائدة في العصر الاستعماري، حيث تتغير القوانين والالتزامات والأوضاع حسب عرق ودين رعايا فرنسا الاستعمارية.

هذا النظام يلغي معظم مبادئ فرنسا الأساسية وقيم الجمهورية الفرنسية التي يزعم فيليب الدفاع عنها، وتحديدًا مبادئ المساواة التي تقول إن كل الأشخاص سواسية أمام القانون، بغض النظر عن دينهم أو عرقهم.

هنا نرى حقيقة العلمانية المقدسة التي يستخدمها السياسيون فقط كسلاح يشهرونه في وجه الإسلام.

ثالثًا، فرض قوانين والتزامات مختلفة على دين بعينه وعلى ممارسيه، يعني القضاء على العلمانية الفرنسية ومبادئها الأساسية، بما في ذلك حرية الدين وفصل الكنيسة عن الدولة، والمساواة بين جميع الأديان أمام الدولة.

سلاح ضد الإسلام

هنا نرى حقيقة العلمانية المقدسة التي يستخدمها السياسيون فقط كسلاح يشهرونه في وجه الإسلام، ويبدو أنهم الآن يرغبون في التخلص من العلمانية لأنها تحدّ المدى الذي قد تصل إليه كراهيتهم للإسلام.

وأخيرًا، والأكثر إثارة للدهشة نظرًا إلى تطرف إعلان فيليب وطبيعته المناهضة للجمهورية -فحتى المرشحة الرئاسية السابقة مارين لوبان لم تتطرق لمثل ذلك-، لم يكن هناك رد فعل من الطبقة السياسية ووسائل الإعلام والمثقفين، باستثناء رسالة مفتوحة قدمها بعض الأكاديميين، أما عامة الناس فما زالوا صامتين بشكل كبير.

لم ينتقد ماكرون تعليقات فيليب، أما صحيفة “ليبراسيون” اليسارية الوسطية فقد خصّصت نصف فقرة لتغطية الأمر، وتحدثت في أغلبها عن شعر وجه فيليب وحالة جلده التي غيرت من مظهره الجسدي.

يكشف ذلك عن عمق تغلغل الإسلاموفوبيا في فرنسا، ومدى انتشار “الزمورية” (نسبة إلى أفكار السياسي الفرنسي اليميني المتطرف إيرك زمور) عندما يتعلق الأمر بالإسلام والمسلمين.

بالطبع، تطبَّق القوانين والمعايير والمقاييس المختلفة بشكل روتيني على المسلمين والإسلام منذ فترة، في انتهاك صريح للدستور الفرنسي، ويعامَل المسلمون دائمًا كمواطنين من الدرجة الثانية بقوانين والتزامات مختلفة.

لكن حتى الآن، لم يجرؤ أي مسؤول كبير في الدولة على اقتراح تشريع التمييز الديني ضد المسلمين، ويبدو أن فرنسا مستعدة لهدم الجمهورية وإلغاء الديمقراطية بما في ذلك مبادئها الدستورية الرئيسية مثل المساواة والحرية والعلمانية -ولا حاجة بالطبع للحديث عن الأخوية عندما يتعلق الأمر بالمسلمين-، كل ذلك من أجل الهجوم على الإسلام وإيذاء المسلمين.

المصدر: ميدل إيست آي

الجمعة، 21 يوليو 2023

ندبة الثمانينيات في ذاكرة عرب فرنسا

 ندبة الثمانينيات في ذاكرة عرب فرنسا



في الثمانينيات ارتكب فرنسيون جرائم قتل بحق أطفال عرب لأسباب تافهة مثل الاستناد على سيارة أحدهم أو اللعب أمام منزله. 

بعد عودتها للغة العرب.. هل انتهت العلاقة بين مالي وفرنسا إلى الأبد؟

 بعد عودتها للغة العرب.. هل انتهت العلاقة بين مالي وفرنسا إلى الأبد؟


محمد العربي

في بقعة منسية غرب أفريقيا يسكنها أغلبية مسلمة تفوق 90%، أدلى الناخبون الماليون بأصواتهم في يونيو/حزيران الماضي على مشروع دستور جديد يعوَّل عليه لتغيير الواقع السياسي الهش الذي تغرق فيه البلاد منذ انقلاب المجلس العسكري على الرئيس "باه نداو" قبل ما يقرب من ثلاث سنوات. ورغم تأكيد العقيد "أسيمي غويتا"، زعيم الانقلاب الذي نصّب نفسه رئيسا مؤقتا، أن الاستفتاء الدستوري الذي نظمته مالي بضغط من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس)، وحصل على موافقة 97% من أصوات الشعب، يُعَدُّ خطوة حاسمة نحو إعادة البلاد إلى الحكم المدني، تمهيدا لإجراء انتخابات رئاسية في فبراير/شباط عام 2024، فإن كل هذه الأمور لا تكفي لضمان مستقبل ديمقراطي هادئ للبلاد، فقد لا يحدث التغيير السياسي رغم الوعود الكثيرة التي قد تقطعها المؤسسات العسكرية، لكنَّ شيئا واحدا رغم كل شيء يبدو أنه قد يتغير للأبد، هذا الشيء المحوري هو علاقة "باماكو" بـ"باريس".

يأتي هذا الاستفتاء الجديد بعد أقل من عام على طرد القوات الفرنسية من البلاد، حاملا وجها جديدا يكرس لقطيعة تامة مع فرنسا، مُستعمِر الأمس الذي فرض على البلاد هوية علمانية، ودس اللغة الفرنسية لتكون اللغة الرسمية لمالي المسلمة التي كانت حتى الأمس القريب رهينة لهذا التوجه الفرنكفوني الذي يسيطر على 29 دولة في فضاء أفريقيا الفسيح. خفضت التعديلات الدستورية درجة اللغة الفرنسية من لغة رسمية إلى لغة عمل، لصالح اللغات الأم التي منها العربية، كما مهدت الطريق لإمكانية إلغائها في المستقبل القريب.

سقط عرش فرنسا في باماكو بين ليلة وضحاها، وأصبح يُنظر إلى مالي على أنها تلك الدولة القادرة على قيادة ربيع أفريقي مناهض لفرنسا تمتد عدواه لبقية دول الساحل والصحراء، خصوصا أن الجيل الجديد لم يعد يرى في الوجود الفرنسي الذي صنع أغلب الماضي القريب لدول شمال وغرب أفريقيا سوى وجهه المُستعمِر، وأمام هذه الحقيقة لم يعد بإمكان باريس أن تظل محتفظة بزمام الحاضر والمستقبل في مربع سيطرتها السابق، ويبدو أن البداية قد تكون من مالي.

حضارةٌ عربية ولسانٌ أعجمي

لم يكن غريبا أن تكون المواد المتعلقة بالهوية في مسودة الدستور، وهي علمانية الدولة، وهيمنة اللغة الفرنسية، أكثر المواد إثارة للجدل في أوساط النخبة التي طالبت بانتزاع الإرث الاستعماري للعهد الفرنسي من أحشاء المواد الدستورية التي تغلغل فيها منذ عقود، فرغم استقلالها منذ عام 1960، ظلت مالي الجديدة منفصلة عن هوية الأجداد، خاصة مع إقرار دستور عام 1992 الذي حافظ على استمرار الإرث الاستعماري من خلال علمنة الدولة، وجعل الفرنسية هي اللغة الأم في بلد مسلم ينطق بالعربية التي تبصم على حضور قوي في جُل حضارته وتاريخه القريب، بصمة ترويها مُخطوطات وشواهد صيغت بلغات محلية كانت العربية تتقدمها في أحيان كثيرة، بحكم الدين الإسلامي الذي يدين به أغلب سُكان مالي منذ أكثر من ألف عام، حين وصل الإسلام إلى غرب أفريقيا عبر التجارة، والرحالة العرب في القرن التاسع الميلادي.

على جانب آخر بعيد عن أروقة السلطة، نشأت أجيال أخرى من الطبقة المتوسطة والفقيرة تشعر بانفصام واضطراب الهوية، وتعاني إلى جانب وضع اقتصادي مُزرٍ من عدم الاعتراف بشهاداتها الجامعية في الكليات والجامعات العربية، في مقابل فتح أبواب الوظائف الحكومية وتعيين الخريجين الذين تلقوا تعليما باللغة الفرنسية. ورغم دمج المدارس العربية التي تربو على الألف مدرسة في النظام التربوي الحكومي، وحصولها على اعتراف رسمي منذ عام 1986، فإنّ اندماج هؤلاء الشباب في سوق العمل يتوارى أمام تفرّد حاملي الثقافة الفرنسية ولسانها ممن حصلوا على دعم مالي وسياسي سخي، وبل وحكومي رسمي منذ عام 2003، مقابل أصحاب اللسان العربي في وطنهم الأم.

دام هذا الوضع لسنوات طويلة، لكن في ظل متغيرات كثيرة جرت على السطح في الداخل والخارج، وفجأة ودون سابق إنذار، بدأ النفوذ الفرنسي يتلاشى في غرب أفريقيا مع وصول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خصوصا مع دخول مُنافسين كبار للمنطقة وعلى رأسهم روسيا والصين وتركيا، إلى جانب أخطاء ارتكبتها باريس في شمال وغرب أفريقيا، بدأ برهانها الخاطئ في ليبيا بدعمها لخليفة حفتر، مرورا باضطراب علاقتها مع الجزائر إثر أزمات دبلوماسية متلاحقة، وصولا إلى مالي التي كانت في الماضي ملعبا فرنسيا خالصا، قبل أن يتعرض سفيرها للطرد أواخر يناير/كانون الثاني العام الماضي 2022، في واقعة مثَّلت أوضح هزيمة لبلد الجنرال ديغول منذ خروجها من غرب أفريقيا. لم يقف النزيف الفرنسي عند هذا الحد، فبعد هذه الأزمة الدبلوماسية بأيام، خرج رئيس الحكومة في حوار مع وكالة "الأناضول" التركية للتأكيد أن مالي باتت تعتبر كل ما يحمل صبغة فرنسية بمنزلة العدو المباشر لها، المهدد لأمنها واستقرارها.

ورغم صعود النخبة الجديدة التي قادت الانقلاب في مالي أواخر عام 2021، وأخرجت مالي من الوصاية الفرنسية على الأصعدة الأمنية والعسكرية والسياسية، فإن التغيير الشامل لم يكن سهلا ولا خالصا في معاداته لكل ما هو فرنسي، فرغم أن التعديلات الأخيرة أطاحت باللغة الفرنسية من بين اللغات الرسمية للبلاد، فإن لجنة التعديلات في الوقت نفسه تجاهلت صوت الشارع، وأبقت على علمانية الدولة، في وقت تشهد فيه البلاد من أسفل إلى أعلى عملية تغيير واسعة، وطفرة غير مسبوقة في الإقبال على دراسة اللغة العربية خاصة في المدن الكبرى كالعاصمة باماكو، مقابل عزوف واضح عن تعلم الفرنسية، حيث يُنظر إلى لغة العرب من بين كل اللغات المحلية في مالي على أنها الأشد ارتباطا بالدين الإسلامي، وبالتالي فإن هيمنتها ستقود لتقويض العلمانية الفرنسية ذات يوم.

كيف تكرست القطيعة؟

تنتهي قصة هزيمة فرنسا في أهم معسكراتها في منطقة الساحل الأفريقي، بإعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في فبراير/شباط العام الجاري 2023 سحب القوات الفرنسية من مالي، لتنتهي بذلك عملية "برخان" التي انطلقت قبل نحو عقد من الزمان، بطلب من حكومة مالي الانتقالية وقتها حين اجتاح "المسلحون الجهاديون" جنوب البلاد، ولم تفوّت فرنسا الفرصة وقتها ودفعت بالآلاف من قواتها إلى بلدان الساحل، غير أن التدخُّل العسكري الفرنسي الذي نجح في البداية، وأعاد زمام الأمور كما أرادت فرنسا، لم يُثمر بعد أشهر على نجاحه إلا الفشل الذريع.

ففي النهاية، سقطت مالي أكثر فأكثر في مستنقع الإرهاب، وتحولت الأزمة من صراع على الحكم إلى حرب أهلية عِرقية بعدما زادت أعداد الجماعات المتمردة الناقمة على السلطة، ليحصد ماكرون النصيب الأوفر من الغضب من المسؤولين والجماهير على حدٍّ سواء، خاصة بعدما قصفت طائراته حفل زفاف، وقتلت 19 مدنيا في حادثة أدانتها الأمم المتحدة، وفاقمت الغضب الشعبي الداخلي ضد باريس.

لعبت فرنسا لعبة متخبطة وبراغماتية ساهمت في زيادة الغضب ضدها في مالي، حيث رفضت أي دعوة للحوار بين الأطراف المتناحرة في مالي، مع ترحيبها باستيلاء المجلس العسكري على السلطة في تشاد، رغم رفض المعارضة السياسية والمسلحة لهذا الأمر، ودعوتها للرئيس الفرنسي إلى الحياد. ولم يكن دافع ماكرون الرئيس من تجاهل الديمقراطية والدستور سوى حماية المصالح الفرنسية في دول الساحل الأفريقي ولو على حساب تلك الشعوب التي كانت يوما ما ضمن المستعمرات الفرنسية، ثم أصبحت اليوم تضخ 50% من احتياطاتها الأجنبية إلى باريس، لتُمثِّل بذلك 14 دولة أفريقية مُستقلة على الورق، لكنها تتعرض لاستعمار مالي خفي، لا تستطيع الفِكاك منه تماما حتى اليوم، في الوقت الذي بدأت فيه عدة دول في غرب أفريقيا محاولة السيطرة بشكل أكبر على عُملتها المالية الأفريقية، مع التخطيط لنقل بعض احتياطياتها بعيدا عن فرنسا.

وبعد مرور تسع سنوات من الوجود العسكري الفرنسي في مالي، لم يحقق جيش فرانسوا هولاند ثم إيمانويل ماكرون أيًّا من أهدافه المعلنة، فلا هو حقق السلام المزعوم، ولا هو منع تمدد تنظيمي الدولة والقاعدة في مساحات شاسعة من الوسط والجنوب، وعلى طول الحدود مع النيجر وبوركينا فاسو، ليكون المكسب الحقيقي الوحيد لفرنسا هو إحكام سيطرتها أكثر فأكثر على مقدرات البلاد.

لكن هذا الوضع بدأ بالتغير مع قرار المجلس العسكري خلع عباءة الفرنسيين، وإطلاق شرارة نهاية النفوذ الفرنسي، معلنا فسخ جميع الاتفاقيات الدفاعية، لترد فرنسا باستخدام نفوذها واتهام المجلس العسكري القريب من روسيا بالمماطلة في وضع جدول زمني للعودة السريعة إلى الحكم المدني، لتدفع بعدها المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا "إيكواس" لفرض عقوبات اقتصادية على مالي، إلى جانب إغلاق حدود الدول الأعضاء معها وتجميد أرصدتها لدى المصارف ومنع التحويلات البنكية، وسحب جميع الدبلوماسيين من باماكو، وإلغاء جميع أشكال التعاون معها خصوصا على المستوى المالي، ليكون الاستثناء الوحيد في هذه العقوبات السارية حتى اليوم هو السماح بدخول الأدوية والمواد الغذائية.

استفادت النخبة في مالي من الغضب المتصاعد ضد فرنسا بسبب وجودها العسكري، لطردها من البلاد بذريعة الاحتلال والفشل مباشرة بعد انقلاب 2020، حيث اتهم قادة الانقلاب فرنسا بالتدخل في شؤون بلادهم، ليطلبوا بعد ذلك المساعدة الأمنية من روسيا ومجموعة "فاغنر"، وفي الوقت نفسه، ضغط قادة الجيش المالي على الأمم المتحدة لإنهاء مهمة بعثة حفظ السلام الموجودة في البلاد، وتقليص القوات الأجنبية حتى يكتمل الانسحاب الكامل في يناير/كانون الثاني العام القادم 2024، أي قبل موعد إجراء الانتخابات الرئاسية في ظل فراغ دستوري وأمني تشهدهما مالي.

منافسو فرنسا أكثر دهاء

خسرت فرنسا معركة النفوذ في أفريقيا لأسباب عديدة، منها وجود منافسين ولاعبين جدد أكثر دهاء على غرار الصين وروسيا، فموسكو التي خسرت نفوذها القديم في القارة السمراء عقب انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 أعادت تموضعها من جديد بعد ثلاثة عقود، وذلك عبر المساعدات الأمنية التي قدمتها شركة فاغنر للحكام والجيوش، وزاد من نشاطها الفراغ الداخلي الكبير الذي تسبب فيه الانسحاب الفرنسي من مالي. تسبب هذا الانقلاب في مالي في تزايد المخاوف الخارجية لدول أخرى كانت كـ"باماكو" متعاونة هي الأخرى بشكل كامل مع باريس، التي خشيت على نفسها من المصير ذاته، مخاوف تحققت بالفعل بعد فشل العملية العسكرية الفرنسية في بلدان مجاورة مثل بوركينا فاسو وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وكانت صور المتظاهرين وهم يحملون علم روسيا عقب انقلاب بوركينا فاسو دليلا آخر على أن عقد الوجود الفرنسي في المنطقة انقطع، حيث بدأت حباته  تنفرط الواحدة تلو الأخرى.

ورغم المحاولات المستميتة التي يقوم بها إيمانويل ماكرون في مسعى منه لتحويل السياسة الفرنسية في القارة بعيدا عن التدخل العسكري، فإن التدخل العسكري ذاته كان بوابة عبور دول أخرى إلى مناطق النفوذ الروسي، كما حدث في مالي وجمهورية أفريقيا الوسطى، حيث يساعد مقاتلو فاغنر الحكومات في محاربة المسلحين والقوات المتمردة.

تخشى دول أفريقية عدة من أن يؤدي الانسحاب الفرنسي من مالي إلى تراجع عسكري عام، ما يدفعها إلى محاولة ترتيب الأوضاع عبر الدخول تحالفات إقليمية ودولية. ويزيد تصاعد الاعتداءات في الأسابيع والأشهر الأخيرة، خصوصا في مالي أو بوركينا فاسو وجمهورية الكونغو الديمقراطية، من مخاوف دول أفريقية عدة، خصوصا مع وجود مشكلات داخلية عميقة من قبيل ارتفاع الأسعار عالميا بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا، وتفشي أوبئة عدة مثل جدري القرود في القارة الأفريقية، فضلا عن انعدام الاستقرار السياسي في بلدان مثل إثيوبيا وكينيا وأفريقيا الوسطى.

لم تعد فرنسا بعد اليوم ذات الكلمة الأولى والأخيرة في أرض السمر، فأينما ولّت وجهها اليوم تجد منافسا يزاحمها ويكاد يُقصيها، في وقت ينفَضُّ فيه حلفاؤها عنها وتتآكل أوراق نفوذها التقليدية، وتنشغل داخليا بمعاركها السياسية الفارغة حول الهجرة والحجاب وأماكن عبادة المسلمين. لذلك، وبغض النظر عن التصريحات والتحركات الدبلوماسية التي تهدف إلى إثبات الذات والتمسك بإرث القوة البائدة، تُدرِك باريس اليوم أن العالم تجاوز اللحظة التي تصرَّفت فيها بوصفها قوة كبرى، فلربما آن الأوان كي يعترف الفرنسيون بأفول زمنهم الأفريقي.

المصادر:

  1. Mali approves constitutional amendments in constitutional referendum
  2. Mali’s military junta holds referendum on new constitution it calls a step toward new elections
  3. Mali counts votes from referendum expected pave the way to elections
  4. Mali split ahead of referendum vote to pave way for election
  5. French in Africa: 29 Countries Where French is Spoken
  6. Mali – Countries – Office of the Historian
  7. Faith and Commerce: How Did Arabic Come to West Africa?
  8. التعليم العربي بمالي.. تاريخ مشرق وواقع صعب
  9. School in Mali: Studying its implications, role and curriculum through the experiences of five former students
  10. Mali expels French envoy over foreign minister’s remarks
  11. رئيس وزراء مالي: فرنسا تدعم جماعات انفصالية وتسعى للإطاحة بالحكومة (مقابلة)
  12. Mali, a Coup within a Coup
  13. دستور مالي الجديد.. هل يمحو إرث فرنسا؟ | بودكاست بعد أمس
  14. Mali : la France acte son retrait avec la fin de l’opération militaire « Barkhane »
  15. French air attack in Mali killed 19 unarmed civilians, UN says
  16. How the France-backed African CFA franc works as an enabler and barrier to development
  17. Mali junta breaks off from defence accords with France





الجمعة، 16 يونيو 2023

ماذا تُخفي الصحراء؟ جرائم التجارب النووية الفرنسية في صحراء الجزائر

 ماذا تُخفي الصحراء؟ 

جرائم التجارب النووية الفرنسية في صحراء الجزائر

رغم مرور 6 عقود على استقلال الجزائر عن الاحتلال الفرنسي، تظل ملفات الإرث الاستعماري عالقة بين البلدين، ولعل ملف التجارب النووية يُعَد من أهم مخلفات هذا الإرث وأخطرها، خصوصا أن معاناة سكان المناطق التي احتضنت هذه التجارب لا تزال قائمة حتى يومنا هذا، فيما لا تزال باريس تواصل سياسة الإنكار المعتادة وترفض تحمل المسؤولية عن جرائمها.

بدأت أحلام فرنسا النووية مع الجنرال "شارل ديغول" في أكتوبر/تشرين الأول 1945، أي بعد شهرين فقط من إسقاط القنبلتين الأميركيتين على ناجازاكي وهيروشيما في اليابان. وقتها، أصدر الجنرال الفرنسي أوامره بإنشاء محافظة للطاقة الذرية الفرنسية بهدف صناعة القنبلة النووية، التي كانت من وجهة نظره الضامن الوحيد لقدرة باريس على البقاء مستقلة في خضم الحرب الباردة. تضمَّنت هذه العملية 3 مراحل ما بين عامَي 1945-1960، وبعد انتهائها، كانت فرنسا في حاجة إلى فضاء كبير يمكنها من خلاله تجريب النتيجة النهائية للسلاح الذي عملت عليه طيلة عقد ونصف، ووقع اختيارها على صحراء الجزائر.

ونتيجة لذلك، زار الجنرال "شارل إيلغيي" المناطق المرشَّحة من أجل اختيار المكان "الأصلح" للقيام بالتجارب الأولى، حيث أعدّ تقريرا تقنيا خلص إلى أن منطقة تنزروفت جنوب البلاد هي الأنسب لاحتضان النشاط النووي الفرنسي. وقد انطلقت التجارب الفعلية في 13 فبراير/شباط 1960، حين فجَّر الجيش الفرنسي أول قنبلة نووية تفوق قوتها بنحو 4 مرات القنبلة التي ألقتها واشنطن على مدينة هيروشيما اليابانية.

تواصلت التجارب الفرنسية بعد ذلك، وبلغ عددها 57 تجربة فُجِّر خلالها 17 قنبلة نووية. وبعد 15 سنة من العمل الدؤوب، تمكَّنت فرنسا أخيرا من الحصول على سلاحها، لكن التداعيات الكارثية للتجارب الفرنسية كانت قد بدأت في الظهور بدورها، وهي تداعيات شملت الجنود الفرنسيين الذين شاركوا في التجارب أنفسهم، لكن النتائج الأوسع والأكثر كارثية كانت من نصيب الجزائريين بكل تأكيد.

فقد قدَّرت الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان عدد الأشخاص الذين تعرَّضوا لمشكلات بسبب هذه الإشعاعات بنحو 24 ألف شخص، من بينهم 150 سجينا جزائريا أُخرجوا من سجن سيدي بلعباس لاستعمالهم فئران تجارب بعد أن رُبطوا بالقرب من موقع التفجير لدراسة سلوكهم تجاه هذا الكم الكبير من الإشعاعات النووية التي تعرَّضوا لها، وذكرت مصادر جزائرية أخرى أن عدد الضحايا وصل إلى 30 ألف شخص على الأقل من الذين تعرَّضوا لأمراض ناجمة عن النشاط الإشعاعي.

في الفيديو المرفق من ميدان، نسلط الضوء على كواليس جريمة فرنسا المسكوت عنها في صحراء الجزائر، وتداعياتها طويلة الأمد، وتنكُّر باريس لمسؤوليتها عنها. فرغم مرور كل ذلك الوقت، لم تُعوِّض فرنسا إلا جزائريا وحيدا من ضحايا التجارب النووية، فيما يظل التعويض حلما مستحيلا للباقين، لأن المساطر الفرنسية تجعل من المستحيل قبول ملفات الأشخاص الذين لم يحضروا التجارب بأنفسهم، كما أن عددا كبيرا من الجزائريين الذين يعيشون أوضاعا صعبة بسبب السرطان أو التشوهات الجسدية لن يتمكَّنوا من إثبات أن ما يواجههم هو بسبب التجارب النووية التي حدثت في ستينيات القرن الماضي.

هذا ولا تزال الجزائر تطالب السلطات الفرنسية بتعويض الضحايا والكشف عن أرشيف هذه التجارب النووية، بعد أن كانت وزارة الجيوش الفرنسية قد أقرَّت في وقت سابق بدفن شاحنات وبعض العتاد العسكري الذي استُخدم في الاختبارات الجزائرية، لكن هذه المطالبات لا تلقى صدى، فيما لا يزال الملف حبيس أدراج الإليزيه كما هو حال عدد من الملفات العالقة بين البلدين.

الأحد، 7 مايو 2023

8 مايو/أيار.. يومَ قتلت فرنسا 45 ألف جزائري

 8 مايو/أيار.. يومَ قتلت فرنسا 45 ألف جزائري

محمد علال

“لقد كان يوما للاحتفال بانتصار الحرية على الطغيان، ولكن هذا اليوم (8 مايو/أيار 1945) كان يوماً حزيناً للجزائر، حين ابتهج العالم في نهاية الحرب العالمية الثانية في أوروبا”. (تغريدة سفير الولايات المتحدة بالجزائر جون ديسروشر.. تويتر 08/05/2018)

بالتزامن مع مرور الذكرى الـ75، تحيلنا إلى حكايات جزائرية بقدر ما قد تبدو حزينة، بقدر ما هي ورقة تعكس عظمة الشعب الذي عانى طيلة 183 عاما في رحلة البحث عن الاستقلال.

تضعنا التغريدة السابقة أمام قصة شيخٍ فلاح يدعى أحمد سعال وزوجته نوراة مهدي، هما جزء من ذلك الحزن الممزوج بالفخر والتحدي حين استقبلا خبر استشهاد ابنيهما سعال بوزيد على يد محافظ الشرطة الفرنسي لوسيان أوليفيري. لقد استقرت رصاصة الغدر في جسد الطفل بوزيد الذي لم يتجاوز سن السادسة عشرة، حينها كان واقفا في الصفوف الأولى لمسيرة الثامن من مايو/أيار 1954 بسطيف حاملا الراية الجزائرية، ويردد رفقة المئات من الجزائريين “جزائر حرة ديمقراطية”.

في ذلك اليوم الحزين لم تبك الجزائر كما يعتقد سفير الولايات المتحدة الأمريكية في تغريدته، بل زغردت النسوة، ومنهن والدة الشهيد الأول الذي سقط في ميدان الشرف.

فإن سقطتُ شهيدا فزغردي يا أماه

ليل باريس والعديد من العواصم الأوروبية كان مختلفا في ذلك اليوم، رقص وغِناء وشمبانيا فرحا بتحقيق الحلفاء انتصارهم التاريخي على ألمانيا النازية، والذي تحقق عشية الثامن من مايو/أيار ملطخا بدماء الأبرياء من شعوب الدول المستعمَرة -ومنهم الشعب الجزائري- في الحرب العالمية الثانية كدروع في الصفوف الأولى.

من الصعب تخيل إحساس الجزائريين في ذلك اليوم الذي رافقته قنوات وإذاعات العالم بالموسيقى احتفالا بنهاية الحرب العالمية. لقد عاد عشرات الجزائريين إلى منازلهم ثكلى وأرامل وأيتام. في يوم واحد تغيرت ملامح الحياة في ثلاثة من أهم مدن الشرق الجزائري، سطيف وقالمة وخراطة، أمام وحشية المستعمر الفرنسي الذي لم يمنح سكان القرى والمداشر ساعات قليلة للفرح والتعبير بسلمية عن حلم الحرية.


من بين هؤلاء حكاية سعال بوزيد التي يحفظها اليوم تلاميذ المدارس، قصة نقشت بأحرف من ذهب في الكتب المدرسية وكتب التاريخ، جيلا بعد جيل لا تزال وقفته تلك -رفقة المئات من أبناء قرية الزايري ببلدية القاهرة بسطيف- تمنح الشعب الجزائر إكسير الحرية والفخر والاعتزاز بهذا الوطن.

لا توجد الكثير من الصور لهذا الطفل وأبناء القرية، فبالكاد هناك صورة أو صورتين ظلتا محفوظتين في أرشيف الكشافة الإسلامية الجزائرية التي تعلم فيها بوزيد أبجديات حب الوطن، ومنها انطلق إلى وسط ساحة القرية بقلب ينبض بحب الجزائر وهو يحمل الراية الوطنية لمطالبة فرنسا بتنفيذ وعودها للشعب الجزائري بأن تمنحه الاستقلال نظير إسهاماته في الحرب العالمية الثانية.

المستعمِر الفرنسي يغدر بالجزائريين

بساطة الشعب الجزائر في ذلك الوقت وطيبته جعلته يعتقد بأن الجنرال ديغول سيحقق وعود فرنسا للجزائريين، لهذا خرجوا في كل الولايات والمدن والقرى وفي عنابة والمسيلة وبسكرة وسطيف وهيليوبوليس، في منطقة وادي المعيز وجسر العواذر وقنطرة بلخير ومضائق خراطة.. خرجوا في يوم واحد رافعين الراية الوطنية الجزائرية لأول مرة، على أمل أن يتحقق الحلم قبل أن تغرب شمس ذلك النهار.

وما هي إلا ساعات حتى تحولت شوارع الجزائر إلى حمام دم تطفو فوقه جثث أزيد من 45 ألف ضحية جزائرية، كما تشير الأرقام التقريبية المعلنة من طرف الجزائر، لتتضح ملامح المزيد من النوايا الخبيثة للمستعمر، وتزداد قناعة الشعب بأنه لا حل سوى الكفاح المسلح من أجل الحصول على الاستقلال من مستعمر لم يقرأ في حياته سوى فصول كتاب كيف تسفك دماء الجزائريين وتنكل بهم؟!

الاثنين، 9 يناير 2023

الاحتلال الفرنسي بين المدافع والمطابع

 الاحتلال الفرنسي بين المدافع والمطابع


. شريف عبدالعزيز الزهيري

 

القمة الفرانكفونية 28 ماذا تبقى لفرنسا من مستعمراتها؟

لقد واجه العالم الإسلامي والعربي قديمًا أنماطًا من التحديات كثيرة، اتسمت بممارسات عنيفة، تعمل على زعزعة الثوابت الدينية، وتذويب هويته، وبالتالي تهميش حضارته واستئصال خصوصيته الاجتماعية والثقافية النابعة من معتقده الديني الراسخ عبر القرون. 

ومن أبشع هذه الأنماط؛ الاحتلال الفرنسي، الذي سعى لإبقاء نفوذه في العالم العربي والمسلم، من خلال معاهدات واتفاقيات وشراكات ومنظمات ما بعد الاستقلال المنقوص مثل الفرنكوفونية ليُبقي شعوبه مغيبة عن دورهم الحضاري، وخيرات بلادهم مستنزفة لغيرهم.

لا يُعرف على مستوى التاريخ المعاصر والحديث محتل جمع بين الاستعلاء العنصري والتعصب الديني والوحشية المفرطة والشره الكبير لثروات البلاد المحتلة؛ مثلما عُرف عن المحتل الفرنسي!!

فالفرنسيون كانوا مزيجًا غريبًا بغيضاً من كل النقائص البشرية والجرائم الأخلاقية، مع قشرة سميكة من التعصب الديني والرغبة العارمة لطمس وتذويب الهوية الوطنية وسحق تركيبة المجتمعات الإسلامية، وما إن يحطوا رحالهم المخيفة ويطؤون بأقدامهم الثقيلة بلدًا حتى تبدأ سلاسل المجازر الوحشية والإبادة الجماعية والتدمير الشامل لكل مكونات وموروثات هذا البلد؛ اجتماعياً ودينياً وثقافياً واقتصادياً، فهم تاريخيًا أقرب الأوروبيين شبهًا بالتتار في أسلوب الحركة والهجوم على الآخرين.

 بدأت فرنسا في عام 1524 تدشين حملاتها المدمرة بمغامرات فردية للتجار والمستكشفين للتعرف على أماكن الفضاء الاستراتيجي التي يمكن التمدد خلالها وتحقيق التوازن مع القوى العالمية وقتها. وبالفعل بدأت الهيمنة الفرنسية على إفريقيا في القرن السابع عشر، عبر إنشاء أول مراكزها التجارية في السنغال، ومن ثم بدأت أبشع حملة سرقة للبلاد والعباد والعقول!

وخلال فترة الاحتلال الفرنسي اتبعت سياسات الاستيعاب من خلال فرض أنظمتها الثقافية وقيمها، ونجحت في صناعة "نخب سياسية وثقافية" تدافع عن الاحتلال وتحارب أفكار الاستقلال. ومع تراجع قوة الدولة العثمانية سارعت فرنسا إلى احتلال الجزائر عام 1830، ثم التوسع في شمال إفريقيا.

ورغم أن الجزائر لم تكن أول بلد عربي ومسلم تحتله فرنسا إلا إن النموذج الجزائري في الفرنسة وطمس الهوية الوطنية وسحق مكونات المجتمع كان الكتالوج الذي سار عليه الفرنسيون في باقي البلاد التي احتلوها.

ومن أجل تحقيق هدفه الاستراتيجي في سحق الهوية العربية والإسلامية للشعب الجزائري ركز المحتل الفرنسي هجومه على مكونات هذه الهوية ممثلة في اللغة والتعليم والثقافة ونمط الحياة المصبوغ بصبغة إسلامية وعربية واضحة.

 

حصلت على امتيازات ثقافية تكرس هيمنتها المستقبلية على التعليم في الجزائر، ومـن ذلك: الحفاظ على 50 مركزًا بحثيًا، و18 ثانوية عليا، و2430 مؤسسة تعليم ابتدائي ومتوسط موزعين جغرافياً بدقة في شتى أرجاء الجزائر وتعمل بكل قوة حتى اليوم.

كان المحتل الفرنسي يدرك بأن التعليم ليس أداة تجديد خُلقي فحسب، بل هو أداة سلطة وسيادة ووسيلة نفوذ وسيطرة على القرار الوطني أقوى مانع من التبعية والانصهار في الغير، وأنه لا بقاء له إلا بالسيطرة عليه، ومن ثم فقد عمل الاحتلال الفرنسي على ضرب التعليم في الجزائر خاصة وأن الجزائريين كانوا يتفوقون على الفرنسيين بنسبة التعليم قبل الاحتلال الفرنسي لبلادهم. يقول الجنرال فالز في سنة 1834م بأن كل العرب (الجزائريين) تقريبًا يعرفون القراءة والكتابة؛ حيث إن هناك مدرستين في كل قرية، وكتب الرحالة الألماني (فيلهلم شيمبرا) حين زار الجزائر في شهر ديسمبر عام 1831م، يقول: "لقد بحثت قصدًا عن عربي واحد في الجزائر يجهل القراءة والكتابة، غير أني لم أعثر عليه، في حين أني وجدت ذلك في بلدان جنوب أوروبا، فقلما يصادف المرء هناك من يستطيع القراءة من بين أفراد الشعب".

وقد أُحصيت أكثر من 2000 مدرسة في الجزائر سنة 1830م، ما بين ابتدائية وثانوية وعالية تعتمد اعتمادًا كبيرًا على مردود الأوقاف الإسلامية في تأدية رسالته، فوضع الاحتلال يده على الأوقاف، قاطعًا بذلك شرايين الحياة التعليمية.

وبالفعل آتت هذه السياسة الآثمة أُكلها، وزادت معدلات الأمية والجهل بين الجزائريين، وتخلفوا عن ركب العلم والثقافة، وشاعت فيهم الخرافات والظلام. هذه السياسة المتعمدة للتجهيل جعلت التعليم في الجزائر يصل إلى أدنى مستوى له، فحتى سنة 1901م -أي بعد حوالي 70 سنة من الاحتلال-كانت نسبة المتعلمين من الأهالي لا تتعدى 3.8%، فأدى ذلك لتسارع وتيرة الفرنسة والتغريب.

وفي المقابل عمد الفرنسيون لإنشاء مدارس مخصوصة لتخريج أجيال من المتغربين والمتفرنسين من أبناء الجزائر لتحقيق عدة أمور هامة لخدمة أغراض الاحتلال، منها: تجريد الشعب الجزائري من شخصيته العربية الإسلامية، ومحاولة إدماجه وصهره في البوتقة الفرنسية بإعطائه تعليمًا هزيلاً يجعله أسهل انقيادًا لسياسته. ومنها قتل الروح الوطنية التي أدت إلى اشتعال الثورات المتوالية، وجعل الشعب أكثر خضوعًا للاحتلال. 

ومنها إيجاد قلة متعلمة للاستفادة منها في بعض الوظائف التي تخدم الاحتلال، وقد تصبح فيما بعد طابورًا خامسًا للمحتل، أو طبقة حاكمة يُعهد إليها بتسيير شؤون الحكم ولعب دور الوكيل للمحتل إذا اقتضت الحاجة لعودة المحتل إلى بلاده في أي وقت، ومنها خلق حالة من الشقاق والخلاف المجتمعي بين أبناء الوطن الواحد ممن تلقوا تعليماً دينياً عربياً في الزوايا والجوامع، وممن تلقوا تعليمياً فرنسياً غربياً، هذا ينادي بالأصالة والعروبة والحفاظ على الهوية، وذاك ينادي بالفرنكوفونية والفرنسة والتغريب.

وللتدليل على أثر فرنسة التعليم في الجزائر يبقى أن نعلم أن فرنسا وفي ظل معاهدات الاستقلال المنقوص حصلت على امتيازات ثقافية تكرس هيمنتها المستقبلية على التعليم في الجزائر، ومـن ذلك: الحفاظ على 50 مركزًا بحثيًا، و18 ثانوية عليا، و2430 مؤسسة تعليم ابتدائي ومتوسط موزعين جغرافياً بدقة في شتى أرجاء الجزائر وتعمل بكل قوة حتى اليوم.

 

 قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون: إن تونس ستكون خلال سنتين، قاعدة جديدة لتعليم اللغة الفرنسية، مشيرًا إلى أن الفرنكوفونية ستساعد التونسيين والتونسيات على النجاح في عدة مجالات وفي دول مختلفة

أما اللغة العربية فقد كان لها النصيب الأكبر من الهجوم الفرنسي. فقد ارتبط الاحتلال الفرنسي بتاريخ غزوه اللغوي للدول التي امتد نفوذه إليها، وقد بلغ نفوذ اللغة الفرنسية قمته في القرن الثامن عشر؛ حيث حلت اللغة الفرنسية في أوروبا محل اللغة اللاتينية المتراجعة، وعمّ الاحتلال اللغوي الفرنسي العديد من الأقاليم الأوروبية.

وهذا التغول اللغوي جعل من الحرب على اللغة الوطنية عامة والعربية خاصة أحد أهم بنود الحرب على الهوية، حيث بلغ مــزاج العدوان الفرنسي أعنف صوره وأشرس مظاهره، فهو لا يكتفـي بامتصاص الـدم والثروة، بـل عمل على ابتلاع شخصية الشعوب المحتلة؛ يبتلع تاريخها، ثقافتها، لغتها، سمت حياتها.

فرنسا أحكمت سيطرتها على دواوين الإدارة والحكم في الجزائر ثم جعلت اللغة الفرنسية هي اللغة الرسمية والوحيدة المسموح بها التعامل في هذه الدواوين، فاضطر الجزائريون في البداية لتعلم لغة المحتل لتسيير أموره المعيشية، كما سعت فرنسا لإبعاد اللغة العربية عن الساحة العلمية والفكرية والسياسية، وفرض لغتها وتصوير دارس اللغة الفرنسية على أنه المثقف الحقيقي، وأما دارس اللغة العربية فيُعامل كالأمي مهما بلغت رتبته العلمية ومكانته الثقافية، ومن هنا أبعدوه عن أية مناصب في المجال الثقافي، والسياسي، والاقتصادي، وعملت على تشويه صورته في وسائل الإعلام المختلفة.

أيضًا عمل المحتل الفرنسي على إحياء النعرات القومية بتشجيع بعض اللهجات المحلية مثل الأمازيغية في المغرب العربي، والعامية في مصر وبلاد الشام، أما في غرب أفريقيا فقد اتبعت طريقة أخرى، فقد ألزمت أبناء هذه البلاد المحتلة بكتابة اللغات الأفريقية بالحرف اللاتيني بدلًا عن العربي المستخدم لقرون طويلة، توسعت عملية استخدام الحروف العربية في كتابة العديد من اللغات؛ وكانت الكتابة بالحروف العربية هي الأكثر استعمالًا في معظم دول أفريقيا فكانت كل لغاتها تكتب بالأبجدية العربية؛ اللغة الأفريكانية، والبربرية، ولغة الهراري، والهوسا، والفولانية، والماندينكية، والولوفية، والنوبية، والسواحلية، واليوروبية وغيرها. وفي فترة الستينات من القرن العشرين، تم تكريس هذا الاتجاه عالميًا تحت إشراف اليونسكو خلال مؤتمر عقد في داكار، حيث اعتمدت كتابة اللغات الأفريقية بالحرف اللاتيني، ووضعت القواعد الثابتة لذلك، وهي خطوة حاسمة تم بها فصل الأفارقة عن تراثهم وتاريخهم المكتوب باللغة العربية، وعزل الأجيال الأفريقية ثقافيًا عن ماضيها العربي، بالرغم من أن الثقافة الأوروبية تعتبر دخيلة على أفريقيا.

أما خطة فرنسا في تغيير شكل ونمط حياة المجتمع الجزائري فقد اعتمدت على فكرة الاستيطان الفرنسي أو ذوي الأقدام السوداء كما أُطلق عليهم.

فقد عمل الاستعمار الفرنسي على إيجاد شعب فرنسي بالجزائر بكل ما يحمله من عادات وتقاليد وثقافة ونمط حياة ينافس ويشاكس نمط الحياة الإسلامي والعربي بالجزائر، وذلك من خلال تشجيعه لحركة الاستيطان بعد مصادرة الأراضي التي سهلت عملية إقامة القرى الجديدة في شكل مستوطنات –على غرار النموذج الإسرائيلي في فلسطين المحتلة-ساعدت على استغلال واستثمار الأرض بما يخدم المصلحة الفرنسية والمستوطنين. أما الشعب الجزائري فقد أخضعته لمجموعة من القوانين الاستثنائية شديدة القسوة والاضطهاد مثل (قانون الأهالي)، وتجريده من المقومات شخصيته وممتلكاته لتضييع الجزائري لهويته وعاداته الاجتماعية ونمط حياته الإسلامي والعربي. وهكذا أصبح صعاليك فرنسا الوافدين على الجزائر يتمتعون فيها بحق المواطنة الفرنسية، وأدمجت معهم ثلة من اليهود المتجنسين وفقا لقرار كريميو 1870م، ومعهم مجموعة لا تتجاوز 25000 جزائري من الذين تبرعت عليهم بحق التصويت، لأنهم متعلمون أو متعاونون مع أجهزة الاحتلال وأطلقت عليهم صفة النخبة.

في المجمل تم تلوين كل الأنشطة الاجتماعية والثقافية بالروح الفرنسية، الهندسة المعمارية والتماثيل، أسماء الشوارع، الاحتفاليات، المطاعم، المحال، المدارس، إلخ. وسرت روح فرنسا فريك أو Françafrique في جسد كل البلاد المحتلة فرنسياً بفعل سياسات الاجتثاث الثقافي والاجتماعي الذي مارسه الفرنسيون في الجزائر والتي صارت النموذج والمثال الذي طُبق فيما بعد على سائر المستعمرات الفرنسية في أفريقيا وأسيا.

وإنما نقول ذلك كله ونُذكر به في الوقت الذي اختتمت فيه القمة الفرنكوفونية منذ يومين بتونس بحضور 90 وفداً و31 رئيس دولة وحكومة معظمها مستعمرات فرنسا السابقة، وكل ذلك من أجل نشر الثقافة الفرنسية ولغتها ونمط معيشتها ومواصلة الهيمنة والاحتلال الفرنسي، وقد قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون: إن تونس ستكون خلال سنتين، قاعدة جديدة لتعليم اللغة الفرنسية، مشيرًا إلى أن الفرنكوفونية ستساعد التونسيين والتونسيات على النجاح في عدة مجالات وفي دول مختلفة.

فالمعركة مستمرة، والاحتلال يأبى الخروج، وهو مصّرٌ على مواصلة الحرب على الهوية العربية والإسلامية. ولو انتهى دور المدافع، فلم ينتهِ دور المطابع.

 

السبت، 24 سبتمبر 2022

مذبحة سان بارتيليمي

لأنهم بروتستانت وليس كاثوليك.. كيف قتل ملك فرنسا 70000 فرنسي؟!

مذبحة سان بارتيليمي

قام الجيش الفرنسي بذلك اليوم بأمر من ملك فرنسا شارل التاسع ووالدته كاترين دي ميديشي بقتل كل الفرنسيين المسيحيين المعتنقين للمذهب البروتستانتي، وكان هدف ملك فرنسا أن يجعل فرنسا كاثوليكية مسيحية بدون أي أقليات حتى لو كانت أقليات مسيحية من مذاهب أخرى، وكانت هذه المجزرة بدعم من بابا الكنيسة الكاثوليكية.

 قبل المجزرة

ظهر في القرن السادس عشر إنقسام ديني في أوروبا، بعد ظهور المذهب المسيحي البروتستانتي وانتشاره على حساب المذهب المسيحي الكاثوليكي، وكان ظهور هذا المذهب نتيجة نشر الكاهن مارتن لوثر أطروحاته الخامسة والتسعين والتي فيها إعترض على قيام الكنيسة الكاثوليكية ببيع صكوك الغفران التي تغفر خطايا من يشتريها، فقامت الكنيسة الكاثوليكية بإعلان مارتن لوثر كمهرطق، ولكن كان لهذا الإعلان رد فعل عكسي حيث بدأ ينتشر المذهب المسيحي البروتستانتي.

تنفيذ المجزرة

جتمع ملك فرنسا شارل التاسع ووالدته كاترين دي ميديشي وقرروا وقررا إبادة كل الفرنسيين البروتستانت في عيد القديس برثولماوس في 24 اغسطس، وخططوا أن تكون البداية بقتل 30 نبيل بروتستانتي قادمين إلى باريس لحضور حفل زفاف ملكي.
بالفعل قام تم قتل 30 نبيل بروتستانتي في قلعة اللوفر، ثم قام الجيش الفرنسي بإغلاق أبواب باريس وبدأ الجيش الفرنسي باصطياد وقتل الفرنسيين البروتستانت بما في ذلك النساء والأطفال، تم استخدام السلاسل لسد الشوارع حتى لا يتمكن البروتستانت من الهروب من منازلهم، ثم تم جمع جثث القتلى في عربات وألقيت في نهر السين.

وبعد انتشار أخبار المجزرة في باريس، قام حكام المقاطعات الفرنسية بناء على أوامر الملك التي نقلها أخيه دوق أنجو، بتنفيذ مجازر باسم الملك ضد البروتستانت في مقاطعاتهم، فقام الجيش الفرنسي في المقاطعات وكذلك الكاثوليك المتحمسين بمهاجمة منازل البروتستانت وقتلهم، وحتى تم قتل كاثوليك اختبأ أقاربهم البروتستانت في منازلهم خوفا من المجزرة.

وقدر هاردوين دي بومون رئيس أساقفة باريس بأن عدد القتلى بمئة ألف قتيل، وأما دوق سالي النبيل ماكسيميليان دي بيتون الناجي من المجزرة فذكر أن عدد القتلى 70000 بروتستانتي و 2000 كاثوليكي قتلوا أثناء دفاع البروتستانت عن أنفسهم أو بسبب إخفائهم لبروتستانت احتموا عندهم.

وبعد المجزرة أصبحت مشاهد الجثث في الشوارع والجثث التي تطفو فوق نهر السين والرون مشاهد طبيعية، وظهرت لأشهر أزمة خانقة في مياه الشرب نتيجة رمي الجثث في الأنهار والبحيرات، وأرسل بابا الكنيسة الكاثوليكية غريغوري الثالث عشر رسالة شكر إلى ملك فرنسا ووردة ذهبية في دلالة على مباركة البابا للمجازر، وقام البروتستانت الناجون من المجزرة بعمليات تحول جماعية من البروتستانتية إلى الكاثوليكية.

فرنسا اليوم
1) تدعي فرنسا اليوم بأنها مركز تنظير وتعليم مبادئ الحرية والمساواة رغم تاريخها الدموي الذي يشهد بأنها نقيض لهذه المبادئ.
2) قامت فرنسا بدعم الأقليات أو باختراع أقليات دينية وقومية في البلاد التي إستعمرتها رغم أن التاريخ يشهد بأنها قامت بأحد أكبر المجازر في إبادة أقلية كانت موجودة على أرضها.
3) أرسلت فرنسا كتابها ومؤرخيها ومستشرقيها ليقوموا بكتابة تاريخنا، وجعلت من نفسها حكما وناقدا، وعملت على تشويهه، رغم أن تاريخها هو الذي يحتاج أن يكتب بمصداقية فهي بلد شهير بسلسلة المجازر الداخلية سواء المجازر الدينية المتتالية أو مجازر عهد الإرهاب أو مجازر الملكييين والجمهوريين.
4) للأسف في بلادنا العربية أناس مبهورين بالتجربة والنموذج الفرنسي، وكل هدفهم تنفيذ أجندات الإستعمار حتى لو كانت ضد بلادهم.

**** المصادر:

1) History of the Protestants of France, Guillaume Félice‏
2) The Massacre of St. Bartholomew and the European conflict, N. M Sutherland
3) The Saint Bartholomew’s Day massacre: The mysteries of a crime of state, Arlette Jouanna and Joseph Bergin

المؤرخ: تامر الزغاري


الجمعة، 25 مارس 2022

اوربا 2022

اوربا 2022

  هل تذكرون يوم أيدت فرنسا الرسوم المستهزئة بالرسول صل الله عليه وسلم ونشرتها على مبانيها الحكومية من قبيل "حرية التعبير"؟ 

هذه المرة لما نشرت السفارة الروسية رسما ساخرا غضبت فرنسا واستدعت السفير وتم سحب الرسم 

هل بقي  من يصدق أن هؤلاء يؤمنون بحرية التعبير بالفعل؟








  الكاريكاتير المنشور على صفحة السفارة الروسية في باريس (تويتر)