‏إظهار الرسائل ذات التسميات المسجد الأقصى. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات المسجد الأقصى. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 30 يونيو 2026

هل بدأت فعلاً خطة إنهاء السيادة الإسلامية على المسجد الأقصى؟

 هل بدأت فعلاً خطة إنهاء السيادة الإسلامية على المسجد الأقصى؟

د. عبدالله معروف


أثار تقرير نشره موقع «ميدل إيست آي» البريطاني في نهاية الشهر الماضي اهتماماً واسعاً بعدما كشف عن وجود خطة أمريكية جرى إبلاغ عدد من دول المنطقة بها، تقوم على إنهاء السيادة الإسلامية على المسجد الأقصى، وحل مجلس الأوقاف الإسلامية، وإنشاء هيئة دولية تشارك فيها دولة الاحتلال للإشراف على المسجد بدلاً من دائرة الأوقاف الإسلامية.

ارتباك أمريكي

اللافت بالنسبة لي لم يكن التقرير نفسه، بل رد فعل وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو عندما وُجه إليه سؤال مباشر من عضو مجلس الشيوخ الأمريكي الديمقراطي كريس فان هولين حول هذا الموضوع خلال جلسة استجواب، فقد بدا الرجل مرتبكاً، ورفض التعليق على التقرير، مكتفياً بالقول: إنه لم يطلع عليه وإنها المرة الأولى التي يسمع فيها بمثل هذه المعلومات.

في تقديري، لا يمكن اعتبار هذا الرد دليلاً على عدم صحة ما ورد في التقرير، على العكس من ذلك، فإن طبيعة الإجابة توحي بوجود أساس حقيقي للمعلومات المتداولة، وأن المشكلة ربما كانت في توقيت كشفها أكثر من مضمونها، فالمسجد الأقصى يتمتع بحساسية استثنائية، وأي حديث عن تغيير وضعه القانوني أو الإداري يمكن أن يشعل المنطقة بأسرها ويفتح الباب أمام مواجهة دينية تتجاوز حدود فلسطين.

لكن الحكم الحقيقي على صدقية هذه المعلومات لا يكون من خلال التصريحات السياسية، بل من خلال مراقبة ما يجري على الأرض، وعند النظر إلى السلوك «الإسرائيلي» في القدس خلال الأشهر الأخيرة، تظهر مجموعة من المؤشرات التي يصعب تجاهلها.

تهويد صامت

أول هذه المؤشرات يتمثل في طبيعة الإجراءات التي اتخذتها سلطات الاحتلال ضد دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس منذ شهر رمضان الماضي، واستمرار هذه الإجراءات خلال فترة الحرب مع إيران، فالمتابع يلاحظ تصعيداً واضحاً في التعامل مع المؤسسة التي تمثل عملياً الجهة المشرفة على المسجد الأقصى.

أما المؤشر الثاني فيتعلق بالرسائل المتكررة التي تصدر عن قيادات جماعات المعبد المتطرفة ورموز تيار الصهيونية الدينية، التي تتحدث بصورة متزايدة عن تغييرات كبيرة وقريبة في المسجد الأقصى، وهذه الرسائل لا تبدو منفصلة عن الواقع السياسي، بل توحي بأن أصحابها يتوقعون أو يعلمون بوجود تحولات يجري الإعداد لها.

ويضاف إلى ذلك حملة إعلامية «إسرائيلية» منسقة تستهدف دائرة الأوقاف الإسلامية، وتسعى إلى ربطها بحركة «حماس»، فقد بدأت مواقع اليمين «الإسرائيلي» تنقل خبر الخلاف بين الشرطة «الإسرائيلية» ودائرة الأوقاف على خلفية رفض رئيس مجلس الأوقاف الذهاب للقاء شرطة الاحتلال في مخفر القشلة بالبلدة القديمة في القدس بشكل واسع، بالرغم من مرور أكثر من ثلاثة أشهر على هذا الحدث، بالتزامن مع نشر مقالات وتصريحات تتهم الأوقاف بأنها تمثل امتداداً لحماس داخل القدس، وهذا النمط يذكرنا بما جرى سابقاً مع وكالة «الأونروا»، حيث سبقت عملية تجريمها وإضعافها حملة إعلامية وسياسية واسعة هدفت إلى شيطنتها ونزع الشرعية عنها، ومن الصعب تجاهل أوجه الشبه بين الحالتين.

ومن المؤشرات المهمة أيضاً ما تشهده بعض المعالم داخل المسجد الأقصى من تغييرات ميدانية، فقد تم إفراغ عدد من المواقع الأساسية وإخراجها من الخدمة، ومنها قبة موسى (مركز تحفيظ القرآن الكريم) قرب باب السلسلة غربي المسجد الأقصى، وقبة سليمان شمالي المسجد، ودار الحديث، وزاوية الغزالي، وكلاهما يقعان شرقي المسجد، واللافت أن المنطقة الشرقية من المسجد الأقصى هي المنطقة التي يكثر الحديث في أوساط جماعات المعبد عن إمكانية تحويل أجزاء منها إلى كنيس يهودي.

توظيف سياسي وديني

ولا يمكن فصل هذه التحركات عن الدور الذي تؤديه شخصيات نافذة داخل تيارات اليمين الديني «الإسرائيلي»، ومن أبرز هذه الشخصيات الحاخام المتطرف شموئيل إلياهو، الذي يقود منذ فترة حملة علنية للدعوة إلى إقامة كنيس داخل المسجد الأقصى، كما انتشر له مؤخراً تسجيل مصور برفقة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، يتحدث فيه الأخير عن بناء كنيس داخل المسجد.

وتزداد أهمية هذه التصريحات إذا أخذنا في الاعتبار الأجواء السياسية والانتخابية داخل «إسرائيل»، حيث يسعى بن غفير إلى تعزيز موقعه لدى قواعد اليمين الديني المتطرف، وفي مثل هذه الظروف تصبح القضايا المرتبطة بالمسجد الأقصى أداة تعبئة سياسية وانتخابية بالغة التأثير.

كما شهد الأسبوع الماضي جدلاً واسعاً حول الإعلان عن ولادة بقرة حمراء في الجليل الأعلى، وهو حدث أعاد إلى الواجهة مرة أخرى الخطاب الديني المرتبط بمشروع المعبد، بما يعكس تزاوجاً متزايداً بين البعد الديني والبعد السياسي في الخطاب الذي يرافق هذه التحركات.

وعلى الجانب الآخر، فإن غياب النفي العربي الواضح لما ورد في التقرير، إلى جانب استدعاء الدعم الدولي للدور الأردني في المسجد الأقصى وإيجاد زخمٍ واضحٍ على الساحة الدولية في هذا السياق، يوحي بأن هناك إدراكاً رسمياً لوجود أخطار حقيقية تتعلق بمستقبل الوضع القائم في المسجد، وهو ما يعطي مصداقية لتقرير «ميدل إيست آي».

مجمل هذه المؤشرات لا يسمح بالتعامل مع ما ورد في التقرير باعتباره مجرد تكهنات أو تسريبات إعلامية عابرة، بل إن تراكم الشواهد السياسية والإعلامية والميدانية يدفع إلى الاعتقاد بأن هناك خطة يجري العمل على تنفيذها بصورة تدريجية، هدفها إعادة تشكيل الواقع الإداري والسيادي في المسجد الأقصى.

ومن الواضح أن هذه الخطة تعد استمراراً لخطة «صفقة القرن» التي كان جاريد كوشنر عرّابَها خلال الفترة الأولى للإدارة الأمريكية الحالية، إذ كان كوشنر قد صرح عام 2017م خلال الاحتفال لاعتبار إدارة ترمب الأولى بالقدس عاصمةً لـ«إسرائيل» ونقل سفارتها إليها أن السيادة «الإسرائيلية» على القدس يجب أن تمتد لكل ما فيها بما فيها المواقع المقدسة، وأضاف يومها أنه يجب إيجاد صيغة ما لفتح «جبل المعبد» لجميع المؤمنين، وهذا بحد ذاته إعلانٌ مسبق للخطة التي كشف النقاب عنها مؤخراً.

في ظل حالة العجز العربي والإسلامي غير المسبوقة، يبقى العامل الشعبي العنصر الأكثر قدرة على التأثير في مسار الأحداث، فالقضايا الكبرى المرتبطة بالقدس والمسجد الأقصى لم تُحسم يوماً بالإجراءات الرسمية وحدها، بل كانت دائماً مرتبطة بقدرة الشعوب على إبقاء هذه القضية حية في الوعي والاهتمام والحضور، فهل يعي الشعب الفلسطيني ذلك؟

الجمعة، 24 أبريل 2026

وتُقدّرون في إسرائيل فتضحك الأقدار في القدس

وتُقدّرون في إسرائيل فتضحك الأقدار في القدس
كاتب فلسطيني، مدير مركز دراسات القدس بجامعة إسطنبول 29 مايو.

مذهل وصعب ذلك المشهد للمستوطنين، وهم يقيمون طقوسهم علنا في المسجد الأقصى المبارك، ويعلنون رقصاتهم الاستفزازية داخله مع أغنية شهيرة لهم تقول: (سيُبنى المعبد)، وذلك منذ إعادة فتحه للمصلين بعد إغلاق دام أربعين يوما، وهو الأطول منذ أكثر من ثمانية قرون.

ذلك أن فتح المسجد بعد كل هذه المدة لم يكن فعليا بقرار السلطات الإسلامية الممثلة بدائرة الأوقاف، وإنما كان بقرار شرطة الاحتلال وجبهته الداخلية، تماما كما كان إغلاقه بقرار الاحتلال المنفرد. ولذلك لم نر الفرحة في وجوه الناس.

واللافت هنا أن وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير حرص على اقتحام الأقصى بنفسه مرتين منذ افتتاحه، وكانت المرة الثانية بهدف إقامة صلاة علنية لأول مرة، وبشكل يختلف عن كل المرات التي كان فيها يقتحم المسجد سابقا.

وبالرغم من هذه الصورة السوداوية القاتمة لما يجري في الأقصى منذ أسابيع، وهي صورة حقيقية وليست من باب المبالغة، فإن جانبا إيجابيا خفيا يكمن في تفاصيل هذا المشهد.

وهذا المقال يأتي للفت نظر المقدسيين إلى طبيعة الحدث بالكامل، وإمكانية تغيير هذا الواقع البائس وقلب الطاولة على الاحتلال، وإعطاء المرابطين فكرة عن قدراتهم الحقيقية الكامنة.

هناك عدة ملحوظات سنشير إليها تتعلق بسياق هذه الأحداث، قد تعطينا صورة مختلفة، أو فكرة مغايرة عما كان الاحتلال الإسرائيلي يريد إيصاله:

أولى هذه الملحوظات، أن الوجود الإسلامي في المسجد ازداد بعد فتح المسجد بشكل جلي، وكأن المقدسيين أدركوا خلال الأربعين يوما التي أغلق فيها المسجد ماذا يعني أن يعيشوا دون الأقصى، وهذا أمر لم يعتادوه أبدا، ولعلهم لم يكونوا يتوقعون أن يروه حقيقة ماثلة طوال الستين عاما الماضية.

ولهذا ربما جاء الإغلاق بنتيجة عكسية على إسرائيل، فبدلا من أن ينجح الاحتلال في ترويض المقدسيين وتعويدهم على فقدان الأقصى، دون أن يكون جزءا من حياتهم، فقد كان الإغلاق صفعة أيقظت المقدسيين ونبهتهم لما يمكن أن يحدث، وما يمكن أن تكون عليه الحياة في القدس دون المسجد، مما زاد بالتالي ارتباطهم به بشكل أعمق.

ولذلك لاحظ المراقبون زيادة واضحة في أعداد المصلين المقدسيين، خاصة في صلاتي الظهر والعصر اللتين كانت الأعداد فيهما قليلة نسبيا قبل إغلاق المسجد، مقارنة بهذه الأيام.

كما لوحظ أن الانتشار المقدسي الشعبي داخل المسجد، وتكثيف الوجود في ساحاته في مختلف الأوقات، أصبح واضحا بعد إعادة فتحه، في مقابل غياب هذا المشهد قبل الإغلاق.

وبينما كانت بعض أوساط جماعات المعبد المتطرفة تراهن على أن هذا المشهد مؤقت ولن يتجاوز بضعة أيام، إلا أنه ما زال مستمرا حتى لحظة كتابة هذه السطور، مما يبين أن الارتباط العاطفي والديني بين المقدسيين والأقصى ليس من السهل فكه أو إضعافه بالقوة القاهرة، كما كان الإسرائيليون يأملون.

ملحوظة أخرى تظهر في هذا الشأن؛ وهي أن اقتحام الوزير المتطرف إيتمار بن غفير المسجد الأقصى في المرة الثانية- والذي أدى فيه صلاة علنية- لم يكن فيه منفردا كعادته، وإنما لوحظ الوجود الشعبي المقدسي على مسافة قريبة جدا منه، إذ كان المقدسيون يقفون أعلى درجات ساحة قبة الصخرة المشرفة، ورفضوا الابتعاد مسافات كبيرة عن بن غفير وحراساته، رغم تنبيهات شرطة الاحتلال.

إضافة إلى ذلك تناهت إلى مسامع بعض المراقبين أن الاحتلال حوّل بعض موظفي دائرة الأوقاف إلى التحقيق، ومنع بعضهم من دخول الأقصى، فقط لأنهم تناقلوا خبر اقتحام بن غفير المسجد، زعما أن تداول هذا الخبر قد يشكل خطرا على حياته، وعلى الأوضاع داخل المسجد! وذلك بالرغم من أن الاقتحام كان معلنا ومصوّرا.

وهذا الأمر يعني أن الاحتلال ما زال يشعر بعقدة الخوف من الأقصى، وأن الحاجز النفسي بين الاحتلال والمسجد ما زال موجودا بالرغم من أن بن غفير كان يتبجح قبل أيام فقط بأنه "يشعر بأنه مالك المكان" في مقابلة مع أحد الحاخامات من جماعات المعبد المتطرفة داخل المسجد.

والآن، نجد بن غفير يخشى على نفسه من انتشار خبر دخوله المسجد الأقصى، فهو نفسه لا يستطيع أن يسيطر على المكان ولم يتمكن من تقليل أعداد المسلمين فيه، على الرغم من كل إجراءاته وأفعاله في المنطقة.

وتحضر هنا ملحوظة أخرى، وهي أن الاحتلال ما زال حتى اللحظة يحاول بكل وسيلة أن يبدو مسيطرا على إدارة المسجد بالقوة عبر رفع أعلامه وصوته، ومحاولة تخفيف صوت الأذان في الأقصى.

وحتى في احتفالات ما يسمى "يوم الاستقلال"، حاول بعض المستوطنين رفع الصوت عاليا عما جرى سابقا، ولكنهم لم يتمكنوا- بالرغم من كل جهودهم هذا العام- من إبداء نفس الصورة التي أبرزوها العام الماضي في الأقصى، خلال حرب الإبادة على غزة.

وهذه الإجراءات فعليا تعني أن إسرائيل تعاني من عقدة معاندة الواقع والحقائق التاريخية والسياسية والاجتماعية في القدس، والتي يشكل المواطن المقدسي عنوانها.

فقد تبين لنا أن المقدسي برغم صمته الذي ربما كان نتيجة طبيعية لصدمة الترويع التي تسببت بها أعمال الاحتلال في حرب الإبادة على قطاع غزة، وجرائم بن غفير بحق الأسرى في السجون، فإنه لم يترك المسجد وحده في هذه المعركة، وما زال الأقصى هو الهم الأكبر لديه ومسؤوليته الأولى، ومركز حياته في القدس.

هذه الفكرة هي التي تظهرها لنا الأحداث الأخيرة، وهذا ليس من قبيل المبالغة، إذ إن الكثير من هذه الملحوظات التي تظهر بين السطور تحمل الكثير من الحقائق التي تفسر لنا ما يجري، وتبين ما وراء الأحداث.

فالسؤال الذي يطرحه البعض حول سبب عدم تمكن إسرائيل حتى اللحظة من إعلان سيطرتها الكاملة على الأقصى والتعامل معه بوصفه "ملكية إسرائيلية"، بالرغم من التقدم الهائل الذي حصلت عليه في مجال السيطرة على إدارته، وتهميش دائرة الأوقاف الإسلامية، فالسبب ببساطة: أن هناك عائقا وحاجزا نفسيا يسيطران على الاحتلال حتى اللحظة.

وهنا ينبغي أن نشير إلى نقطة مركزية خطيرة يجب على شعوبنا العربية والإسلامية فهمها جيدا؛ فمسألة حصرية الملكية الإسلامية للمسجد الأقصى هي محل إجماع فلسطيني وعربي وإسلامي.

ولكن الدخول والصلاة في المسجد حتى اليوم ليسا محل إجماع لدى الأطياف الإسرائيلية ولا سيما الأحزاب والقوى الدينية اليهودية، خاصة الحريدية والمراجع الدينية اليهودية التقليدية التي تحرّم على اليهود دخول الأقصى، ولا سيما الحاخامية الكبرى لإسرائيل، حتى تحقيق الطهارة الدينية المنتظرة برماد البقرة الحمراء المفترضة.

وحتى البقرات الحمراء الثلاث الباقية في مستوطنة "شيلو" التي جاء بها الحاخام المتطرف تساحي مامو من تكساس بالولايات المتحدة، لم تحظ حتى الآن باعتراف وموافقة المراجع الحريدية والحاخامية الرسمية، وذلك لأنها لم تولد "في أرض إسرائيل"، حسب النصوص الدينية التي تؤمن بها هذه المرجعيات.

إذن، قضية الاقتحامات والسيطرة الكاملة على المسجد ليست مسألة إجماع في إسرائيل على الأقل في الوقت الحالي، بالرغم من وجود شبه إجماع لدى المجتمع الإسرائيلي، عموما، على ضرورة ضمان ما يسمى "حق الصلاة" لليهود بشكل عام.

وينبغي هنا أن نفرق بين المسألتين، فما يريده تيار الصهيونية الدينية وحاخامات الضفة الغربية المتطرفون هو السيطرة الكاملة على الأقصى الآن وفورا كما حدث في المسجد الإبراهيمي في الخليل، والبدء ببناء المعبد الثالث المزعوم، قبل أن تنتهي الفرصة التاريخية التي يعيشونها هذه الفترة مع تسلمهم مقاليد الحكم في إسرائيل في حكومة نتنياهو الحالية، ودعم ترمب وتياره الإنجيلي، وهذا الأمر هو المسألة الخلافية الأبرز في الوقت الحالي بين الأطياف الإسرائيلية المختلفة.

وللعلم، فإن سبب رفض بعض الأطياف الإسرائيلية هذا الأمر هو الخوف من تبعاته الأمنية على إسرائيل، أي الحاجز النفسي بينهم وبين المسجد الأقصى الذي ذكرناه سابقا.

وهذا يعيدنا إلى نقطة أساسية ذكرناها آنفا، وهي أن اللاعب الحاضر الغائب في هذه العملية هم المقدسيون بلا شك، مما يرتب عليهم دورا كبيرا ومسؤولية هائلة بضرورة الحفاظ على صورة هذا السياج الذي يحمي المسجد الأقصى من إجراءات الاحتلال، بل ورفع وتيرة الردع الشعبي في وجهه بشكل يتناسب طرديا مع رفع مستوى شراسة الإجراءات الإسرائيلية في المنطقة.

فإسرائيل تراهن على ضرورة كسر المقدسيين لتتمكن من الوصول إلى الأقصى وتسيطر عليه بالكامل، وبالتالي فالكرة تبقى دائما في ملعب المقدسيين لتأخير مشروع الاحتلال بالوقوف في وجهه بحزم لحماية المسجد، والوقت اليوم أصبح في صالحنا وليس في صالح الاحتلال، فليفهم شعبنا الفلسطيني هذه المعادلة.

وكما قال أبو العلاء المعري:

تقفون والفلك المسخّر دائرٌ…وتقدّرون فتضحك الأقدار



الاثنين، 6 أبريل 2026

أمَا وقد منعوا مساجد الله وسعوا في خرابها!

أمَا وقد منعوا مساجد الله وسعوا في خرابها!

1- افتحْ مصحفك، أو اسمع كلام الله يقول لك: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم)

2- إنه يقول لك: لا أحد أظلمُ من هؤلاء الذين يصدّون عن المواضع التي يسجدون فيها لله، ولا أحد أظلم ممن يسعى في خرابها بتعطيل شعائرها، أو تفريغها من الناس أو نقضها أو تغيير وظيفتها بتحويلها إلى غير ما بُنيت له.

3- وإنه يقول لك: إن الأوغاد الذي يفعلون ذلك كان حقّهم ألا يدخلوا هذه المساجد إلا خائفين، إذ لا يجوز لهم أن يدخلوها بحالٍ، ويجب أن يؤدَّبوا ويعاقَبوا على تجاوزهم بدخولها.

4- وهذا هو عين ما يجري في مسجدنا المأسور المقدّس منعاً وتخريباً؛ وكان الأجدرُ بكلّ أحد أن يمنع وقوع هذا الظلم الكبير الذي لا يقاربه ظلمٌ وفق البيان القرآنيّ، وذلك بالاستنفار الكامل والمقارعة بكل ما يُستعان به.

5- وبما أن هذه الأمّة قد بلغت مستوى من الانحطاط والخزي ما بلَغَتْه فإنّ الغَيْرة قد وجبت بإظهار الغضبة وإعلان النفير، وأوّل ما يبدأ النفير  بأن ننبّه الناس إلى هذا الظلم الكبير بصلاة الجمعة في مساجدنا المركزية الكبيرة في الساحات العامة والطرقات في يوم واحد وليس داخل المساجد لإظهار معنى المنع وفداحة الظلم بصورة عملية، ونخرج بصوت واحد في ساحات مسجد آيا صوفيا وجامع الفاتح والجامع الأزهر والجامع الأموي وجامع القيروان وجوامع الأمّة التاريخية وجوامعها الكبيرة خاصّة بأن إغلاق مسجدنا المقدّس عمل حربيّ يستدعي النفير الشامل، وأن الصمت جريمة لا تُغتفَر، وأن الواجب الآن قد انعقد بالمتاح لكسر هذا العدوان وإرغام العدوّ على فتح مسجدنا وتمكين عُمّاره من الصلاة فيه والسيادة عليه.

الجمعة، 27 مارس 2026

الأقصى من خطر الإغلاق إلى خطر القربان

الأقصى من خطر الإغلاق إلى خطر القربان

زياد ابحيص


بين الإغلاق غير المسبوق والتصعيد المتسارع، يبدو أن المسجد الأقصى يقف على أعتاب مرحلة خطيرة لم يشهدها من قبل… فهل نحن أمام تحوّل حاسم في مصيره؟

في ظل تطورات متسارعة وإجراءات غير مسبوقة، تتكشف ملامح مرحلة جديدة تحمل في طياتها تغييرات عميقة تتجاوز حدود الزمان والمكان. ما يجري ليس مجرد أحداث عابرة، بل إشارات تستدعي قراءة أعمق لفهم ما قد يأتي لاحقًا.

رمضان ٢٠٢٦: إغلاق غير مسبوق للأقصى يكسر كل الخطوط الحمراء

لقد تم في رمضان ٢٠٢٦: أطول إغلاق في التاريخ الحديث للأقصى؛ فقد شهد رمضان الحالي أطول إغلاق للمسجد الأقصى بقرار المحتل منذ تحريره من الصليبيين قبل أكثر من ثمانية قرون، وفرض فيه الاحتلال سوابق تاريخية لم يتمكن من فرضها من قبل؛ بمنع الجمعة في رمضان لأول مرة، ومنع الجمعة الأخيرة منه –الجمعة العظيمة- ومنع صلاة التراويح والتهجد والاعتكاف طوال العشر الأواخر من رمضان، والاحتلال ماضٍ في إبقائه مغلقاً طوال أيام عيد الفطر كذلك.

إغلاق الأقصى: مناورة مدروسة تمهيدًا لمرحلة أخطر

لم يعد خافياً أن هذا الإغلاق عمل من أعمال الحرب، مدروس ومخطط له ضد الأقصى، يهدف أولاً إلى فرض السيادة الإسرائيلية على المسجد، وثانياً يشكل مناورة حية لعزل المسجد_الأقصى في أقدس الشهور وأكثرها شداً للرحال وتوافداً للمصلين إلى الأقصى، تمهيداً لعدوان أكبر بعد رمضان.

وبقراءة المنحنى التدريجي لتهويد المسجد الأقصى المبارك عبر ثلاثة عقود من الزمن حتى الآن، فإن الأقصى ماضٍ من خطر إلى خطر أكبر، وفيما يلي ما يتوقع من أخطار بعد العيد:

الخطر الأول: القربان الحيواني – ذروة التأسيس المعنوي للهيكل

والهدف هنا هو إدخال حملٍ أو سخلٍ إلى الأقصى وذبحه فيه، والمعنى الديني هنا هو تطبيق ذروة العبادة التوراتية في الأقصى، تكريساً للتعامل معه وكأنه قد بات هيكلاً حتى وإن كانت أبنيته ما تزال إسلامية؛ هو ذروة التأسيس المعنوي للهيكل، بحيث تشكل هذه العبادات مقدمة معنوية للتأسيس المادي للهيكل المزعوم في مكان المسجد الأقصى وعلى كامل مساحته.

المعنى الديني للقربان: استعمار الطقوس لتهويد المكان

والفكرة هنا أن اليهودية كما استقرت في شكلها المعاصر تؤمن بعقيدة الحلول، وبأن الهيكل المزعوم كان الموضع الذي سكنت فيه “روح الرب” وفق الأسطورة التوراتية، وبالتالي فإن القرابين تُقدم إلى “روح الرب” في “محل سكنها”. في المحصلة، فإن تقديم القرابين في الأقصى هو توظيف استعماري للطقوس الدينية كأداة تهويد وقضم وفرض وقائع جديدة.

المعنى السياسي: استجلاب التدخل الإلهي بوابة للخلاص

أما المعنى السياسي لهذا القربان، فإن اليمين الصهيوني عموماً ومنه منظمات الهيكل، يؤمن بأن المخلص سيأتي في آخر الزمان، وأن هناك مقدمات لمجيئه يمكن لتحقيقها أن يعجل بإرادة الرب في إرساله، وفي إرسال المعجزات معه وإنزال الهيكل من السماء.

وتعتقد منظمات الهيكل أن ذبح القربان كان سبباً مباشراً لتدخل الرب بإخراج “شعبه” من تيه سيناء، وأن دم القربان بحد ذاته كان المحفز لهذا التدخل الإلهي، وبالتالي فإنهم يرون أن ذبح القربان الآن في الأقصى، ونزول دمه هناك حيث تسكن “روح الرب” وفق أسطورتهم، سيدفع الرب للتدخل بالمعجزة في مجرى التاريخ، بإرسال المخلص، وإنزال الهيكل من السماء، وبأن يخضع الرب لـ”شعبه” أعناق الأمم.

عقيدة التدخل الإلهي: مفتاح فهم سلوك اليمين الصهيوني

إن فهم السلوك السياسي لشخصيات مثل بن غفير وسموتريتش وحتى عميحاي إلياهو من حزبي الصهيونية الدينية والليكود، لا يمكن أن يُفهم تماماً بعيداً عن فكرة سعيهم لاستجلاب التدخل الإلهي في الصراع باعتباره بوابة الخلاص الممكن. وكلما ازداد مأزق المشروع الصهيوني ووعيه باستحالة الحسم بالأدوات البشرية؛ فإنهم سيكونون أقرب للمضي في خطوات تقرب تدخل الرب في المعركة.

باختصار، كلما اشتدت الحرب الحالية كلما ازداد دافع اليمين الصهيوني لذبح القربان الحيواني في الأقصى، لجلب الرب إلى الحرب باعتباره وفق فهم هذا اليمين أداة الحسم النهائية…

من هنا يمكن الاستنتاج بأن اليمين الصهيوني بات اليوم أقرب من أي وقت مضى لأن يُقبل على مغامرة ذبح القربان الحيواني في المسجد الأقصى، وموعد ذلك هو عيد الفصح العبري الذي سيحل ما بين ٢ وحتى ٩ من شهر نيسان/ أبريل ٢٠٢٦، أي بعد العيد بإثني عشر يوماً.

الخطر الثاني: كيف استُخدم فتح الأقصى لفرض وقائع تهويدية

تقول التجربة القريبة في ٢٠٢٠ ثم في ٢٠٢٥ أنه في كل مرة ترك فيها الاحتلال ليفرض طريقة ووقت فتح الأقصى، فقد كان يستغل ذلك لفرض حقائق جديدة في تهويد المسجد، ففي ٢٠٢٠ عمل على تكريس مبدأ “الحق المتساوي” للمصلين المسلمين والمستوطنين المقتحمين، وبأنه ما لم يفتح الأقصى للمستوطنين فلن يفتح للمسلمين، أما في ٢٠٢٥ ففي اليوم التالي لإعلان قوات الاحتلال فتح الأقصى قرر بن غفير فرض الاحتفالات والرقص والغناء للمستوطنين في الأقصى، ومضى أبعد من تحويل الأقصى إلى ساحة صلاة لليهود، نحو تحويله لساحة مناسبات اجتماعية وحيّز عام للمستوطنين.

قراءة في مؤشرات التهويد القادمة

اليوم تُقرأ من سلوك الاحتلال في الأيام العشر الأولى من رمضان قبيل الإغلاق، ومن سلوكه خلال الإغلاق، نيته أن يمضي في واحد أو أكثر من أشكال فرض الحقائق التهويدية في الأقصى:

أولاً: تهميش الأوقاف وإحالة الإدارة إلى منظمات الهيكل

إحالة جزء من القرارات الإدارية في المسجد إلى اتحاد منظمات الهيكل، والذي تحاول شرطة الاحتلال منذ فترة تكريسه باعتباره من يدير الحضور اليهودي الاستيطاني في الأقصى، مقابل الأوقاف التي يجري تهميش دورها في المسجد الأقصى لينحصر في إدارة الحضور الإسلامي في الأقصى، وتحاول الشرطة أن تجعل حتى هذه المهمة خاضعة لإملاءاتها، وهو تهديد وجودي لدور الأوقاف الأردنية وتهديد أساساً لهوية المسجد كمقدس إسلامي ينبغي أن تديره هيئة إسلامية خالصة.

ثانياً: فرض “التقسيم المتساوي” وزيادة ساعات الاقتحام

محاولة فرض وقت إضافي للاقتحامات، وبحسب ما سبق أن أعلنه ياريف ليفين نائب رئيس الوزراء الصهيوني فإن عينهم على استحداث فترة اقتحام مسائية لزيادة أعداد المقتحمين، والوصول بالأوقات المخصصة لهم إلى تسع ساعات يومياً تقابلها تسع ساعات للمسلمين، أملاً في تكريس مبدأ “التقسيم المتساوي”، تمهيداً للانتقال للسقف التالي وهو تغليب الحضور الاستيطاني اليهودي على الحضور الإسلامي.

ثالثاً: استباحة دار الحديث الشريف ومصلى باب الرحمة

العودة إلى استباحة دار الحديث الشريف والساحة الشرقية، والتضييق على مصلى باب الرحمة الواقع بينهما، أملاً في قضم الجزء الشرقي من الأقصى كاملاً.

مرحلة النهاية: تسريع مخطط تصفية الأقصى

باختصار، المسجد الأقصى لم يعد اليوم في مرحلة التقدم البطيء والتمهيد للتهويد، بل انتقل إلى مرحلة استعجال قطف النتائج، والوصول إلى النهايات، لقد وصلنا إلى مرحلة محاولة تصفية الأقصى واستثمار الحرب الحالية لتحقيقها، وهو ما يفرض توجيه الأولوية إليه، وعدم السماح بعودة الأقصى إلى هامش الأحداث من جديد.

المصدر

المركز الفلسطيني للإعلام، زياد ابحيص.

اقرأ أيضا

القدس بين خطري التهويد والتجهيل



الأحد، 15 فبراير 2026

"المساخر" تحاصر المسجد الأقصى

"المساخر" تحاصر المسجد الأقصى
كاتب فلسطيني، مدير مركز دراسات القدس بجامعة إسطنبول 29 مايو.

يظهر التسارع الشديد في إجراءات الاحتلال داخل المسجد الأقصى المبارك في السنتين الأخيرتين أن حكومة نتنياهو قد قررت على ما يبدو حسم قضية المسجد قبل الانتخابات المرتقبة في إسرائيل في أكتوبر/تشرين الأول من هذا العام.

وهناك عوامل كثيرة تدعم هذا التوجه، لعل أهمها أن استطلاعات الرأي الأخيرة في إسرائيل باتت تعطي فرصا متأرجحة فعليا لتيار الصهيونية الدينية في الانتخابات القادمة، حيث أظهرت بعض الاستطلاعات نهاية العام الماضي احتمالية تراوحت بين عدم تمكن حزب سموتريتش من دخول الكنيست، وبين حصوله على ما لا يزيد على 4 مقاعد على الأكثر.

بينما أظهر استطلاع الرأي الذي نشرته "معاريف" نهاية يناير/كانون الثاني الماضي فقدان حزب إيتمار بن غفير مقعدا على الأقل في الكنيست، وإضعاف وجوده فيه، وإضعاف فرصه بالتالي في دخول أي حكومة يمينية مقبلة.

ولهذا فإن من مصلحة هؤلاء تقديم نجاح ضخم أمام جمهورهم الانتخابي لزيادة فرصهم في الحصول على المزيد من المقاعد في الانتخابات القادمة. ومن المعروف أن ملفي القدس والمسجد الأقصى المبارك يعتبران من الملفات التي يتولاها إيتمار بن غفير شخصيا.

هذا يرتب علينا توقع الأسوأ في المسجد الأقصى في الفترة القادمة، خاصة مع تصدر مسألة الأماكن المقدسة في الخليل، ونابلس، والقدس رأس الأولويات بالنسبة لشريحة مهمة من ناخبي أقصى اليمين المتطرف في إسرائيل.

ولذلك، رأينا تقدما مهما على هذا الصعيد في العام الماضي وبداية هذا العام عبر إجراء تغييرات جوهرية في المسجد الإبراهيمي في الخليل شملت تحويل إدارته الدينية من وزارة الأوقاف الفلسطينية إلى المجلس الديني لمستوطنة "كريات أربع"، وسحب صلاحيات الترميم والإصلاحات في المسجد من بلدية الخليل وتسليمها للإدارة المدنية التابعة للجيش الإسرائيلي.

وأما مقام "قبر يوسف" في نابلس، فإن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أقر نهاية العام المنصرم تمديد فتحه للمستوطنين إلى النهار بعد أن كان فتحه مقتصرا على الليل فقط، وتم تطبيق هذا القرار مؤخرا، وذلك كما يبدو في مقدمة لتطبيق نفس هذه التغييرات في المسجد الأقصى.

ولا ننسى هنا تصريحات نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي وزير العدل في منطقة حائط البراق خلال الاحتفالات بعيد الأنوار (حانوكاه) أواخر ديسمبر/كانون الأول الماضي التي وعد فيها المستوطنين بتمديد ساعات الاقتحام المخصصة لهم للمسجد الأقصى تدريجيا. وهذا يعني أن ما جرى تطبيقه قبل أيام في نابلس مقدمة لنفس الأمر في القدس.

في خضم هذه التحضيرات المحمومة يحل شهر رمضان المبارك في الأسبوع الثالث من شهر فبراير/شباط الجاري. والوقائع التي استقرأناها في السطور الماضية تدل على أننا أمام شهر مثقل بتحولات قد تلقي بظلالها على الوضع المستقبلي للأقصى.

ولا يخفى هنا أن أي إجراءات وتغييرات تتم في شهر رمضان يقصد بها في الحقيقة الإعداد لما بعد رمضان؛ إذ اعتاد الاحتلال في السنوات الثلاث الأخيرة على إجراء ما يشبه "التدريب" المكثف خلال شهر رمضان على تكريس وقائع جديدة تطبق بعد الشهر، على اعتبار أن قدرة الاحتلال على تثبيت حالة معينة مع صعوبة ذلك في شهر رمضان كفيلة بإنجاح ذلك بعده بسهولة.

أمامنا في هذا المجال أربعة ملفات أساسية خلال شهر رمضان، سيكون لها انعكاس جوهري على ما سيجري بعد نهاية الشهر في المسجد الأقصى: الأعداد، والاقتحامات، والاعتكاف، وباب الرحمة.

فعلى صعيد الأعداد التي تدخل المسجد خلال الشهر الكريم، فإن حكومة نتنياهو أعلنت بالفعل نيتها منع سكان الضفة الغربية من التوجه إلى المسجد الأقصى خلال شهر رمضان القادم إلا في أضيق الحدود، وذلك بهدف تقليل الأعداد التي تؤم المسجد خلال هذا الشهر إلى الحد الأدنى الذي تحتمله إسرائيل.

وهذا الملف في الحقيقة لا ينسحب فقط على سكان الضفة الغربية، فالاحتلال بات منذ أكثر من سنة يطبق نفس التضييق والضغط على سكان القدس أنفسهم؛ بهدف تقليل أعدادهم في المسجد، وهذا ينطبق أيضا على فلسطينيي الخط الأخضر، حتى بات الوجود الفلسطيني في المسجد محكوما بأعداد يحددها ضغط الاحتلال.

وهذا الملف أيضا يتقاطع مع ملف الاقتحامات التي حرص الاحتلال في رمضان الماضي على استمرارها بشكل كثيف خلال الشهر الفضيل، خاصة أن شهر رمضان الحالي- كما كان في رمضان العام الماضي- يشهد تقاطعا مع مناسبة دينية عبرية هي عيد المساخر "بوريم"، والذي كان يعتبر سابقا مجرد عيد هامشي قبل أن تعمل جماعات المعبد المتطرفة التابعة لتيار الصهيونية الدينية على تحويله إلى موسم مركزي للاقتحامات.

ويتميز هذا العيد عن غيره من المناسبات الأخرى أنه مناسبة دينية تاريخية سعيدة، تشبه طريقة الاحتفال بها إلى حد كبير الاحتفال بما يسمى "الهالوين" في العالم الغربي، حيث يرتدي المحتفلون أزياء تنكرية غريبة، وبالتالي يحرص المستوطنون على امتداد ثلاثة أيام في هذا العيد على اقتحام المسجد بملابس تنكرية تتنافى مع قدسية المكان ناهيك عن قدسية الشهر.

في العام الماضي وقع يومان من أيام هذا العيد في يومي جمعة وسبت، مما أدى إلى قصر الاقتحامات فيه على يوم واحد فقط، وكان ذلك اليوم صعبا على المسجد.

لكن في هذا العام سيمر عيد المساخر في أيامه الثلاثة (صوم إستر، والبوريم، وبوريم شوشان) خلال أيام الأسبوع الوسطى التي يقتحم فيها المستوطنون المسجد، وتحديدا أيام الاثنين والثلاثاء والأربعاء، الثاني والثالث والرابع من شهر مارس/آذار القادم، وهذا ما سيقابل تقريبا أيام 13 و14 و15 رمضان، بمعنى أن هذا الحدث سيتزامن مع منتصف الشهر الكريم.

ولذلك، فإن الاحتلال سيسعى لاستغلال هذه الأيام لتكريس الاعتبار الذي يحاول تثبيته خلال الأعوام الثلاثة الماضية؛ وهو تفوق الاعتبار الديني اليهودي على الإسلامي في حال تعارضهما.


ولذلك، فإن المتوقع أن تشهد تلك الأيام الثلاثة اقتحامات مكثفة واستفزازات شديدة للمسلمين في نهار رمضان، كما حدث العام الماضي في يوم واحد فقط، وهو ما يمكن أن يرفع احتمالية الصدام بين الطرفين في المسجد إلى مستوى جدي.


ولذلك، فإن الاحتلال لا بد أن يسعى بكل قوته لتقييد الوجود الإسلامي في المسجد خلال تلك الفترة إلى أقصى حد ممكن، لضمان تفوق المستوطنين كما نوعا.


شهر رمضان القادم سيكون مقدمة لخطوات راديكالية يريد الاحتلال اتخاذها بعد نهاية الشهر، ولذلك فإن الواجب يقتضي ألا يستهان بأي خطوة يقدم عليها الاحتلال خلال رمضان مهما بدت صغيرة


وبموجب ذلك، فإن هذا الملف أيضا قد يتقاطع مع ملف آخر مهم أشعل معركة في المسجد الأقصى قبل أربع سنوات وهو ملف الاعتكاف، حيث يعمل الاحتلال منذ أربع سنوات على محاصرة فكرة الاعتكاف في المسجد الأقصى وتقييدها بهدف منعها نهائيا، وذلك لأنها تتعارض من حيث المبدأ مع فكرة التقسيم الزمني للمسجد بين المسلمين واليهود.


حيث يعتبر المستوطنون أن السماح للمسلمين بالاعتكاف ليلا في المسجد الأقصى مع منع المستوطنين من حرية الدخول إليه في جميع الأوقات يخل بفكرة المشاركة في هذا المكان المقدس التي يطالب بها هؤلاء، والتي هي في الحقيقة مقدمة لفرض التفوق اليهودي في حال تعارض الاعتبارات الدينية كما أسلفنا.


وكما حاول الاحتلال بكل قوته منع الاعتكافات داخل المسجد في العام الماضي فإنه لا بد أن يسعى بكل قوته لفرض معادلة منع الاعتكاف في هذا العام، متسلحا في ذلك بتزامن عيد المساخر مع منتصف الشهر الفضيل.


ولذلك، فإن إصرار المسلمين على دوام الاعتكاف في المسجد بل وتوسيعه سيكون تحديا ينبغي فرضه على الاحتلال شعبيا في هذه المرحلة خوفا من أن يعكس الاحتلال الأمر فيمنع الاعتكافات تماما.


وذلك لأن استقراء الأحداث في المسجد خلال السنوات الماضية يشير إلى أن الاحتلال يحاول إعادة عقارب الساعة إلى الوراء في المسجد الأقصى للقفز على جميع المنجزات التي حصل عليها الشعب الفلسطيني خلال الهبات المختلفة في السنوات العشر الأخيرة.


هذا الأمر يفتح باب الحديث عن أهمية باب الرحمة في هذه المعركة خلال شهر رمضان المبارك القادم، فالاحتلال يحاصر باب الرحمة بالفعل منذ عدة شهور ويقيد الدخول إليه والصلاة فيه بشكل متصاعد، وهذا يعطي انطباعا بأنه يسعى لمحاولة فرض إغلاقه مرة أخرى في انقلاب على منجزات هبة باب الرحمة عام 2019.


ولا أفضل من فترة شهر رمضان المبارك لتكريس هذا الأمر عمليا؛ حيث قد يحاول الاحتلال تقليص الوصول إلى الباب خلال شهر رمضان إلى أقصى قدر ممكن، بما يمكنه من إغلاقه مرة أخرى بعد انتهاء رمضان.


ولذلك، فإن إحياء الصلوات والعبادات المختلفة في باب الرحمة خلال رمضان القادم بات ضرورة لا غنى عنها لكسر إرادة الاحتلال شعبيا.


شهر رمضان القادم سيكون مقدمة لخطوات راديكالية يريد الاحتلال اتخاذها بعد نهاية الشهر، ولذلك فإن الواجب يقتضي ألا يستهان بأي خطوة يقدم عليها الاحتلال خلال رمضان مهما بدت صغيرة.


بل بالعكس، ينبغي استغلال الروح الخاصة التي تميز الشهر الفضيل في القدس والأراضي الفلسطينية في فرض تراجعات جديدة على الاحتلال بفعل الضغط الشعبي، وتكريس حقيقة الردع الشعبي والذاتي لدى الاحتلال من الاقتراب من المسجد الأقصى.


والموضوع لم يعد يحتمل أنصاف الحلول اليوم، فالأقصى إما أن يكون لنا بالكامل أو للاحتلال بالكامل، وهذه هي المعادلة الصفرية الحقيقية في هذا المكان.


أما البروباغندا التي ينشرها الاحتلال حول "التشاركية" و"المناصفة" و"التقاسم" فهي مرفوضة شكلا ومضمونا، ناهيك عن أنها بحد ذاتها كذبة كبيرة. ومأساة المسجد الإبراهيمي في الخليل خير شاهد.

الجمعة، 6 فبراير 2026

قُبّةُ سليمان… هدوءُ الحجر حين يُصلّي

 قُبّةُ سليمان… هدوءُ الحجر حين يُصلّي


تنهض هذه القبة في هدوءٍ مهيب شمال المسجد الأقصى، كأنها نقطة تأمّلٍ خارج ضجيج الزمن، تحيط بها أشجار الزيتون إحاطة الحارس الأمين بالذكرى، وتفتح عينيها على السماء بوقار القِدم ورصانة المعنى.
ليست قبةً عالية الصخب، ولا مبهرة اللمعان، لكنها عميقة الدلالة، تنتمي إلى طبقة الأبنية التي تُخاطب القلب قبل البصر.
هي بناءٌ مثمّن، يتوسّطه صخرٌ طبيعي ثابت، صخرٌ لم يُنقل ولم يُشكّل، كأنه شاهدٌ على أن هذا المكان لم يُنشأ ليُغطي الأرض بل ليحفظها.
ومن هنا جاءت تسميتها عند بعض المؤرخين بـ«قبة الصخرة الصغرى»، لا من باب المشابهة المعمارية وحدها، بل من باب المشاركة في المعنى: صخرةٌ تُصان، لا تُستعمل.
تبدو القبة من الخارج كحوارٍ هادئ بين الحجر والفراغ؛ أقواسها تحوّلت إلى نوافذ، والنوافذ إلى فتحات ضوء، كأن المعمار هنا يتخفّف من ثقل الجدران ليمنح الداخلين إحساسًا بالانفتاح والسكينة. ست عشرة نافذة توزّع الضوء باعتدال، لا إسراف فيه ولا حرمان، فتغدو القبة في النهار أقرب إلى فانوسٍ حجريٍّ يتنفس النور.
وفي بساطتها تكمن عظمتها؛ لا زخرف زائد، ولا ارتفاع متكلّف، بل تناسبٌ محسوب، وتوازنٌ يوحي بأن الجمال قد يكون أحيانًا في الاكتفاء. قبة سليمان لا تنافس غيرها من معالم الأقصى، لكنها تكملها، كما تكمل الهمسةُ الصادقةُ نشيدًا طويلًا.
إنها شاهدٌ على تعاقب العصور لا بصخب التحوّل، بل بهدوء الاستمرار؛ قبةٌ تقول إن في الأقصى معالم لا تُعرَف بالكثرة، بل بالثبات، ولا تُقرأ بالعين وحدها، بل بالبصيرة.

الأربعاء، 5 نوفمبر 2025

لعبة الكونغرس الأميركي الخطِرة على المسجد الأقصى

لعبة الكونغرس الأميركي الخطِرة على المسجد الأقصى
كاتب فلسطيني، مدير مركز دراسات القدس بجامعة إسطنبول 29 مايو.

لا يكاد يمر يوم دون أن يتحفنا اللوبي الإنجيلي الديني المساند لإسرائيل في الولايات المتحدة بمفارقة جديدة يحاول من خلالها أن يثبت أن أتباعه لا يرون أنفسهم خدما لبلدهم، وإنما يضعون أنفسهم في خدمة إسرائيل أولا، ويعتبرون مصالحها فوق كل اعتبار مهما كان.

ولا يلقي هؤلاء بالا لكل ما يمكن أن يؤدي له هذا الهوس المرَضي بإسرائيل من تناقضات صارخة مع الرأي العام الأميركي نفسه، فضلا عن الرأي العام العالمي، ولا سيما في ظل حرب الإبادة التي لا تزال غزة تعاني آثارها وتبعاتها يوميا.

واحدة من آخر تقليعات هذا التيار كانت قبل أيام، حيث كشف موقع "ميدل إيست مونيتور" عن تحركات في الكونغرس الأميركي يقودها عضوان جمهوريان، هما كلوديا تيني، وكلاي هيجينز، لتقديم مقترح قانون يعترف بالسيادة الإسرائيلية الكاملة على المسجد الأقصى المبارك (الذي يطلق عليه في مشروع القانون اسم: "جبل المعبد") بكامل مساحته البالغة 144 دونما، وجميع ما فيه من معالم وعلى رأسها قبة الصخرة المشرفة والجامع القِبلي، والمطالبة بالسماح لليهود بالدخول غير المشروط أو المحدد، وإقامة كافة طقوسهم الدينية بحرية كاملة داخل المسجد.

في صيغة تشبه إلى حد كبير قانون الاعتراف بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية للقدس، الذي أقره الكونغرس عام 1995 بالإجماع، وبقي تنفيذه مؤجلا حتى أقدم الرئيس دونالد ترامب على تنفيذه عام 2017 خلال فترة رئاسته الأولى.

 كلوديا تيني وكلاي هيجينز عضوان جمهوريان في مجلس النواب الأميركي عن كل من ولاية نيويورك، وولاية لويزيانا على التوالي، وهما من أشد المؤيدين لإسرائيل، ويحظيان بدعم مالي دائم من لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (أيباك).

كلوديا تيني كانت هي التي قدمت لمجلس النواب الأميركي مشروع قرار تغيير اسم الضفة الغربية إلى "يهودا والسامرة" في نهاية شهر يناير/كانون الثاني 2025، وتعتز بانتمائها للطائفة المسيحية المشيخية، وتعلن في كثير من المناسبات أن وقوفها مع إسرائيل يأتي بدوافع دينية بحتة.

أما كلاي هيجينز، فهو معروف بعنفه الشديد ضد كل ما يمت للإسلام بصلة، إلى درجة اضطرار إدارة موقع فيسبوك إلى حذف كثير من منشوراته التي ينشر فيها التحريض الديني ضد الإسلام والمسلمين، وهو معروف بشكل عام بخطابه الديني المتطرف والعدواني، بل والذي يصل أحيانا حد الدعوة إلى العنف الجسدي.

ويحظى مشروع القانون الذي يجهزه هذان العضوان بدعم منظمتين يمينيتين كبيرتين هما (المنظمة الصهيونية الأميركية) و(مؤسسة حقيقة الشرق الأوسط)، وهما منظمتان من أهم أذرع اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة.

فالمنظمة الصهيونية الأميركية تأسست عام 1897 مباشرة بعد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل في سويسرا، وهي تعتبر أعرق وأقدم المنظمات العاملة لأجل خدمة مصالح إسرائيل في الولايات المتحدة، وتعتبر الأم الكبرى لأغلب المنظمات وجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل هناك، وأغلب مؤسسي وأعضاء تلك الجماعات هم من العاملين في هذه المنظمة.

أما (مؤسسة حقيقة الشرق الأوسط)، فقد أسستها المتطرفة سارة ستيرن، التي كانت عضوا في المنظمة الصهيونية الأميركية، عام 2005 خلال فترة الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، وتقدم نفسها على أنها مركز تفكير إستراتيجي يقدم النصائح والتقارير والتحليلات السياسية لصناع القرار في الولايات المتحدة حول الصراع في الأراضي الفلسطينية.

ونشاط هذه المنظمة الإعلامي والسياسي غالبا ما يتبنى رؤية تدعي أن ما تسميه "الإسلام الراديكالي" هو تهديد أساسي لأمن الولايات المتحدة وإسرائيل، وفي العادة تروج في دراساتها وتقاريرها لخيارات سياسية لا تأخذ الوجود الفلسطيني أو حقوق الشعب الفلسطيني بعين الاعتبار مطلقا، وبالتالي فهي منظمة أيديولوجية أكثر منها مؤسسة بحثية.

وللمفارقة، فإن سارة ستيرن مؤسسة ورئيسة هذه المنظمة، كانت واحدة من الشخصيات الرئيسية التي عملت على تشجيع ودعم مبادرات قوانين جدلية في الكونغرس الأميركي تحولت بالفعل إلى قوانين نافذة، مثل قانون نقل السفارة الأميركية إلى القدس عام 1995، وقانون محاسبة سوريا واستقلال لبنان عام 2003، وقانون الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان عام 2019.

بالتالي فإن دخول هاتين المؤسستين على خط هذا المشروع ودعمهما له يعطيه دفعة قوية داخل أروقة الكونغرس، ويوحي بأن القائمين عليه سيضعون قوتهم الكاملة في سبيل إقراره وتمريره، مستغلين في ذلك التوجهات الدينية المسيحية للإدارة الأميركية الحالية، وطغيان الجانب الديني على القوى التي ما زالت تؤيد إسرائيل في أروقة السياسة الأميركية، ولا سيما داخل الحزب الجمهوري المسيطر على غرفتي التشريع: مجلس النواب، ومجلس الشيوخ.

لكن هذا التعويل لا يقتصر على التيار الديني في الحزب الجمهوري فقط، فالتيار الوطني الأبيض في الحزب الجمهوري الذي بدأ يظهر معارضته للتغلغل الإسرائيلي العميق في أروقة السياسة الأميركية، يعلن ذلك لأسباب سياسية وقومية بحتة لا علاقة لها بالدين.

فهو لا يعادي إسرائيل بذاتها وإنما يعارض تدخلها في السياسة الداخلية الأميركية، أما من الناحية الدينية، فإن من المعروف أنه حتى في أروقة التيار الوطني في الحزب الجمهوري، يعتبر موضوع الأماكن المقدسة في القدس مسألة محسومة لا جدال فيها. حيث لا يختلف اثنان في التيارات المحافظة- القومية والدينية- على كون المسجد الأقصى المبارك "معبدا" في الأصل، وجزءا من التراث الديني اليهودي الذي يرتبط بقصص المسيح في الإنجيل، وأن الحق فيه بالتالي ليس إسلاميا خالصا.

إن القائمين على مقترح هذا القانون يلعبون لعبة في غاية الخطورة، فهم يحاولون- سواء علموا أم لم يعلموا- إشعال فتيل معركة دينية تماما كما يفعل تيار الصهيونية الدينية في إسرائيل، لكن الجديد هذه المرة هو أنهم يقحمون الولايات المتحدة برمتها في مواجهة دينية مع العالم الإسلامي، تعلن فيها الولايات المتحدة الحرب على المسجد الأقصى بكل ما يمثله من عقيدة دينية راسخة لدى المسلمين، وهذا في الحقيقة جر للولايات المتحدة إلى مربع خطر لا يمكن لأحد توقع تبعاته.

وعلى الناحية السياسية، فإن هذا القانون- إن تمكن القائمون عليه من تمريره- يعني بالضرورة إعلان الحرب على السيادة والوصاية الأردنية على المسجد الأقصى المبارك.

وهذه الوصاية تعتبر من أساسيات نظام الحكم في الأردن كما هو معروف، وبالتالي فإن هذا التحرك يضع الإدارة الأميركية في مواجهة مع الأردن واستحقاقات سيادته التي لا يمكنه التنازل عنها بحال. فأي تساهل من الأردن في هذا الموضوع سوف يضعه في مواجهة شعبية عارمة لا في الداخل الأردني فحسب، بل في العالم الإسلامي برمته، وهذا ما لا يمكن تصور قبوله أردنيا، ولذلك ينبغي للأردن مواجهته فورا.

على أن هذا الأمر لا يخص الأردن وحده، فكون مشروع القانون يخص المسجد الأقصى بمكانته ورمزيته الدينية العميقة، يجب أن يستدعي تحركا على مستوى العالم الإسلامي كاملا، حيث لا يجوز التقليل من حجم خطوة كهذه، لو تمت.

والواجب على السياسيين في العالم العربي والإسلامي تصعيد اللهجة في وجه هذه المحاولة حتى قبل أن يتم تقديم مشروع القانون إلى الكونغرس، وعدم الانتظار إلى أن يصبح القانون أو حتى مشروعه أمرا واقعا، فمجرد طرح مشروع قانون كهذا في الكونغرس هو بحد ذاته خطوة شديدة العدوانية في حق العالم الإسلامي كله، ولا تقل خطورة عن الاعتداء على أي ثابت من ثوابت الدين الإسلامي كالقرآن الكريم أو الكعبة المشرفة أو شخص النبي محمد- صلى الله عليه وسلم- أو أي من مقدسات المسلمين.

ولذلك، فإن تصعيد اللهجة ومواجهة هذه الفكرة وهي لا تزال في مهدها كفيل بردع هذه الجهات وغيرها ووقفها.

الولايات المتحدة الأميركية منذ اليوم الأول لحرب الإبادة جعلت نفسها حليفا مطلقا- يكاد يكون وحيدا الآن- لإسرائيل، إذ عملت على منع أي محاولة لتجريم إسرائيل، أو حتى إصدار قرار من مجلس الأمن بوقف إطلاق النار- عبر (الفيتو) الأميركي المتكرر- حتى في الحالات التي اتفقت فيها جميع دول العالم.

ولكنها في كل ذلك كانت تتذرع في دعمها لإسرائيل بذرائع سياسية من منطلق المصالح الأميركية في الشرق الأوسط، أما هذا القانون فلا مبرر سياسيا له؛ لأنه قانون ذو طابع ومنطلقات دينية مسيحانية بحتة.

إن كانت إسرائيل اليوم خالية من العقلاء بعد إحكام تيار الصهيونية الدينية المتطرف سيطرته على أغلب مفاصل الدولة، فإنه لا أقل من أن تمنع الدولة العميقة في الولايات المتحدة هذا الجنون، حتى إن المدافعين الشرسين عن حلفائهم الأميركيين في العالم العربي لا يمكنهم بحال تبرير مثل هذا التوجه الأميركي الخطير للتعدي على أقدس الرموز الدينية في المنطقة، والذي لا يخص الفلسطينيين وحدهم بل العالم الإسلامي بأجمعه.

والواجب على عقلاء العالم لجم هذه التوجهات الخطيرة لدى أتباع هذا التيار، فهم في الحقيقة يريدون إشعال حرب دينية سعيا وراء استجلاب أسطورة الحرب الأخيرة المقدسة ونزول المسيح المخلص، ويجب وقف هذا الجنون، وإلا فإنه سيؤدي إلى صراع ديني لن تكون فيه الولايات المتحدة ولا إسرائيل المنتصرتين بحال، لأنهما تعاندان المنطق والعقل والحقيقة، وتستدعيان صراعات دينية، عمل العالم مئات السنين على محاولات تجاوزِها.