أحكام شرعية متعلقة بقرار ترامب بتصنيف جماعة الإخوان جماعة إرهابية
المحتويات
تصويرُ النازلة وسؤالُها
بسم الله الرحمن الرحيم ..
في ٢٤/ ١١/ ٢٠٢٥ صدر قرار تنفيذي من البيت الأبيض بتصنيف أفرع من جماعة الإخوان على أنّها كيان إرهابيّ، ما يعني إغراء الأنظمة على مستوى العالم بملاحقة أعضائها ومعهم كثير ممن لا علاقة لهم بها بذريعة الانتماء لها أو التعاون معها؛ مما سيترتب عليه ابتلاءات ستقع للجماعة وقياداتها والمؤثرين فيها، ولكثير من شبابها العاملين، ولبعض من لا يرضى النظام العالميّ عن أدائهم في أمريكا وأوربّا والعالم ولاسيما المنطقة العربية، من مثل الاعتقال والتسليم لأنظمة تنتظرهم لتصفية حساباتها معهم والحدّ من نشاطهم الدعوي والسياسيّ المعارض للأنظمة والداعم لقضايا الأمة؛ فهل هناك معالجة شرعية لهذه النازلة؟
التكييف الشرعيّ لواقع النازلة
الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد
فإنّ هذا القرار الغشوم يراد منه التضييق على كلّ عمل دعوي أو خيري أو سياسي مقاوم للظلم والفتنة، وذلك بغضّ النظر عن هوية القائمين بهذا العمل، ومما لا شكّ فيه أنّ الأنظمة في الغرب والشرق سوف تصدع به بدرجات متفاوتة وأنماط مختلفة، وربما وجد البعض فيها ذريعة لتصفية حسابات مع كثير ممن يعملون للإسلام، وغطاءً قانونيًّا لانتهاك حقوقهم وإيقاف أنشطتهم، وكلّ هذا من قبيل المفاسد الكبرى والمخاطر العظمى التي ينتظر أن تحلّ بالدعاة والعلماء والجماعات والمؤسسات الدعوية والخيرية وغيرها؛ وهذه بلا ريب مفاسد واقعية غاية في الخطورة من نظر التكييف الشرعيّ.
والمسلم حيال هذه التحديات مطالب شرعًا بالاعتصام بدينه والتمسك بحقّه في الدعوة لما يؤمن به من الحقّ، ومطالب كذلك بالثبات على الحقّ مع التوكل على الله، قال تعالى: (الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) (آل عمران: ١٧٣)، وفي الوقت ذاته مطالب شرعًا بأن يتخذ من التدابير ما يحمي به الدعوة ويفوت على العدو فرص الانقضاض عليها؛ ومن ثم فإنّ الواجبات كثيرة ومعقدة؛ لكنّ الأجر عظيم إن شاء الله تعالى.
الأحكام الشرعية المتعلقة بالنازلة
أولًا: العمل الجماعيّ مشروعٌ؛ وهو من فروض الكفايات؛ لأنّ واجب الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله والعمل لدينه لا يتمّ إلا من خلال عمل جماعيّ منظم، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: (وَلَا يَحِلُّ لِثَلَاثَةِ نَفَرٍ يَكُونُونَ بِأَرْضِ فَلَاةٍ إِلَّا أَمَّرُوا عَلَيْهِمْ أَحَدَهُمْ) ١، وقد شغر الزمان عن سلطان شرعيّ يقوم بهذه الواجبات التي لا تسقط إلا بانفراط عقد الكون، فلم يعد لدي الأمة سبيل للقيام بها إلا بالعمل الجماعيّ المنظم، وإذا كانت الجماعات قد تلبست بكثير من الآفات كالتعصب والحزبية والالتفاف على الشورى ونبذ المؤسسية، فإنّ العلاج ليس بإنهاء فكرة العمل الجماعيّ، ولاسيما مع خلو الزمان من سلطان عام، وإذا كانت تعددية هذه الجماعات مع ما تلبست به من آفات أدّت إلى تفرق الكلمة، فإنّ العلاج ليس بإنهاء دورها وحلّ عقدتها وتنكيس راياتها، ولا في دمجها قهرًا في كيان واحد، وإنّما في ترشيد مسيرتها، وإحياء أدب الاختلاف وفنّ إدارة المشترك، مع تقارب أهل الحل والعقد في الأمة واجتماعهم على رؤية واحدة ومشروع موحد، تلتقي عليه كلمتهم، ثم تنطلق كل جماعة تعمل للإسلام بما آتاها الله من استعدادات، وذلك في ظلّ الخطوط العريضة لمشروع الأمة الجامع، وهذا هو الأصلح مع تعدد فروض الكفايات وتعدد وتنوع وتباين الاستعدادات.
ثانيًا: وهذا الواجب (العمل الجماعي) لا يسقط ولا يتخلّف لمجرد صدور قرار كهذا، بسبب الخشية من تبعاته على الأفراد؛ فإنّ الله تعالى منع المؤمنين من أن يخشوا الكفار فيوقفوا العمل لدين الله، فقال عزّ وجلّ: (أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) الآية (الأنفال: ١٣)،
وقال سبحانه: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ) الآية (الأنفال: ٢٤)، أي: لما يحييكم من الجهاد في سبيل الله والعمل لدين الله، والأمر بالاستجابة هنا أمر للوجوب، وإن كان من الفقه والعقل والرشد أن تُتَّخَذ التدابير لتلافي المفاسد بقدر الإمكان، كأن يتحور العمل في صور وأنماط تصعب على العدو استهدافه، أمّا ترك العمل الجماعي خشيةً من هؤلاء المجرمين فلا يجوز، ولعلّه في زماننا ينزل منزلة التولّي يوم الزحف، أو يقاربها.
ثالثًا: لا يجوز لنظام من الأنظمة التي تحكم بلاد المسلمين أن يتعاون مع هذا القرار الظالم، لا سيما إن كان من الأنظمة التي لا تزال على إسلامها – لكون الواقع دلّ على أنّها ما تأخرت عن تحكيم الشريعة إلا لأنّها في حال الضرورة – فيجب أنْ تعلم أنّ المعارضين السياسيين والدعاة الإسلاميين وسائر العاملين للإسلام ليسوا إرهابيين كما يدعي هذا الطاغوت الأفاق؛ وعليه فلا يجوز اضطهادهم، لأنّ هذا من قبيل الظلم والطغيان والإثم والعدوان، والله تعالى يقول: (وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ) (المائدة: ٢)، والرسول الله صلّى الله عليه وسلم قد قال في خطبة الوداع: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا» ٢، وقال: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا ولا يُسْلِمُه ولا يَخْذُلُهُ» ٣، وقد أمر الله بتأمين من طلب الأمان من المشركين فقال بعد آية السيف: (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) الآية (التوبة: ٦)، فكيف بالمسلم؟ بل وكيف بالمسلم الداعية أو المجاهد العامل للإسلام؟! ثمّ إنّ الذي يقوم بتسليم مسلم ليُحكم عليه بالإعدام أو ليُقتل تحت التعذيب هو في الحقيقة شريك في القتل، وقد قال أمير المؤمنين عمر: “لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به”، والجمهور من العلماء على أنّ الجماعة تقتل بالواحد، فلا ريب أنّ هذا حرام، وأنّه ظلم وإجرام.
رابعًا: يجب على المنتمين للجماعات العاملة للإسلام أن يحملوا قادتها على الاستقامة، وعلى التقارب مع الجماعات الأخرى ونبذ الخلاف والشقاق، واستمرار المناصحة لهم. والله أعلم.
هيئة الإفتاء في نوازل الأمة العامة
٢٠٢٥-١٢-٠٦

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق