‏إظهار الرسائل ذات التسميات الاحتلال. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الاحتلال. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 11 يناير 2026

إسرائيل تعيد هندسة الاقتصاد في الضفة لغايات التهجير

إسرائيل تعيد هندسة الاقتصاد في الضفة لغايات التهجير
د.أحمد أبو الهيجاء
باحث في علم الاجتماع السياسي والحركات الاجتماعية.

تسير الحكومة الإسرائيلية بخطوات ممنهجة لإعادة هندسة الاقتصاد في الضفة الغربية؛ بهدف القضاء على مقومات الحياة فيها ودفع الفلسطينيين إلى هجرة قسرية متنكرة بثياب الطوعية لضمان إفراغ الأرض من سكانها الأصليين، واستكمال مشروع الضم الذي تحول إلى حقيقة لا لبس فيها.

يعتبر الاقتصاد غير الرسمي جزءا من جميع اقتصاديات دول العالم، فهناك الاقتصاد الرسمي المنظم الذي ترعاه الدولة، ويخضع لكامل إجراءاتها ويمثل غالبية الأنشطة الاقتصادية في الدول الطبيعية، وهناك الاقتصاد الهامشي غير المنظم أو غير الرسمي، والذي يشكل في كل مجتمع متنفسا لشرائح اجتماعية هامشية أو متهربة ضريبيا لكنه في فلسطين لب الحياة. إذ إن الاقتصاد غير الرسمي أو غير المنظم يشكل أكثر من ثلثي الاقتصاد، وتم تقديره من قبل أوساط اقتصادية بنحو (56) مليار شيكل، ويعتبر ذلك كلمة السر في صمود الفلسطينيين وقت الأزمات.

أتقن الفلسطينيون بحكم التجربة الإبداع في العيش على الهامش والقدرة العالية على التكيف، والعيش لفترات طويلة بدون دولة، ومن ثم مع سلطة مقيدة بلا صلاحيات. بمعايير الأرقام الرسمية يفترض أن الحياة الاقتصادية في الضفة الغربية قد انهارت، وهذه حقيقة، ولكن إجراءات التكيف مع الحياة تتحدى القواعد الكلاسيكية في سعي الإنسان لإشباع احتياجاته.

تتحكم سلطات الاحتلال بمفاصل الحياة الاقتصادية كاملة في الضفة الغربية، وهذا أمر بديهي، فيما لا تبقي للسلطة الفلسطينية سوى هوامش ضئيلة في تنظيم الاقتصاد وإدارته، يمكن تشبيه العلاقة الاقتصادية بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل بشركة عملاقة لإنتاج السيارات، هي إسرائيل، بينما توجد شركات خدمات لوجيستية تعتاش منها، بعضها يقدم خدمات النقل أو البريد، أو وجبات البيتزا للعاملين.

تقوم سلطات الاحتلال في السنوات الأخيرة بسلسلة إجراءات واضحة وعلنية؛ لكسر قواعد اللعبة الاقتصادية في الضفة الغربية، ما يعني انسدادا كاملا لأفق الحياة لشرائح واسعة من المجتمع شملت منع أكثر من 300 ألف عامل من الضفة الغربية من العمل في الداخل بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وهم يشكلون مصدر الدخل الرئيسي للنقد في الضفة، ويدرون نحو مليار دولار شهريا، لم يتبقَ منهم اليوم سوى ثمانين ألفا، منهم ثلاثون ألفا يعملون بتصاريح عمل رسمية معقدة الإجراءات، وخمسون ألفا يعملون عبر طرق تهريب مختلفة وملاحقة مستمرة، ولا يكاد يمر أسبوع دون أن يقتل أحدهم، وهو يحاول اجتياز جدار الفصل العنصري، أو خلال ملاحقته في الداخل.

يترافق ذلك مع احتجاز غالبية أموال الضرائب الفلسطينية للعام الخامس على التوالي والتي تعرف باسم "المقاصة" والتي وصلت حاليا لأكثر من ملياري دولار، وتشكل عادة ثلثي موازنة السلطة الفلسطينية.

وإذا كان ما سبق ذكره معروفا تماما ولا جديد في سرده؛ فإن قضية إعادة هندسة الاقتصاد الفلسطيني أعمق من ذلك بكثير، وتتم بإجراءات غير مرئية، ولكنها أكثر تحطيما للقواعد الناظمة للاقتصاد في الضفة الغربية ككل، فإسرائيل اليوم تبحث عن أي مقوم حياة في الضفة لضربه؛ ومن ذلك تحجيم وقطع الصلات الاقتصادية والاجتماعية بين فلسطينيي الداخل (1948) وفلسطينيي الضفة الغربية، وهم شريان اقتصادي رئيسي.

فمثلا حين كانت المعابر مفتوحة على مدينة جنين، كان فلسطينيو الداخل يضخون نحو ثلاثة مليار شيكل سنويا في اقتصاد جنين، فما بالك بالضفة الغربية ككل؟. تعتبر الضفة الغربية الحديقة الخلفية لفلسطينيي الداخل من حيث التسوق، امتلاك الشقق والعقارات، السياحة الداخلية، الدراسة في الجامعات، وبدونهم يصيب الإنهاك كل هذه القطاعات.

كما فرضت إسرائيل قيودا غير مسبوقة على النظام المصرفي الفلسطيني، وإذا كان ليس بالجديد أن يخضع النظام المصرفي لرقابة صارمة فيما يسمى أنظمة غسل الأموال، وما يسمى مكافحة الإرهاب وفق الأنظمة الأميركية، فليس ذلك هو المقصود. فمثلا قررت حكومة الاحتلال عدم السماح للبنوك الفلسطينية بنقل عملة الشيكل إلى البنوك الإسرائيلية، ما أدى لتكدس الشيكل في البنوك الفلسطينية.

قد لا يفهم المتابع معنى ذلك، لكن هذا الإجراء يعني ضرب كل مقومات الاقتصاد غير الرسمي الذي تقوم عليه الضفة الغربية، ويعني ذلك أن إسرائيل لا تعترف بأي نقد لا يمر عبر نظامها الضريبي.

ومن ذلك، على سبيل المثال، إنفاق فلسطينيي الداخل في الضفة الغربية الذي أشرنا إليه، إضافة إلى القطاعات الاقتصادية الصناعية والحرفية والزراعية غير الرسمية والمسجلة ضريبيا في الضفة، كما يقوض قدرة التجار الفلسطينيين على الاستيراد.

تنبهت إسرائيل لأهمية هذا النوع من الاقتصاد في تعزيز صمود الفلسطينيين، فقررت أن تضرب نقاط قوة الفلسطينيين في التنمية الاقتصادية في المساحات المتاحة على الهامش، صحيح أن بعض هذه المساحات ولدت اقتصادا مشوها، لكنه قادر على تعزيز صمود الناس حتى بات التخلي عن هذا النمط الاقتصادي المشوه خطرا كبيرا مهددا لمقومات الحياة كاملة.

بثت القناة الإسرائيلية الـ"14″- وهي قناة اليمين الإسرائيلي المحسوبة على نتنياهو- قبل نحو عام تقريرا عن الحياة في الضفة الغربية تضمن الإشارة إلى حركة المركبات الحديثة في شوارع مدن الضفة الغربية، ناقش المحللون باستفاضة واستهجان أن ذلك دليل على الحالة الاقتصادية الجيدة في الضفة، وتساءلوا ما دام هؤلاء يركبون سيارات حديثة كيف سيرحلون؟ قد يبدو ذلك سخيفا لكنه يعكس الاتجاهات المستقبلية لتحويل حياة الفلسطينيين إلى جحيم.

يضاف إلى ذلك إلزام إسرائيل، السلطة الفلسطينية بسن إجراءات ملاحقة وتقييد أنشطة تجارية، وعمليات تداول غير رسمي للبضائع بين تجار محليين وآخرين عرب ويهود في الداخل، علما أنها لا تؤثر سلبا على الاقتصاد الفلسطيني، لكنها تضر بالاقتصاد الإسرائيلي من وجهة نظر وزارة المالية الإسرائيلية.

تأخرت السلطة الفلسطينية كثيرا في تطوير البدائل للتعامل مع الأزمات التي وقعت بها، فكان اعتمادها الكامل على الضرائب والمساعدات دون بناء اقتصاد حقيقي داخل فلسطين، والتفكير في استثمار الأموال في فترات الرخاء والمبادرة في الاستثمار الآمن خارج فلسطين، ما فاقم الأزمة وجعل الحالة الاقتصادية اليوم مكشوفة بالكامل.

لا مجال لحصر ما تقوم به إسرائيل لتحطيم اقتصاد الضفة، فمثلا أدى الاستيطان الرعوي الذي ابتدعه المستوطنون في السنوات الأخيرة والذي سيطر خلال فترة وجيزة على ثلث مساحة الضفة الغربية، إلى تدمير الزراعة والسيطرة شبه الكاملة على مصادر المياه الطبيعية في الضفة الغربية، فانهارت تربية وتجارة الماشية لانتفاء المراعي ومصادر المياه، وتناقصت بؤر السلال الغذائية الزراعية بشكل حاد.

قررت إسرائيل أن تضرب نقاط قوة الفلسطينيين في التنمية الاقتصادية في المساحات المتاحة على الهامش، فبات التخلي عن هذا النمط الاقتصادي المشوه خطرا كبيرا مهددا لمقومات الحياة كاملة

تسير الحياة الاقتصادية في الضفة باللامنطق الاقتصادي، لكنه صراع البقاء لا أكثر. بلغة الأرقام مثلا، أشار البنك الدولي قبل سنوات إلى أن إسرائيل تسيطر على كامل المياه الجوفية للضفة الغربية وتحرم الفلسطينيين منها، وفي المقابل تقوم ببيع جزء من هذه المياه للفلسطينيين لتلبية احتياجاتهم، المفارقة أن الأرقام أشارت إلى أن ما تتقاضاه إسرائيل سنويا من الفلسطينيين في الضفة ثمنا لتزويدهم بمياههم المحرومين منها أعلى من قيمة المساعدات الدولية التي تدخل فلسطين، وعلى ذلك يمكن إجراء القياس على كل المنظومة!

لا يوجد إجماع في المنظومة الأمنية والسياسية في إسرائيل حول الاندفاع الشديد حاليا في تطبيق هذه الإجراءات، فجهاز مخابرات الاحتلال "الشاباك" يميل أكثر لعدم المساس الجوهري بمقومات الاقتصاد في الضفة؛ ضمانا لاستتباب الأمن، فالدولة العميقة في إسرائيل تعي أهمية ذلك لضمان الاستقرار، بينما الحكومة الإسرائيلية بمكوناتها المعروفة يعملون على التأزيم الكامل، ويتهمون من قبل الدولة العميقة بأن نفسهم قصير وغير مخضرمين في التعامل مع الفلسطينيين؛ رغبة منهم في تسريع تهجير الفلسطينيين، وقتل مقومات صمودهم.

إن ما يجري خطير جدا ومفصلي، فالمطلوب فلسطينيا وعربيا خطة إبداعية وخلاقة لدعم مقومات صمود الفلسطينيين على أرضهم، ولا يرتبط ذلك فقط بالمساعدات، فمثلا توجيه الشركات التي تعمل عن بعد- سواء شركات التكنولوجيا المتقدمة أو غيرها- إلى أن توظف الفلسطينيين، يعني ذلك إيجاد عشرات آلاف فرص العمل عن بعد داخل فلسطين، إضافة إلى رؤية جريئة للسلطة الفلسطينية وإن كانت متأخرة للاستثمار الرشيد خارج فلسطين كما تفعل إسرائيل، ما يوفر مساحات آمنة للاستثمار يعود ريعها للداخل.

علاوة على إعادة هيكلة الاقتصاد في الداخل بشكل تشاركي وشفاف، وترشيد إدارة المال العام، ومكافحة جادة للفساد بطرق أكثر كفاءة، وتوزيع عادل دون اختلال لبنود الموازنة على القطاعات ذات الأولوية، خاصة أن عنوان المرحلة المقبلة هو منع التهجير.

الأربعاء، 22 أكتوبر 2025

في بكاء من لا بواكي لهم

في بكاء من لا بواكي لهم

يوسف الدموكي

صحفي، وطالب بقسم التلفزيون والسينما في كلية الإعلام بجامعة مرمرة

على حين غرة من الدنيا، وفي هامش الحياة الواسع، المُستعد لابتلاع ثمانية مليارات إنسان من دون أن يُبالي أحد من الملايين البقية، وفي بقعةٍ مُنطفئة من العالم، غارقة في ظلمات بعضها فوق بعض، لا تكاد تضيء إلا من طلوع شمس مُثقلة بدخان الليل، أو بغارة تشعل العتمة، فتلقي بالشهود في فراغ سحيق، يقولون ليتك ما أضأت أبدًا، إنسانٌ بلا مأوى، وعائلة بلا عائل، وصغار كثر منسيون، ساقطون من الملفات الممحوّة من السجل المدنيّ عن آخرها، وأسرى في طيّ النسيان، لا أهلوهم تبقوا حتى يستعلموا عن أسمائهم، ولا المعنيّون يعلمون بوجودهم في قوائم الأسرى، ولا الاحتلال سيُعلن أنّ هؤلاء عنده، كأنهم بين ذلك الثلاثيّ في مثلث برمودا، ولا أحد سيسأل، لأنه ببساطة لا أحد سيتذكّر!

شابٌّ مقطوع من شجرة، خرج مع قوافل العزّ يوم خرج الأولاد يوم الطوفان، لا يعلمه إلا نفر قليل في سريّته، ففُقد يوم عاد بعضهم وقُتل الآخرون، ثم قُتل البقية العائدون بعدها، فلم يدرِ به أحد، لا وُضع اسمه في لوحات الشهداء، ولا كتب أحدٌ فوق كفنه "مجهول"، ولا كفن يُكرّم بدنه، ولا بدن يستحق الكفن. كلّ شيء وُلد وانتهى في الأرض ذاتها، كفرعٍ مقطوع من شجرة، استحال حطبًا. أما أخونا، فاستحال وافدًا جديدًا على أهل الفردوس، يعرفه الناس هناك، وقد مضى من الأرض لا يعلم به أحد، ولا يعبأ له أحد.

لا وُضع اسمه في لوحات الشهداء، ولا كتب أحدٌ فوق كفنه "مجهول"

شلوٌ تبقى جوار حذاء مهترئ، وساعة يد، وقنينة ماء فارغة، لا شيء آخر في المكان يدل على أحد، ولا حتى صف الأسنان المرسوم على عظام الجمجمة. لا أحد سيتعرّف إليه، لأنه ببساطة لا أحد يعرفه، سوى أمّه التي سافرت في أوّل الحرب، وشقيقته التي علقت في الشمال. لا هواتف ذكية ولا حسابات فيسبوك، ولا شيء سيتعرّفون من خلاله إلى ما تبقى من ذلك المنسيّ، لأنّ الذي التقط الصورة، وكان احتمال واحد في المليون أن يعثر عليها أحد، فُقد في طريق العودة، ويا للقدر العجيب، بالساعة ذاتها قالوا إنّ غارةً مزّقت شابين ألف قطعة، فلم يتعرّف إلى بقاياهما أحد.

وطفلةٌ، على ناصية بين التقاء شارعين "سابقاً"، على أنقاض مربّع مدمّر حديثًا، تحمل نصف صورة مُمزّقة، ونصف قلب، ونصف ذاكرة، حيث تغطي ربطة الشاش فوقها النصف الآخر من الرأس الصغيرة. تحاول أن تبقي عينيها مفتوحتين طوال الوقت، عساها تلمح قادمًا من بعيد، أو أمًّا وعدتها بأن تأتي بالمياه بعد ساعتين، أو يوم، على الأكثر. لكن لا أحد يأتي برطلي مياه في سبعة وثمانين يومًا يا أمي، ولا أحد يأتي من نقطة المساعدات بعد ثلاثة أشهر في الطابور.

وحيدة، مكانها، تحاول أن تلمح في الأفق شيئًا غير شلوٍ تبقى جوار حذاء مهترئ، وساعة يد، وقنينة ماء فارغة.



الجمعة، 26 سبتمبر 2025

إسرائيل تشن حربًا شاملة.. والعالم العربي يتحرك أخيرًا

 إسرائيل تشن حربًا شاملة.. والعالم العربي يتحرك أخيرًا

ديفيد هيرست

يشدني الحنين إلى أيام الغارديان عندما كان ديفيد هيرست، الذي توفي يوم الإثنين عن تسعة وثمانين عاماً، محرر شؤون الشرق الأوسط المتميز في الصحيفة.

كانت صحيفة تأخذ على محمل الجد الرأي غير الغربي، وكانت تهتم بشدة بما يجري في الشرق الأوسط وبالأخبار الأجنبية عموماً.

كان لديها مراسل واحد في بيروت، ومراسلان في القدس، ومتعاونون محليون في كل عاصمة عربية. كان قسم الأخبار الأجنبية يشتمل على فريق متفان من المحررين.

ولكنها كانت لها أيامها الغريبة والرائعة.

كانت صحيفة الكتاب، وكان المراسلون هم من يضعون الأجندة لقسم الأخبار، وليس العكس من ذلك، كما آلت إليه الأمور اليوم. كان يصعب علينا الوصول إلى مراسلنا في باريس لأنه كان يرفض الاحتفاظ بجهاز هاتف. كان إعداد التقارير وإرسالها يستغرق من المراسلين وقتاً، يمتد أحياناً إلى أسابيع.

كانت الغارديان مليئة بالأخطاء المطبعية، وكانت المطبعة الموجودة في شارع غريز كثيراً ما تتعطل بعد سحب الطبعة الأولى حتى بات يطلق عليها اسم "غرونياد" (بدلاً من غارديان).
وكانت لها ميزة أخرى، وهي أنها كانت توظف صحفيين يحملون نفس الاسم. فقد كان فيها صحفيان كل واحد منهما اسمه بول ويبسترز، أحدهما كان مراسلنا في باريس، بينما كان الآخر محرر الأخبار الأجنبية.

وكان فيها صحفيان كل واحد منهما اسمه ديفيد هيرست، أو على الأقل هكذا كان يكتب الاسم باللغة العربية.

كان هناك الرجل الذي كنت أشير إليه بعبارة "ديفيد هيرست الحقيقي"، الصحفي المتميز المتخصص في الشؤون العربية والذي ألف الكتاب المبدع "البندقية وغصن الزيتون"، والذي نجا من الاختطاف مرتين في بيروت في أوج الحرب الأهلية هناك، والذي كتب تقارير حصرية حول تدمير حماة على يدي حافظ الأسد وحول تسميم الكرد بالغاز في حلبجة على يدي صدام حسين.

وكان هناك كاتب هذه الكلمات: شاب متحمس وجاهل، تم تغيير اسم عائلته على عجل في عام 1943 على متن سفينة حربية بريطانية متجهة نحو شواطئ الإنزال بالقرب من ساليرنو في إيطاليا أثناء الحرب العالمية الثانية.

كان والدي ملازماً في الجيش البريطاني. قال له قائد وحدته إن القوات البريطانية لا يمكنها أن تدخل ساحة الوغى تحت قيادة ضابط يحمل اسماً ألمانياً.

كان والدي يهودياً نمساوياً، ولذا تسبب له ذلك الموقف بإهانة مضاعفة. ولكنه في نهاية المطاف تحول من هيرشتريت الألماني إلى هيرست الإنجليزي، وكتب الاسم على النحو التالي Hearst تمييزاً له عن أسماء مشابهة في النطق لأشخاص يحيطون به ولكنها تكتب إما Hirst أو Hurst .

تحسباً مما قد أسببه لزميلي الأعلى قدراً والأكثر تميزاً، والبريء تماماً، فقد اخترت منطقة أخرى من العالم أتخصص فيها وأكتب عنها، فرحت أتعلم اللغة الروسية.

أثر القرين

ولكن، وكما ينبغي له، جرني الشرق الأوسط وأعادني إلى مركز الجاذبية فيه كما لو كان قوة من قوى الطبيعة، وأشبه بالحبكة التي في رواية "سكوب" لمؤلفها إيفلين واه، غدونا كلانا في أذهان قرائنا شخصاً واحداً.

كنت أتلقى شيكات البي بي سي الموجهة إليه. وذات مرة أجريت مقابلة مع دبلوماسي إيراني رفض التصديق، رغم إنكاري مرات عديدة على مدى تسعين دقيقة، أنني لست من نجا من محاولات الخطف في بيروت.

وفي زيارة لي إلى مدينة أوتاوا بكندا، احتشد جمهور من المعجبين في قاعة يحمل كل منهم في يده نسخة من كتاب "البندقية وغصن الزيتون" للحصول على توقيع مني. فلما وعيت لما كانوا يريدون مني تداركت الأمر وأوقفتهم. ثم جاءت الإنترنيت لتزيد الطين بلة.

لم يحصل بيني وبين سميي هيرست تواصل إلا لفترات محدودة في أواخر أيام عمله في الغارديان، سرعان ما تبين لي أن تلك كانت أيضاً أواخر أيامي هناك.

في عهد بلير في بريطانيا في أواخر التسعينيات من القرن الماضي وفي مطلع الألفية الجديدة، قررت الغارديان عن وعي إدارة ظهرها لليسار وللنقابات، وكذلك لجذورها كصحيفة متحررة من القيود أيام كانت تصدر في مانشستر، وذلك سعياً منها لكسب آفاق جديدة في الولايات المتحدة.

إلا أن تلك الخطة فشلت، وكم علا صرير الأسنان أسفاً على ما تكبدته الصحيفة من تكاليف. فالولايات المتحدة لديها وسائل إعلامها الليبرالية الخاصة بها، ناهيك عن أن الأمريكان لم يرغبوا في أن يتلقوا دروساً من قبل البريطانيين في كيفية التصويت في انتخاباتهم.

بعد عدة محاولات للهبوط على الساحل الشرقي، تُركت الغارديان طافية في وسط المحيط الأطلسي، تماماً كما آل إليه حال بلير نفسه.

نتيجة لذلك، وجد هيرست صعوبة جمة في نشر كتاباته في الصحيفة التي ظل مراسلاً لها على مدى أربعة عقود.

وغدت مقالاته الطويلة وذات الطابع الأكاديمي تتنقل من يد إلى يد ما بين قسم الأخبار الأجنبية وقسم المقالات المطولة، ثم من هنا إلى هناك، كما لو كانت حبات من البطاطس الساخنة، لا يرغب في التعامل معها أحد.

لم تكن مقالاته تستحق مثل هذا التعامل على الإطلاق. فرغم أنها لم تكن مما يتناسب مع التصميم الجديد ذي الطابع المتصلب، إلا أنها كانت مقالات رائعة من حيث عمق التحليل والإبداع الصحفي.

ما كنت تجد كلمة واحدة في غير محلها ضمن جمله الطويلة، والويل والثبور لأي محرر يتدخل فيحذف فاصلة أو يغير مكانها.

كان هيرست من ذلك الجيل الذي لا يخشى في الحق لومة لائم، ولم تكن تزعجه أو تنال من يقينه التيارات المحدثة أو الآراء الشعبوية أو حتى التقاليد الجامدة.

البندقية وغصن الزيتون
العنوان الكامل للكتاب هو "البندقية وغصن الزيتون: جذور العنف في الشرق الأوسط". بلا هوادة، يمثل الكتاب إدانة تحليلية دامغة للصهيونية باعتبارها مشروعاً استعمارياً استيطانياً.

تم نشر الكتاب في لحظة لم تكن هي الأفضل بالنسبة لمثل هذا العمل. كان ذلك في عام 1977، السنة التي زار فيها الرئيس المصري أنور السادات القدس، وكان العالم مهووساً بفكرة تحقق السلام في زمننا.

كان هيرست واحداً من القلة القليلة التي تمردت. تعرض كتابه للتنديد من قبل الصحف القليلة جداً التي تجرأت على نشر مقالات تحدثت عنه.

كانت الواشنطن بوست هي الصحيفة الكبرى الوحيدة التي لمسته حينذاك، والتي وصفته بالعبارة التالية: "إنه شهقة اتهامية وسط الأوتار المفتوحة لنشيد الأمل".

أما صحيفة ذي نيو ريبابليك (الجمهورية الجديد) فقالت عنه: "إنه الكتاب الأكثر عداءً لإسرائيل على الإطلاق والذي تم نشره باللغة الإنجليزية من قبل شخص يدعي أنه معلق جاد".

في المقابل، عندما نشرت جوان بيترز كتابها الذي أعادت فيه كتابة التاريخ تحت عنوان "من قديم الزمان: أصول الصراع العربي اليهودي على فلسطين"، والذي زعمت فيه أن الفلسطينيين ليسوا أكثر أصالة في هذه الأرض من المهاجرين الصهاينة، استقبل كتابها بحفاوة بالغة.

حينها كتب رونالد ساندرز الذي ألف كتاباً حول وعد بلفور واصفاً كتابها بأنه "قد يغير الكلام كله حول فلسطين."

أما مارتن بيريتز محرر صحيفة ذي نيو ريبابليك، فأعلن أن كتابها "سوف يغير رأي جيلنا. ولو تم فهمه فإنه سوف يؤثر على تاريخ المستقبل."

لم يتغير الكثير. ومع ذلك، تعزز مكانة كتاب هيرست، وبينما توالت طبعاته الواحدة تلو الأخرى، نما حجماً وسما سمعة.

اتفاقيات أوسلو
كتب هيرست عن اتفاقيات أوسلو التي وقعها زعيم منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين في سبتمبر / أيلول 1993 قائلاً: "كانت هذه هي الخطوة الرسمية الأولى في عملية إنهاء الاستعمار التي خضعت لها كل هذه المشاريع الاستعمارية الأوروبية، ولكن في الوقت نفسه، كانت الدولة اليهودية هي الاستثناء العظيم الذي يثبت القاعدة، وكانت أيضًا الاستثناء الأخير والمحدود للغاية.

"فبالتأكيد، كان الفلسطينيون، وفقًا لأيّ حساب تاريخي حقيقي، هم من قدّموا التنازل الحقيقي؛ فبالنسبة لهم، كان ذلك تاريخيًا خسارةً مُطلقة مقابل مكسبٍ إسرائيليٍّ مُطلق. وبمعاييره الخاصة، كان انسحاب عرفات مُذهلًا، أعظم من انسحاب السادات، ولا يضاهيه بحال، وهو الذي ندّد به قبل ستة عشر عامًا ووصفه بـ"الردة".

"كان تخليه الرسمي عن 78% من فلسطين التاريخية متوقعًا. لكنه بالإضافة إلى ذلك تخلى عمليًا عن فكرة العودة لجميع من شُرد منهم عامي 1948 و1967، أي نصف الشعب الفلسطيني، والذين لم يزالوا منذ ذلك الحين يعتبرون العودة هي الهدف الأسمى للنضال."

تعرف الصحافة بأنه الصيغة الأولى للتاريخ، وذلك لسبب، ويندر أن تتجاوز أحكامها الآنية اختبار الزمن. ولكن كلمات هيرست لم تزل تعبر عن قراءة صحيحة للواقع اليوم كما كانت حينما خطها بقلمه.

لم يكن هيرست صحفياً يكتب عن ذاته. كان لابد من إقناعه بأن يكتب تقريراً عن اليوم الذي نجا فيه من الخطف، وحتى حينذاك كان زاهداً في وصفه للحدث لأنه ظن، وكان في ذلك محقاً، أنه ينبغي أن تكون الأولوية للاهتمام بكل الشرور الأخرى التي كانت تعاني منها بيروت العزيزة على قلبه، والتي كان يقيم فيها في منطقة الكورنيش.

أشعر بالاعتزاز أنني قمت بنشر آخر مقالين له في موقع ميدل إيست آي. وها نحن اليوم نعيد نشر أهدهما.

لا أعلم إن كان هيرست قد حاول نشرهما في الغارديان، ولكنني متأكد من أنه لو سعى إلى ذلك ماذا سيكون الجواب.

ما خسرته الغارديان كسبه ميدل إيست آي.

أحيي سميي. وكل ما أرجوه هو أن نتمكن جميعاً من الاستمرار على خطاه والوفاء له من خلال التقيد بمنهجه والتمسك بمعاييره.

السبت، 20 أبريل 2024

في ذكرى احتلال إمارة الأحواز العربية، تحريرها مسؤولية من؟

في ذكرى احتلال إمارة الأحواز العربية، تحريرها مسؤولية من؟

د. محمود المسافر
تمر علينا اليوم في العشرين من نيسان الذكرى التاسعة والتسعين لإحتلال إمارة الأحواز العربية من قبل إيران بعد ان تآمرت مع المحتل البريطاني لإقتطاع إمارة الاحواز من حضنها العربي وضمها إلى دولة إيران الشاهنشاهية المعتدية. 

لقد خططت بريطانيا مع فرنسا قبل نهاية الحرب العالمية الأولى لتقسيم المنطقة العربية إلى أقسام كثيرة وضعيفة من أجل السيطرة على الموارد الاقتصادية للأمة العربية، ومن أجل التحكم بموارده البشرية ومعتقدات الشعب العربي ومنظومته القيمية. 

وبعد ذلك قررت بريطانيا ترك إيران لتستقل وتكون حكومة قوية توحد إيران من أجل أن تكون جداراً في الشرق الأوسط يصد تطلعات الاتحاد السوفيتي المتكون حديثاً. 

وأرادت بريطانيا أن تكافئ عميلها رضا خان بهلوي، الذي ساعدته على تسلّم مقاليد الحكم في إيران بعد إنهاء العهد القاجاري الذي دام لمدة مائة وأربعين عاماً من 1786-1925، بأن تضم اليه إمارة الأحواز العربية ذات المساحة الكبيرة (375 الف كيلومتر مربع) والتي كانت تقودها الأسرة الكعبية منذ 1690 ولغاية 1925 حينما اختطف الحاكم الإيراني رضا خان الشيخ خزعل الكعبي أمير الأحواز وسجنه إلى أن تم قتله وهو في معتقله وإعلان ضم الأحواز رسمياً إلى الدولة الشاهنشاهية.

إن المؤامرة البريطانية الإيرانية لضم إمارة الأحواز العربية إلى الدولة الإيرانية كانت جزءًا من اتفاقية سايكس-بيكو التي استهدفت الأمة العربية لا سيما بعد أن تم اكتشاف أول بئر للنفط في الأحواز العربية في عام 1908 وكان ذلك قبل أن يتم اكتشاف النفط في المنطقة العربية كلها ،ولا سيما في العراق والخليج العربي. وارادت بريطانيا أن تجرّد الأمة العربية من مصدر رئيس من مصادر تطورها وتمكينها لأخذ دورها الإقليمي والدولي. 

ومقابل ذلك فإن بريطانيا أرادت من ضم الأحواز العربية إلى إيران أن تجعل إيران دولة قوية اقتصادياً ومدعومة بالنفط، وهو المصدر الرئيس للطاقة في ذلك الوقت، وتمكينها من الهيمنة المستمرة على دول المنطقة والمجزأة إلى أجزاء صغيرة تعاني من ضعف اقتصادي وبشري. 

وتحقيق منطقة صد مهمة للمحيط الحيوي لبلدان العالم الرأسمالي أمام التمدد الروسي (الاتحاد السوفيتي) من الشرق.،وأن تكون مصدر قلق سياسي وأمني لدول الجوار الجغرافي،وهي العراق ودول الخليج العربي وتركيا وأفغانستان وباكستان وتركمانستان واذربيجان. 

إن إيران وحكوماتها المتعاقبة من العهد الشاهنشاهي إلى عهد ولاية الفقيه تعتمد في إدارة اقتصاد الدولة على الثروة العربية المتأتية من النفط العربي الاحوازي، إذ أن في الأحواز ثالث أكبر بئر للنفط في العالم. وإن احتياطي النفط فيها يمثل 10% من احتياطي النفط العالمي. وتمثل الصادرات التي تخرج من الأحواز تقريبا 80% من الصادرات الايرانية. وإن الناتج الأحوازي يتجاوز 50% من الناتج المحلي الاجمالي في إيران. 

إن إيران في ظل حكم الولي الفقيه لا تختلف أبداً عن إيران في ظل الحكم الشاهنشاهي، إذ لا تزال إيران في رعاية الغرب الرأسمالي منذ مائة سنة وتؤدي دورها الخبيث في إقلاق امن دول المنطقة لاعبةً دور البعبع الذي يخيف الدول المحيطة من اجل اضعاف امكانية التنمية فيها وتاخير تطورها وتقدمها لتبقى في حاجة لحماية النظام الرأسمالي العالمي من ذلك البعبع الكارتوني. 

ولا بد من التأكيد إلى أنه طالما أن إيران تستمر في احتلال الأحواز العربية فإن دور إيران الخبيث سيستمر كما خططت له قوى الامبريالة العالمية. وإن تحرير الأحواز العربية سيمنع إيران من ممارسة دوررها الخبيث الذي لعبته على مدار القرن الفائت، مما سيسمح للمنطقة العربية ومحيطها الاقليمي ان تعيش في امن وسلام من غير قلاقل وفتن. إن الشعب العربي الاحوازي تحمّل وحده ثقل الدفاع عن قضية تحرير الأحواز من براثن المحتل الايراني، وقاوم كل قوى التغيير بالقوة وعمليات غسيل الدماغ ومحاولات الادماج القسري وتدمير المنظومة القيمية للشعب العربي الأحوازي البطل. وحافظ على الثقافة العربية في الاحواز ودافع ببسالة عن التقاليد الأحوازية واللسان العربي الفصيح للشعب الأحوازي ،والامتداد التاريخي والقيمي مع المحيط العربي. في الوقت ذاته قصرّت عن اداء واجبها تجاه الأحواز العربية كل الحكومات العربية تقريباً فيما عدا ما كان يقدمه العراق في ظل الحكم الوطني وإلى يوم الاحتلال الأميركي البغيض. وكذلك كل المنظمات العربية الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني في الوطن العربي باستثناء بعض الندوات والمؤتمرات اليتيمة التي لم تنتج عن دعم حقيقي للشعب الاحوازي ولدولته المحتلة. 

إن واجب تحرير الأحواز العربية لا يقع على الشعب الأحوازي فحسب، لانه لا يزال يقاوم منذ قرن إلا سنة واحدة من أجل تحريرها واستردادها، بل يقع على عاتق كل مواطن عربي، وكل المؤسسات العربية والدول العربية جميعها. 

لأن تحرير الأحواز لا يعيد لنا الحق العربي في دولة عربية محورية مهمة فحسب، وإنما أن تحرير الأحواز يمثل نهاية جزء مهم من معاناة الأمة العربية، ودول المحيط العربي. ويعد ضامن لإفراغ المؤامرة الغربية من محتواها.

تحية لشعب الأحواز البطل، وكل قواه وحركاته وجبهاته السياسية والشعبية المناضلة.تحية لشهداء الأحواز الأبطال الذين ضحوا بأنفسهم من أجل أن يبقى اسم الأحواز عاليا.عاشت الأحواز حرة عربية
الكاتب: د. محمود المسافر

الأربعاء، 20 ديسمبر 2023

اغتيال التاريخ وسحق الحضارة..

اغتيال التاريخ وسحق الحضارة.. 
كيف أباد الروس تراث وذاكرة الشعب الشيشاني؟




امتلك الشيشانيون إثباتًا ماديًا وتراثًا غنيًا يدل على تأثيرهم الثقافي والمادي وتفاعلهم مع الثقافات المختلفة عبر التاريخ، ولطالما كان هذا التراث الملحمي شاهدًا على ذاكرة الأمة وعائقًا أمام الدعاوى الروسية المزيفة، لذا وقع ضمن أهم الأهداف العسكرية التي خططت الأنظمة الروسية لمحوها، بدءًا من الإمبراطورية الروسية ثم السوفيتية وصولًا إلى الخلفاء الحاليّين.

على مر تاريخ الصراع الشيشاني الروسي، لم يكن احتلال الأرض الهدف الوحيد، فبشكل دؤوب، صاحب احتلال الروس الأرض وإخضاع السكان، إبادة الموروث الثقافي والذاكرة التاريخية للشيشانيين وتدمير أي مؤسسات ثقافية أو فكرية تساند ذاكرتهم أو تضفي شرعية على المقاومة، فقد كان الروس على وعي تام بأن التراث الشيشاني لا يرمز فقط إلى أعدائهم، لكنه شكل أصيل من أشكال الحياة، لذا أرادوا طمسه ومنعه من التكوّن من جديد، ليسهل عليهم إخضاع الشيشان.

ونتيجة لذلك، لم يعان الشعب الشيشاني سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا وديموغرافيًا فقط، بل فقد كذلك أحد أهم أشكال الوجود الجمعي، لذا ينظر الشيشانيون إلى فترة الهيمنة الروسية على أنها محاولة لتدمير شخصيتهم من خلال إبادة تراثهم القومي وقطع روابطهم الدينية والمادية مع ماضيهم.

وقبل أن استفيض في هذا الموضوع، أود الإشارة إلى أن العالم لم يغمض عينيه فقط عن قتل الأمة الشيشانية، بل تغاضى عن إبادة التراث الشيشاني التي ارتكبتها روسيا بشكل منهجي، ولم تنل هذه القضية حتى اليوم اهتمام الباحثين مثلما نالت على سبيل المثال البوسنة وكوسوفو والتبت وغيرهما، رغم أن التدمير الروسي للتراث الشيشاني أشد بشاعة من أخويه الصربي والصيني.

وبفضل سفاراتها ومواردها الإعلامية ودخولها العديد من المنتديات الدولية والثقافية، لم تتحكم موسكو في رواية الصراع و في أن تجعل أكاذيبها بديلًا عن الإبادة الثقافية والمعاناة الحقيقية التي عاشتها الشيشان، بل استطاعت كذلك أن ترسخ رؤيتها للصراع، وإعادة تأطيره كحرب داخلية ضد الإرهاب ومسرحية أخلاقية بين الخير والشر، أصبحت مقبولة الآن دون نقد!

تحدي القرون
إن حكاية إبادة الروس للتراث الشيشاني لها تاريخ طويل دامٍ، بدأت أولًا مع إمبراطورية رومانوف، ففي القرن السادس عشر تحت حكم “إيفان الرهيب” بدأ التوحش الروسي الذي احتل أجزاءً من الأراضي المنخفضة في الشيشان، لكنه لم يكتف باحتلال الأرض، بل جلب أعدادًا كبيرةً من الروس لتوطينهم في الشيشان، هذا التعدي أدى إلى زعزعة التوازن الديموغرافي في المنطقة.

واجه الشعب الشيشاني أوقاتًا عصيبةً، واستمر الصراع ما بين القرن السادس عشر والتاسع عشر، وخلال تلك الفترة الطويلة، استخدم الروس تكتيكات الإبادة والإرهاب لتدمير ثقافة وتراث الشعب الشيشاني، لكن هذا الوضع خلق روحًا قتاليةً عظيمةً للشيشانيين، إذا جعلهم يحاربون بعناد جيوش القيصر القوية ويحتضنون هويتهم الثقافية بكل قوة.

وبحلول عام 1826، وبعد صعوبات كثيرة، عززت روسيا قبضتها على منطقة القوقاز بأكملها وضمت الشيشان إليها، ومن المفارقات أن مدينة غروزني التي سيدافع عنها الشيشانيون في الحربين الأخيرتين، أنشأها القياصرة الروس عام 1818 لهدف وحيد، وهو تدمير الأمة الشيشانية وإنشاء مستوطنات للجنود الروس.

كان لدى الروس نهج وحشي في التعامل مع كل ما يمت بصلة للشيشان، فارتكبوا مذابح وعمليات إبادة وتهجيرًا قسريًا، ما أدى إلى تدمير السكان ثقافيًا وسياسيًا واقتصاديًا، واضطرت أعداد كثيرة للهروب إلى تركيا، وكشفوا عن القصص المروعة التي تعرضوا لها، لكن ظل جزء كبير من الشيشانيين يحارب ببسالة كل أشكال الهيمنة الروسية من أجل الحفاظ على حريتهم وثقافتهم.
ثم حين قامت ثورة البلاشفة عام 1917، سارع الشيشانيون وشعوب شمال القوقاز الأخرى إلى اغتنام الارتباك الذي تلا هذه الثورة كفرصة للخروج من الجحيم الروسي، أعاد الشيشانيون إحياء مشروع “الإمام شامل” على يد حفيده “سعيد بك” وكان الهدف إقامة دولة مستقلة في شمال القوقاز تتمركز في الشيشان وداغستان.

تحالف البلاشفة مع الشيشانيين وأعطوهم وعدًا بتقرير مصيرهم مقابل أن يقفوا بجانبهم، وبالفعل صدق الشيشانيون وعود البلاشفة وساعدوهم في هزيمة أعدائهم، لكن في عام 1920 وفي حركة غادرة، وجه الروس أسلحتهم نحو حركة شمال القوقاز الإسلامية، ثم في غضون خمس سنوات، سحق البلاشفة الروس هذه المحاولة الأخيرة لإنشاء دولة تجمع الشيشان وداغستان في كيان واحد، ودون أي رحمة، عززت القوات السوفيتية وجودها في شمال القوقاز، إلى أن أعلنوا في العام 1936 الشيشان جمهورية اشتراكية سوفيتية.

إنكار الماضي


جلبت الحقبة السوفيتية للشيشانيين معاناة ومآسي لا توصف، فقد أطلق العنان لعملية تدمير التراث الثقافي للشيشان، أُنكر الماضي تمامًا، وتم إضفاء الطابع السوفيتي على شكل البلد، كان الشيشانيون تحت ضغط كبير بسبب محاولة الروس إدماجهم بشكل قاسٍ في الثقافة الروسية، لذا كانت اللغة والثقافة الشيشانية من أوائل الأشياء التي شهدت تدميرًا واسعًا.

لم ينظر الروس إلى اللغة الشيشانية باعتبارها لغة مواطني الدرجة الثانية، بل منعوا الشيشانيين من استخدام لغتهم الخاصة التي فرضوا تحويلها أولًا إلى الأبجدية السيريلية، ثم استخدموا أساليب قاسية في تحجيم وقمع اللغة الشيشانية، فإذا رغب الشيشانيون مثلًا في الحصول على وظيفة أو الحصول على تعليم، كان عليهم أن يتقنوا الروسية، اللغة المعتمدة في مناطق الشيشانيين! هذا إضافة إلى أن جميع أوامر السلطة كانت تصدر باللغة الروسية فقط.


وحين أراد الروس محو أي ذكرى تدل على وجود الناس الذين عاشوا هنا لقرون، دمروا جميع المواقع التراثية الدينية، حتى شواهد القبور أخذ الروس أحجارها واستخدموها في مشاريع البناء، أما المؤسسات الإسلامية بما فيها مساجد ومدارس الشيشانيين التقليدية ومحاكمهم الشرعية، فقد سويت بالأرض، وبعض المساجد حولها الروس إلى إسطبلات.

مُنع الشيشانيون من ممارسة عاداتهم وشعائر دينهم، حتى الحج إلى مكة ودراسة اللغة العربية، كانوا من المحرمات، وأيضًا حظر الروس عطلات الاحتفال بالأعياد الدينية أو الأعياد الشيشانية، وفرضوا الاحتفال بالذكرى السنوية للأحداث السوفيتية، مثل يوم الثورة 7 أكتوبر/تشرين الأول وعيد ميلاد الجيش الأحمر 23 فبراير/شباط ويوم النصر 9 مايو/أيار ويوم الاشتراكية الدولية 1 مايو/أيار ويوم رأس السنة.

كذلك استبدلت بالأسماء الشيشانية للمواقع والأماكن والنصوص التاريخية الأسماء الروسية الجديدة، وفي روايته “التوأم لا ينفصلان” وصف أناتولي بريستافكين الشيشان بأنها لم تعد موجودة، بسبب تقسيم أراضيها بين الجمهوريات المجاورة، وتغيير أسماء وهوية الأماكن الشيشانية بمرسوم صادر من مجلس السوفيت الأعلى.

لكن الخسارة الكبرى كانت في حرق الوثائق والمخطوطات الشيشانية القديمة والأعمال العلمية والأدبية المكتوبة بالأبجدية العربية – خصوصًا في عهد ستالين -، بحسب شهادة سكان مدينة غروزني في تلك الفترة، فقد جمعت أكوام الكتب والمخطوطات من المكتبات الخاصة ودور المحفوظات من جميع أنحاء الشيشان إلى ميدان غروزني المركزي، ولعدة أيام، أحرق الروس كل هذه الكتب والوثائق في وسط المدينة بنفس طريقة الفاشيين.

كذلك طال القمع إعدام العديد من القادة السياسيين والمثقفين الشيشان من الجيل الأقدم، وبشكل خاص، ركز الروس على قتل الزعماء الدينيين بسبب مقاومتهم السلطة، وبالأخص اصطياد أعضاء الجماعات الصوفية الذين صنفهم علماء الاجتماع السوفييت على أنهم “متعصبون متطرفون”.

وفي الواقع، كل هذه الوحشية الروسية، أدت إلى المقاومة والثورات المستمرة، فقد واجه السوفيت عدة انتفاضات خلال الثلاثينيات والأربعينيات، ومن اللافت أن الشيشانيين كانوا يعادون الحكم الروسي بشكل علني، وحتى مع قمع كل انتفاضتهم بشكل قاسٍ، استمروا في تحدي القوة السوفيتية، خصوصًا أئمة مساجد القرى الثائرين.

الأمر الذي جعل الروس يصنفون الشيشان كـ”أكثر الأمم جرأة وعنادًا”، وفي الواقع، كانت الشيشان بالفعل التحدي الأكبر للسوفيت في شمال القوقاز، لذا رأى الروس أن الحل الوحيد هو اقتلاع الشيشانيين من أراضيهم ومحوهم من الخريطة بعد أن فشلت كل المحاولات السابقة.

فجاء مخاض آخر حين كرر ستالين سياسة أسلافه، وهجر جميع الشيشانيين قسرًا إلى سيبيريا في شتاء عام 1944 بحجة أنهم تعاونوا مع الألمان – لا يوجد دليل ملموس على هذا التعاون -، أما الذين رفضوا التهجير، فقد قُتلوا وأحرقوا أحياء.

وعقب تهجير الشيشانيين مباشرة من أرضهم، سرق الروس كل الممتلكات المادية والثقافية من ديارهم، كان هناك تدفق مستمر من المركبات العسكرية لسرقة كل الممتلكات من منازل المُهجرين، وكانت العناصر الأكثر قيمة (في رأي الجنود) المجوهرات والسجاد والمعاطف والأحزمة القوقازية التقليدية والمنحوتات الخشبية والسيوف والخناجر العتيقة المرصعة بالذهب والفضة (صنعها يدويًا الحرفيون الشيشان في القرن الماضي).

الروس نجحوا نسبيًا في السيطرة على بقية شعوب القوقاز، فيما فشلوا في الشيشان، ويرجع ذلك بشكل كبير إلى طبيعة الهوية الشيشانية الرافضة لكل أشكال الاندماج الروسي

جرت سرقة كل هذه الأشياء في الشاحنات العسكرية ونقلت إلى موسكو، أما المخطوطات القديمة والأطروحات اللاهوتية والفلسفية والسجلات التاريخية والأساطير القديمة ومؤلفات الأدب الوطني التي وجدوها في البيوت، فأُلقيت كلها في غروزني في الثلج، بجوار المراحيض العامة خارج قصر الرواد.

لكن حتى بعد سماح خروتشوف عام 1957 لمن تبقى حيًا من الشيشانيين بالعودة إلى ديارهم، تعرضوا لاضهاد منهجي لا هوادة فيه، كان الروس قد نهبوا واستولوا بالفعل على أراضيهم وبيوتهم عقب تهجيرهم، والأهم من ذلك، أن الشيشانيين مُنعوا من التحدث عن التهجير القسري أو حتى كتابة شهادات بشأن تجربتهم المؤلمة، وحظرت ذكرى الترحيل تمامًا حتى التسعينيات.

ورغم أن البيئة الثقافية الشيشانية دُمرت بشكل كامل نتيجة لسياسات الإبادة الروسية التي حاولت اقتلاع السكان من جذورهم، فإنها مع ذلك لم تكن قادرة على تدمير الذاكرة الجماعية بالكامل، إذ ظل الشيشانيون متمسكين بشخصيتهم، ودائمًا ما أظهروا على مر تاريخهم أن جاذبيتهم للإسلام والحرية لا يمكن قطعهما بسهولة.

وفي روايته “أرخبيل غولاغ” يؤكد المؤلف الروسي الشهير ألكسندر سولجنيتسين أن الشيشان هي الأمة الوحيدة التي رفضت قبول سيكولوجية الخضوع، كما يذكر أنهم لم يخفوا كرههم للروس وحاولوا كلما أمكن أن يجدوا لأنفسهم وظائف خارج نطاق الدولة السوفيتية التي نظروا لها بازدراء.

من اللافت حقيقة، أن الروس نجحوا نسبيًا في السيطرة على بقية شعوب القوقاز، فيما فشلوا في الشيشان، ويرجع ذلك بشكل كبير إلى طبيعة الهوية الشيشانية الرافضة لكل أشكال الاندماج الروسي، بجانب الحركة الصوفية – النقشبندية والقادرية – حيث كانت قوة عنيدة ومتحدة، بنت “مساجد سرية مؤقتة” من أجل استمرار الكفاح، وظلت تعمل في السر مع العشائر الذين كانوا يحكمون الكثير من جوانب الحياة الاجتماعية.

العودة: تأكيد الهوية
لم يكن الشيشانيون دميةً في يد الروس، لقد سعوا للاستقلال في كل فرصة متاحة، ودائمًا ما نظروا إلى أنفسهم كأمة حرة، لذا لم يكن من المستغرب حين بدأ الاتحاد السوفيتي في التفكك، أن يبدأ الشيشانيون في الثورة مرة أخرى.

لطالما كانوا مدفوعين بقصص وقيم الأئمة المجاهدين في القرون الماضية، ويبدو أن هذا الأمر ساعدهم على تحمل ضغط الأيديولوجية السوفيتية، وأيضًا كان الدين في غالب الأحيان مصدرًا للوحدة والإلهام في الصراع بكل أشكاله ضد روسيا، ومن الواضح كذلك أن الدين قدم لهم إطارًا أخلاقيًا لمقاومة الروس.


ومثلما اختفت المؤسسات التراثية والإسلامية سريعًا أيام حكم الروس، فقد عادت للظهور سريعًا في السنوات الأولى لحكم الرئيس الشيشاني جوهر دوداييف، وهذه المرة لم يكن على الشيشانيين العمل في السر.

كان من أوائل الأشياء التي أزالها الشيشانيون، هي النصب التذكارية والتماثيل التي نصبها الروس في أرضهم، كتماثيل ستالين ولينين والنصب التذكاري للجنرال القيصري الدموي “إرمولوف” وقد نوقشت بالحجر أسفل هذا النصب إحدى مقولات إرمولوف العنصرية عن الشيشانيين، لذا فجر الشيشانيون هذا التمثال الذي كان يرمز إلى إذلالهم.


“تمثال لينين” أطاح به الشيشانيون عام 1991 وجروه في شوارع غروزني ثم ألقوه في نهر سونزا

في الحقيقة، انخرطت الشيشان بشكل كبير في استعادة ماضيها، بنت عليه هويتها، وأعادت الاتصال بالعالم الإسلامي، كما تهافتوا بأعداد كبيرة على الحج والعمرة حيث حرموا منهما زمنًا، ونلاحظ أنه في هذه الفترة، تسارعت أسلمة الشيشان بشكل لافت، فظهرت الشعارات الإسلامية في تفاصيل الحياة، وضغط قسم كبير من السياسيين من أجل أسلمة المجال السياسي، بل وحتى المناهج الدراسية سرعان ما غيرها الشيشانيون.

في الواقع، اتخذت الحكومة الشيشانية خطوات مهمة لنزع الطابع الروسي من البلد واستعادة الهوية والتقاليد الأصلية، فأعادت تسمية المدن والشوارع والساحات، وبنت المساجد والمدارس الإسلامية بشكل واسع، من المهم جدًا ملاحظة أنه في إحصاء عام 1999 كان في الشيشان نحو 500 مسجد نشط، تم بناء أو إعادة بناء معظم هذه المساجد بعد عام 1991.

وفي لافتة غاية في الأهمية والأصالة، شكل الرئيس داوديف لجنة للبحث عن وجمع شواهد القبور التي استخدمها الروس لبناء ممرات المشاة ومزارع الخنازير، وجمعوا بالفعل كل الشواهد التي وجدوها وأنشأوا منها نصبًا تذكاريًا كبيرًا لذكرى وشهداء التهجير، ونوقشت عليه كلمات الرئيس الشيشاني: 
“لن نبكي.. لن ننسى.. لن نسامح”! 
فقد كانت هذه الكلمات تُتلى بشكل شائع، وأيضًا في فبراير/شباط 1994 قام الشيشانيون بإحياء الذكرى الخمسين للتهجير بصلوات وتجمعات وهتافات 
“لن يُنسى شيء.. لن يُنسى شيء”.

كذلك أصدرت الحكومة الشيشانية مرسومًا يقضي بأن توفر جميع المباني الحكومية غرفة للصلاة وأن ترتدي موظفات الحكومة الحجاب، بجانب إلغاء العطلات التي فرضها الروس واستعادة العطلات الدينية، وأيضًا اهتم الشيشانيون بإحياء بعض المناسبات القومية والدينية، فتم إعلان يوم 9 نوفمبر/تشرين الثاني عطلة وطنية احتفالًا باستقلال الشيشان، وكذلك تم الاحتفال بالذكرى المئوية لميلاد الإمام شامل في 21 يوليو/تموز 1997، إضافة لذكرى يوم التهجير.

هذا بجانب بناء المراكز الثقافية الجديدة والمعاهد الدينية والعلمية والهيئات الإدارية المستقلة عن روسيا، وترميم المعالم التاريخية القديمة، وفتح أنشطة المؤسسات المتحفية والمسارح والفرق الموسيقية، وخاصة دور الثقافة الريفية.

وفي الواقع، نجح المثقفون الشيشانيون في إنشاء منظمات لتعزيز الهوية وإعادة كتابة التاريخ، ونقد الكتابات الروسية المضللة، بجانب التواصل مع الشعوب الأخرى التي حاول الروس إبادتها، حيث شكلوا منظمة عرفت باسم “اتحاد الشعوب المقموعة” من أجل تسليط الضوء على أهوال التهجير وإبادة الروس لشعوب بأكملها، وعقدت مؤتمرات، ونشرت كتب باللغتين الروسية والشيشانية عن هذا الموضوع الذي لم يكن من الممكن التحدث عنه قبل عام 1989.

والأهم من كل ذلك، العودة القوية لأنشطة الطباعة والنشر في الأدب والثقافة الشيشانية، وعودة اللغة الشيشانية نفسها إلى الصدارة، والتحول إلى الأبجدية الشيشانية، حيث شهدت الساحة في هذه الفترة نشاطًا كبيرًا للكتب والروايات والمسرحيات التي دار غالبيتها عن التهجير والتقاليد الوطنية وواقع المجتمع الشيشاني، هذا مع تعليم اللغة العربية في المدارس بدلًا من الروسية، إذا تم إعلان الأخيرة كلغة أجنبية في الشيشان.

في المجمل، بعد العام 1991، حدثت تغيرات كبيرة على مستوى الهوية والثقافة الشيشانية، استقر الإسلام باعتباره الشكل الرئيسي لتحديد الهوية، ورأى الشيشانيون حاضرهم عبر شاشة الماضي، وأعادوا تنظيم المناهج الدراسية والمتاحف والمكتبات وأقاموا مؤسسات ثقافية جديدة، وهذه العودة السريعة جدًا إلى الجذور، ليست مفاجئة، إنما هي نتيجة منطقية واتصال طبيعي بتراث وتاريخ لم ينقطع.
المحرقة الروسية: استئصال الذاكرة

حين شكل الشيشانيون في نوفمبر/تشرين الثاني 1991 أول حكومة تحت قيادة الرئيس جوهر دوداييف وأعلنوا الشيشان دولة مستقلة، رفضت روسيا هذا الاستقلال، وحاولت لأكثر من ثلاث سنوات إعادة الأوضاع إلى السابق، ثم حين فشلت كل العمليات السرية للإطاحة بدوداييف، أصبح الغزو العسكري الشامل أمرًا لا مفر منه، ومن ثم بدأت روسيا حربها الأولى على الشيشان في أواخر 1994.

هذه الحرب اتخذت شكلًا أبشع من حروب الصرب ضد البوشناق والألبان، على حد وصف الصحفي أسعد طه حين ذهب إلى الشيشان في حربها الأولى ثم عاد إلى البوسنة، فاعتبر أن البوسنة بكل مآسيها الجارية كانت “باريس” بالنسبة لما يحدث في الشيشان!


فهل يصبح السلام والحرية حقيقة في ظل الاحتلال والقوة؟