‏إظهار الرسائل ذات التسميات أ.د. جمال عبدالستار. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أ.د. جمال عبدالستار. إظهار كافة الرسائل

السبت، 18 يوليو 2026

ما أوسع السجن... وما أضيق القلوب

 ما أوسع السجن... وما أضيق القلوب

الأستاذ الدكتور جمال عبد الستار -
الأستاذ بجامعة الأزهر والأمين العام لرابطة علماء أهل السنة

في عمق الظلمة التي ارادوها مقبرة للأجساد، تولد ملاحم الأرواح التي لا تقهر؛ فالمعتقلون في شرعة الحق ليسوا أسماء تطحنها الأيام خلف السدود، ولا أرقاما منسية في قعر الذهول، إنهم سر الثبات، وآيات الهدى في زمن التيه.

لقد سبك البلاء نفوسهم حتى صار الانين تسبيحا، وأثمر قيدهم حرية داخلية تعجز أمم الارض عن شرائها بالذهب.

فمن عتمة محابسهم يشرق النور، ومن صمتهم الطويل تولد خطب البلاغة، ليكونوا هم الأحرار حقا، والكون من دونهم رهين الغفلة.

يذوقون في الأقبية والزنازين ألوانًا من البلاء تعجز الكلمات عن حملها؛ قسوةُ السجان، ووحشةُ العزلة، وثقلُ القيود، وحرمانُ الأهل، وتعطيلُ الأعمار، ومع ذلك، فإذا أُذن لهم أن تطل وجوههم على الناس، خرجوا بوجوهٍ يكسوها الرضا، وابتساماتٍ يخفون بها وجعهم، حتى ليخيَّل إلى الرائي أنهم هم الذين يواسون الأحرار، لا أن الأحرار هم الذين يواسونهم.. 
يبتسمون لئلا نحزن، ويثبتون لئلا نضعف، ويتعانقون داخل الأقفاص حتى لا تتمزق القلوب خارجها.

وما أشد المفارقة! 
  ففي الوقت الذي يجتهدون فيه في بث   الطمأنينة في نفوس إخوانهم، ينشغل بعض من هم خارج الأسوار بتغذية الخلافات، وإحياء الخصومات، وإشاعة ما يثقل قلوبهم، ويكسر خواطرهم، ويمنح أعداءهم مادةً للشماتة، أفلا يكون أول الوفاء لهم أن نجتمع إذا تفرّقنا، ونتغافر إذا اختلفنا، ونجعل وحدتنا هديةً تصل إليهم خلف الجدران؟

إنهم يتجرعون مرارة الأيام، فإذا سنحت لهم لحظة ظهور، أشرقوا بالأمل، كأنهم يريدون أن يقولوا للأمة: لا تيأسوا؛ فإن وراء الليل فجرًا، وإن مع العسر يسرًا، بينما يصر بعض الناس على أن يكون رسولًا لليأس، وساعيَ بريدٍ للقنوط، يضاعف الجراح بكلمة، ويثقل القلوب بموقف، وينسى أن المحنة لا تحتاج إلى من يزيدها، بل إلى من يخففها، فهؤلاء علمونا أن الأمل ليس انفعالًا عابرًا، بل عبادةٌ يقيمها المؤمن في وجه الشدائد، وثقةٌ لا تنقطع بوعد الله.

إنهم يحرمون من كثيرٍ من ضروريات الحياة، ثم إذا وقفوا أمام الناس أصلحوا هيئاتهم، وأخفوا آثار العناء، ورسموا على الوجوه ابتسامةً كريمة؛ حتى لا يشمت عدو، ولا ينكسر حبيب، وكأنهم يقولون بأحوالهم: 
لا تمنحوا خصوم الحق لذة رؤية الانكسار، فكم نحن بحاجة إلى أن نتعلم منهم كيف تُصان الكرامة في زمن المحن، وكيف يبقى الوقار حيًا وإن أثقلته القيود.
لم تستطع السجون أن تنتزع من قلوبهم ما آمنوا به، ولا أن تساومهم على ما حملوه من مبادئ. فإذا أتيحت لهم لحظة خاطفة، رفعوا بإشاراتهم ما يعجز عنه كثير من الخطباء بخطبهم؛ يعلنون أن الفكرة قد تُحاصر، ولكنها لا تُهزم، وأن الجسد قد يُقيد، ولكن الروح إذا تعلقت بالله بقيت أوسع من كل السجون.
لقد دفعوا أثمانًا باهظة من أعمارهم، وأموالهم، وأسرهم، وتحملوا من أجل ما اعتقدوه حقًا ما تنوء بحمله الجبال، وأقل ما يليق بمن بقي خارج الأسوار ألا يجعل اختلافاته الخاصة فوق آلامهم، ولا مصالحه الضيقة فوق قضيتهم، ولا نزاعاته الشخصية سببًا في إطالة محنتهم أو إضعاف أثر تضحياتهم.
ليس من الوفاء أن نغرق في الحديث عن صمودهم حتى ننسى حقوقهم؛ فإن ما يفيض الله به عليهم من سكينة وثبات فضلٌ منه سبحانه، أما نحن فلنا واجبات لا يسقطها إعجابنا بصبرهم.
من حقهم علينا أن نجعل وحدتنا عزاءً لهم، وأن يكون سعينا في خلاصهم عملًا دائمًا لا حماسًا موسميًا، وأن نبقي قضيتهم حيةً في الضمائر، حاضرةً في الوعي، وألا نسمح للنسيان أن يبتلع أسماءهم أو تضحياتهم.
ومن حقهم علينا أن نخلفهم في أهلهم خيرًا؛ فنرعى أسرهم، ونحفظ أبناءهم، ونسد حاجاتهم، ونواسي مريضهم، ونكفل محتاجهم، ونحيطهم بما نستطيع من عنايةٍ وبر، حتى يعود الغائب فيجد أن الأمة لم تخذله في غيبته، ولم تترك أهله نهبًا للحاجة أو الوحشة.
فإن عجز أحدنا عن حمل شيءٍ من هذا الواجب، فليحذر أن يكون عبئًا جديدًا عليهم؛ فليسكت عن كل ما يؤذيهم، وليكفَّ عن كل ما يفرق الصف، وليحفظ لسانه من خبرٍ يوجعهم، وقلمه من كلمةٍ تضعفهم، وموقفه من فعلٍ يشمت بهم خصومهم.
فإن لم تستطع أن تكون لهم سندًا، فلا تكن عليهم حملًا، وإن لم تملك أن تفتح لهم بابًا من الخير، فلا تفتح عليهم بابًا من الأذى؛ فإن الجراح التي أحدثها العدو تكفيهم، فلا تكن خنجرًا آخر يُغرس في ظهور الصابرين.

السبت، 11 يوليو 2026

صناعة الأمجاد.. من عقول المصلحين إلى أقدام اللاعبين!

صناعة الأمجاد.. من عقول المصلحين 

إلى أقدام اللاعبين!


إن الشيطان لا يطلب من الناس أن يعبدوا الأصنام 

الحجرية كما كان يفعل الأولون، بل يصنع لكل عصر 

أصنامه التي تناسبه، فقد يكون الصنم فكرة، أو شهوة، 

أو شهرة، أو مالاً، أو سلطة، أو صورة، أو لعبة، وكل 

شيء تجاوز قدره حتى استولى على القلب، وصرفه 

عن رسالته، فقد أخذ من معنى الصنم بقدر ما استولى 

على ذلك القلب.

ومن ذلك ما نراه اليوم مما يمكن تسميته بـ«البيضة 

الشيطانية»؛ تلك الكرة الجلدية التي ألقى بها الشيطان 

أول الأمر مستصغرة، فالتقفها أتباعه ونفخوا فيها من 

عصبية نفوسهم وأهوائهم، حتى تضخمت وصارت 

صنماً دولياً يُعبد في محاريب العصر الحديث.

وإنَّ هذا الطوفانَ الإعلامي العولمي الذي ينفخ في جِلْدٍ 

ميت فيستعبد به عقول الملايين لهو التجسيد الحيّ 

والتحذير النبوي الصادق من شؤم «الرجل يكذب 

الكذبة فتبلغ الآفاق»، وهل ثمة كذبة بلغت الآفاق 

واستعبدت النفوس كأن تتوهم أمة مستخلفة أن مجدها 

يُصنع بأقدام اللاعبين لا بعقول المصلحين؟


كرة القدم.. من الهزل إلى العصبية!


لقد وُجدت هذه اللعبة لتكون مجرد تسلية تزجي بها 

النفوس كَلَالها في أوقات الفراغ، ولكن السحر 

الشيطاني، حين يمتزج بغفلة الجماهير، يحيل اللعب 

عبادة، والتسلية منهج حياة، وهكذا تأسست لهذا الوثن 

الكروي منظمات دولية، وصار لها كهنة وسدنة

 يحمون فكرتها، ويشرعون قوانينها، ويصنعون من 

طقوسها ديناً عالمياً بديلاً، فتحول العالم إلى سوق 

عولمية كبرى، وشُيدت الأندية والأكاديميات، وانتقل 

الأمر من هزل الملاعب إلى جد العصبية والتنازع.

بل وصل الانحراف بالوعي إلى حد جعل الولاء 

والبراء، والحب والبغض، يعقدان على ألوان القمصان وشعارات النوادي! إنها غربة العقل حين يذهل عن حقائق الوجود ويلتمس العزة في جلود منفوخة بالهواء.
ويا ليت الأمر وقف عند حدود اللهو، بل إن الأعجب والأشد نكراً أن هذه اللعبة استحوذت على مفاهيم الأمة وخطفت مصطلحاتها الشريفة، لقد انحرف مفهوم «المدافعة» -الذي هو سُنّة الله في دفع الفساد وإقامة الحق- ليصبح محصوراً في حراسة الشباك نظيفة، وانكمش مفهوم «النصر» من إعلاء كلمة الله ونصرة المظلوم وبناء الحضارة، ليتلخص في إحراز الأهداف وهز شباك الخصوم بقذائف كروية! واأسفاه على أمة أورثها وَهْمُ الملاعب عِزاً زائفاً، بينما مقدساتها وقيمها ترزح تحت وطأة الهزائم الحقيقية.

الرياضة.. وهزيمة المبادئ!
إن أمة الإسلام، حاملة الرسالة الخاتمة ووارثة النبوة، جديرة اليوم بوقفة مراجعة صادقة وهزّة وعي عنيفة، لقد أصبحنا نرى من العجائب ما يندى له جبين الغيرة؛ علماء يرفعون الأكف بالدعاء لفوز فريق، ولاعبون يسجدون شكراً لإصابة شباك خصم، وجماهير تحشد الطاقات وتحترق حماساً، وتبذل الأموال والأوقات، في الوقت الذي تخبو فيه حرارة القضايا الكبرى للأمة، وتفتر الهمم عن حمل رسالة الحق، وتضعف الغيرة على الدين والأوطان!

وليس العيب قط في رياضة تُمارَس لتربية الأبدان، ولا في ترويح مستساغ تطلبه النفوس، وإنما العيب، كل العيب، في اختلال الموازين وانحدار الاهتمامات من معالي الأمور إلى سفاسفها، حتى تغدو الهزيمة الكروية أشد وقعاً على النفوس من هزيمة المبادئ والضمائر!

فاحذروا بيضات الشيطان قبل أن تفقس؛ فإنها لا تخرج أول الأمر إلا لعبة، ثم لا تلبث أن تصبح قضية، ثم عقيدة، ثم هوية، ثم سجناً واسعاً لا يشعر المسجون أنه فيه، ومن يومها لا يعود الشيطان بحاجة إلى أن يقود الناس بالسلاسل، لأنهم يحملون قيودهم في قلوبهم، ويحسبونها زينة، وهي في الحقيقة أغلال.


وهذه المنظومة العبثية ليست أولى بيضات الشيطان في تاريخنا المعاصر؛ فكم من أفكار برّاقة ظنها الناس شيئاً عظيماً، ثم ما لبثت الأيام أن كشفت عن وجهها الكالح بعد أن أفسدت العقائد والعلاقات، لقد عاشت البشرية دهراً تحت ظل «بيضة الشيوعية» حتى انبرى من يلفق لها ثوباً من الشريعة، ثم تلتها «الرأسمالية» و«الاشتراكية»، حتى وصلنا إلى البيضة الكبرى؛ «الديمقراطية الغربية» وحقوق الإنسان!
تلك الأكاذيب الميتة التي صاغتها المنظومة الدولية المستبدة لتكون أصناماً من عجوة تأكلها الأنظمة الطاغية كلما جاعت إلى السيطرة، وما نراه اليوم من اغتيال لإرادات الشعوب، وقتل وتجويع للأطفال، وهتك للأعراض على مرأى ومسمع من العالم، لهو الدليل القاطع على أن تلك الشعارات ما هي إلا شروط يفرضها المستكبر لشرعنة بغيه، وإشاعة الفواحش، وإفساد الفطرة الإنسانية وتلويثها.

الاستقلالية الإسلامية

إن العلاج الناجع لهذه التبعية المقيتة لا يكون بالانخراط في هذه المنظومات الفاسدة أو العكوف في محاريبها، بل في عودة الأمة إلى شريعة ربها لتسترد هويتها المفقودة، وتصطبغ بصبغة الله التي لا تبلى، لن يكون الفوز يوماً في نيل كأس، ولن يكون النصر في اعتلاء منصة تتويج كروية، بل النصر الحقيقي في أن تقوم الأمة بدورها الاستخلافي، وتغرس قيم الإسلام في كل نادٍ ومحفل، وتحمل أمانة البلاغ للعالمين؛ لتكسر راية الشيطان وتدحر زيف شياطين الإنس والجن.

يا أحبتي، إنه نداء حار يخرج من سويداء القلب إلى

 كل ذي عقل مؤمن وهمة عالية: انحازوا إلى دينكم،

 واعتزوا بهويتكم، وتعالوا نقدّم للبشرية الحائرة

 نموذجاً حضارياً ينقذها من ظلمات المادية والعبث،

 ويعيد للإنسان تكريمه الإلهي الذي ضيعه لصوص 

العقول.

إن الأمة التي نزل في حقها قوله تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) (آل عمران: 110) لا يليق بها أبداً أن

 تختزل مجدها في أهداف تُسجل، بل مجدها في هداية

 البشر ونشر العدل وصناعة الحياة،

فمن يوقظ القوم من غفلتهم قبل فوات الأوان؟


الجمعة، 29 مايو 2026

الحج.. حين تبحث الأمة عن نفسها

الحج.. حين تبحث الأمة عن نفسها

ا.د. جمال عبد الستار


يتجمع الملايين حول بيت الله الحرام، ليس ليُكرِّروا شعيرة، بل ليكتشفوا لماذا أصبحوا شظايا تحمل اسماً واحداً وقلوباً متفرقة.فحين ترتدي الأمَّة ثياب الإحرام، تخلع ألفَ لونٍ من ألوان الفرقة… فهل تعود بعد الحج موحَّدة الثوب والقلب؟

كمال العبودية.. أعظم ما يناله الإنسان

يجتمع المسلمون حول الكعبة في كلِّ عام، لا ليُكرِّروا طقسًا عابرًا، بل ليُجدِّدوا رحلة البحث عن ذواتهم؛ أفرادًا وأمَّة، أمَّا الفرد، فإنَّه يكتشف في مناسك الحج أنَّ أعظم ما يمكن أن يناله الإنسان أن يتحقَّق بكمال العبودية لربِّه؛ حيث يتجلَّى للعبد أنَّ كماله الحقيقي ليس في صورةٍ يحملها الناس عنه، ولا في لقبٍ يتزيَّن به، ولا في نسبٍ يعتزُّ به، ولا في ثيابٍ يفاخر بها؛ كما أنَّه ليس هذا الجسد الذي تتداوله الأسماء، بل تلك الروح التي تتأهَّب للعودة إلى بارئها، وتكدح في السير إلى لقائه: (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ) (الانـشـقاق: ٦).

دوران الأرواح حول مركز العبودية الكبرى

ومن فتحت له أبواب البصيرة رأى أنَّ الحج ليس حركة أجساد حول بناءٍ من حجر، بل دوران أرواح حول مركز العبودية الكبرى؛ فالعبد يطوف حيث أراد سيِّده، ويسعى كما أُمِر، ويقف حيث أُوقِف، ويفيض حين يؤذن له، ويرمي حين يُطلب منه، ويتحرَّك في الصغيرة والكبيرة وفق مراد الله لا وفق منطقه القاصر، وهنا تتهاوى أوهام الفلسفات المتعالية أمام مقام التسليم؛ إذ لا شيء يسبق أمر الله، ولا معنى يعلو على حقيقة العبودية لربِّ العالمين.

الروح تتأهب للقاء الأكبر

ومن هنا يعود الحاجُّ إلى ربِّه في الدنيا قبل العودة الكبرى إليه في الآخرة؛ يعود وقد خفَّ حمل الذنوب عن روحه، ليواصل رحلته إلى الله بأمل المشتاقين إلى اللقاء الأكبر يوم يقف العباد بين يدي ربِّهم، فيُوقفهم على ما كسبوا، ويجازيهم بما كانوا يعملون.

الأمَّة تبحث عن ذاتها الضائعة

أمَّا الأمَّة، فإنَّها تأتي إلى البيت العتيق باحثةً عن ذاتها الضائعة بين ركام التمزقات، وعن ثوابتها التي بعثرتها عواصف الأزمنة، حتى غدت  في كثيرٍ من أحوالها لا تكاد تعرف وجهها الحقيقي إذا نظرت في مرآة التاريخ، ولو أنَّ الأمة نادت أبناءها من تحت أستار الكعبة، لتختار من ينتسب إليها حقًّا، فتمنحه رايتها، وتُسلِّمه أمانتها، لارتجَّ المكان بالصمت أكثر مما يرتجُّ بالاستجابة؛ إذ كلُّ واحدٍ منهم قد احتمى بلونه القديم الذي ظنَّ أنَّه خلعه ساعة لبس الإحرام، فإذا به ما يزال متدثِّرًا به في أعماقه أكثر من تدثُّره بنصاعة البياض الذي ارتداه.

شظايا تحمل اسم الإسلام ولا تحمل قلب الإسلام

هذا يرى أخاه منحرفًا في الاعتقاد، وذاك يخاصم أخاه في الفقه، وآخر يطعن في السلوك، ورابع يمزِّق الصفَّ بالسياسة، فهذا تابعٌ لسلطان، وذاك منازعٌ له، وهذا أسير أيديولوجيا دعوية، وآخر متحصِّن براية حزبية، حتى تكسَّرت الأمَّة إلى شظايا متقابلة، يحمل كلُّ شظيةٍ منها اسم الإسلام، ولكنَّها تعجز أن تحمل قلب الإسلام الكبير.

تناديهم الأمَّة من قبلتكم الواحدة

فتناديهم الأمَّة -وهي تستند إلى الكعبة كما تستند الروح إلى قلبها- أن تعالوا إلى قبلتكم الواحدة، فما أصدقها قبلة، وإلى أخوَّتكم الإيمانية، فما أوثقها رابطة، وإلى حمل الأمانة الكبرى، فما أثقلها وأشرفها، تناديهم أن يدفنوا خصومات الأزمنة السحيقة، وأن يخرجوا من سجون الحزبيات الضيقة، ومن كهوف العصبيات المقيتة، ومن المذهبيات التي تحوَّلت من وسائل للفهم إلى معاول للهدم والتمزيق.

العدو لا يريد الأرض وحدها بل الأمانة

فالعدوُّ الذي يُحدِّق بالأمَّة ليلَ نهار لا يريد أرضها وحدها، ولا ثرواتها وحدها، بل يريد الأمانة المستقرة في قلبها؛ يريد أن ينتزع منها سرَّ شرفها الذي شرَّفها الله به، وأن يطفئ المعنى الذي جعلها خير أمة أخرجت للناس.

أبرهة الجديد يريد هدم الكعبة في القلوب

إنَّ أبرهة الجديد، بكلِّ ما يملك من أفيال القوة والإعلام والهيمنة، لا يسعى في الحقيقة إلى هدم الكعبة بناءً وحجارةً وأستارًا، فذلك أهون أهدافه، وإنَّما يسعى إلى هدمها في قلوب المسلمين؛ وأن تهوي الكعبة من مقام العقيدة الجامعة، وأن تسقط من كونها القبلة الواحدة.

فإذا سقطت الكعبة من القلوب، بقيت قائمةً في الأرض لا تحرس أمَّة، ولا تجمع شتاتًا، ولا تبعث في الأرواح معنى الاستخلاف والعبودية والشهادة على الناس.

الذنب الأعظم: ذنب التفرُّق

إنَّ الذنبَ الأعظم الذي ينبغي للأمَّة أن تستغفر منه في حجِّها، وأن تعود وقد اغتسلت من أدرانه، ذنبَ التفرُّق الذي مزَّق وحدتها، وأوهن عزيمتها، وبدَّد ريحها، وشوَّه فطرتها، وكبَّل انطلاقتها، حتى غدت أمَّةً تملك أسباب النهوض كلَّها، ثم تعيش أسيرة الوهن في زمنٍ تساقطت فيه المعالم، وظمئت فيه الأرواح إلى معنى الهداية والثبات.

“أقيموا الدين ولا تتفرقوا”

إنَّه ذنب التفريط في عهد الاستخلاف: (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) (الشورى: ١٣).

وهو ذنبٌ لا تمحوه مظاهر الطواف وحدها، ولا تُذهبه دموع المشاعر العابرة، ولا تغسله طقوسٌ شكلية تُؤدَّى بالأجساد بينما القلوب ما تزال معلَّقةً بأوثان الفرقة والهوى والعصبية.

لا يُغفر حتى تراجع الأمَّة نفسها

إنَّ هذا الذنب لا يُغفر حتى تراجع الأمَّة نفسها وحتى تُجدِّد عهدها مع الله عهدًا وثيقًا أن تعيش بالإسلام وللإسلام، وأن تحمل الرسالة لا بوصفها شعارًا يُرفع، وإنما قدر يُعاش، وأمانة تُؤدَّى، ودم يجري في العروق.

فكيف تكون الأمة قد وعت درس الحج؟

فإذا لم تُثمر التلبية استجابةً حقيقية لنداء الله بحمل الرسالة، وإقامة الشهادة على الناس: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ) (آل عمران: ١٠٤)، فكيف تكون الأمة قد وعت درس الحج حقيقة؟!

الرمي.. ساعد يقذف الباطل بحجج القرآن

وإذا لم يُنشئ الرمي في الأمَّة ساعدًا يقذف الباطل بحجج القرآن، ويرجم الظلم بقيم الإسلام، ويُعدُّ من كلِّ ما يملك عدَّةً لدفع عدوان المعتدين عن الإنسان الذي جعله الله أعظم حرمةً من الكعبة، وعن مقدسات المسلمين فكيف يكون الحج ميلاداً حقيقياً؟!

الطواف.. أمَّة تدور حول الحق

وإذا لم يُنتج الطواف أمَّةً يدور قلبها حول الحق كما يدور الجسد حول الكعبة، فلا تنفكُّ عن الدين، ولا تبرح ساحة الشريعة، ولا ترضى بغير الله حكمًا، ولا بغير الإسلام سبيلًا، فكيف تتطلع إلى أن تعود من ذنوبها كما ولدتها أمهاتها؟!

السعي.. حركة دائبة لاسترداد الكرامة

كيف تكون الأمة قد تعلمت درس السعي إذا بقيت ساكنةً تحت ركام عجزها، لا تتحرَّك لتحرير مقدساتها، ولا تنهض لتطهير أرضها من أدران الاحتلال والضلال، وما لم يغرس السعي في قلب المسلم حركة دائبة، وأخذًا بالأسباب، وعزمًا على إعمار الأرض بنور الله، وتعبيدها لربِّ العالمين، وما لم تسعَ إلى استرداد كرامتها التي أقامها الله بها أمةً شاهدةً على الناس؟

الحج.. بيعة جديدة مع الله

إنَّ الحجَّ بيعةٌ جديدة مع الله، فهل تفي الأمَّة بعهدها مع ربِّها؟ وهل استلمت الحجر -تقبيلًا، أو استلامًا، أو إشارةً- إلا لتبرَّ بعده بقسمها القديم، وتعود من رحلتها أكثر صدقًا في حمل راية الدين، وأشدَّ وفاءً لأمانة الاستخلاف؟

فهل من حادٍ صادق؟

فهل من حادٍ صادقٍ يحدو بهذه الأمَّة إلى ربِّها، حتى تفيءَ من شتاتها إلى وحدتها، ومن غفلتها إلى يقظتها، ومن ضعفها إلى سرِّ قوتها، فيفيض الله عليها من أنوار الهداية، ومدد التوفيق، وفتوحات البصيرة، ما يعيد إليها وجهها الذي أراده الله؛ أمَّةً شاهدةً، هاديةً، حاملةً لنور السماء إلى الأرض؟

المصدر

الدكتور جمال عبد الستار 

الخميس، 9 أبريل 2026

10 دروس بعد المعركة.. حين تعيد الأمة قراءة ذاتها

10 دروس بعد المعركة.. حين تعيد الأمة قراءة ذاتها
حرب أمريكا وإيران.. وقفات مهمة

أ.د. جمال عبدالستار
الأمين العام لرابطة علماء أهل السنة

قبل أن تخمد نيرانُ المعارك، وقبل أن تنطوي صفحاتُ الأحداث، فإن الواجبَ الأَوْلَى ليس الانشغالَ بضجيج الوقائع، بل استخلاصُ سننها، واستنطاقُ دروسها، واستشرافُ ما وراءها؛ لأن الأمم لا تُهزم حين تخسر معركة، وإنما تُهزم حين تعجز عن قراءة معانيها.

وليس المقصود من ذلك تأييد طرفٍ أو معاداة آخر، بل تحرير العبرة من أسرِ الأشخاص، واستخراج الدرس من بين ركام المواقف؛ فالحكمةُ ضالةُ المؤمن، أنّى وجدها فهو أحقُّ بها؛ وليست كل خسارةٍ هزيمة، كما أنه ليس كل مكسبٍ نصرًا؛ فالعبرة بما تُنتجه التجربة من وعيٍ وتصحيحٍ وتراكم.

أول هذه الدروس: أن ما يجري في الأرض ليس فوضى عابرة، ولا عبثًا طارئًا، بل هو جارٍ على سننٍ إلهيةٍ محكمة، يُجريها الله تعالى لغاياتٍ كبرى، من أعظمها: التمييزُ والتمحيصُ وكشفُ السرائر، قال تعالى: (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ) (الأنفال: 42)، وقال سبحانه: (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) (آل عمران: 179)، فالأحداث ليست مجرد صراع قوى، بل محاريب اختبارٍ تُكشف فيها القلوب قبل أن تُقاس فيها الموازين.

وهذه الدروس ليست أحداثًا متفرقة، بل هي تجليات لسنن الله في الاجتماع البشري؛ سننٍ لا تحابي أحدًا، ولا تتبدل بتبدل الشعارات، وإنما تجري على من أخذ بأسبابها، قال تعالى: (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً) (الأحزاب: 62).

وليس من العدل أن نُحمّل الخارج كل أوزارنا، فإن كثيرًا من مواطن الضعف إنما نبتت في داخلنا، يوم فرّطنا في سنن القوة، واستبدلنا الأمانيّ بالعمل، والشعارات بالاتحاد!

وثانيها: أن الإعداد ليس ردَّ فعلٍ طارئ، وإنما فريضة سابقة على الخطر، ومستمرة معه وبعده؛ قال الله تعالى: (وَأَعِدّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) (الأنفال: 60)، فالإعداد وعيٌ طويل، وعملٌ تراكمي، وصناعةُ أمةٍ قبل أن يكون صناعةَ سلاح، وما رأيناه من صمودٍ أو قدرةٍ على الفعل لم يكن وليد لحظة، بل ثمرةَ سنين من بناء الإرادة وتراكم الخبرة، فالشريعة لا تعترف بمن يُصاب ولا يرد، ولا بمن يُضرب ولا يدفع؛ فالتوازن سُنة، والقدرة شرط بقاء؛ (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويُقتلون) (التوبة: 111).

والأمم الحيّة لا تعيش على ردود الفعل، بل تصنع الفعل، وتفرض إيقاعها، وتبادر قبل أن تُباغت، والأمم القوية لا تفكر بلحظة الانفجار، بل بعقود التراكم؛ فالمعركة الحقيقية تُحسم قبل أن تبدأ، يوم تُدار السنوات بحكمة.

وثالثها: أن الأنظمة لا تقوم بذاتها، بل تقوم بعمقها الشعبي؛ فالدولة التي تنفصل عن شعبها، أو تستعلي عليه، أو تُهدر طاقاته، إنما تُفرغ نفسها من سندها الحقيقي، وعند الأزمات، لا تثبت الأنظمة إلا بقدر ما تلتف الشعوب حولها، ولا تصمد إلا بقدر ما تسكن في وجدانها، أما الأنظمة التي عاشت في عزلةٍ عن شعوبها، مستغنية بمدد الخارج فإن ساعة الشدة تكشف هشاشتها، إذ لا تجد ظهرًا تسند إليه، ولا قلبًا يحتملها.

ورابعها: أن اختزال الأمة في قائد أو نخبة محدودة وهْمٌ قاتل؛ فالأمم الحيّة هي التي تُنتج القيادات كما تُنتج الثمار، وتُعدّ البدائل كما تُعدّ الخطط، وإن وفرة القيادات، وتعدد الخبرات، ووجود البدائل ليس ترفًا تنظيميًا، وإنما شرط من شروط البقاء، أما تحويل الأشخاص إلى أوطان، فذلك من أخطر ما يُصيب الوعي الجمعي، إذ يجعل مصير الأمة مرهونًا بأفراد، لا بمشروع.

وخامسها: أن ثروة الأمة الحقيقية ليست فيما تملك من موارد فحسب، بل فيما تملك من عقولٍ وخبراتٍ وطاقاتٍ بشرية، فالأمم التي تحفظ علماءها، وتستثمر مفكريها، وتُطلق طاقات مبدعيها، إنما تبني مناعتها الداخلية، وتُنشئ قدرتها على التجدد، أما التي تُضيّق على عقولها، أو تُهمّش كفاءاتها، فإنها تهدي كنوزها لغيرها، وتُضعف نفسها بيدها.

وسادسها: أن على الأمة أن تُدرك مصادر قوتها الحقيقية؛ فالقوة ليست في الاتكاء على الغير، بل في الاعتماد على الذات، وتفعيل الإمكانات، واستحضار الهوية، فحين تعي الأمة موقعها، وتعرف قدرها، وتستثمر مواردها البشرية والمادية والروحية، فإنها تقترب من موقع الريادة الذي خُلقت له.

وسابعها: أن الظلم والاستبداد آفةٌ تهدم الأمم من داخلها؛ إذ يُفرغها من طاقتها، ويُضعف جيوشها، ويُفسد علاقتها بذاتها، وقد أثبتت الوقائع أن دعم الاستبداد كان سببًا في تغييب قوى كبرى عن معادلات التأثير، حتى بدت وكأنها خارج التاريخ، بعد أن كانت في قلبه.

وثامنها: أن الفتوى في أزمنة الفتن تحتاج إلى حكمة وتؤدة وجمع للكلمة؛ فليس من دور العلماء أن يُغذّوا النزاع، أو يُسرعوا في إصدار الأحكام تحت ضغط الأحداث، بل أن يكونوا صمام أمان، يجمعون ولا يفرّقون، ويُرشدون ولا يُهيّجون، وإن من أخطر ما أصاب الأمة في مثل هذه الظروف التسرع، والتضارب، وتحويل المنابر إلى ساحات نزاع.

وتاسعها: أن العدو لا يفهم إلا لغة القوة، وإن الضعف والهوان ليسا خيارًا شرعيًا يُتخيَّر، ولا مقامًا يُمدح، بل هما حالٌ تُذمّ إذا كان ناشئًا عن ترك الأسباب والتفريط في الواجبات؛ لأن الشريعة جاءت بإقامة القوة والعزة والتمكين، لا بالاستكانة والاستسلام، قال سبحانه ناهيًا عن الوهن والاستسلام: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ) (آل عمران: 139)، وقال تعالى: (فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ) (محمد: 35).

فجعل الوهن منافيًا لكمال الإيمان، ودلّ على أن العلوّ ثمرة الثبات والقوة، فحفظ الكرامة يقتضي امتلاك أسبابها، وصيانة الدين والنفس والعِرض لا تكون إلا بقوةٍ تحميها، وعزةٍ تصونها.

عاشرها: لا تقوم أمةٌ بلا مشروعٍ جامعٍ يلتف حوله الناس، تتوحد فيه الرؤية، وتتحدد فيه الأولويات، وتنتظم فيه الطاقات، وإن نجاح أي راية على مدار العصور تمثل في تحققها بتلك المعالم؛ مشروع جامع يؤمن به الجميع، وحملة أمناء يطورونه ويعمقونه وينشرونه، ثم سلطة سياسية تتبناه وتؤمن بها وتتحرك وفق قيمه ومقتضياته، بصرف النظر عن صحة الفكرة أم خطئها، فما بالك بأمة تحمل كلمة الإسلام وهدايات القرآن، وتحمل أمانة الميراث النبوي؛ (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً) (سبأ: 28).

وأخيرا: إن هذه الدروس لا ينبغي أن تبقى معاني تُتداول، بل يجب أن تتحول إلى برامج إعداد، ومشروعات وعي، وخطط بناء، تبدأ من الفرد، وتمر بالمجتمع، وتنتهي بالأمة.

وإن الأمة التي تقرأ سنن ربها، وتستجمع قواها، وتُحسن ترتيب أولوياتها، لا يمكن أن تبقى على هامش التاريخ؛ بل هي موعودةٌ -بقدر صدقها– أن تعود إلى مركز الشهادة؛ (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ) (البقرة: 143).

هذه بعضُ الدروس التي تفرضها الأحداث على من أراد أن يتعلّم، وهي ليست نهاية الطريق، بل بداية وعيٍ جديد؛ فإن أحسنّا قراءتها، كانت لنا منطلقًا لبعثٍ راشد، وإن أهملناها، كانت حلقةً أخرى في سلسلة التكرار.

وإنها لفرصة نادرة أن تعيد الأمة النظر في ذاتها، فتُصحح مسارها، وتستجمع قواها، وتستأنف دورها، على هدى من ربها، وبصيرة من سُننه.


نسأل الله أن يُلهمنا رشدنا، وأن يُرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، وأن يجعل هذه الأمة شاهدةً على الناس كما أراد لها.

الأربعاء، 18 مارس 2026

قراءة في السنن القرآنية لسقوط الطغاة ونهوض الأمم

قراءة في السنن القرآنية لسقوط الطغاة ونهوض الأمم
بقلم أ.د. جمال عبد الستار(*)


ليس للظلم دين، ولا يكتسب شرعيةً من شعار يرفعه أو راية يتدثر بها؛ فالظلم في ميزان القرآن اعتداءٌ على النظام الأخلاقي الذي أقامه الله في الأرض، وخروجٌ على السنن التي تنتظم بها حياة البشر، ومن هنا فإن سنّة الله في الظالمين سنّة ماضية عبر التاريخ لا تتبدل ولا تتحول، وقد أعلنها القرآن بوضوح حتى لا يقع الإنسان في وهم القوة العابرة، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ﴾.

قد ينسى الناس الألم بعد حين، وقد تطمس الذاكرة آثار الجرائم مع تعاقب الزمن، لكن هناك سجلًا لا ينسى، وميزانًا لا يختل، إذ يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾، ويقول سبحانه: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. إنها قاعدة قرآنية عميقة في فهم التاريخ: أن حركة الأمم ليست فوضى، وأن صعود القوى وسقوطها لا يجري عبثًا، بل يخضع لقوانين أخلاقية وسنن إلهية ثابتة، فالكون في الرؤية القرآنية ليس ساحة صراع عشوائي، بل ميدان اختبار أخلاقي تتجلى فيه العدالة الإلهية، حيث يقرر القرآن قانونه الشامل: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.

وفي مقابل ذلك فإن المظلوم كذلك لا ينسى من انتهك حقه أو داس كرامته أو اغتصب أرضه؛ فهذه ليست حوادث عابرة في سجل الحياة، بل جراح غائرة في الضمير الإنساني لا تمحوها الأيام، غير أن القرآن لا يقف عند حدود توصيف الألم، بل يقرر قاعدة أخلاقية كبرى تحكم الاجتماع البشري، وهي أن الظلم محرّم في ذاته، لا يتغير حكمه بتغير الفاعلين أو الشعارات، ولهذا جاء التوجيه القرآني الحاسم: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ﴾.

وقد يظن الواهمون أن قوى البغي الدولية ستمتلك الأرض تفعل فيها ما تشاء؛ فتغير الفطرة السوية، وتسعى لإطفاء نور الله، وتشويه الأديان، ومسخ ملامح الإنسان، وتغتصب الأعراض وتتجبر في البلاد، ظانةً أنها قادرة على الكون بما مكنها الله فيه من إمكانات ومعارف، لكن هؤلاء غاب عنهم إدراك سنن الله فيمن سبقوهم على هذا النهج؛ فهل ترك الله فرعون ذا الأوتاد؟ أم ترك ثمود الذين جابوا الصخر بالواد؟ فقد ظنت ثمود أن قدرتها على نحت الجبال تمنحها حصانة من السقوط، فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون؟ وقال قوم عاد في نشوة القوة: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ﴾ فكانت النتيجة الحتمية والقانونية الربانية القاطعة على مدار العصور: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَىٰ وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ﴾.

وهكذا ظل التاريخ يعيد المشهد ذاته في صور مختلفة؛ إمبراطوريات ترتفع حتى تلامس السماء، ثم تسقط فجأة حين تصطدم بقانون الله في الطغيان، فالتتار والمغول والفرس والروم، ثم في العصر الحديث قوى عظمى بدت وكأنها نهاية التاريخ، مثل الاتحاد السوفييتي الذي انهار رغم ترسانته النووية وجبروته السياسي، إنها ليست مجرد تحولات سياسية، بل تطبيقات متكررة لسنّة قرآنية عميقة: أن الطغيان يحمل في داخله بذور فنائه، فالملك في النهاية لله، والتاريخ – مهما بدا في ظاهره صراع قوى – محكوم في عمقه بقوانين أخلاقية لا تتخلف.

الصهيونية في ميزان القانون


وليس قانون الله ببعيد عن تلك الفئة التي لعنها الله في كتابه، ومسخ منهم قردة وخنازير، وجعل من بركة الأرض المقدسة أنها ستكون مسرحًا لتطهير الأرض من فسادهم وطغيانهم، لتتنفس البشرية الصعداء بعد زمن طويل من الظلم والرجس. قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾. وإنه لوعد قريب في ميزان اليقين، فالله قد وعد بهدم علوّهم، ولا يكون التتبير إلا بعد علو، ولا يقع السقوط إلا بعد استكبار.

الرافضة في ميزان القانون


وبالطبع فإن قانون ربي لن يحابي من تزيوا بزي الإسلام وتترسوا بادعاء محبة بعض آل البيت، وذهبوا باسم العمامات القذرة وألقاب البهتان ومعتقدات الشيطان يودعون في الأمة الفتنة، فتسلطوا على المسلمين والتهموا أربع عواصم وأذاقوا أهلها من ويلات الإذلال والقتل والاغتصاب والتعذيب الذي ربما لم يخطر للشيطان على بال، ناهيك عن تطاولهم على الصحب الكرام الذين أعلى الله في القرآن مقامهم: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ…﴾ الآية، هل تظن أن الله تعالى غفل عن كيدهم أم تخلى عن أهله وعباده المظلومين؟ وهل يظنون أنهم سيفرون من قوانين بأسه في الظالمين وبطشه بالطغاة المجرمين؟ حاشاه سبحانه القائل: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.

أنظمة الاستبداد في ميزان القانون

الأعجب من كل ما سبق أن نظن أن قوانين الله تعالى ستنجو منها تلك الأنظمة التي تحالفت مع قوى البغي والإجرام، ومن سخروا إمكاناتهم لحمايتهم ودعمهم، والتفتوا إلى علماء الصدق ودعاة الحق فساموهم سوء العذاب قتلاً وسجناً، طرداً وتشريداً!! هؤلاء الذين عبدوا الشيطان فأهدروا من أجله كرامة أمتهم، ونشروا فيها الفحش والفجور، وحاربوا العفة وضيعوا الثروات وفتتوا العباد، وطغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، هل تظن أن الله لن يصب عليهم سوط عذاب؟ هل تظن أنه تعالى ليس بالمرصاد؟ لأنهم يدعون الإسلام ويظهرون في بعض المناسبات تصنعاً، وهم والله أقرب للكفر يومئذ منه للإيمان؛ كلا والله إن الله بما يعملون محيط.

الأمة في ميزان القانون

والأعجب أن تظن الأمة التي لم تحمل رسالة ربها، ولم تتحقق بهدي نبيها، ولم تطبق شرع ربها، وعاشت في محراب الشهوات والشبهات والتطلعات والدعة والكسل والطمع، وبعضها يأكل حق إخوانه ثم يذهب للمسجد مصلياً أو للنسك حاجاً أو معتمراً؛ أتظن تلك الأمة أنها بمعزل عن قوانين القرآن، وفي حماية من عقوبته لمجرد الانتساب؟ لا والله، فالرسول حذر الأمة من هذا المصير من أن تكون أصفاراً لا قيمة لها: «يُوشِكُ الأممُ أن تداعَى عليكم كما تداعَى الأكلةُ إلى قصعتِها»، فقال قائلٌ: ومن قلَّةٍ نحن يومئذٍ؟ قال: «بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ، ولكنَّكم غثاءٌ كغثاءِ السَّيلِ، ولينزِعنَّ اللهُ من صدورِ عدوِّكم المهابةَ منكم، وليقذفنَّ اللهُ في قلوبِكم الوهنَ»، فقال قائلٌ: يا رسولَ اللهِ، وما الوهنُ؟ قال: «حبُّ الدُّنيا، وكراهيةُ الموتِ».

الصادقون في ميزان القانون


ومع كل هذا، فإن في الأمة رجالاً صدقوا ما عاهدوا الله عليه؛ فمنهم من قضى نحبه فأكمل عدته، وثبت على ثغره وأدى ما عليه، وبذل كل ما لديه، وأنفق من علمه وجهده وماله في سبيل ربه، وتحمل في سبيل ذلك أصناف الإيذاء فلم يرده ذلك عن دينه. وهناك من ينتظرون دون تبديل، بل هم على عهدهم مع الله والناس؛ فهناك من ثبتوا في الميدان رغم قلة الإمكانات، وهناك من ضحوا بكل غالٍ وثمين، وهناك من حملوا لواء القرآن يبشرون به أهل الإيمان وينذرون به أهل الطغيان. هناك الصابرون على ما أصابهم، والمحتسبون ما قدَّره الله عليهم. هناك من مرت عليهم السنوات الطوال في أقبية الظالمين يتطلعون إلى السماء، يقلبون وجوههم ينتظرون فرجه عليهم وفتحه لهم وانتقامه ممن بغوا عليهم.

هل تراهم يذهبون من الأرض ولم يشفِ الله الصدور؟ ولم يهتك على الظالمين الستور؟ ولم ينزل على أهل الإيمان نصره؟ ولم يمدَّهم بمدده؟ كلا والله، وإنا لنرى رايات دينه فوق كل الرايات عالية، ومنهجيات دينه على كل الأرض حاكمة لعباده، ونرى مصارع الظالمين فرادى وجماعات.

فكما أن للظلم سنّة في السقوط، فإن للحق سنّة في الظهور. وسيأتي اليوم الذي ترتفع فيه رايات العدل فوق الأرض، وتتهاوى فيه عروش الطغيان، وتعود الإنسانية إلى ميزانها الذي أقامه الله. وحينها سيدرك العالم كله الحقيقة التي أعلنها القرآن منذ قرون: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ويبقى على كل إنسان أن يحدد موقعه في هذا الصراع التاريخي بين العدل والظلم؛ أن يثبت على ثغره، وأن يتسلح باليقين، وأن يبشر الأرض بفتوحات السماء، وأن يردد في أعماقه: سأعيش معتصمًا بحبل عقيدتي .. وأموت مبتسمًا ليحيا ديني.

(*) الأمين العام المساعد للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

الاثنين، 16 فبراير 2026

رحلة إلى الأعماق

رحلة إلى الأعماق
أ.د. جمال عبدالستار

هلمَّ بنا نرحل لا إلى أرضٍ تُرى، ولا إلى أفقٍ تُدركه الأبصار، بل هي رحلةٌ إلى الأعماق؛ حيث يسكن الكنز الدفين، وتُخبَّأ الثروة الضائعة، ويتوارى نورٌ خافتٌ ينتظر من يوقظه، إنها رحلةٌ لا تحتاج زاداً من متاع الدنيا، بل تفتقر إلى شجاعة مواجهة، وصدق بحث، وحنينٍ لم ينطفئ تماماً في أفئدتنا، سنبحر معاً في عباب الداخل، نُنقّب بين طبقات النفس عن شوقٍ باهتٍ أرهقته الغفلة، وعن يقينٍ غطّاه غبار الأيام، وعن بوصلةٍ اضطربت حين تكاثرت الاتجاهات؛ لسنا هنا لنجلد ذواتنا، ولا لنغرق في عتمة العتاب، بل لنستعيد توازن القلب، ونضبط مؤشر الروح على جهة السماء.

فهيا بنا نغوص.. نُزيح الركام عن معادننا الأصيلة، ونمسح الضباب عن مرآة أرواحنا، حتى يعود النور أوضح، والشوق أصدق، والبوصلة أثبت، إنها رحلة إصلاحٍ لا استعراض، وعودة لا هروب، واكتشاف يعيد إلينا أنفسنا كما أرادها الله: حيّةً، واعيةً، متجهةً إليه بالكلية.

افتح باب قلبك

أغمِض عينيك الآن.. واستشعر في صمتك ذاك النداء الخالد: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ) (الذاريات: 50)، إن هذا الفرار ليس هروباً من الدنيا بحد ذاتها، بل هو نزوحٌ مقدس من ضجيجها المنهِك إلى سكينة محبته ورحمته الواسعة سبحانه؛ أغمضهما جيداً، وكأنك في هذه اللحظة توصد أبواب السوق بكل صخبه ومساوماته، لتفتح بقلبك باب الآخرة بكل أحداثه ومشاهده، دع عنك تلك الزخارف التي تتلألأ في عينيك ساعةً ثم تخبو كأن لم تغنَ بالأمس، وتذكر قوله سبحانه: (وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ) (آل عمران: 185)، ليس المطلوب منك أن تهجر الدنيا بجسدك، بل أن تمارس أصعب أنواع الزهد العرفاني؛ أن تُنزلها من عرش قلبك لتسكن تحت قدميك.

تفقد مواضع النظر الرباني

انزل الآن إلى غور قلبك، فتّش في زواياه عن موضع نظر الله إليك؛ ألم يخبرنا الصادق صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَلَا إِلَى أَجْسَادِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ»؟ فما حال ذاك القلب لو كُشف الغطاء ونظر إليه ربك في هذه اللحظة؟ ما الذي سيراه الملك في داخلك؟ فتّش.. وأخرج ما لا يليق بمقام النظر الإلهي، أخرج الغيرة المذمومة، والتطلّع إلى ما في أيدي الناس، والرغبة المحمومة في رضاهم، انزع الشحناء، واغسل البغضاء، وحرّر قلبك من أسر المقارنات المادية؛ فقد قال تعالى: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (الزخرف: 32)، وقال: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ) (طه: 131).

كنزك المفقود

تفقّد داخلك ستجد غناك هناك، لا في الممتلكات والثروات؛ بل في صدق إيمانك بالغني المغني سبحانه، وحسن توكلك عليه، واكتفائك به عن جميع خلقه، فسعادتك التي أعياك البحث عنها مخبأةٌ في قلب الرضا والتسليم، ومطويةٌ في طمأنينة الامتنان؛ ولن يبحث عن السعادة والمكانة عند الناس إلا مَن فقدها في حضرة نفسه، وكلما ذهل المرء عن جوهره النفيس، بالغ في بيع روحه بثمنٍ بخيس.

الرضا والافتقار

اعلم أن الرضا ليس كلمةً تُقال، بل هو مقامٌ وجودي يُعاش، هل رضيت بالله رباً حقاً؟ هل رضيت بحكمه حين وافق هواك وحين خالفه؟ هل سلّمت لحكمته حين فهمت وحين لم تفهم؟ أم أن في أعماقك اعتراضاً خفياً يتزيّا بلباس السؤال؟

ثم تفقد قلبك من الكِبر؛ ذلك الدخيل الخفيّ الذي قد يتسلل في ثنايا الطاعة نفسها، تذكّر قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»؛ ذرةٌ واحدة قد تحجبك عن جنة عرضها السماوات والأرض، فاخضع لله سجوداً، واعترف بفقرك، وردد من أعماقك: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ إنها كلمة العارفين حين تنكشف لهم حقيقتهم: عجزٌ كامل أمام قدرةٍ كاملة.

أنوار التوحيد وأشواق اللقاء

ابحث عن التوحيد في ثنايا الروح؛ هل الله في وجدانك حقاً أكبرُ من خوفك؟ أكبرُ من طموحك الذي يؤرقك؟ وأعظمُ من خساراتك التي كسرتك؟ ابحث فيه عن المحبة؛ هل إذا ذُكر الله اقشعر قلبك شوقاً، أم أن الذكر بات مجرد عادة يجري بها اللسان؟ ابحث عن الرجاء؛ هل تترقب رحمته بلهفة من ينتظر رزقاً أو فرصةً دنيوية؟ وابحث عن الشوق الصادق؛ هل تحنُّ حقاً إلى لقائه؟ فمن كان يرجو ذلك اللقاء، فإن أجل الله لآتٍ لا محالة.

مشهد العبور والسِّر المكنون

تخيّل تلك اللحظة في أول ليلةٍ بقبرك، حين يُغلق اللحد، وتنصرف خطى الأحباب، وتبقى وحيداً إلا من عملك، هناك، في ذاك الضيق، لا ينفعك إلا صدقك، ولا يؤنس وحشتك إلا ذكرك، ولا يضيء عتمتك إلا إخلاصك الذي ادخرته.

تخيّل نفسك الآن في مشهد العرض العظيم: (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ) (الطارق: 9)؛ هناك لن يُسأل عن ظاهرك المنمّق، بل عما كان في سرّك المخبوء، وحين يُقال لك: (اقْرَأْ كِتَابَكَ) (الإسراء: 14)، تأمل حالك؛ هل ستقرأ بطمأنينة الواثق، أم بارتجاف المفرّط؟

رمضان والاستغناء بالله

أغمِض عينيك مرةً أخرى، واسأل نفسك بصدق: كيف ستطأ قدماك عتبات رمضان؟ أبقلبٍ مشتّتٍ في أودية الدنيا، أم بقلبٍ فارغٍ من كل شيء إلا من الله؟ اجعل لك في هذه الأيام سرّاً لا يعلمه إلا هو؛ دمعةً تسيل في خلوة، صدقةً تخرجها بيمينك فتخفيها عن شمالك، أو ركعةً في ظلام الليل لا يشهدها إلا جبار السماوات والأرض.

تذكر وصية النبي صلى الله عليه وسلم: «احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ»؛ فاحفظ حدود قلبك من الأغيار، يحفظ الله روحك من الشتات والضياع.

دعك من ضجيج الناس وأخبارهم قليلًا، واشتغل بالله كثيراً؛ فلا تضيع عمرك في تتبّع شؤونهم فتفوّت على نفسك خبر نفسك، إن أعظم المشاريع قاطبة هو إصلاح الداخل، لأنه إذا أصلحت السريرة، تولّى ربك إصلاح الظاهر؛ فمن أصلح سره أصلح الله علانيته.

إن رمضان بابٌ يُفتح كل عام، لكنه لا يُفتح إلا لمن قصد الدخول بصدق، فأقبِل بقلبٍ منكسر، وروحٍ مشتاقة، ونفسٍ تائبة، وقل بلسان حالك: يا رب، لا أريد رمضان عادةً أكررها، بل أريده قُرباً منك أعيش به ولأجله.

تذكر أن رمضان ليس موسم جوعٍ للأبدان، بل هو رحلة عودةٍ للأرواح إلى مآبها، تأمل كيف كان حال النبي صلى الله عليه وسلم حين يحلّ الشهر؛ كيف يتغير كيانه، فيكون أجود ما يكون، ويعتكف بقلبه، ويُقبِل بكليّته على مولاه، لم يكن رمضان في مدرسته برنامجاً زمنياً، بل كان مقاماً وجودياً يتنفس فيه العبد أنوار القدس.

اللهم اجعلنا ممن إذا دخل رمضان، غمرته رحمتك، وإذا خرج منه، خرج مغفوراً له، وقد انقاد قلبه إليك بالكلية، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد؛ ذاك الذي كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه حباً وشوقاً، ثم يقول: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟»، فكن أنت ذاك العبد؛ الذي يبحث عن الله في كل شيء، وقبل كل شيء، وبعد كل شيء؛ فإن وجدته وجدت كل شيء، وإن فقدته فقدت كل شيء.

الثلاثاء، 10 فبراير 2026

الأمة.. والطاقات المعطلة

 الأمة.. والطاقات المعطلة 

الأستاذ الدكتور جمال عبد الستار  

الأمين العام لرابطة علماء أهل السنة

لم تكن الأمة في إفقار إلى الإمكانات، ولا في نقصٍ من الطاقات، بل على العكس تماماً؛ فقد حباها الله تعالى سائر المقومات ووافر المقدرات، ومن أكثر المفارقات إيلاماً في الواقع العربي المعاصر أن وفرة الطاقات البشرية والعقلية ليست موضع شك، بل هي من الحقائق المشهودة إحصائياً وواقعياً.
فالمجتمعات العربية تزخر بعقول مبدعة، وكفاءات علمية عالية، ومواهب استثنائية في مجالات الطب والهندسة والعلوم الدقيقة والتقنية والإنسانيات والفنون.. غير أن هذه الوفرة لم تتحول في الغالب إلى قوة حضارية فاعلة، لا لعجز في الإنسان، بل في تعطيل الطاقات وإهدار الإمكانات، وتتبلور معالم التعطيل التي أدت الى تلك المأساة الحضارية في نقاط جوهرية:


أولاً: غياب الرأس الناظم:

تتجلى مشكلة إدارة تلك الإمكانات في غياب «الرأس الناظم» والقيادة البصيرة التي تحرك الطاقات في الاتجاه الصحيح، وقد فطن العدو لهذه الثغرة، فصنع من «التفرقة» شباكاً يصطاد بها المؤثرين ليوقعهم في أتون معارك طاحنة لا طائل من ورائها، معارك يُعدُّ الجهل بها غنيمة والعمل بها مضيعة؛ وذلك على المستويات كافة.
ولم يستورد يوسف عليه السلام إمكانات ولا طاقات من الخارج ليعالج الكارثة التي أصابت الناس، ولكنه أعاد هندسة إدارة الطاقات والإمكانات المتاحة، فأحدث حلولاً ناجعة، وكذلك فعل ذو القرنين، حيث حول الطاقة الخامدة إلى قوة فاعلة تعتمد على إمكاناتها وتكتشف مواهبها، بدلاً من أن تظل عاطلة تعتمد على غيرها في كل أمورها؛ أولئك الذين وصفهم الحق بقوله: (لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً) (الكهف: 93).


ثانياً: غياب المشروع الجامع:

يكمن الخلل الآخر في غياب «المشروع الكلي» الذي يستوعب تلك الطاقات ويؤطر تلك الإمكانات؛ ما جعل الأمة تبدو في ظاهرها أفقر الأمم رغم عظيم ثرواتها، وأجهل الأمم رغم نبوغ أفرادها، والمفارقة الصارخة تكمن في أنَّ الكثير من البلاد الإسلامية تُستنزف أموالها وتُهدر مقدراتها، في حين يبلغ علماؤها -والعرب منهم خاصة- الغاية في المجالات العلمية والبحثية والمهنية والفكرية حين يوضعون في بيئات الغرب المنظمة، حيث وصل الكثير منهم إلى مناصب سامقة ومراتب عالمية، لا لشيء إلا لأنهم وجدوا النظام الذي يقدّر الإبداع والمشروع.


ثالثاً: غياب البيئة الحاضنة:

فقدان البيئة الآمنة، التي تحتضنه وتمنحه الثقة، وتوفر له شروط الاستمرار والنمو، غياب البيئة التي تسمح بالخطأ، وتشجع على السؤال، وتحمي المبادرة من الإقصاء، وتربط الكفاءة بالاستحقاق لا بالانتماء، وحين تغيب هذه البيئة؛ يتحول التفوق إلى عبء، والاختلاف إلى مخاطرة، والإبداع إلى عزلة.
والمفارقة الأشد دلالة أن هذه الإمكانات ذاتها، حين انتقلت إلى البيئات الغربية، أبدت قدرة لافتة على التميز والإبداع، وأسهمت في نهضة البحث العلمي، وتقدّم الجامعات، وتطوير الصناعات المعرفية والتقنية، ولم يكن ذلك نتيجة تحوّل جوهري في الإنسان ذاته، بل نتيجة اختلاف السياق؛ سياق يحكمه مشروع معرفي واضح، ومؤسسات راعية، وقواعد شفافة، وثقافة تقدّر الجدارة وتكافئ الإنجاز، والحقيقة المركزية أن العقل العربي حين يُوضع في بيئة منظمة، عادلة، وآمنة، ينتج بالقدر ذاته، وربما أكثر مما ينتجه في أي سياق عالمي متقدم.


رابعاً: غياب المعرفة المنهجية:

العقل العربي ليس عاجزاً عن الإبداع ولا عن الفهم، لكنه يعمل –في الغالب– دون إطار منهجي جامع، ودون مشروع حضاري يستوعب نتاجه ويوجهه، فيتحول العلم إلى جهد فردي معزول، أو إلى معرفة مؤسسية بلا روح، أو إلى تكديس معلومات لا تُترجم إلى أثر في الواقع، والمشكلة هنا ليست في نقص المعرفة، بل في غياب السؤال الكبير الذي تنتظم حوله المعرفة.
إنَّ غالب المنظومة التعليمية في العالم العربي لم يتبقَّ لها من «العربية» إلا الاسم وبعض المعلومات السطحية؛ أما العمق التربوي، والتأثير الوجداني، واكتشاف المهارات، وصناعة الرواد، فإنَّ مناهجنا أبعد ما تكون عن صياغة هذا النموذج، بل إنَّ جلَّ المناهج في العالم العربي إنما هي ثمرة إشراف وصناعة غربية؛ لذا أضحى التغريب متمثلاً في قلب غربي وعقل غربي، يرتديان ثوباً عربياً، ولا علاقة لهما باستحقاقات العربية ومنظومتها القيمية.


خامساً: غياب المهمة وفقْد الذات:


ويتجلى التعطيل كذلك في الإنسان العربي نفسه؛ لا من حيث الكفاءة، بل من حيث الموقع والدور، فالإنسان هنا كثيراً ما يُقصى عن صناعة القرار، أو يُستنزف في صراعات جانبية، أو يُدفع إلى الهجرة القسرية، أو يُفرَّغ من المعنى ليغدو مجرد أداة في مشروع لا يصنعه، وهكذا تُهدر الطاقة الإنسانية، لا لأنها عاجزة، بل لأنها غير مُحتضَنة ضمن رؤية واضحة؛ بل إن هناك حالة إهدار متكاملة الأركان، حتى أضحى المرء لا يعلم مَن هو ولماذا وجِد؟ وذلك من شدة ما صار هملاً بلا هوية أو تأثير!


سادساً: التعطيل القيمي:


على المستوى القيمي، فإن الأمة تمتلك رأسمال أخلاقياً فريداً، قوامه مفاهيم العدل، والأمانة، والاستخلاف، وكرامة الإنسان؛ غير أن هذه القيم غالباً ما تُحبس في الخطاب الوعظي، أو تُوظَّف توظيفاً انتقائياً يخدم الصراع لا البناء، وحين تُفصل القيم عن وظيفتها الحضارية، تتحول من قوة توجيه إلى شعارات مستهلكة، ومن منطلق للنهوض إلى وسيلة للتخدير، فأضحت قيمه التي يسمعها لا أثر لها في واقعه المجتمعي أو حتى القطري أو الأممي؛ فكثير من الدول العربية تعرضت لحملات تجريف وتحريف، أزالتها عن منصة القيادة القيمية والنمذجة الأخلاقية.


سابعاً: غياب الوعي:


الوعي العربي المعاصر –في كثير من صوره– وعيٌ مجزّأ، متردد، يعيش ردّ الفعل أكثر مما يصنع الفعل، ويُرجع إخفاقاته إلى المؤامرة الخارجية وحدها، دون مساءلة البنية الداخلية التي سمحت لتلك المؤامرة أن تنفذ وتستقر، وحين يتحول الوعي من أداة تشخيص وتغيير إلى أداة تبرير وتنفيس، تفقد الأمة بوصلتها، وتغدو أسيرة الدوران في الحلقة ذاتها.


يمكن أن نختم بالقول: إنه لا سبيل إلى تجاوز هذا الواقع إلا عبر منهجية فكرية رشيدة، تبدأ بإعادة الاعتبار للإنسان بوصفه مركز المشروع، وبالانتقال من منطق الانفعال إلى منطق الفعل المقصود، ومن الشعارات العامة إلى البرامج القابلة للتراكم، كما لا نهضة دون تحويل القيم إلى أنظمة، والمفاهيم إلى سياسات، والرؤية إلى مؤسسات.
الأمة العربية لا تحتاج إلى معجزة خارقة، ولا إلى استيراد ذاتٍ بديلة، بل إلى استرداد ذاتها المعطَّلة، وحين تدرك أن أزمتها ليست فيما فُرض عليها فحسب، بل فيما عطَّلته في داخلها، تبدأ أولى خطوات الخروج من زمن التيه إلى زمن الفعل، ومن حالة الإمكان المؤجَّل إلى واقع الإنجاز الممكن