‏إظهار الرسائل ذات التسميات الاحتلال. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الاحتلال. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 5 يونيو 2026

59 عاما على النكسة.. ماذا تغير في فلسطين والعالم العربي منذ هزيمة 1967؟

59 عاما على النكسة.. 
ماذا تغير في فلسطين والعالم العربي منذ هزيمة 1967؟

تبقى فلسطين، رغم كل المتغيرات، القضية التي ما زالت تختبر قدرة المنطقة على صياغة مشروع سياسي جامع، تماماً كما كانت قبل 59 عاماً..
في الخامس من حزيران/ يونيو 1967، استيقظ العالم العربي على واحدة من أكثر المحطات تأثيراً في تاريخه الحديث؛ حرب لم تستمر سوى ستة أيام، لكنها غيّرت وجه المنطقة لعقود طويلة.

فقد انتهت المواجهة بين إسرائيل وكل من مصر وسوريا والأردن بهزيمة عربية قاسية عُرفت لاحقاً باسم "النكسة"، وأسفرت عن احتلال إسرائيل للضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة وشبه جزيرة سيناء وهضبة الجولان، لتدخل القضية الفلسطينية والمنطقة بأسرها مرحلة جديدة ما تزال تداعياتها السياسية والعسكرية والجغرافية حاضرة حتى اليوم.


النكسة.. لحظة التحول الكبرى

جاءت حرب حزيران/ يونيو في ظل أجواء عربية مشحونة بالشعارات القومية والثقة بقدرة الجيوش العربية على مواجهة إسرائيل. وكانت مصر بقيادة جمال عبد الناصر تمثل مركز الثقل العربي سياسياً وعسكرياً، فيما تصاعد التوتر الإقليمي بعد إغلاق مضائق تيران وحشد القوات المصرية في سيناء وانسحاب قوات الطوارئ الدولية.

لكن إسرائيل شنت في صباح الخامس من حزيران/ يونيو ضربة جوية واسعة دمّرت الجزء الأكبر من سلاح الجو المصري خلال ساعات، قبل أن تتوسع العمليات العسكرية على الجبهتين الأردنية والسورية. وبعد ستة أيام فقط كانت إسرائيل قد سيطرت على القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء والجولان، بينما وجد العالم العربي نفسه أمام صدمة سياسية وعسكرية غير مسبوقة.

ولم تكن الهزيمة مجرد خسارة أراضٍ، بل مثلت انهياراً لمشروع سياسي كامل ارتبط بفكرة القومية العربية والوحدة والتحرر الوطني، ما دفع العديد من المفكرين والباحثين إلى اعتبار النكسة نقطة فاصلة بين مرحلتين تاريخيتين في العالم العربي.


فلسطين قبل النكسة وبعدها


قبل عام 1967 كانت القضية الفلسطينية تُطرح في الإطار العربي العام، وكانت الضفة الغربية تحت الإدارة الأردنية وقطاع غزة تحت الإدارة المصرية. أما بعد الحرب، فأصبحت فلسطين التاريخية بأكملها تقريباً تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة.

وأدت النكسة إلى بروز الحركة الوطنية الفلسطينية المستقلة بشكل أكبر، إذ اكتسبت الفصائل الفلسطينية المسلحة، وعلى رأسها حركة "فتح"، زخماً واسعاً، قبل أن تصبح منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الرئيسي للشعب الفلسطيني.

كما فتحت الحرب الباب أمام مشروع الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وهو المشروع الذي توسع بصورة متواصلة خلال العقود اللاحقة وأصبح أحد أبرز العقبات أمام أي تسوية سياسية.


العالم العربي عام 1967.. مركزية الصراع

في ستينيات القرن الماضي كان الصراع العربي الإسرائيلي يمثل القضية المركزية بلا منازع في المنطقة. وكانت معظم الدول العربية، رغم خلافاتها السياسية، تتبنى خطاباً موحداً نسبياً تجاه فلسطين.

كما كانت الجيوش النظامية للدول العربية هي اللاعب الأساسي في المواجهة مع إسرائيل، بينما لم تكن الانقسامات الداخلية والصراعات الأهلية التي تشهدها المنطقة اليوم قد وصلت إلى مستوياتها الحالية.

وبعد النكسة، حاولت الدول العربية استعادة زمام المبادرة عبر قمة الخرطوم الشهيرة التي رفعت شعار "اللاءات الثلاث": لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض مع إسرائيل، قبل أن تتغير المعادلات تدريجياً خلال العقود التالية.


من الحروب النظامية إلى الصراعات المتعددة

إذا كانت مرحلة ما بعد 1967 قد اتسمت بمحاولات عربية لاستعادة الأراضي المحتلة عبر الحروب التقليدية، كما حدث في حرب تشرين/ أكتوبر 1973، فإن المشهد الحالي يبدو مختلفاً جذرياً.

فمعظم الدول العربية باتت منشغلة بأزماتها الداخلية الاقتصادية والسياسية والأمنية، بينما تحولت المنطقة إلى ساحة لصراعات متشابكة تشمل ملفات النفوذ الإقليمي والحروب الأهلية والتنافس الدولي.

كما أن عدداً من الدول العربية انتقل من حالة المقاطعة السياسية لإسرائيل إلى إقامة علاقات دبلوماسية واتفاقيات تطبيع، وهو تحول كان من الصعب تصوره في السنوات التي أعقبت النكسة مباشرة.


فلسطين اليوم.. بين الاحتلال والمقاومة


رغم مرور 59 عاماً على حرب 1967، فإن كثيراً من القضايا التي أفرزتها الحرب لا تزال قائمة. فالضفة الغربية ما تزال تحت الاحتلال الإسرائيلي، فيما تشهد القدس عمليات تهويد واستيطان متواصلة، بينما يعيش قطاع غزة واحدة من أعنف الحروب في تاريخه الحديث منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023.

وفي المقابل، شهدت القضية الفلسطينية تحولات جوهرية؛ فمن مرحلة الرهان على الجيوش العربية، إلى صعود الفصائل الفلسطينية المسلحة، ثم مسار التسوية السياسية واتفاق أوسلو، وصولاً إلى عودة المواجهة العسكرية المباشرة وتراجع فرص الحل السياسي.

كما أصبحت القضية الفلسطينية اليوم جزءاً من نقاش عالمي أوسع يتعلق بحقوق الإنسان والقانون الدولي وجرائم الحرب، بعدما كانت تُنظر إليها سابقاً بوصفها قضية عربية بالدرجة الأولى.


ماذا بقي من آثار النكسة؟


بعد نحو ستة عقود، يصعب النظر إلى هزيمة 1967 باعتبارها حدثاً عسكرياً انتهى في زمانه. فالحدود التي رسمتها الحرب ما زالت تؤثر في خرائط المنطقة، والقدس التي احتلت في تلك الحرب ما تزال محور الصراع، والاستيطان الذي بدأ بعدها أصبح واقعاً سياسياً وجغرافياً معقداً.

كما أن كثيراً من التحولات الفكرية والسياسية التي عرفها العالم العربي منذ أواخر الستينيات ارتبطت بشكل مباشر أو غير مباشر بصدمة النكسة، سواء على مستوى العلاقة بين الدولة والمجتمع، أو صعود الحركات الإسلامية، أو تراجع المشاريع القومية التقليدية.

وفي الذكرى التاسعة والخمسين للحرب، تبدو المفارقة لافتة؛ فالعرب الذين خسروا في عام 1967 أراضي واسعة خلال أيام معدودة، يعيشون اليوم واقعاً أكثر تعقيداً وتشتتاً، بينما تبقى فلسطين، رغم كل المتغيرات، القضية التي ما زالت تختبر قدرة المنطقة على صياغة مشروع سياسي جامع، تماماً كما كانت قبل 59 عاماً.

الأحد، 11 يناير 2026

إسرائيل تعيد هندسة الاقتصاد في الضفة لغايات التهجير

إسرائيل تعيد هندسة الاقتصاد في الضفة لغايات التهجير
د.أحمد أبو الهيجاء
باحث في علم الاجتماع السياسي والحركات الاجتماعية.

تسير الحكومة الإسرائيلية بخطوات ممنهجة لإعادة هندسة الاقتصاد في الضفة الغربية؛ بهدف القضاء على مقومات الحياة فيها ودفع الفلسطينيين إلى هجرة قسرية متنكرة بثياب الطوعية لضمان إفراغ الأرض من سكانها الأصليين، واستكمال مشروع الضم الذي تحول إلى حقيقة لا لبس فيها.

يعتبر الاقتصاد غير الرسمي جزءا من جميع اقتصاديات دول العالم، فهناك الاقتصاد الرسمي المنظم الذي ترعاه الدولة، ويخضع لكامل إجراءاتها ويمثل غالبية الأنشطة الاقتصادية في الدول الطبيعية، وهناك الاقتصاد الهامشي غير المنظم أو غير الرسمي، والذي يشكل في كل مجتمع متنفسا لشرائح اجتماعية هامشية أو متهربة ضريبيا لكنه في فلسطين لب الحياة. إذ إن الاقتصاد غير الرسمي أو غير المنظم يشكل أكثر من ثلثي الاقتصاد، وتم تقديره من قبل أوساط اقتصادية بنحو (56) مليار شيكل، ويعتبر ذلك كلمة السر في صمود الفلسطينيين وقت الأزمات.

أتقن الفلسطينيون بحكم التجربة الإبداع في العيش على الهامش والقدرة العالية على التكيف، والعيش لفترات طويلة بدون دولة، ومن ثم مع سلطة مقيدة بلا صلاحيات. بمعايير الأرقام الرسمية يفترض أن الحياة الاقتصادية في الضفة الغربية قد انهارت، وهذه حقيقة، ولكن إجراءات التكيف مع الحياة تتحدى القواعد الكلاسيكية في سعي الإنسان لإشباع احتياجاته.

تتحكم سلطات الاحتلال بمفاصل الحياة الاقتصادية كاملة في الضفة الغربية، وهذا أمر بديهي، فيما لا تبقي للسلطة الفلسطينية سوى هوامش ضئيلة في تنظيم الاقتصاد وإدارته، يمكن تشبيه العلاقة الاقتصادية بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل بشركة عملاقة لإنتاج السيارات، هي إسرائيل، بينما توجد شركات خدمات لوجيستية تعتاش منها، بعضها يقدم خدمات النقل أو البريد، أو وجبات البيتزا للعاملين.

تقوم سلطات الاحتلال في السنوات الأخيرة بسلسلة إجراءات واضحة وعلنية؛ لكسر قواعد اللعبة الاقتصادية في الضفة الغربية، ما يعني انسدادا كاملا لأفق الحياة لشرائح واسعة من المجتمع شملت منع أكثر من 300 ألف عامل من الضفة الغربية من العمل في الداخل بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وهم يشكلون مصدر الدخل الرئيسي للنقد في الضفة، ويدرون نحو مليار دولار شهريا، لم يتبقَ منهم اليوم سوى ثمانين ألفا، منهم ثلاثون ألفا يعملون بتصاريح عمل رسمية معقدة الإجراءات، وخمسون ألفا يعملون عبر طرق تهريب مختلفة وملاحقة مستمرة، ولا يكاد يمر أسبوع دون أن يقتل أحدهم، وهو يحاول اجتياز جدار الفصل العنصري، أو خلال ملاحقته في الداخل.

يترافق ذلك مع احتجاز غالبية أموال الضرائب الفلسطينية للعام الخامس على التوالي والتي تعرف باسم "المقاصة" والتي وصلت حاليا لأكثر من ملياري دولار، وتشكل عادة ثلثي موازنة السلطة الفلسطينية.

وإذا كان ما سبق ذكره معروفا تماما ولا جديد في سرده؛ فإن قضية إعادة هندسة الاقتصاد الفلسطيني أعمق من ذلك بكثير، وتتم بإجراءات غير مرئية، ولكنها أكثر تحطيما للقواعد الناظمة للاقتصاد في الضفة الغربية ككل، فإسرائيل اليوم تبحث عن أي مقوم حياة في الضفة لضربه؛ ومن ذلك تحجيم وقطع الصلات الاقتصادية والاجتماعية بين فلسطينيي الداخل (1948) وفلسطينيي الضفة الغربية، وهم شريان اقتصادي رئيسي.

فمثلا حين كانت المعابر مفتوحة على مدينة جنين، كان فلسطينيو الداخل يضخون نحو ثلاثة مليار شيكل سنويا في اقتصاد جنين، فما بالك بالضفة الغربية ككل؟. تعتبر الضفة الغربية الحديقة الخلفية لفلسطينيي الداخل من حيث التسوق، امتلاك الشقق والعقارات، السياحة الداخلية، الدراسة في الجامعات، وبدونهم يصيب الإنهاك كل هذه القطاعات.

كما فرضت إسرائيل قيودا غير مسبوقة على النظام المصرفي الفلسطيني، وإذا كان ليس بالجديد أن يخضع النظام المصرفي لرقابة صارمة فيما يسمى أنظمة غسل الأموال، وما يسمى مكافحة الإرهاب وفق الأنظمة الأميركية، فليس ذلك هو المقصود. فمثلا قررت حكومة الاحتلال عدم السماح للبنوك الفلسطينية بنقل عملة الشيكل إلى البنوك الإسرائيلية، ما أدى لتكدس الشيكل في البنوك الفلسطينية.

قد لا يفهم المتابع معنى ذلك، لكن هذا الإجراء يعني ضرب كل مقومات الاقتصاد غير الرسمي الذي تقوم عليه الضفة الغربية، ويعني ذلك أن إسرائيل لا تعترف بأي نقد لا يمر عبر نظامها الضريبي.

ومن ذلك، على سبيل المثال، إنفاق فلسطينيي الداخل في الضفة الغربية الذي أشرنا إليه، إضافة إلى القطاعات الاقتصادية الصناعية والحرفية والزراعية غير الرسمية والمسجلة ضريبيا في الضفة، كما يقوض قدرة التجار الفلسطينيين على الاستيراد.

تنبهت إسرائيل لأهمية هذا النوع من الاقتصاد في تعزيز صمود الفلسطينيين، فقررت أن تضرب نقاط قوة الفلسطينيين في التنمية الاقتصادية في المساحات المتاحة على الهامش، صحيح أن بعض هذه المساحات ولدت اقتصادا مشوها، لكنه قادر على تعزيز صمود الناس حتى بات التخلي عن هذا النمط الاقتصادي المشوه خطرا كبيرا مهددا لمقومات الحياة كاملة.

بثت القناة الإسرائيلية الـ"14″- وهي قناة اليمين الإسرائيلي المحسوبة على نتنياهو- قبل نحو عام تقريرا عن الحياة في الضفة الغربية تضمن الإشارة إلى حركة المركبات الحديثة في شوارع مدن الضفة الغربية، ناقش المحللون باستفاضة واستهجان أن ذلك دليل على الحالة الاقتصادية الجيدة في الضفة، وتساءلوا ما دام هؤلاء يركبون سيارات حديثة كيف سيرحلون؟ قد يبدو ذلك سخيفا لكنه يعكس الاتجاهات المستقبلية لتحويل حياة الفلسطينيين إلى جحيم.

يضاف إلى ذلك إلزام إسرائيل، السلطة الفلسطينية بسن إجراءات ملاحقة وتقييد أنشطة تجارية، وعمليات تداول غير رسمي للبضائع بين تجار محليين وآخرين عرب ويهود في الداخل، علما أنها لا تؤثر سلبا على الاقتصاد الفلسطيني، لكنها تضر بالاقتصاد الإسرائيلي من وجهة نظر وزارة المالية الإسرائيلية.

تأخرت السلطة الفلسطينية كثيرا في تطوير البدائل للتعامل مع الأزمات التي وقعت بها، فكان اعتمادها الكامل على الضرائب والمساعدات دون بناء اقتصاد حقيقي داخل فلسطين، والتفكير في استثمار الأموال في فترات الرخاء والمبادرة في الاستثمار الآمن خارج فلسطين، ما فاقم الأزمة وجعل الحالة الاقتصادية اليوم مكشوفة بالكامل.

لا مجال لحصر ما تقوم به إسرائيل لتحطيم اقتصاد الضفة، فمثلا أدى الاستيطان الرعوي الذي ابتدعه المستوطنون في السنوات الأخيرة والذي سيطر خلال فترة وجيزة على ثلث مساحة الضفة الغربية، إلى تدمير الزراعة والسيطرة شبه الكاملة على مصادر المياه الطبيعية في الضفة الغربية، فانهارت تربية وتجارة الماشية لانتفاء المراعي ومصادر المياه، وتناقصت بؤر السلال الغذائية الزراعية بشكل حاد.

قررت إسرائيل أن تضرب نقاط قوة الفلسطينيين في التنمية الاقتصادية في المساحات المتاحة على الهامش، فبات التخلي عن هذا النمط الاقتصادي المشوه خطرا كبيرا مهددا لمقومات الحياة كاملة

تسير الحياة الاقتصادية في الضفة باللامنطق الاقتصادي، لكنه صراع البقاء لا أكثر. بلغة الأرقام مثلا، أشار البنك الدولي قبل سنوات إلى أن إسرائيل تسيطر على كامل المياه الجوفية للضفة الغربية وتحرم الفلسطينيين منها، وفي المقابل تقوم ببيع جزء من هذه المياه للفلسطينيين لتلبية احتياجاتهم، المفارقة أن الأرقام أشارت إلى أن ما تتقاضاه إسرائيل سنويا من الفلسطينيين في الضفة ثمنا لتزويدهم بمياههم المحرومين منها أعلى من قيمة المساعدات الدولية التي تدخل فلسطين، وعلى ذلك يمكن إجراء القياس على كل المنظومة!

لا يوجد إجماع في المنظومة الأمنية والسياسية في إسرائيل حول الاندفاع الشديد حاليا في تطبيق هذه الإجراءات، فجهاز مخابرات الاحتلال "الشاباك" يميل أكثر لعدم المساس الجوهري بمقومات الاقتصاد في الضفة؛ ضمانا لاستتباب الأمن، فالدولة العميقة في إسرائيل تعي أهمية ذلك لضمان الاستقرار، بينما الحكومة الإسرائيلية بمكوناتها المعروفة يعملون على التأزيم الكامل، ويتهمون من قبل الدولة العميقة بأن نفسهم قصير وغير مخضرمين في التعامل مع الفلسطينيين؛ رغبة منهم في تسريع تهجير الفلسطينيين، وقتل مقومات صمودهم.

إن ما يجري خطير جدا ومفصلي، فالمطلوب فلسطينيا وعربيا خطة إبداعية وخلاقة لدعم مقومات صمود الفلسطينيين على أرضهم، ولا يرتبط ذلك فقط بالمساعدات، فمثلا توجيه الشركات التي تعمل عن بعد- سواء شركات التكنولوجيا المتقدمة أو غيرها- إلى أن توظف الفلسطينيين، يعني ذلك إيجاد عشرات آلاف فرص العمل عن بعد داخل فلسطين، إضافة إلى رؤية جريئة للسلطة الفلسطينية وإن كانت متأخرة للاستثمار الرشيد خارج فلسطين كما تفعل إسرائيل، ما يوفر مساحات آمنة للاستثمار يعود ريعها للداخل.

علاوة على إعادة هيكلة الاقتصاد في الداخل بشكل تشاركي وشفاف، وترشيد إدارة المال العام، ومكافحة جادة للفساد بطرق أكثر كفاءة، وتوزيع عادل دون اختلال لبنود الموازنة على القطاعات ذات الأولوية، خاصة أن عنوان المرحلة المقبلة هو منع التهجير.

الأربعاء، 22 أكتوبر 2025

في بكاء من لا بواكي لهم

في بكاء من لا بواكي لهم

يوسف الدموكي

صحفي، وطالب بقسم التلفزيون والسينما في كلية الإعلام بجامعة مرمرة

على حين غرة من الدنيا، وفي هامش الحياة الواسع، المُستعد لابتلاع ثمانية مليارات إنسان من دون أن يُبالي أحد من الملايين البقية، وفي بقعةٍ مُنطفئة من العالم، غارقة في ظلمات بعضها فوق بعض، لا تكاد تضيء إلا من طلوع شمس مُثقلة بدخان الليل، أو بغارة تشعل العتمة، فتلقي بالشهود في فراغ سحيق، يقولون ليتك ما أضأت أبدًا، إنسانٌ بلا مأوى، وعائلة بلا عائل، وصغار كثر منسيون، ساقطون من الملفات الممحوّة من السجل المدنيّ عن آخرها، وأسرى في طيّ النسيان، لا أهلوهم تبقوا حتى يستعلموا عن أسمائهم، ولا المعنيّون يعلمون بوجودهم في قوائم الأسرى، ولا الاحتلال سيُعلن أنّ هؤلاء عنده، كأنهم بين ذلك الثلاثيّ في مثلث برمودا، ولا أحد سيسأل، لأنه ببساطة لا أحد سيتذكّر!

شابٌّ مقطوع من شجرة، خرج مع قوافل العزّ يوم خرج الأولاد يوم الطوفان، لا يعلمه إلا نفر قليل في سريّته، ففُقد يوم عاد بعضهم وقُتل الآخرون، ثم قُتل البقية العائدون بعدها، فلم يدرِ به أحد، لا وُضع اسمه في لوحات الشهداء، ولا كتب أحدٌ فوق كفنه "مجهول"، ولا كفن يُكرّم بدنه، ولا بدن يستحق الكفن. كلّ شيء وُلد وانتهى في الأرض ذاتها، كفرعٍ مقطوع من شجرة، استحال حطبًا. أما أخونا، فاستحال وافدًا جديدًا على أهل الفردوس، يعرفه الناس هناك، وقد مضى من الأرض لا يعلم به أحد، ولا يعبأ له أحد.

لا وُضع اسمه في لوحات الشهداء، ولا كتب أحدٌ فوق كفنه "مجهول"

شلوٌ تبقى جوار حذاء مهترئ، وساعة يد، وقنينة ماء فارغة، لا شيء آخر في المكان يدل على أحد، ولا حتى صف الأسنان المرسوم على عظام الجمجمة. لا أحد سيتعرّف إليه، لأنه ببساطة لا أحد يعرفه، سوى أمّه التي سافرت في أوّل الحرب، وشقيقته التي علقت في الشمال. لا هواتف ذكية ولا حسابات فيسبوك، ولا شيء سيتعرّفون من خلاله إلى ما تبقى من ذلك المنسيّ، لأنّ الذي التقط الصورة، وكان احتمال واحد في المليون أن يعثر عليها أحد، فُقد في طريق العودة، ويا للقدر العجيب، بالساعة ذاتها قالوا إنّ غارةً مزّقت شابين ألف قطعة، فلم يتعرّف إلى بقاياهما أحد.

وطفلةٌ، على ناصية بين التقاء شارعين "سابقاً"، على أنقاض مربّع مدمّر حديثًا، تحمل نصف صورة مُمزّقة، ونصف قلب، ونصف ذاكرة، حيث تغطي ربطة الشاش فوقها النصف الآخر من الرأس الصغيرة. تحاول أن تبقي عينيها مفتوحتين طوال الوقت، عساها تلمح قادمًا من بعيد، أو أمًّا وعدتها بأن تأتي بالمياه بعد ساعتين، أو يوم، على الأكثر. لكن لا أحد يأتي برطلي مياه في سبعة وثمانين يومًا يا أمي، ولا أحد يأتي من نقطة المساعدات بعد ثلاثة أشهر في الطابور.

وحيدة، مكانها، تحاول أن تلمح في الأفق شيئًا غير شلوٍ تبقى جوار حذاء مهترئ، وساعة يد، وقنينة ماء فارغة.



الجمعة، 26 سبتمبر 2025

إسرائيل تشن حربًا شاملة.. والعالم العربي يتحرك أخيرًا

 إسرائيل تشن حربًا شاملة.. والعالم العربي يتحرك أخيرًا

ديفيد هيرست

يشدني الحنين إلى أيام الغارديان عندما كان ديفيد هيرست، الذي توفي يوم الإثنين عن تسعة وثمانين عاماً، محرر شؤون الشرق الأوسط المتميز في الصحيفة.

كانت صحيفة تأخذ على محمل الجد الرأي غير الغربي، وكانت تهتم بشدة بما يجري في الشرق الأوسط وبالأخبار الأجنبية عموماً.

كان لديها مراسل واحد في بيروت، ومراسلان في القدس، ومتعاونون محليون في كل عاصمة عربية. كان قسم الأخبار الأجنبية يشتمل على فريق متفان من المحررين.

ولكنها كانت لها أيامها الغريبة والرائعة.

كانت صحيفة الكتاب، وكان المراسلون هم من يضعون الأجندة لقسم الأخبار، وليس العكس من ذلك، كما آلت إليه الأمور اليوم. كان يصعب علينا الوصول إلى مراسلنا في باريس لأنه كان يرفض الاحتفاظ بجهاز هاتف. كان إعداد التقارير وإرسالها يستغرق من المراسلين وقتاً، يمتد أحياناً إلى أسابيع.

كانت الغارديان مليئة بالأخطاء المطبعية، وكانت المطبعة الموجودة في شارع غريز كثيراً ما تتعطل بعد سحب الطبعة الأولى حتى بات يطلق عليها اسم "غرونياد" (بدلاً من غارديان).
وكانت لها ميزة أخرى، وهي أنها كانت توظف صحفيين يحملون نفس الاسم. فقد كان فيها صحفيان كل واحد منهما اسمه بول ويبسترز، أحدهما كان مراسلنا في باريس، بينما كان الآخر محرر الأخبار الأجنبية.

وكان فيها صحفيان كل واحد منهما اسمه ديفيد هيرست، أو على الأقل هكذا كان يكتب الاسم باللغة العربية.

كان هناك الرجل الذي كنت أشير إليه بعبارة "ديفيد هيرست الحقيقي"، الصحفي المتميز المتخصص في الشؤون العربية والذي ألف الكتاب المبدع "البندقية وغصن الزيتون"، والذي نجا من الاختطاف مرتين في بيروت في أوج الحرب الأهلية هناك، والذي كتب تقارير حصرية حول تدمير حماة على يدي حافظ الأسد وحول تسميم الكرد بالغاز في حلبجة على يدي صدام حسين.

وكان هناك كاتب هذه الكلمات: شاب متحمس وجاهل، تم تغيير اسم عائلته على عجل في عام 1943 على متن سفينة حربية بريطانية متجهة نحو شواطئ الإنزال بالقرب من ساليرنو في إيطاليا أثناء الحرب العالمية الثانية.

كان والدي ملازماً في الجيش البريطاني. قال له قائد وحدته إن القوات البريطانية لا يمكنها أن تدخل ساحة الوغى تحت قيادة ضابط يحمل اسماً ألمانياً.

كان والدي يهودياً نمساوياً، ولذا تسبب له ذلك الموقف بإهانة مضاعفة. ولكنه في نهاية المطاف تحول من هيرشتريت الألماني إلى هيرست الإنجليزي، وكتب الاسم على النحو التالي Hearst تمييزاً له عن أسماء مشابهة في النطق لأشخاص يحيطون به ولكنها تكتب إما Hirst أو Hurst .

تحسباً مما قد أسببه لزميلي الأعلى قدراً والأكثر تميزاً، والبريء تماماً، فقد اخترت منطقة أخرى من العالم أتخصص فيها وأكتب عنها، فرحت أتعلم اللغة الروسية.

أثر القرين

ولكن، وكما ينبغي له، جرني الشرق الأوسط وأعادني إلى مركز الجاذبية فيه كما لو كان قوة من قوى الطبيعة، وأشبه بالحبكة التي في رواية "سكوب" لمؤلفها إيفلين واه، غدونا كلانا في أذهان قرائنا شخصاً واحداً.

كنت أتلقى شيكات البي بي سي الموجهة إليه. وذات مرة أجريت مقابلة مع دبلوماسي إيراني رفض التصديق، رغم إنكاري مرات عديدة على مدى تسعين دقيقة، أنني لست من نجا من محاولات الخطف في بيروت.

وفي زيارة لي إلى مدينة أوتاوا بكندا، احتشد جمهور من المعجبين في قاعة يحمل كل منهم في يده نسخة من كتاب "البندقية وغصن الزيتون" للحصول على توقيع مني. فلما وعيت لما كانوا يريدون مني تداركت الأمر وأوقفتهم. ثم جاءت الإنترنيت لتزيد الطين بلة.

لم يحصل بيني وبين سميي هيرست تواصل إلا لفترات محدودة في أواخر أيام عمله في الغارديان، سرعان ما تبين لي أن تلك كانت أيضاً أواخر أيامي هناك.

في عهد بلير في بريطانيا في أواخر التسعينيات من القرن الماضي وفي مطلع الألفية الجديدة، قررت الغارديان عن وعي إدارة ظهرها لليسار وللنقابات، وكذلك لجذورها كصحيفة متحررة من القيود أيام كانت تصدر في مانشستر، وذلك سعياً منها لكسب آفاق جديدة في الولايات المتحدة.

إلا أن تلك الخطة فشلت، وكم علا صرير الأسنان أسفاً على ما تكبدته الصحيفة من تكاليف. فالولايات المتحدة لديها وسائل إعلامها الليبرالية الخاصة بها، ناهيك عن أن الأمريكان لم يرغبوا في أن يتلقوا دروساً من قبل البريطانيين في كيفية التصويت في انتخاباتهم.

بعد عدة محاولات للهبوط على الساحل الشرقي، تُركت الغارديان طافية في وسط المحيط الأطلسي، تماماً كما آل إليه حال بلير نفسه.

نتيجة لذلك، وجد هيرست صعوبة جمة في نشر كتاباته في الصحيفة التي ظل مراسلاً لها على مدى أربعة عقود.

وغدت مقالاته الطويلة وذات الطابع الأكاديمي تتنقل من يد إلى يد ما بين قسم الأخبار الأجنبية وقسم المقالات المطولة، ثم من هنا إلى هناك، كما لو كانت حبات من البطاطس الساخنة، لا يرغب في التعامل معها أحد.

لم تكن مقالاته تستحق مثل هذا التعامل على الإطلاق. فرغم أنها لم تكن مما يتناسب مع التصميم الجديد ذي الطابع المتصلب، إلا أنها كانت مقالات رائعة من حيث عمق التحليل والإبداع الصحفي.

ما كنت تجد كلمة واحدة في غير محلها ضمن جمله الطويلة، والويل والثبور لأي محرر يتدخل فيحذف فاصلة أو يغير مكانها.

كان هيرست من ذلك الجيل الذي لا يخشى في الحق لومة لائم، ولم تكن تزعجه أو تنال من يقينه التيارات المحدثة أو الآراء الشعبوية أو حتى التقاليد الجامدة.

البندقية وغصن الزيتون
العنوان الكامل للكتاب هو "البندقية وغصن الزيتون: جذور العنف في الشرق الأوسط". بلا هوادة، يمثل الكتاب إدانة تحليلية دامغة للصهيونية باعتبارها مشروعاً استعمارياً استيطانياً.

تم نشر الكتاب في لحظة لم تكن هي الأفضل بالنسبة لمثل هذا العمل. كان ذلك في عام 1977، السنة التي زار فيها الرئيس المصري أنور السادات القدس، وكان العالم مهووساً بفكرة تحقق السلام في زمننا.

كان هيرست واحداً من القلة القليلة التي تمردت. تعرض كتابه للتنديد من قبل الصحف القليلة جداً التي تجرأت على نشر مقالات تحدثت عنه.

كانت الواشنطن بوست هي الصحيفة الكبرى الوحيدة التي لمسته حينذاك، والتي وصفته بالعبارة التالية: "إنه شهقة اتهامية وسط الأوتار المفتوحة لنشيد الأمل".

أما صحيفة ذي نيو ريبابليك (الجمهورية الجديد) فقالت عنه: "إنه الكتاب الأكثر عداءً لإسرائيل على الإطلاق والذي تم نشره باللغة الإنجليزية من قبل شخص يدعي أنه معلق جاد".

في المقابل، عندما نشرت جوان بيترز كتابها الذي أعادت فيه كتابة التاريخ تحت عنوان "من قديم الزمان: أصول الصراع العربي اليهودي على فلسطين"، والذي زعمت فيه أن الفلسطينيين ليسوا أكثر أصالة في هذه الأرض من المهاجرين الصهاينة، استقبل كتابها بحفاوة بالغة.

حينها كتب رونالد ساندرز الذي ألف كتاباً حول وعد بلفور واصفاً كتابها بأنه "قد يغير الكلام كله حول فلسطين."

أما مارتن بيريتز محرر صحيفة ذي نيو ريبابليك، فأعلن أن كتابها "سوف يغير رأي جيلنا. ولو تم فهمه فإنه سوف يؤثر على تاريخ المستقبل."

لم يتغير الكثير. ومع ذلك، تعزز مكانة كتاب هيرست، وبينما توالت طبعاته الواحدة تلو الأخرى، نما حجماً وسما سمعة.

اتفاقيات أوسلو
كتب هيرست عن اتفاقيات أوسلو التي وقعها زعيم منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين في سبتمبر / أيلول 1993 قائلاً: "كانت هذه هي الخطوة الرسمية الأولى في عملية إنهاء الاستعمار التي خضعت لها كل هذه المشاريع الاستعمارية الأوروبية، ولكن في الوقت نفسه، كانت الدولة اليهودية هي الاستثناء العظيم الذي يثبت القاعدة، وكانت أيضًا الاستثناء الأخير والمحدود للغاية.

"فبالتأكيد، كان الفلسطينيون، وفقًا لأيّ حساب تاريخي حقيقي، هم من قدّموا التنازل الحقيقي؛ فبالنسبة لهم، كان ذلك تاريخيًا خسارةً مُطلقة مقابل مكسبٍ إسرائيليٍّ مُطلق. وبمعاييره الخاصة، كان انسحاب عرفات مُذهلًا، أعظم من انسحاب السادات، ولا يضاهيه بحال، وهو الذي ندّد به قبل ستة عشر عامًا ووصفه بـ"الردة".

"كان تخليه الرسمي عن 78% من فلسطين التاريخية متوقعًا. لكنه بالإضافة إلى ذلك تخلى عمليًا عن فكرة العودة لجميع من شُرد منهم عامي 1948 و1967، أي نصف الشعب الفلسطيني، والذين لم يزالوا منذ ذلك الحين يعتبرون العودة هي الهدف الأسمى للنضال."

تعرف الصحافة بأنه الصيغة الأولى للتاريخ، وذلك لسبب، ويندر أن تتجاوز أحكامها الآنية اختبار الزمن. ولكن كلمات هيرست لم تزل تعبر عن قراءة صحيحة للواقع اليوم كما كانت حينما خطها بقلمه.

لم يكن هيرست صحفياً يكتب عن ذاته. كان لابد من إقناعه بأن يكتب تقريراً عن اليوم الذي نجا فيه من الخطف، وحتى حينذاك كان زاهداً في وصفه للحدث لأنه ظن، وكان في ذلك محقاً، أنه ينبغي أن تكون الأولوية للاهتمام بكل الشرور الأخرى التي كانت تعاني منها بيروت العزيزة على قلبه، والتي كان يقيم فيها في منطقة الكورنيش.

أشعر بالاعتزاز أنني قمت بنشر آخر مقالين له في موقع ميدل إيست آي. وها نحن اليوم نعيد نشر أهدهما.

لا أعلم إن كان هيرست قد حاول نشرهما في الغارديان، ولكنني متأكد من أنه لو سعى إلى ذلك ماذا سيكون الجواب.

ما خسرته الغارديان كسبه ميدل إيست آي.

أحيي سميي. وكل ما أرجوه هو أن نتمكن جميعاً من الاستمرار على خطاه والوفاء له من خلال التقيد بمنهجه والتمسك بمعاييره.

السبت، 20 أبريل 2024

في ذكرى احتلال إمارة الأحواز العربية، تحريرها مسؤولية من؟

في ذكرى احتلال إمارة الأحواز العربية، تحريرها مسؤولية من؟

د. محمود المسافر
تمر علينا اليوم في العشرين من نيسان الذكرى التاسعة والتسعين لإحتلال إمارة الأحواز العربية من قبل إيران بعد ان تآمرت مع المحتل البريطاني لإقتطاع إمارة الاحواز من حضنها العربي وضمها إلى دولة إيران الشاهنشاهية المعتدية. 

لقد خططت بريطانيا مع فرنسا قبل نهاية الحرب العالمية الأولى لتقسيم المنطقة العربية إلى أقسام كثيرة وضعيفة من أجل السيطرة على الموارد الاقتصادية للأمة العربية، ومن أجل التحكم بموارده البشرية ومعتقدات الشعب العربي ومنظومته القيمية. 

وبعد ذلك قررت بريطانيا ترك إيران لتستقل وتكون حكومة قوية توحد إيران من أجل أن تكون جداراً في الشرق الأوسط يصد تطلعات الاتحاد السوفيتي المتكون حديثاً. 

وأرادت بريطانيا أن تكافئ عميلها رضا خان بهلوي، الذي ساعدته على تسلّم مقاليد الحكم في إيران بعد إنهاء العهد القاجاري الذي دام لمدة مائة وأربعين عاماً من 1786-1925، بأن تضم اليه إمارة الأحواز العربية ذات المساحة الكبيرة (375 الف كيلومتر مربع) والتي كانت تقودها الأسرة الكعبية منذ 1690 ولغاية 1925 حينما اختطف الحاكم الإيراني رضا خان الشيخ خزعل الكعبي أمير الأحواز وسجنه إلى أن تم قتله وهو في معتقله وإعلان ضم الأحواز رسمياً إلى الدولة الشاهنشاهية.

إن المؤامرة البريطانية الإيرانية لضم إمارة الأحواز العربية إلى الدولة الإيرانية كانت جزءًا من اتفاقية سايكس-بيكو التي استهدفت الأمة العربية لا سيما بعد أن تم اكتشاف أول بئر للنفط في الأحواز العربية في عام 1908 وكان ذلك قبل أن يتم اكتشاف النفط في المنطقة العربية كلها ،ولا سيما في العراق والخليج العربي. وارادت بريطانيا أن تجرّد الأمة العربية من مصدر رئيس من مصادر تطورها وتمكينها لأخذ دورها الإقليمي والدولي. 

ومقابل ذلك فإن بريطانيا أرادت من ضم الأحواز العربية إلى إيران أن تجعل إيران دولة قوية اقتصادياً ومدعومة بالنفط، وهو المصدر الرئيس للطاقة في ذلك الوقت، وتمكينها من الهيمنة المستمرة على دول المنطقة والمجزأة إلى أجزاء صغيرة تعاني من ضعف اقتصادي وبشري. 

وتحقيق منطقة صد مهمة للمحيط الحيوي لبلدان العالم الرأسمالي أمام التمدد الروسي (الاتحاد السوفيتي) من الشرق.،وأن تكون مصدر قلق سياسي وأمني لدول الجوار الجغرافي،وهي العراق ودول الخليج العربي وتركيا وأفغانستان وباكستان وتركمانستان واذربيجان. 

إن إيران وحكوماتها المتعاقبة من العهد الشاهنشاهي إلى عهد ولاية الفقيه تعتمد في إدارة اقتصاد الدولة على الثروة العربية المتأتية من النفط العربي الاحوازي، إذ أن في الأحواز ثالث أكبر بئر للنفط في العالم. وإن احتياطي النفط فيها يمثل 10% من احتياطي النفط العالمي. وتمثل الصادرات التي تخرج من الأحواز تقريبا 80% من الصادرات الايرانية. وإن الناتج الأحوازي يتجاوز 50% من الناتج المحلي الاجمالي في إيران. 

إن إيران في ظل حكم الولي الفقيه لا تختلف أبداً عن إيران في ظل الحكم الشاهنشاهي، إذ لا تزال إيران في رعاية الغرب الرأسمالي منذ مائة سنة وتؤدي دورها الخبيث في إقلاق امن دول المنطقة لاعبةً دور البعبع الذي يخيف الدول المحيطة من اجل اضعاف امكانية التنمية فيها وتاخير تطورها وتقدمها لتبقى في حاجة لحماية النظام الرأسمالي العالمي من ذلك البعبع الكارتوني. 

ولا بد من التأكيد إلى أنه طالما أن إيران تستمر في احتلال الأحواز العربية فإن دور إيران الخبيث سيستمر كما خططت له قوى الامبريالة العالمية. وإن تحرير الأحواز العربية سيمنع إيران من ممارسة دوررها الخبيث الذي لعبته على مدار القرن الفائت، مما سيسمح للمنطقة العربية ومحيطها الاقليمي ان تعيش في امن وسلام من غير قلاقل وفتن. إن الشعب العربي الاحوازي تحمّل وحده ثقل الدفاع عن قضية تحرير الأحواز من براثن المحتل الايراني، وقاوم كل قوى التغيير بالقوة وعمليات غسيل الدماغ ومحاولات الادماج القسري وتدمير المنظومة القيمية للشعب العربي الأحوازي البطل. وحافظ على الثقافة العربية في الاحواز ودافع ببسالة عن التقاليد الأحوازية واللسان العربي الفصيح للشعب الأحوازي ،والامتداد التاريخي والقيمي مع المحيط العربي. في الوقت ذاته قصرّت عن اداء واجبها تجاه الأحواز العربية كل الحكومات العربية تقريباً فيما عدا ما كان يقدمه العراق في ظل الحكم الوطني وإلى يوم الاحتلال الأميركي البغيض. وكذلك كل المنظمات العربية الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني في الوطن العربي باستثناء بعض الندوات والمؤتمرات اليتيمة التي لم تنتج عن دعم حقيقي للشعب الاحوازي ولدولته المحتلة. 

إن واجب تحرير الأحواز العربية لا يقع على الشعب الأحوازي فحسب، لانه لا يزال يقاوم منذ قرن إلا سنة واحدة من أجل تحريرها واستردادها، بل يقع على عاتق كل مواطن عربي، وكل المؤسسات العربية والدول العربية جميعها. 

لأن تحرير الأحواز لا يعيد لنا الحق العربي في دولة عربية محورية مهمة فحسب، وإنما أن تحرير الأحواز يمثل نهاية جزء مهم من معاناة الأمة العربية، ودول المحيط العربي. ويعد ضامن لإفراغ المؤامرة الغربية من محتواها.

تحية لشعب الأحواز البطل، وكل قواه وحركاته وجبهاته السياسية والشعبية المناضلة.تحية لشهداء الأحواز الأبطال الذين ضحوا بأنفسهم من أجل أن يبقى اسم الأحواز عاليا.عاشت الأحواز حرة عربية
الكاتب: د. محمود المسافر