السبت، 13 ديسمبر 2025

جنايات الأصفهاني صاحب الأغاني بين العقل والنقل

جنايات الأصفهاني صاحب الأغاني بين العقل والنقل
 


♦ يبدو أن (ابن خلدون) لم يقرأ الأغاني كاملاً

♦ وليد الأعظمي يشهر (السيف اليماني في نحر الأصفهاني صاحب الأغاني)

♦ الأصفهاني شعوبي حاقد مغلول، يترصد آل البيت، وكبار الأمويين، ويرميهم بكل السخائم والبلايا

♦ الأصفهاني خادم البويهيين، ولسان حالهم في الكيد والتدليس

♦ الأصفهاني يستهزئ بالصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويرمي كبار رواة الحديث بالخنا والفجور، ويكذب فاجراً على الإمام الحسن والحسين، والبخاري، والنعمان بن بشير، وعطاء وأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل، ويرميهم بكل الشناعات والفظائع

كنت طفلاً صغيراً شغوفا بسماع المسلسلات الإذاعية.. خاصة ما كان منها مكتوباً بالفصحى، أو مسجوعاً بعامية طريفة، كحكايات ألف ليلة وليلة.. التي كان يكتبها الشاعر القدير طاهر أبو فاشا..

وكانت إذاعة القاهرة تقدم مسلسلاً شيقا بعنوان (الأغاني للأصفهاني) في حلقات ممتعة، يكتبها الشاعر الكبير عبد الفتاح مصطفى.. ويؤديها راوياً عن الأصفهاني.. بصوته الذاهب في التاريخ، الفنان حسن البارودي.. والحلقات من إخراج الرائد الإعلامي الكبير محمد محمود شعبان (بابا شارو)..

ولما كنا من البيوت القليلة في القرية التي تمتلك جهاز راديو (فيليبس) ضخم.. حيث كان بعض الناس يأتون للضيافة عندنا، بغية سماع الراديو بعض الوقت.. كنت أشعر داخلي أننا نمتلك مبنى كاملاً للإذاعة والتلفزيون.. وكنا نكاد نحفظ ونذاكر كل ما يرد إلى أسماعنا من هذا المصدر التثقيفي المبهر العجيب

حتى إذا ما بدأت أطلب شيئاً من الثقافة، وجدت أنه من المقرر في عالم الأذهان، والمعلوم بالضرورة من بناء الوجدان.. أنه لا حظ في الأدب والثقافة، لمن لم يقرأ (الأغاني للأصفهاني) لأنه الكتاب الذي لابد أن يوقف عند أعتابه، والذي لم يؤلف مثله في بابه

ودارت الأيام ودورات عديدة

وكتبت.. ضمن ما كتبت من عشرات الآلاف من الصفحات.. بحثاً ضافياً عن الكتب التي لا تصح قراءتها إلا بقراءة كتب.. حيث غدت هذه الكتب الملحقة، بمثابة الضوء الكاشف والمذكرة التفسيرية، لمتن الكتاب الأصلي، بما يكفي ويشفي من فحواه ومحتواه

ومن هذه الكتب (العصارة).. كتاب (السيف اليماني في نحر الأصفهاني صاحب الأغاني) للشاعر الباحث الخطاط الداعية العراقي الكبير وليد الأعظمي..

فكتاب الأغاني الذي طبقت شهرته الآفاق، حتى غدا مصدراً أصيلاً عند كبار الباحثين، فيما يتعلق بالتاريخ والأدب والرواية والسند

تكمن الخطورة الكبرى فيه، في اتخاذه لدى البعض كتاب علم وفقه وتاريخ وتفسير وسنة.. حال اغترارهم بسلاسل الإسناد، وحشد أسماء الأعلام الثقات، بين من روى عنهم الأصفهاني.. حتى وصفته لجنة تحقيق الأغاني بأنه «من أجلّ مصادر التاريخ والأدب العربي».. رغم أنه في القسط الأكبر منه.. لا يعدو أن يكون سفر سمر وطرب، ولهو وغناء، وطرائف ولطائف، ونكات وحكايات.. وأخبار غلمان وخصيان، وحب وتعشق وسكر وشعر.. وترخص ودنس.. حيث يبلغ التبذل والتحلل والشعوبية والزندقة فيه.. منتهى مأربها وغاية مطلبها والأصفهاني لا يخرج عن كونه، كما وصفه الخطيب البغدادي: «من أكذب الناس، وكان يشتري شيئاً كثيراً من الصحف، ثم تكون كل رواياته منها»

فضلاً عن الشعوبية الكريهة التي ملكت على الرجل أقطار نفسه، بكل ما تحمله من تنكر وتستر، ومراء ودهاء، وحقد وغل دفين

وقد تفرغ (وليد الأعظمي) عامين كاملين عاكفاً على الأغاني، بإعادة النظر الفاحص في كل أسانيده ورواياته، لتمييز الهزل من الجد، والسم من الشهد.. خاصه فيما يتعلق بالسيرة، والتفسير، والفقه، والأئمة الأعلام، وآل البيت الأبرار الكرام

والأصفهاني.. هو علي بن الحسين بن محمد بن الهيثم بن عبد الرحمن ابن مروان ابن عبد الله بن مروان ابن محمد ابن مروان ابن الحكم الأموي، المعروف بالأصفهاني

ولد عام 284 ه‍، ونشأ في بغداد والكوفة، وأخذ عن ابن دريد وابن الأنباري ونفطويه وعلي بن الأخفش ومحمد بن جعفر القتات، وله تصانيف كثيرة مثل (التعديل والانتصاف) و(مقاتل الطالبيين) و(أخبار الغلمان) و(أخبار القيان) و(المماليك الشعراء) و (أدب الغرباء) و(الأخبار والنوادر) و(أخبار الطفيليين)

ومعظمها يطفح فسقاً وفجوراً، وزندقة وتفلتاً

وقد ترخص حتي كتب في الخمارين والخمارات، ومناجيب الخصيان، وغير ذلك من التوافه والبذاء

له شعر كثير.. فيه فحش وبذاءة، ودناءة، وانحطاط

وكان نديماً خاصاً للمهلبي.. وكاتباً في ديوان (ركن الدولة) البويهي، ونال عنده الحظوة التامة، والمكانة العالية.. حيث كان متفقاً معه في الغلو في التشيع، الذي أخذه عن أمه من (آل ثوابة )

وللعلم فإن أسرة (آل ثوابة) كانت مسيحية، ثم اعتنقت الإسلام، ومالت إلى التشيع المغالي فيه..

كذلك أثرت نشأته في الكوفة في الغلو والرافضية.. وقد توفي عام 356 ه‍

يقول العلامة (ابن الجوزي) : ” من تأمل كتاب الأغاني، رأى كل قبيح ومنكر “

ومن اعتمد على الأصفهاني، فقد اعتمد على طائفة خبيثة من الرواة الكذبة، والمجروحين، والمنكورين، والمطعون عليهم في دينهم وأمانتهم

فالأصفهاني قد جمع من ذلك كله.. جمعاً من السخائم والبلايا..

فروى عن محمد بن أحمد البوشيخي، والهيثم بن عدي الكوفي، وهشام ابن السائب، وأبو النضر ابن السائب، وحمار العزير، ومحمد بن زكريا الغلابي، وأيوب بن سيار، ومحمد بن زياد الطائي.. وهؤلاء.. وأضعاف أضعافهم.. ممن روى عنهم.. ما بين كذاب، ومتروك، ومنكر الحديث، ومجهول، ووضاع، وصاحب عجائب، ودجال، وقبيح الكذب، وليس بشيء، وشعوبى..وغير مأمون

وقد لعب المستشرقون دوراً كبيراً في مد سيط الكتاب، ورفعه مكاناً علياً.. منذ نشره حديثاً، لأول مرة المستشرق الفرنسي (جويدي ) عام 1868 م، إلى حفاوات يوليوس فلهاوزن، وبروكلمان، ولامنس

إلي الرعاية التامة من (فيليب حِتّي) في كل ما كتب عن الأدب

وقد سبقت إلى الكتاب من قبل، أيادي بعض العلماء، فاختصره الوزير أبو القاسم المغربي المتوفى سنة 418 ه‍..

واختصره كذلك في العصر الحديث الشيخ محمد الخضري بك، فهذب أسانيده، وحذف فواحشه وبذاءته

ويروى أن الأصفهاني، قد جمع هذا الكتاب في 50 سنة، في أجزائه الأربع والعشرين، وقد كتبه وأهداه إلى (سيف الدولة بن حمدان) فأعطاه عنه 1000 دينار، فاستزاده فزاده.. وإن كانت هذه الرواية غير مقبولة بالمرة، لشدة سوء العلاقة بين البويهيين والحمدانيين

ومن الأسماء الكبيرة، التي اغترت بالأغاني (ابن خلدون) حيث يقول: «لعمري إنه لديوان العرب، جامع أشتات المحاسن التي سلفت إليهم في كل فن من فنون الشعر، والتاريخ، والغناء، وسائر الاحوال ولا يعدل به في ذلك كتاب فيما نعلمه» ويبدو أن (ابن خلدون) لم يقرأ الأغاني كاملاً.. حيث يضم الكتاب ما يقذي ويخزي

وقد كان (طه حسين) من أشد الناس تعلقاً بكتاب الأغاني، وكثير الاعتماد عليه في بناء آرائه وأحكامه.. حتى إنه ليقول في (حديث الأربعاء) :

«فاعتقدت، وما زلت أعتقد، أن القرن الثاني الهجري على كثرة من عاش فيه من الفقهاء والزهاد، وأصحاب الشك والمشغوفين بالجد، إنما كان عصر شك ومجون، وعصر افتتان وإلحاد عن الأخلاق المالوفة، والعادات الموروثة، والدين أيضا» (حديث الأربعاء ٢/١٦٨)

ولا يفوتنا أن ننوه إلى أن كل مادة (حديث الأربعاء) لطه حسين في أجزائه الثلاثة، مستقاة من كتاب الأغاني، ولم تخضع لأي نوع من أنواع البحث أو التحقيق أو التمحيص أو النقد كما ادعى، بل اعتبرها الشيخ طه حسين مسلمات بنى عليها أحكامه، وقد ألغى أمامها عقله ومنطقه

وقد كشف هذا الغش (شفيق جبري) حيث يقول: «إني اجتمعت في بيروت عام 1948 إلى إمام الأدب الدكتور طه حسين، فسألني عن عملي في كلية الآداب»، فقلت له: «دراسة كتاب الأغاني فتبين الارتياح في وجهه، ثم أخذت أصف له تلك النواحي التي جمعتها وانقطعت إلى الكلام إليها وكنت أشعر بأني كلما ذكرت له ناحية منها، ازداد اهتزازاً وارتياحاً» (دراسة الأغاني، شفيق جبري، ص ٧)

كما يقول المفكر الماركسي المعروف (حسين مروة): «ولابد من القول إن صاحب الأغاني كان أمينا للتاريخ كل الأمانة، فلم يذكر حديثاً ولا حكاية، ولا رواية أو شعراً، إلا اجتهد في إسناده إلى عدد من رواة الأسانيد»..

وكأن حسين مروة الشيوعي الماركسي، يعرف كتب الرجال، ويمحّص أسانيد الرواة؟!

نفس الأمر يتورط فيه (شفيق جبري) بقوله: «واطلعنا على نزاهته، وحرصه على براءة الذمة، فلم يرو الأخبار على علاتها»

«وظهرت آثار إنصافه في مواطن تراجمه»

ثم تبلغ بشفيق جبري الجرأة إلى أن يقول: «ولقد وقفنا على آراء بعض الأئمة في هذا الكتاب الجليل، فلم يلجأ أحد إلى تكذيب صاحبه، لا في حياته ولا بعد موته»

وهذه سذاجة علمية، وسطحية ما بعدها سطحية

بل إنه لو وقف على آثار لجنه تحقيق الكتاب -على الرغم مما فاتها من سخائم الكتاب- لرأى حزماً من الأغلاط التاريخية، والفضائح والشنائع المشينة المتعلقة بالعلماء والفقهاء والزهاد والعباد وآل البيت، وأخبار بني أمية

يكفي أن تعلم أولا.. أنه ممن طعن فيهم الأصفهاني.. النعمان بن بشير والإمام أبو حنيفة، وأحمد بن حنبل وعطاء ابن رباح، والإمام الحسين بن علي، والبخاري، والحسن بن علي

فالمغنون يجتمعون عند الحسن بن علي

وخولة بنت منظور زوجة الحسن تضع حجابها، وتكشف قناعها، وتبرز للرجال بعد وفاته

ويذهب إليها (معبد) المغني فينعتها حتى تطرب العجوز لذلك

ويزيد ابن معاوية يشرب الخمر بمجلسه، وعنده الإمام الحسين، فلا ينكر عليه

والإمامان الحسن والحسين مغفلان منقادان لابن أبي عتيق

والإمام الحسين يقضي يومه ووقته لاهياً مع أشعب في طرقات المدينة.. لا يشغله شاغل ولا يناديه واجب

وسكينة بنت الحسين ماجنة لاهية رعناء تحتكم في جمالها إلى عمر بن أبي ربيعة، وكأنها تتبارى في مسابقات ملكات الجمال

ويموت المغني (حنين) في بيتها، بعد جلسة طرب حتى الثمالة

والمغنون يجتمعون عند الإمام الحسن ابن الحسن علي رضي الله عنه، الذي أثنى عليه البخاري وروى له النسائي، حيث كان من الرجال الثقات

إلى جانب العهر والفجور الذي ألصقه الأصفهاني ببني أمية

فهذا خليفة يأمر (أشعب) أن يسجد لعضوه، وهو يلبس سراويل من جلد قرد له ذنب!!!

وهذا خليفة يخطب الجمعة بأرجوزة وهو سكران

.. وما إلى هذا الخنا والتسفل.. والفجور

وآل مروان.. زناة بجاراتهم..

وكأن الناس جميعاً..حكاماً ومحكومين، وأمراء ومأمورين، ما كان لهم إلا ذلك الخنا والتدني والدنس.. الذي تتسع له صدور (بني بويه)!!

وهذا خليفة يأمر جارية أن تصلي بالناس، بعد أن أذن المؤذن بالصلاة.. بعد مواقعته لها.. فخرجت ملثمة فصلت بالناس !!!

لقد أمعن في غله من الأمويين..

كم نال آل البيت بكل جرم ومفسدة

ذكر الأصفهاني عن مجالد، أن منظور ابن زيان، تزوج امرأة أبيه وهي (مليكة بنت سنان ابن أبي حارث المري) فولدت له هاشماً، وعبد الجبار وخولة.. ولم تزل معه إلى خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه

وخولة بنت منظور هذه.. تزوجها الإمام الحسن ابن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.. فولدت الحسن والحسين.. ولم تتوقف لجنة التحقيق الموقرة عند هذا الخبر، ومرت عليه مرور الكرام

وهكذا في كل نظير.. من مسابقات المغنيين في موسم الحج

والوالي الذي يتزوج شاباً..

إلى الاستخفاف بآل بيت المصطفى صلى الله عليه وسلم..

إلى اتهام آل البيت بشرب النبيذ، والانقطاع التام للغناء، والفحش الذي ليس بعده فحش.. كممارسة اللواط عياناً بياناً في مجلس الخليفة والناس حضور.. وهو يرى ويضحك

إلى الأمير عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، الذي يتزوج شاباً.. هو حفيد سيدنا عثمان بن عفان، وسبط الإمام الحسين وأمه فاطمة بنت الحسين

ثم يشفي الأصفهاني غيظه من آل البيت عليهم الرضا والرضوان، ومن الأمويين رضي الله عنهم، فينسب بناء الكعبة إلي الفرس.. ويعمد هذا الفاجر الزنديق إلى الاستهزاء بالصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم

كما يتمادى في رواية الوسخات التي لا تخرج إلا من مصدور خبيث، كما خرجت من هذا الدلال المخنث.. شأنه في ذلك شان الشعوبيين الذين يغلون حقداً وغلاً

وهكذا.. من شناعات وفظائع.. إلي دنسات ونجاسات.. لا يكتبها أشد الناس عداوة لله ورسوله.. وبغضاً للعرب والمسلمين.. متستراً بالأدب والمسامرة، والمؤانسة والمذاكرة

فعلاً.. وصدقاً.. ويقيناً

إنه دفتر ذائع.. من المعائب والفظائع.. ونيران حقد تغلي في الصدور كغلي القدور..


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق